كتب سعيد بن حميد إلى بعض أهل السلطان في يوم النيروز: أيها السيد الشريف، عشت أطول الأعمار، بزيادة من العمر، موصولة بقرائنها من الشكر، لا ينقضي حق نعمة حتى تجدد لك أخرى، ولا يمر بك يوم إلا كان مقصرا عما بعده، موفيا على ما قبله. إني تصفحت أحوال الأتباع الذين تجب عليهم الهدايا إلى السادة فالتمست التأسي بهم في الإهداء، وإن قصرت بي الحال عن الواجب، وإني وإن أهديت نفسي فهي ملك لك، لا حظ فيها لغيرك، ورميت بطرفي إلى كرائم مالي فوجدتها منك. فكنت إن أهديت منها شيئا كمهدي مالك إليك، وفزعت على مودتي، فوجدتها خالصة لك قديمة غير مستحدثة، فرأيت إن جعلتها هديتي لم أجدد لهذا اليوم الجديد برا ولا لطفا، ولم أميز منزلة من الشكر بمنزلة من نعمتك، إلا كان الشكر مقصرا عن الحق والنعمة زائدة على ما تبلغه الطاقة، فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية إليك والإقرار بما يجب لك برا أتوصل به إليك، وقلت في ذلك:
إن أهد مالا فهو واهبه وهو الحقيق عليه بالشكر
أو أهد شكرا فهو مرتهن بجميل فعلك آخر الدهر
والشمس تستغني إذا طلعت أن تستضئ بسنة البدر
؟؟؟ وكتب بعض الكتاب إلى بعض الملوك: النفس لك، والمال منك، والرجاء موقوف عليك، والأمل مصروف نحوك، فما عسى أن أهدى إليك في هذا اليوم، وهو يوم سهلت فيه العادة سبيل الهدايا للسادة، وكرهت أن نخليه من سنته، فنكون من المقصرين، أو أن ندعى أن في وسعنا ما يفي بحقك علينا، فنكون من الكاذبين، فاقتصرنا على هدية تقضى بعض الحق، وتنفي بعض الحقد وتقوم عندك مقام أجمل البر. ولا زلت أيها الأمير دائم السرور والغبطة، في أتم أحوال العافية، وأعلى منازل الكرامة تمر بك الأعياد الصالحة، والأيام المفرحة، فتخلقها وأنت جديد، تستقبل أمثالها فتلقاك ببهائها وجمالها. وقد بعثت الرسول بالسكر لطيبه وحلاوته، والسفرجل لفأله وبركته والدرهم لبقائه عند كل من ملكه ولا زلت حلو المذاق على أوليائك مرا على أعدائك، متقدما عند خلفاء الله الذين تليق بهم خدمتك وتحسن أفنيتهم بمثلك. وقد جمعنا في هذه القصيدة ثناء ومسرة واعتذارا وتهنئة. وهي:
غاد في المهرجان كأسا شمولا وأطعني ولا تطيعن عذولا
فهو يوم قد كان آباؤك الغ ر يحلونه محلا جليلا
إن للصيف دولة قد تقضت وأراك الشتاء وجها جميلا
وتجلت لك الرياض عن النو ر فكانت عن كل شيء بديلا
فتمتع باللهو لا زلت جذلا ن وطرف الزمان عنك كليلا
[ ٢٨ ]
لم أجد لي هدية حين حصل ت كثيرا ملكته وقليلا
يعدل الشكر والثناء وإن لم يك شكري لما أتيت عديلا
فجعلت الذي أطيق من الشك ر على ما عجزت عنه دليلا
يا لها من هدية تقنع المه دي إليه ولا تعنى الرسولا
؟؟؟ وكتب بعض الشعراء إلى بعض أهل السلطان في المهرجان: هذه أيام جرت فيها العادة بألطاف العبيد للسادة وإن الصناعة تقصر عما تبلغه الهمة، فكرهت أن أهدى فلا أبلغ مقدار الواجب فجعلت هديتي هذه الأبيات وهي:
ولما أن رأيت ذوى التصافي تباروا في هدايا المهرجان
جعلت هديتى ودا مقيما على مر الحوادث والزمان
وعبدا حين تكرمه ذليلا ولكن لا يقر على الهوان
يزيدك حين تعطيه خضوعا ويرضى من نوالك بالأماني
؟؟؟ وأهدى أبو العتاهية على بعض الملوك نعلا وكتب معها:
نعل بعثت بها لتلبسها تسعى بها قدم على المجد
لو كان يصلح أن أشركها خدي جعلت شراكها خدي
وأهدى على بن الجهم كلبا وكتب:
استوص خيرا به فإن له عندي يدا لا أزال أحمدها
يدل ضيقي على في غسق ال ليل إذا النار نام موقدها
أهدى أحمد بن يوسف ملحا طيبا على إبراهيم بن المهدي وكتب إليه: الثقة بك سهلت السبيل إليك فأهديت هدية من لا يحتشم على من لا يغتنم.
