١٤٧- وقالوا: الحلف لا يخلو إما أن يكون بما هو عبارة عن الله تعالى خاصة، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، فالأول يكون الحلف به يمينا بكلّ حال. وأما الثاني فالأسماء على ثلاثة أضرب: أحدها ما لا يسمّى به إلا الله تعالى، مثل الرحمن أو الأول الذي ليس قبله شيء، فهذا يكون يمينا بكلّ حال،
[ ٣ / ٦٦ ]
والثاني ما يسمّى به الله تعالى ويسمّى به غيره على سبيل المجاز والإطلاق ينصرف إلى الله تعالى فيكون يمينا في الإطلاق إذا قصد به اليمين، وإذا أراد بالاسم غير الله تعالى لم تكن يمينا. والثالث ما يستعمل في الله تعالى ويشاركه فيه غيره، ولا ينصرف الإطلاق إليه، مثل قولهم: الموجود، الحيّ، الناطق، فذلك لا يكون الحلف به يمينا سواء قصد به الله تعالى أو لم يقصد، لأنّ اليمين إنما تنعقد بحرمة الاسم، فإذا كان مشتركا لم يكن له حرمة.
فأما الثالث وهو الصفة فإذا حلف بصفة من صفات ذاته كان يمينا، قال الشافعي: مثل أن يقول وعظمة الله، أو جلال الله، أو قدرة الله. والحلف بالقرآن يكون عند الشافعي يمينا. قال أبو حنيفة: لا يكون ذلك يمينا، فهذه جمل أقوالهم.
«١٤٨» - وأذكر الآن ما جاء في تفسير بعض الأقسام التي وردت في الكتاب العزيز.
(أ) فمن ذلك قوله سبحانه: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا. فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا.
فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا)
(الصافات: ١- ٣) قيل: المراد بالصافّات الملائكة.
(فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا)
الملائكة تزجر السحاب، وقيل كلّ ما زجر عن معصية الله ﷿. (فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا)
الملائكة، قال الزجّاج: وجائز أن يكون الملائكة وغيرهم ممن يتلو ذكر الله ﷿.
(ب) وقوله ﷿ (حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ) *
(الزخرف: ١- ٢ والدخان:
١- ٢) أي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة وأبان كلّ ما تحتاج إليه الأمّة.
(ج) وقوله تعالى (وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا. فَالْحامِلاتِ وِقْرًا. فَالْجارِياتِ يُسْرًا فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا)
(الذاريات: ١- ٤) .
[ ٣ / ٦٧ ]
روي أنّ ابن الكوّاء سأل عليّا ﵇ عن هذه الآيات فقال: (الذاريات ذروا) الرياح، (فالحاملات وقرا) السحاب، (فالجاريات يسرا) الفلك، (فالمقسمات أمرا) الملائكة.
«١٤٨» (د) وقوله سبحانه (وَالطُّورِ. وَكِتابٍ مَسْطُورٍ. فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ. وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ. وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ. وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ)
(الطور: ١- ٦) (والطور) جبل قيل هو الذي كلّم الله ﷿ عليه موسى ﵇. (والكتاب المسطور) ها هنا ما أثبت على بني آدم من أعمالهم. (رقّ منشور) الصحائف. (والسقف المرفوع) السماء. (والبيت المعمور) في التفسير أنه بيت في السماء بإزاء الكعبة يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك ثم يخرجون منه ولا يعودون إليه. (والبحر المسجور) جاء في التفسير أنّ البحر يسجر فيكون نار جهنّم، وأهل اللغة يقولون: (البحر المسجور) المملوء، وأنشدوا: [من المتقارب]
إذا شاء طالع مسجورة ترى حولها النبع والسّاسما [١]
يعني عينا مملوءة بالماء.
(هـ) وقوله ﷿ (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى)
(النجم: ١) قيل أقسم بالنجم.
وقال أهل اللغة: النجم بمعنى النجوم، وأنشدوا: [من الطويل]
فظلّت تعدّ النجم في مستحيرة سريع بأيدي الآكلين جمودها
ومثله (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ)
(الواقعة: ٧٥) (وهوى) سقط، وجاء في التفسير أنّ النجم نزول القرآن نجما بعد نجم، وكان تنزل منه الآية
_________________
(١) النبع والساسم: نوعان من الشجر.
