في ذكر هدايا النوكي وتحف المتخلفين
حدثنا جحظة قال: كان ابن الكلبي الإخباري نهاية في التخلف والركاكة والنوك والبلادة؛ وكان عبيد الله بن يحيى بن خاقان يعنى به؛ فقلده الخبر بسر من رأى فكتب إلى المتوكل في بعض الأيام: اعلم، أمير المؤمنين، أطال الله بقاه أن امرأتي أم ولدي حسن -فديته - خرجت ومعها حبتها فلانة ابنة فلان إلى البستان الفلاني، وأن حبتها عربدت عليها، فضربت صدغها بقنينة نبيذ ففتحته فتحا عظيما. فصحف القارئ على المتوكل، فقال: صدعها (بالعين)، فضحك المتوكل، وقال: ما بقى هذا غاية في الفضيحة.
قال جحظة: ولما مات خلف ابنه "حسنا"، وكان يفضله في التخلف، ويوفى عليه في البلادة ويتقدمه في الحمارية، فحدثني بعض الكتاب، قال:
[ ٢١ ]
دعاني في يوم شديد الحر فأقعدني في خيش غير مبلول على فراش أرمني كثير التراب، وقدم لي فجلية حارة، وسقاني نبيذا تمريا، متغير الرائحة، شديد الحرارة، وكان نقلنا تمرا شهريزا وحبة الخضراء، ثم قال لي: أعلمت أن أبى - ﵀ وقد فعل، وأبقى والدتي وأيدها - لما مات ندم الخليفة أشد ندامة؟ قلت: ولم أقتله؟ قال: لا، قلت: فمات في حبسه؟ قال: لا، قلت: أفكان صادره فلما أخذ ماله اغتم فمات؟ قال: لا قلت: فما معنى ندم الخليفة، وقد مات أبوك حتف أنفه؟ قال: لا أدري، ولكن كذا حدثني ستي أمه العزيزة - جعلني الله وإياك فداها -.
قال: وبلغه أن عبيد الله بن سليمان ابتاع خادما أسود طباخا، فتوهم بركاكته أنه مزين، فكتب إلى عبيد الله رقعة فيها: أنا - أسعد الله الوزير - وإن لم أكن من العامة ولا الخاصة، فإنني أشفق على الوزير، وأحبه، وأراعي أموره، وأشتهي ما عاد بصلاح حاله، ولما اتصل بي خبر الخادم الذي اشتراه - عرف الله الوزير بركته وعضده بحياته - سررت سرورا شديدا حتى تجاوزت الحد، وخرجت عن الحق، وطاش عقلي في هدية تشاكله، فمن الله بها علي، وسهلها للوزير ببركتي عليه، وهي جونة كانت لمزين الشيخ - ﵁ وأيد المزين فإنه باق - فاخترت من جملة ما فيها موسى ما مشى على رأس أحد بعد الشيخ، ويمشي على رأس الوزير بمشيئة الله تعالى، ومشطا ما اختلف في غير لحية الشيخ، ويختلف في لحية الوزير - أكرمه الله - ومناقشا ما نتف شارب أحد بعد الشيخ، وينتف شارب الوزير، ومحاجم ما وقعت على قفا أحد مذ مات الشيخ، وتقع على قاف الوزير - جعلت فداه - ومشراطا ما شق قفا أحد غير الشيخ ويشق قفا الوزير - بعون الله وقوته -.
وجعلت هذه التحفة في منديل مختوم نقش خاتمه حسن بن الكلبي بالله لا يشرك. فرأى الوزير في قبول هذه الهدية الظريفة التي تشبه وتليق به موفق - إن شاء الله تعالى-.
فلما وصلت الرقعة والهدية إلى عبيد الله، ووقف على الجميع استطير غضبا، وأمر بإحضار رسوله ليعاقبه، فلما دخل إليه، وعلم ما يراد به، قال: أيد الله الوزير، لا تظلمني بالعقوبة، فإني ألقى من جهل هذا الرجل وقلة عقله ونوكه، في كل يوم أضعاف هذا.