وأهدى إبراهيم بن المهدي إلى إسحق بن إبراهيم الموصلي جراب ملح وجراب أشنان وكتب إليه: لولا أن القلة قصرت عن بلوغ الهمة لأتعبت السابقين إلى برك، ولكن البضاعة قعدت بالهمة، وكرهت أن تطوى صفيحة البر وليس لي فيها ذكر، فبعثت بالمبتدأ به ليمنه وبركته، والمختوم به لطيبه ونظافته، وأما ما سوى ذلك فالمعبر عنا فيه كتاب الله تعالى إذ يقول: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) إلى آخر الآية.
؟؟؟ وكتب إبراهيم بن المهدي على صديق له: لو كانت التحفة على حسب ما يوجبه حقك لأجحف بنا أدنى حقوقك ولكنه على قدر ما يخرج الوحشة ويوجب الأنس وقد بعثت بكذا وكذا.
؟؟؟ وكتب رجل إلى المتوكل على الله وقد أهدى إليه قارورة من دهن الأترج: إن الهدية يا أمير المؤمنين إذا كانت من الصغير إلى الكبير فكلما لطفت ودقت كانت أبهي وأحسن، وإذا كانت من الكبير إلى الصغير فكلما عظمت وجلت كانت أنفع وأوقع، وأرجو أن لا تكون قصرت بي همة أصارتني إليك ولا أخرني إرشاد دلني عليك، وأقول:
ما قصرت همة بلغت بها بابك يا ذا الندى وذا الكرم
حسبي بوديك أن ظفرت به ذخرا وعزا يا واحد الأمم
؟؟؟ أهدى حبيب بن أوس الطائي على الحسن بن وهب قلما وكتب معه إليه هذه الأبيات:
قد بعثنا إليك 'كرمك الل هـ بشيء فكن له ذا قبول
لا تقسه على ندى كفك الغمر ولا نيلك الكثير الجزيل
فاستجر قلة الهدية منى إن جهد المقل غير قليل
ومن قولنا في هذا المعنى وقد أهديت سلى عنب ومعهما:
أهديت بيضا وسودا في تلونها كأنها من بنات الروم والحبش
عذراء تؤكل أحيانا وتشرب أح يانا فتعصم من جوع ومن عطش
وأهديت حوتين وكتبت معهما:
أهديت ازرق مقرونا بزرقاء كالماء لم يغذها شيء سوى الماء
ذكاتها الأخذ ما تنفك طاهرة بالبر والبحر أمواتا كأحياء
وأهديت طبق ورد ومعه:
رياحين لريحانة المجد جنتها يد التخجيل من حمرة الخد
وورد به حييت غرة ماجد شمائله أذكى نسيما من الورد
ووشى ربيع مشرق اللون ناضر يلوح عليه ثوب وشى من الحمد
بعثت بها زهراء من فوق زهرة كتركيب معشوقين خدا على خد
وكتبت على كأس:
اشرب على منظر أنيق وامزج بريق الحبيب ريقي
واحلل وشاح الكعاب رفقا واحذر على خصرها الرقيق
وقل لمن لام في التصابي إليك خل عن الطريق
وأنشد أحمد بن أبى طاهر في هذا المعنى:
ما ترى في هدية من فقير حيل ما بينه وبين اليسار
يغرب الناس في الهدايا إلى النا س ويهدى غرائب الأشعار
محكمات كأنها قطع الرو ض تحلت أنواره بالبهار
[ ٢٩ ]
وأنشد ابن يزيد بن المهلب في المعتمد:
سيبقى فيك ما يهدى لساني إذا فنيت هدايا المهرجان
قصائد تملأ الآفاق مما أحل الله من سحر البيان
وقال آخر:
جعلت فداك للنيروز حق وأنت على أوجب منه حقا
ولو أهديت فيه جميع ملكي لكان جميعه لك مسترقا
وأهديت الثناء بنظم شعر وكنت لذاك منى مستحقا
لأن هدية الألطاف تفنى وأن هدية الأشعار تبقى
وقال حبيب:
فو الله لا أنفك أهدى شواردا إليك يحملن الثناء المنخلا
ألذ من السلوى وأطيب نفحة من المسك مفتوقا وأيسر محملا
وقال مروان بن أبى حفصة:
بدولة جعفر حمد الزمان لنا بك كل يوم مهرجان
جعلت هديتي لك فيه وشيا وخير الوشى ما نسج اللسان
وقال أحمد بن أبى طاهر:
من سنة الأملاك فيما مضى من سالف الدهر وإقباله
هدية العبد إلى ربه في جدة الدهر وأحواله
فقلت ما أهدى إلى سيدي حالي وما خولت من حاله
إن أهد نفسي فهي من نفسه أو أهد مالي فهو من ماله
فليس إلا الحمد والشكر وال مدح الذي يبقى لأمثاله
وقال الحمدوني وأهدى غليه سعيد بن حميد أضحية مهزولة.
لسعيد شويهة نالها الضر والعجف
فتغنت وأبصرت رجلا حاملا علف
بأبي من بكفه برء دائي من الدنف
فأتاها مطمعا وأتته لتعتلف
ثم ولى فأقبلت تتغنى من الأسف:
ليته لم يكن قد وقف عذب القلب وانصرف
قال الحمدوني: كتبت على الحسن بن إبراهيم، وكان كل سنة يبعث إلى بأضحية فتأخر عنى سنة، فكتبت إليه:
سيدي أعرض عنى وتناسى الود منى
مر بي أضحى وأضحى أخلفاني فيه طني
لا يراني فيهما أه لا لظلف ولقرن
فتغذيت بيأس ثم ضحيت بجني
واصطبحت الراح يوما ثم أنشدت أغنى:
لا بجرم صد عنى صد عنى بالتجني
؟؟؟ أهدت جارية من جواري المأمون تفاحة له، وكتبت إليه: إني يا أمير المؤمنين لما رأيت تنافس الرعية في الهدايا إليك، وتواتر ألطافهم عليك، فكرت في هدية تخف مؤونتها، وتهون كلفتها ويعظم خطرها، ويجل موقعها، فلم أجد ما يجتمع فيه هذا النعت، ويكمل فيه هذا الوصف إلا التفاح فأهديت إليك منها واحدة في العدد، كثيرة في التصرف، وأحببت يا أمير المؤمنين أن أعرب لك عن فضلها، وأكشف لك عن محاسنها وأشرح لك لطيف معانيها، ومقالة الأطباء فيها، وتفنن الشعراء في وصفها حتى ترمقها بعين الجلالة، وتلحظها بمقلة الصيانة، فقد قال أبوك الرشيد ﵁: أحسن الفاكهة التفاح، اجتمع فيه الصفرة الدرية، والحمرة الخمرية، والشقرة الذهبية، وبياض الفضة ولون التبر، يلذ بها من الحواس: العين بهجتها، والأنف بريحها، والفم بطعمها. وقال أرسطاطاليس الفيلسوف عند حضوره الوفاة، واجتمع إليه تلاميذه: التمسوا لي تفاحة أعتصم بريحها، وأقضى وطرى من النظر غليها. وقال إبراهيم بن هانئ: ما علل المريض المبتلى، ولا سكنت حرارة الثكلى، ولا ردت شهوة الحبلى، ولا جمعت فكرة الحيران، ولا سلت حسيفة الغضبان، ولا تحيت الفتيان في بيوت القيان، بمثل التفاح.