[ ٣ / ٦٨ ]
والآيتان، وعلى هذا يكون (هوى) بمعنى نزل.
«١٤٨» (و) وقوله سبحانه (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)
(القيامة: ١- ٢) [معناه] أقسم بيوم القيامة (والنفس اللوّامة) تفسيرها: أنّ كلّ نفس تلوم صاحبها في الآخرة إن كان عمل شرّا لامته نفسه، وإن كان عمل خيرا لامته على ترك الاستكثار منه. واختلفوا في تفسير (لا) فقال بعضهم: هي لغو وإن كانت في أول السورة، لأنّ القرآن كلّه كالسورة الواحدة لأنه متصل بعضه ببعض، فجعلت «لا» ها هنا بمنزلتها في قوله (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ)
(الحديد: ٩) والمعنى لأن يعلم أهل الكتاب وقال بعض النحويين: (لا) ردّ لكلام، كأنهم أنكروا البعث فقال: لا، ليس الأمر على ما ذكرتم، أقسم بيوم القيامة أنكم مبعوثون، دلّ على الجواب قوله: بلى قادرين أن نجمعهم، قادرين على أن نسوّي بنانه.
(ز) وقوله تعالى (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا. فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا. وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا.
فَالْفارِقاتِ فَرْقًا. فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا)
(المرسلات: ١- ٥) جاء في التفسير:
(والمرسلات) الرياح أرسلت كعرف الفرس، وكذلك (فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا) الرياح تأتي بالمطر كما قال ﷿ (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ)
(الأعراف: ٥٧) (فالفارقات فرقا) الملائكة جاءت بما يفرق بين الحقّ والباطل، وكذلك (فالملقيات ذكرا) .
وقيل: (المرسلات) الملائكة أرسلت بالمعروف، وقيل كعرف الفرس، وقيل (العاصفات) الملائكة، تعصف بروح الكافر. والباقي إلى آخر الآيات يعنى به الملائكة.
وقيل: (والمرسلات عرفا) يعني به الرسل.
[ ٣ / ٦٩ ]
«١٤٨» (ح) وقوله تعالى: (وَالنَّازِعاتِ غَرْقًا. وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا. وَالسَّابِحاتِ سَبْحًا. فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا. فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا)
(النازعات: ١- ٥) جاء في التفسير:
(والنازعات) الملائكة، وكذلك (الناشطات) تنزع روح الكافر وتنشطها ويشتد عليه أمر خروج نفسه. وقيل: (والسّابحات سبحا. فالسّابقات سبقا) أرواح المؤمنين تخرج بسهولة. وقيل: (والنازعات غرقا) القسيّ، (والناشطات نشطا) الأوهاق، (والسابحات سبحا) السّفن، (فالسابقات سبقا) الخيل، (فالمدبرات أمرا) الملائكة كلّ منهم لما وكل به.
وقيل: (النازعات) النجم، تنزع من مكان إلى مكان وكذلك (السابحات) تسبح في الفلك كما قال سبحانه (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)
وكذلك (فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا) فالملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، والله أعلم بحقيقة ذلك.
(ط) وقوله ﷿ (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ. وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ)
(البروج: ١- ٣) (اليوم الموعود): يوم القيامة، و(شاهد) يوم الجمعة (ومشهود): يوم عرفة.
(ي) وقوله تعالى: (وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ)
(الطارق: ١- ٣): (الطارق) النجم يعني به النجوم، وقد تقدّم الشاهد، وإنما قيل للنجم طارق لأنّ طلوعه بالليل، فكلّ ما أتى ليلا فهو طارق لأنّ الليل يسكن فيه، ومن هذا قيل: أطرق فلان إذا أمسك عن الكلام وسكن. (والثاقب) المضيء، يقال له ثقب يثقب ثقوبا إذا أضاء.
[ ٣ / ٧٠ ]
«١٤٨» (ك) وقوله سبحانه (وَالْعادِياتِ ضَبْحًا. فَالْمُورِياتِ قَدْحًا. فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا)
(العاديات: ١- ٣) قيل هي الخيل، وضبحها صوت أجوافها إذا عدت. (والموريات قدحا) إذا عدت الخيل بالليل وأصابت حوافرها الحجارة انقدح منها النيران. وروي أنها سريّة كانت للنبيّ ﵇ إلى كندة.
[ ٣ / ٧١ ]