فصدقه جميع من كان في المجلس ولم يعاقبه، وتقدم بإخراج الخادم من داره، فقيل له: إنه نهاية في صنعة الطعام، فقال: والله لا أكلت من طعام طباخ ظن به أنه حجام.
وحدثنا أحمد بن جعفر قال: كان إسحاق بن أيوب التغلبي يحب بدعة جارية عريب المغنية حبا يتجاوز فيه حب المجنون ليلى وعروة لعفراء وبذل في ثمنها مالا جليلا، لا نعلم أن مثله بذل في ثم جارية بوجه ولا سب، فامتنعت مولاتها من بيعها. فلما يئس من ذلك كان يهدى إليها الهدايا النفيسة إلا انه ربما أهدى إليها شيئا يستجهله الناس، ويستركون عقله.
من ذلك أنه أهدى إليها وهو مقيم بديار ربيعة مكبة ذهب في منديل مختوم، وفي المكبة نصف وسط ذكر أنه استطابه فتنغص لهابه، فما وصل إليها حتى تغير فلم يكن للكلب فيه مستمتع.
ومن ذلك أيضا أنه أهدى إليها هدية جليلة فيها غلام من أحسن الغلمان قدا ووجها قد راهق أو قارب ذلك، فاستجهله كل من عرف الخبر، واتصل بالبسامي ذلك فقال:
عجب الناس من جهالة إسحا ق وفعل أتاه غير جميل
حين أهدى إلى الغزالة ظبيا ذا قوام لدن وخد أسيل
وفم مشرق الثنايا وألحا ظ مراض خلال طرف كحيل
أتراها تعف عنه إذا ما خلوا للعناق والتقبيل
وكأني بذيل "بدعة" قد صا ر طريقا للقرطق المحلول
قلت: لا تعجبوا فإن له ذع_را صحيح القيا غير عليل
بعدت دارها، وقام عليه فاشتهى أن سكها برسول
وحدثنا أبو القاسم علي بن أحمد الأصبهاني قال: كان عندنا بأصبهان رجل حسن النعمة، واسع النفس، كامل المروءة، يقال له: سماك بن النعمان وكان يهوى جارية مغنية من أهل أصبهان، لها قدر ومعنى تعرف "بأم عمرو" فلإفراط حبه إياها وصبابته بها، وهب لها عدة من ضياعه، وكتب عليه ذلك كتبا، وحمل الكتب إليها على بغل؛ فشاع الخبر بذلك، وتحدث الناس به واستعظموه.
[ ٢٢ ]
وكان بأصبهان رجل متخلف بين الركاكة، يهوى مغنية أخرى، فلما اتصل به ذلك ظن بجهله وقلة عقله أن "سماكا" إنما أهدى إلى "أم عمرو" جلودا بيضاء لا كتابة فيها، وأن هذا من الهدايا التي تستحسن ويجل موقعها عند من تهدى إليه، فابتاع جلودا كثيرة، وحملها على بغلين لتكون هديته ضعف هدية "سماك"، وأنفذها إلى التي يحب.
فلما وصلت الجلود إليها، ووقفت على الخبر فيها تغيظت عليه، وكتبت إليه رقعة تشتمه فيها، وتحلف أنها لا كلمته أبدا، وسألت بعض الشعراء أن يعمل أبياتا في هذا المعنى لتودعها الرقعة، ففعل، وكانت الأبيات:
لا عاد طوعك من عصاكا وحرمت من وصل مناكا
فلقد فضحت العاشقي ن بقبح ما فعلت يداكا
أرأيت من يهدى الجلو د إلى عشيقته سواكا
وأظن انك رمت أن تحكى بفعلك ذا "سماكا"
ذاك الذي أهدى الضيا ع "لأم عمرو" والصكاكا
فبعثت منتنة كأن ك قد مسحت بهن فاكا
من لي بقربك يا رقي ع ولست أهوى أن أراكا
لكن لعلي أن أقط ع ما بعثت على قفاكا
وحدثنا الصولي قال: كتب بعض عمال "الحجاج" إليه: أما بعد، فقد وجهت إلى الأمير ثوب خز أحمر أحمر أحمر؛ فأجابه "الحجاج": قد وصل الثوب فانصرف معزولا، فإنك أحمق أحمق أحمق!.