والتفاحة يا أمير المؤمنين، إن حملتها لم تؤذك، وان رميت بها لم تؤلمك وقد اجتمع فيها ألوان قوس قزح، من الخضرة والحمرة والصفرة، وقال فيها الشاعر:
حمرة التفاح مع خضرته أقرب الأشياء من قوس قزح
فعلى التفاح فاشرب قهوة واسقنيها بنشاط وفرح
ثم عن الآن كي تطربني طرفك الفتان قلبي قد جرح
فإذا وصلت غليك يا أمير المؤمنين، فتناولها بيمينك، واصرف إليها يقينك، وتأمل حسنها بطرفك، ولا تخدشها بظفرك، ولا تبعدها عن عيبك، ولا تبذلها لخدمك، فإذا طال لبثها عندك، ومقامها بين يديك. وخفت أن يرميها الدهر بسهمه ويقصدها بصرفه، فتذهب بهجتها، ويحيل نضرتها، فكلها: هنيئا مريئا غير داء مخامر والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال المأمون احملوا غليها من كل ما أهدى لنا في هذا اليوم.
؟؟؟ وكتب العباس الهمذاني إلى المأمون في يوم نيروز:
[ ٣٠ ]
أهدى لك الناس المرا كب والوصائف والذهب
وهديتى حلو القصا ئد والمائح والخطب
فاسلم سلمت على الزما ن من الحوادث والعطب
٥- كتاب الوزراء والكتاب لأبى عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري (المتوفي ٣٣١ هـ) طبعة السقا والأبياري وشلبي. مصر ١٩٣٨ وكان بمصر قوم يدافعون بالخراج، ويكسرون بعضه، فأحضر عمر أشدهم مدافعة وإلطاطا، فطالبه، فاستمهله مدة فأمهله، ثم طالبه ثانية، فاستمهله، فأمهله مدة، ثم فعل ذلك في الثالثة، فلما حل الأجل دافعه أيضا، فخلف بأيمان مؤكدة أنه لا يستأديه إلا في بيت المال بمدينة السلام، ثم أشخصه على الرشيد، وكتب إليه بخبره، فبذل له الرجل أداء المال، فأبى عليه أن يقبضه منه، وأقام على ألا يؤديه إلا في بيت المال، فخاف الناس جميعا منه مثل ذلك، وسارعوا إلى الأداء، فلم ينكسر له ولا تخلف درهم واحد.
وحكى أنه قال لغلامه أبى درة. وقد أهدى له أهل مصر هدايا كثيرة لا تقبل منها إلا ما يدخل في جراب، لا تقبل حيوانا، فقبل من هدايا الناس الثياب والطيب والعين والورق، وجعل يعزل كل هدية على حدتها، ويكتب عليها اسم صاحبها، وجد في استخرج مال مصر، فزجا منه نجمان، وتأخر النجم الثالث، وثلج أصحابه، فجمعهم وقال لهم. إنى قد حفظت عليكم ما أهديتموه إلى، وأمر بإحضاره وإحضار الجهبذ فما كان من عين أو ورق أجزأه عمن أهداه إليه وما كان من ثوب أو غيره باعه وأخذ ثمنه، حتى استغرق الهدايا كلها، ونظر فيما بقى بعد ذلك، فطالب به، فسارع الناس إلى الأداء، فيقال إنه عقد جماعة مصر من غير أن يبقى فيها درهم، ولم يعهد ذلك من قبله.
