في ذكر شيء من هدايا ملوك الأطراف للسلطان ومكاتبتهم إياه
حدثنا أبو العباس أحمد بن أبي خالد عن أبيه، عن جده أحمد بن أبي خالد وزير المأمون قال: كتب ملك الهند إلى المأمون مع هدية أهداها إليه: من رهمى ملك الهند، وعظيم أركان الشرق، وصاحب بيت الذهب وألوان الياقوت وفرش الدر.
والذي قصره مبني من العود الذي يختم عليه، فيقبل الصورة قبول الشمع، والذي توجد رائحة قصره من عشرة فراسخ.
والذي يسجد له إمام البد الذي وزنه ألف ألف مثقال من ذهب، وعليه مائة ألف حجر من الياقوت الأحمر والدر الأبيض.
والذي ركب في السعادة في ألف موكب وألف راية مكللة بالدر، تحت كل راية فارس معلمين بالحرير والذهب.
والذي في مربطه ألف فيل خزائمها أعنة الذهب.
والذي يأكل في صحاف الذهب على موائد الدر، والذي في خزائنه ألف تاج وألف حلة جوهر لألف ملك من آبائه، والذي يستحى من الله أن يراه خائنا في رعيته إذا اختصه بالأمانة عليهم والرئاسة فيهم.
إلى عبد الله ذي الشرف والرئاسة على أهل مملكته.
أما بعد فإن الذي تقدم به ذكرنا، أيها الأخ، من الملك والشرف والثروة، فما خطر ما ترتحل به الأوقات وتتخرمه الساعات ذهابا وزوالا والخطر الذي يجب على المستودعين من الله فضيلة العقل والاعتداد به، والمكاثرة له. ولكنا جرينا على ما جرت به سنة الملوك قلبنا، ولم نجهل أن الله له الشرف الذي يفوت الألسن ذكره، فإن الابتداء بتمجيده من أفضل الاعتداد، ولكنا أجللناه عن الافتتاح بذكره إلا في مواقف المناجاة له عابدين.
وأخبارك ترد علينا بفضيلة لك في العلم لم نجدها لغيرك، ونحن شركاؤك في المحبة والرغبة، وإن في أفئدتنا من ذلك ما لم نزل به لله بالفضل ذاكرين. وقد افتتحنا استهداءك بان وجهنا إليك كتابا ترجمته: "صفو الأذهان"؛ والتصفح له يسعد على صواب التسمية، وبعثنا إليك لطفا بقدر ما وقع منا موقع الاستحسان له، وإن كان دون قدرك.
ونحن نسألك، أيها الأخ، أن تنعم في ذلك بالقبول، وتوسع عذرا في التقصير.
وكانت الهدية جام ياقوت أحمر فتحته شبر في غلط الإصبع مملوءا دار، وزن كل درة مثقال والعدد مائة؛ وفراشا من جلد حية تكون بوادي الديبراج، تبتلع القيل؛ ووشى جلدها دارات سود كالدراهم في أوساطها نقط بيض، لا يتخوف من جلس عليها السل، وإن كان به سل وجلس عليها سبعة أيام برئ؛ ومصليات ثلاثا بوسائدها من جلد طائر يقال له السمندل موشى إذا طرحت في النار لم تحترق فراوزها در؛ ومائة ألف مثقال عود هندي، يختم عليه فيقبل الصورة؛ وثلاثة آلاف منا من كافور محبب، كل حبة أكبر من اللوزة؛ وجارية طولها سبة أذ١رع تسحب شعرها لها أربعة ضفائر طل كل شفر من أشفارها إصبع، يبلغ إذا أطرقت نصف خدها، ناهد؛ لها ثماني عكن في نهاية الحسن والجمال ونقاء البياض.
وكان الكتاب مكتوبًا في لحاء شجرة تنبت بالهند يقال لها الكاذي لونه إلى الصفرة، والخط لازورد مفتح بذهب.
فأجابه المأمون: من عبد الله "عبد الله" الإمام المأمون أمير المؤمنين الذي وهب الله له ولاية الشرف بابن عمه النبي المرسل ﷺ وعلى ذكره التصديق بالكتاب المنزل.
إلى ملك الهند وعظيم من تحت يده من أركان الشرق، سلام عليك فإني أحمد إليه الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله وعلى أهل بينه.
[ ٢٠ ]
وصل كتابك فسررت لك بالنعمة التي ذكرت ووقع إتحافك إيانا الموقع الذي أملت من قبول ذلك؛ ولولا أن السنة لنا جارية بترك تقديم من لم يكن لنا على الشريعة مواليا ما تركنا ما يحسن من مبرتك بالتقديم والاعتذار فهذا أحد التقديمين، وأنت له منا أهل.