وحدثنا ابن أبي خالد عن حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: غنى أبي يوما الرشيد بهذا الشعر:
تخيرت من نعمان عود أراكة "لهند" فمن هذا يبلغه "هندا"
وناولتها المسواك والقلب خائف وقلت ألا يا "هند" أهلكتنا وجدا
فقال الرشيد: قبح الله هذا عاشقا يهدي لعشيقته مسواكا ثم يمن به عليها.
فقال الأصمعي - وكان حاضرا -: غنها يا أمير المؤمنين قد أنكرت ما أنكرت، فقالت في ذلك شعرا قال: أو تعرف الشعر؟ قال: نعم! وأنشده:
فمدت يدا في حسن دل تناولا إليه وقالت: لم أخل مثل ذا يهدى
فقال الرشيد صدقت والله، انشدني بقية الشعر، فأنشده:
خليلي مرا بارك الله فيكما وإن لم تكن "هند" لأرضكما قصدا
وقولا لها: ليس الطريق أجازنا ولكننا جئنا لنلقاكم عمدا
غدا يكثر الباكون منا ومنكم وتزداد داري من دياركم بعدا
فإن شئت حرمت النساء سواكم وإن شئت لم أطعم لذيذا ولا بردا
فقال الرشيد: أحسن محا بهذا ما سلف من هدية المسواك. وأجاز الأصمعي.
وحدثنا أبو عبد الله الأسود المصري قال: كان عندنا بالفسطاط شويعر ربما أصاب المعنى باللفظ المهجن، فاتصل به أن عند صديق له مغنية يهواها يقال لها "زادمهر" فأهدى إليه وردا ونبيذا وكتب إليه:
شراب مشبه بول الغزال وورد مثل أسرام البغال
بعثتها لتشرب ذا على ذا بأكمل غبطة وأسر حال
وقد خبرت عندك "زادمهر" تجاوب بالجفاف وبالثقال
فأنت من النسا إن لم سكها ضروب السك وهي من الرجال
ومن النوكي الذين أجابوا من أهدى إليهم عند هديتهم بشعر: "عبدون" أخو "صاعد بن مخلد" أهدى إليه ابن منارة في يوم مهرجان كمثرى ورمانا، فأحضر بعض كتابه، وقال له: أجب الرجل عن هديته قال: وبماذا أجيبه؟ فقال: بشعر تقوله فيه. قال: ما أحسن أقول الشعر، ولا تعاطيت قوله قط، فاغتاظ عليه غيظا شديدا. وقال: قم لعنك الله، وأنت كاتبي، وما تحفظ التسع الطوال، ولا قصيدة حفص بن معدى كرم التي يقول فيها:
أما ترى الشمس حلت الجملا (بالجيم)
ولا غيرها من أشعار الشعراء، ثم قدم الدواة وكان يظن أنه شاعر فكتب:
قد أتتنا هديتانك يا خليلي في يوم مهرجانك
وأكلنا من كمثراك ورمانك فأنت جايخاني وأنا جايخانك
وأنفذ الرقعة إلى صاحب الهدية.
قال: وأهدت امرأة من بعض مياسير البصرة إلى حبتها سراويل فاستقبح ذلك سائر النساء الظراف، وقلن: سلفت بها. فقال في ذلك بعض الشعراء:
يا ويح من شانت الظرفا وغلطت غلطة جزافا
أهدت سراويلها لبيسا مرقها قد شتى وصافا
إلى التي ساحقت زمانا فلم تجد عندها خلافا
فقال كل الظراف قولا يوسعه كلنا اعترافا:
نقسم بالبيت والمصلى ومن سعى فيهما وطاف
[ ٢٣ ]