؟؟؟ وكان البرامكة قد فارقوا الرشيد على شيء يطلقونه له من المال للحوادث، سوى نفقاته وما يحتاج إليه هو وعياله، فعزم على الفصد، فقال لجعفر: يا أخي أنا على الفصد، وأريد التشاغل بالنساء، فكم تبعث إلى لما أهيئه لهن؟ قال: ما شاء أمير المؤمنين، قال عشرة آلاف درهم، قال: وأين المال؟ ولكن خمسة آلاف درهم، قال: فهاتها، فبعث بها إليه، ثم قال لجلسائه وقد افتصد: أي شيء تهدون إلى؟ فقال كل واحد منهم: قد أعددت كذا وكذا، واحتال الفضل بن الربيع في التخلص إلى منزله، فرهن حقه من قطيعة الربيع، وهو العشر، على مائة ألف درهم عند عون الجوهرى الحرى، فقال إنى أريد أن أهديها على الخليفة، فصيرها جددا ضربا، في عشرين بدرة ديباج، مختمة بفضة، وكان عون يحفظ للربيع يدا، فقال للفضل: أطابت نفسك عن جميع نعمتك في هدية اليوم؟ فأعلمه أن له عند الرشيد مواعيد، فقال له عون: فإن عندي خادمين مملوكين روميين، أحدهما ناقد، والآخر وزان، جميلي الصورة مراهقين وقد وهبتهما لك، وأحضره تابوت آبنوس محلى بالفضة، فصير البدور فيه مع الطيارات والموازين والصنجات، وأقفله بقفل فضة، وغشاه بديباج، وكسى الغلامين الديباج، وألبسهما المناطق والمناديل المصرية، ووجه بهما وبالتابوت مع من يحمله إلى دار الندماء، فلما ثنى الرشيد الدم قال: اعرضوا على هداياكم، فقدمت هدية يحيى وجعفر والفضل بن يحيى، من فاكهة ومشام، وما أشبه ذلك، وعرض عيسى بن جعفر وغيره هداياهم، فقال للفضل بن الربيع. أين هديتك يا عباسي؟ وبذلك كان يدعوه، قال: أحضرها يا أمير المؤمنين، فقال تجده قد ابتاع هدية بخمسين درهما، فقال للفراشين: احملوها، فحملوا شيئا راع الرشيد لما رآه، وكشفوا عن التابوت فاستحسنه ثم حضر الغلامان، فتح أحدهما القفل فأخرج الموازين والأوزان، وأخرج الآخر البدور، ففتح بدرة بدرة، واستوفي وزنها وختمها، فلم يدر الرشيد ما يستحسن من جلالة الهدية واستطير فرحا، وأمر بحمل المال، وإدخال الغلامين إلى دار النساء، ليفرقا المال على ما يأمرهما به. وقال للفضل: ويلك يا عباسي! من أين لك هذا؟ قال: سيعرفه أمير المؤمنين، قال: لتقولن. قال: بعت حقي من قطيعة الربيع لأسرك، لما رأيتك قد فصدت وأنت مغموم، قال: والله لأسرنك، وقام فدخل. وانصرف جعفر يجر رجليه إلى أبيه، فحدثه الحديث، فكتب كتب الفضل على بريد الموصل وديار ربيعة وديار مضر وختمها، وبعث بها إليه فردها، وقال: لا حاجة بي إليها. ولم يزل يحمل الرشيد عليهم حتى أوقع بهم.