وقد أهدينا إليك كتابا ترجمته "ديوان الأدب وبستان نوادر العقول" ومطالعتك ترجمته تحقق عندك فضيلة النعمة. وجعلنا لذلك عنوانا من الهدية وهو لطف استقللنا قدره لك؛ ولو كانت الملوك تتهادى على أقدارها لما اتسعت لذلك خزائنها؛ وإنما يجرى ذلك بينها على قدر تدل عليه النية بالتوطين - عن شاء الله تعالى - وكانت الهدية فرسا بفارسه وجميع آلاته من عقيق، ومائدة جزع فيها خطوط سود وحمر وخضر، على أرض بيضا، فتحتها ثلاثة أشبار وغلظها إصبعان، قوائمها ذهب؛ وخمسة أصناف كسوة بياض مصر، وخز السوس، ووشى اليمن، وملحم خراسان، والديباج الخسرواني وفرش قرمز (وفرش) سوسنجرد ومائة طنفسة حيرية بوسائدها.
كل ذلك خز وفرش خز سوسي، مائة قطعة من كل صنف.
وجام زجاج فرعوني فتحته شبر؛ في وسطه صورة أسد نبات، وأمامه رجل قد برك على ركبتيه، وفوق السهم في القوس نحو الأسد.
وكانت المائدة والجام مما أخذ من خزائن بني أمية؛ وكان الكتاب في طومار ذي وجهين؛ وغلظ الخط إصبع.
وحدثنا الوراق المراغي قال: كتبت برتا بنت الأوتاري ملكة فرنجة إلى المكتفي كتابا، ومعه هدايا شرحتها وكان الكتاب: - حفظك الله لسلطانه - أيها الملك الجيد العهد، القوي السلطان، من كل أعدائك، وثبت لك ملكك، وأدام سلامتك في بدنك ونفسك، منذ الآن إلى الأبد.
أنا برتا بنت الأوتاري، الملكة على جميع ملك الفرنجيين، أقرأ يا سيدي عليك السلام. واعلم أنه جرت بيني وبين ملك إفريقية صداقة لأني لم أكن أتوهم أن ملكا يكون فوقه يملك الأرض إلى هذه الغاية. فإن مراكبي كانت خرجت فأخذت مراكب ملك إفريقية؛ وكان رئيسها خادما يقال له "علي" أسرته ومائة وخمسين رجلا كانوا معه، في ثلاثة مراكب؛ ووجدته عاقلا فهما، فأعلمني أنك ملك على جميع الملوك. وقد كان صار إلى مملكتي خلق كثير لم يصدقني منهم عنك إلا هذا الخادم الذي يحمل كتابي إليك. وقد بعثت معه هدايا مما في بلدي، جعلتها تكرمة لك واستجلابا لمودتك؛ وهي: خمسون سيفا، وخمسون ترسا، وخمسون رمحا فرنجية، وعشرون ثوبا منسوجة بالذهب؛ وعشرون خادما، وعشرون جارية، وعشرة أكلب كبار لا تطيقها السباع، وسبعة بزاة، وسبعة صقور، ومضرب حرير بجميع آلاته؛ وعشرون ثوبا معمولة من صوف تكون في صدف يخرج من البحر يتلون ألوانا في كل ساعة من ساعات النهار، وثلاثة أطيار تكون ببلاد فرنجة، إذا نظرت إلى الطعام والشراب المسموم صاحت صياحا منكرا، أو صفقت بأجنحتها حتى يعلم بذلك. وخرز تجتذب به النصول والأزجة بعد بناء اللحم عليها بغير وجع.
وعرفني هذا الخادم أن بينك وبين ملك الروم المقيم بقسطنطينية صداقة. وأنا أوسع منه سلطانا وبلدا، وأكثر جنودا؛ لأن سلطاني على أربع وعشرين مملكة؛ كل مملكة لسانها مخالف للسان المملكة التي تليها؛ وفي مملكتي مدينة رومية العظمى.
وأنا أسأل الله العون على مصادقتك والصلح بيننا ما أحببت. فإن الأمر في ذلك إليك. وقد حملت هذا الخادم سرا يقوله لك إذا رأى وجهك، وسمع كلامك، ليكون هذا السر بيننا لا أحب أن يقف عليه غيري وغيرك. وعليك أكبر سلام وعلى جميع من معك؛ وكتب الله عدوك، وجعله وطاء قدميك. والسلام.