في ذكر من لم يقبل الهدية ترفعا وردها تنزها
حدثنا علي بن العباس الكاتب قال: كان أبو العباس السفاح يعرف عمارة بن حمزة مولاه بالكبر وعلو الهمة والقدر، وشدة التنزه؛ فجرى بينه وبين أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة المخزومية زوجته يوما كلام، فاخرته فيه بأهلها، فقال لها أبو العباس: أنا أحضرك الساعة على غير أهبة مولى من موالى ليس في أهلك مثله.
ثم أمر بإحضار عمارة بن حمزة على الحال التي يكون عليها فأتاه الرسول في الحضور؛ فاجتهد في تغيير زيه، فلم يدعه. وجاء به إلى أبي العباس وأم سلمة خلف الستر، وإذا عمارة في ثياب ممسكة، قد لط لحيته بالغالية حتى قامت واستتر شعره فقال: ما كنت أحب أن يراني أمير المؤمنين على هذه الحال. فرمى إليه بمدهن كان بين يديه فيه غالية، فقال: يا أمير المؤمنين، أترى لها في لحيتي موضعا؟. فوجهت إيه أم سلمة عقدا قيمته جليلة، فدفعه إليه الخادم فتركه بين يديه؛ وشكر أبا العابس، ونهض؛ فقالت أم سلمة لأبي العباس: إنما أنسيه. فقال للخادم: ألحقه به، وقل له هذا هدية أم سلمة إليك لم خلفته؟ فاتبعه الخادم وقال: هذا لك فلم تركته؟ فقال: ما هو لي فاردده. فلما عرفه أن أم سلمة أهدته إليه قال: إن كنت صادقا فقد وهبته لك.
فانصرف الخام بالعقد، وعرف أبا العباس ما جرى، فقالت أم سلمة: اردد علي عقدي؛ فامتنع الخادم من رده عليها، وقال: قد وهبه لي الذي وهبته له؛ فلم تزل به إلى أن ابتاعته منه بعشرة آلاف دينار.
قال محمد بن عبدوس: حدثني جعفر بن أحمد عن أشعث رجل كان يخلف العمال بالحضرة قال: كنت أكتب وأخلف أحمد بن محمد ابن مدبر، وهو يتولى مصر وأجناد الشام، فأنفذ إلي في عيد من الأعياد سفاتج بمائتي ألف دينار، وأنفذ معها ثلاثين سفطا من دق مصر وطائفها.
وكتب إلي أن أصير بجميع ذلك إلى عبيد الله بن يحيى هدية له، فوصل إلي كتابه في عشية يوم التروية. فقصدت بابه ولقيت "سعدا" حاجبه، وسألته إيصالي إليه، فاعتل علي بضيق الوقت، فعرفته أن معي شيئا مهما: فاستأذن لي، ودخلت فوجدته خالي الوجه، فقال لي حين رآني: خير؛ قالت: خير - أعز الله الوزير - ودفعت إليه الكتاب، وأخرجت الإضبارة بالسفاتج وعملا بأسماء أهلها، ومبلغ المال، وعملا بالأسفاط.
قال: فوقف على الجميع، ثم قال لي: والله، إن علي من الدين ما أحتاج معه إلى عشرة أمثال ما ذكرت، ولكني لا أحب الحمل على أبي الحسن بتغنم هذا المال منه.
[ ١٨ ]
وكتب إلى صاحب بيت المال في قبض مال السفاتج والاحتساب به حملا لأحمد بن محمد بن مدبر، ودعا بالأسفاط، فجعل يقلبها صنفا صنفا، ويستحسنها، ويرد شدها عليها، حتى مر به سفط سفاتج ومناديل صغار،؛ فتناول منها منديلا صغيرا، فجعله بين يديه، ودعا بغلام، فدفع الأسفاط إليه، وأمره أن يمضي بها، ويسلمها إلى خازن المتوكل؛ ويأمره بعرضها عليه وتعريفه أن عامل مصر حملها هدية للخليفة.
وروى محمد بن جرير الطبري في كتاب "التاريخ" عن الفضل ابن إسحاق الهاشمي أن إبراهيم بن جبريل خرج مع الفضل بن يحيى البرمكي إلى خراسان، وهو كاره للخروج، فأحفظ الفضل ذلك عليه.
قال إبراهيم: فدعاني يوما بعد أن أغفلني حينا، فدخلت إليه، فلما وقفت بين يديه، سلمت فما رد السلام، فقلت في نفسي هذا أول الشر، وكان مضجعا فاستوى جالسًا، ثم قال لي: ليفرخ روعك يا إبراهيم، فإن قدرتي عليك منعتني منك، ثم عقد لي على سجستان. فلما حملت خراجها وهبه لي وزادني خمسمائة ألف درهم.
وقال: ثم أنفذني إلى كابل فافتتحتها، وغنمت منها ما لا يوصف فما أخذ مني درهمًا (واحدًا) منه، ثم استعملني على شرطته. قال إبراهيم: فأحصيت مما صار إلي في الشرطة وغيرها مما كان إلي من الأعمال سبعة آلاف درهم. قال: فاجتمع له عندي من مال الخراج أربعة آلاف درهم.
فلما قدمت بغداد، وبنيت داري، استزرته: وسألته أن يشرفني بدخول منزلي والتحرم بطعامي، وليرى أثر نعمته علي، فأجابني إلى ذلك فأعددت له الهدايا والطرف، وآنية الذهب والفضة، وجعلت الأربعة الآلاف ألف في ناحية من الدار فلما جاءني وجلس قدمت إليه ما أعددته له من الهدايا فأبى أن يقبل منها شيئا وقال لي: "لم آتك لأسلبك" فقلت: إنما هي نعمتك أيها الأمير، قال: ولك عندنا مزيد. فلم يأخذ من جميع تلك الهدايا إلا سوطا سجزيا. وقال: هذا من آلة الفرسان؛ فقلت له، وأومأت إلى المال: هذا مال الخراج فقال: هو لك! فأعدت عليه القول، فقال: أما لك بيت يسعه! وسوغه لي وانصرف.