٦- أدب الكتاب تأليف أبى بكر محمد بن يحيى الصولي (المتوفي ٣٣٦ هـ) المطبعة السلفية -مصر ١٣٤١ هـ
[ ٣١ ]
وأهدى بعض الكتاب غلاما كاتبا على رئيس له، وكتب إليه بصفة الخط وغيره- وسمعت من يحكى أن فاعل ذلك عيسى بن فرخانشاه بإبراهيم بن العباس الصولي وكان عيسى يكتب له ولا أدرى كيف صحته، لأني لم اعتد بما لم اسمعه من أفواه الرجال:
اقبل هدية شاكر تجزيه بالنزر الجليلا
بدرا يضئ إذا نظر ت إليه لم يألف أفولا
إني بعثت به وكن ت بحسن موقعه كفيلا
لما رأيت بخطه حسنا يصيد به العقولا
كمنمنم الموشى قد سحب القيان به الذيولا
أو كالرياض بكى الحيا فيها فأوسعها همولا
وتراه للمعنى اللطيف إذا أشرت به قبولا
لا مستعيدا منك إذ تملى عليه ولا ملولا
عرف المبادئ والوصو ل من الحاكية والفصولا
وصنوف ترتيب الدعا ء وأن يقصر أو يطيلا
والهمز والمدود وال مقصور والمثل المقولا
والفعل والأسماء وال مصروف منا والثقيلا
فاستكفه واضمر له أن لا تريد به البديلا
يحمل بفضل لسانه وبيانه عنك الثقيلا
؟؟؟ واستهدى أحمد بن إسمعيل دفترا فيه حدود الفراء، فأهداه على مستهديه وكتب على ظهره:
خذه فقد سوغت فيه مشبها بالروض أو بالبرد في تفويفه
نظمت كما نظم السحاب سطوره وتأنق الفراء في تأليفه
وشكلته ونقطته فأمنت من تصحيفه ونجوت من تحريفه
بستان خط غير أن ثماره لا تجتنى إلا بشكل حروفه
؟؟؟ أهدى رجل إلى إبراهيم بن المدبر قلما وكتب إليه: قد وجهت إليك أعزك الله بمفاتح العلوم باد جمالها. تام كمالها. فهي كما قال الشاعر:
ليس فيها ما يقال له كملت لو أن ذا كملا
كل جزء من محاسنها كائن من حسنه مثلا
قال أبو بكر: أما المشهور مما قيل فيها فشعر بعض الكتاب وقد أهدى دواة محلاة بذهب وهي من الأبنوس:
قد بعثنا لك أم المنايا والعطايا زنجية الأحساب
تتزيا بصفرة وكذا الزن نج تزيا عجبا بصفر الثياب
ريقها ريق نحلة مع صاب حين يجرى لعابها في الكتاب
في حشاها لغير حرب حراب هن أمضى من مرهفات الحراب
؟؟؟ وفي كتاب الأوراق للصولي (أخبار الراضي بالله والمتقى لله) طبعة القاهرة ١٩٣٥: ووافي رسول ملك الروم بهدايا كثيرة منها صياغات وثياب ديباج ومقارم وآنية ذهب، طريفة الصياغة، فجلس الراضي يومًا فعرضها علينا ووهب لنا أكثرها، وما كان شيء ألذ عنده من شيء يهبه وطعام يؤكل بين يديه.
٧- ديوان المعاني للإمام أبى هلال العسكري (المتوفي ٣٩٥ هـ) مكتبة القدسي بمصر ١٣٥٢ وأخبرني بعض أصحابنا قال كتب أحمد بن أبى طاهر على إسماعيل بن بلبل: أنا، وإن كنت في عدد الحشم والأتباع الذين يخرجون من تفضيل الخاصة ويرتفعون عن الدخول في جملة العامة فإني في وسط القلادة منهم وبمكان من نظام نعمتك التي تجمعهم وهذا يوم من أيام الملوك السادة الذين لم تزل تجرى لهم السنة على عبيدهم وأصحابهم وقوادهم وكتابهم بالإهداء إليهم وقبول ما أهدوه منهم ليعرف مكان الشريف في مرتبته من مكان المنحط عن منزلته وموضع النعم من المنعم عليه في التقدم بقبول ما يهديه إليه وكل يهدى على قدر بضاعته ورتبته ومقداره في نفسه وهمته وعلى حسب موضعه من سيده ومالكه وما يحويه ملكه وتبلغه ومقدرته. وكرهت أن أمسك عن البر فأخرج عن جملة العبيد والحشم وأهدى ما يقصر عن الواجب اللازم والحق المفترض فجعلت هبتي مع الثقة بعذرك والاعتماد على تفضيلك وصفحك أبياتا اقتصرت فيها على الدعاء لك والثناء عليك أسأل الله تعالى أن يقرنه بالإجابة فيك كما قرن مدحي لك بالتصديق فقلت:
أبا الصقر لا زالت من الله نعمة تجددها الأيام عندك والدهر
ولا زالت الأعياد تمضى وتنقضي وتبقى لنا أيامك الغرر الزهر
فإنك للدنيا جمال وزينة وإنك للأحرار ذخر هو الذخر
رأيت الهدايا كلها دون قدره وليس لشيء عند مقداره قدر
فلا فضل غلا وهو من فضل جوده ولا بر غلا دونه ذلك البر
فأهديت من حلى الديح جواهرا منصلة يزهي بها النظم والنثر
[ ٣٢ ]
مدائح تبقى بعد ما نفد الدهر وتبهي بها الأيام ما اتصل العمر
شكرت لإسماعيل حسن بلاه وأفضل ما تجزى به النعم الشكر
* * * أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن أحمد بن أبى طاهر عن ابن هفان قال: دخلت على سعيد بن حميد في يوم نيروز وهو مستعد يكتب على إخوانه فقرأت عليه كتابك وشعرك إلى أبى الصقر -يعنى الكتاب والشعر الذي تقدم- فكتب وأنا حاضر على الحسن بم مخلد: أيها السيد النجيب عشت أطوال الأعمار في زيادة من النعم موصولة بقرائنها من الشكر لا تقضى حق نعمة تتجدد لك أخرى ولا يمر بك يوم إلا كان موفيا على ما قبله مقصرا عما بعده. قد تصفحت أحوال الأتباع الذين تجب عليهم الهدايا على السادة في هذا اليوم والتمست التأسي بهم في الإهداء إليك وإن قصرت الحال عن الواجب لك فرأيتني إن أهديت نفسي فهي لك لا حظ فيها لغيرك ورميت بطرفي على كرائم مالي فوجدتها منك فكنت إن أهديت شيئا كمهدي مالك إليك ولم يزد على أن نبه على نعمتك واقتضى نفسه بشكرك وفرغت إلى مودتي وشكري فوجدتها لك خالصتين قديمتين غير مستجدتين وإني إن جعلتهما هديتي لم أجدد لهذا اليوم برا ولا لطفا ولم أقس منزلة شكري بمزلة من نعمتك إلا كان الشكر مقصرا عن الحق زائدة على ما لم تبلغه الطاقة ولم أملك سبيلا ألتمس بها ما اعتد به في مجازاتك غلا وجدت فضلك قد سبقني غليها فقدم لك الحق وأحرز لك السبق فجعلت الاعتراف بالتقصير عن حقك هدية غليك تفي ما يجب لك والعذر في العجز عن برك برا أتوصل به إليك:
إن أهد نفسي فهو مالكها وله أصون كرائم الذخر
أو أهد مالا فهو واهبه وأنا الحقيق عليه بالشكر
أو أهد شكري فهو مرتهن بجميل فعلك آخر الدهر
والشمس تستغني إذا طلعت أن تستضاء بسنة البدر
ثم قرأه على فقلت: أبا عثمان الساعة قرأت عليك لابن أبى طاهر هذه المعاني بأعيانها قال: والساعة عملتها وليس بيننا حشمة. ولا اعرف لها تين الرسالتين في هذا الباب نظيرا في رقة معانيهما وحسن تخريجهما. ورسالة سعيد بن حميد أكثرهما معاني.
* * * وأول من افتتح المكاتبة في التهاني بالنيروز والمهرجان أحمد بن يوسف، أهدى إلى المأمون سفط ذهب فيه قطعة عود هندي في طوله وعرضه. وكتب معها هذا يوم جرت فيه العادة بألطاف العبيد للسادة وقد قلت:
على العبد حق فهو لا شك فاعله وإن عظم المولى وجلت فضائله
ألم ترنا نهدى إلى الله ماله وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله
ولو كان يهدى للقليل بقدره لقصر عل البحر عنك وناهله
ولكننا نهدى إلى من نجله وإن لم يكن في وسعنا ما يشاكله
فأخذ سعيد بن حميد هذه المعاني وكتب إلى لبن صالح بن يزداد: النفس لك والمال منك والرجاء موقوف عليك والأمر مصروف إليك فما عسانا أن نهدى لك في هذا اليوم وهو يوم قد شملت فيه العادة للأتباع الأولياء بإهدائهم على السادة العظماء وكرهنا أن نخليه من سننه فنكون من المقصرين أو ندعى أن في وسعنا ما يفي بحقك علينا فنكون من الكاذبين فاقتصرنا على هدية تقضى بعض الحق ونقوم عندك مقام أجمل البر وهي الثناء الجميل والدعاء الحسن فقلت: لا زلت أيها السيد الكريم دائم السرور والعطية في أتم العافية وأعلى منازل الكرامة تمر بك الأيام المفرحة والأعياد الصالحة فتخلقها وأنت جديد.
فأول كلامه مأخوذ من قول المعلى بن أيوب للمعتصم: النفس لأمير المؤمنين والمال منه وليس فيما أوجبه الحق نقيصة ولا على أحد فيه غضاضة، وباقيه من كلام أحمد بن يوسف، والدعاء الذي في آخره لعلى بن عبيدة الريحاني لم يزد سعيد بن حميد فيه شيئا.
* * * كتب أبو الشيص على رجل كان وعده مخدة فأبطأت عليه:
يا صديقي وأخي في كل ما يعرو وشده
ليت شعري هل زرعتم بذر كتان المخده
* * * وأخبرني أبو أحمد عن أبيه عن أحمد بن أبى طاهر قال أهدى بعض العمال على دعبل بن على الخزاعي برذونا زمنا فرده وكتب إليه:
وأهديته زمنا فانيا فلا للركوب ولا للثمن
حملت على زمن شاعرا فسوف يكافي بشعر زمن
أبا الفضل ذما وغرما معا فما كنت ترضى بهذا الغبن
* * *
[ ٣٣ ]
وعدد رجل دعبلا نعلا يهديها إليه عند قدمه من الحج فأبطأت عليه فقال دعبل الخزاعي:
وعدت النعل ثم صدفت عنها كأنك تشتهي شتما وقذفا
فإن لم تهد لى نعلا فكنها إذا أعجمت بعد النون حرفا
* * * وأخبرني أبو أحمد عن أبيه عن أحمد بن أبى طاهر قال كتب إلى أبو على البصير بستهديني بخورا كنت أهديت منه إلى بعض إخواني، والأبيات:
يا شقيقي ويا خليلي إباء المرجى لكل خير ومير
أنت من أطيب الأنام بخورا غير أنى شممته عند غيري
وهو جم لديك فابعث بدرج منه إن لم أكن تعديت طوري
فكتبت إليه:
قد بعثنا إليك منه بدرج وأزرناك منه أطيب زور
بين ند وبين عود مطرا ما له مشبه بنجد وغور
أنت منه أزكى وأطيب عرفا وهو أزكى من كل طيب ونور
ما تعديت فيه طورك عندي فتبخر منه بأيمن طير
* * * وحدثني أبو أحمد عن أبيه عن أحمد قال حدثني أبو دعامة الشاعر قال كتب العتابي إلى مالك بن طوق يستزيده ويستهديه ويدعوه على صلة الرحم والقرابة بينه وبينه وكان مما كتب: إن قرابتك من قرب منك خيره وإن ابن عمك من عم نفعه وإن عشيرتك من أحسن معاشرتك وإن أحب الناس إليك أجداهم بالمنفعة عليك وإن أهداهم إلى مودتك من أهدى إليك، ولذلك أقول:
ولقد بلوت الناس ثم سبرتهم ووصلت ما قطعوا من الأسباب
فإذا القرابة لا تقرب قاطعا وإذا المودة أقرب الأنساب
٨- اللطائف والظرائف في الأضداد -للثعالبي (المتوفي ٤٢٩ هـ) جمع بينه وبين اليواقيت الإمام أحمد المقدسي طبع بمصر ١٣٣٤ هـ