«٣٦» - ذكر هشام بن محمد بن السائب الكلبيّ أنّ بابك بن ساسان كان يغشى البيت، وآخر ما زاره دفن فيه غزالا من ذهب عيناه ياقوتتان [١]، وفي أذنيه شنفان من ذهب بدرّتين، والسيوف القلعية التي لم تكن إلّا لفارس، وهو الغزال الذي سرقه أبو لهب، وذاك أنّ أبا لهب كان يشرب ومعه ديك ودييك، موليان لخزاعة، فنفد شرابهم فقال أبو لهب: والله ما نعوّل على شيء إلّا على غزال الكعبة، فسرقوه، فعظم ذلك على قريش وقطعوا الموليين ولم يقووا على أبي لهب لمكان بني هاشم، وفيه يقول حسان: [من البسيط]
أبا لهيب فبيّن لي حديثكم أين الغزال عليه الدرّ من ذهب
«٣٧» - كان لعمرو بن دويرة البجلي أخ قد كلف ببنت عمّ له، فتسوّر عليها فأخذه إخوتها وأتوا به خالد بن عبد الله القسري، وسرّقوه، فسأله فصدقهم
_________________
(١) ع: ياقوت.
[ ٣ / ٢٥ ]
ليدفع الفضيحة عن الجارية، فأراد خالد قطعه، فقال عمرو: [من الطويل]
أخالد قد والله أوطئت عشوة وما العاشق المظلوم فينا بسارق
أقرّ بما لم يأته المرء إنه رأى القطع خيرا من فضيحة عاتق
فزوّجه خالد الجارية.
«٣٨» - قال العلاء بن منهال الغنويّ: [من الكامل]
إنّ العفيف [١] إذا استعان بخائن كان العفيف [٢] شريكه في المأثم
«٣٩» - كان أحمد بن يزيد المهلبيّ نديما للمنتصر، فطلبه أبوه المتوكل لمنادمته، فلم يزل نديمه حتى قتل. فلما ولي المنتصر حجبه، ثم أذن له وأمر بنان ابن عمرو فغّنى: [من الطويل]
غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن ورمت بديلا بي ولم أتبدّل
والبيت للمنتصر، فاعتذر المهلبي فقال المنتصر: إنما قلته مازحا، أتراني أتجاوز بكم حكم الله (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ)
(الأحزاب: ٥) .
«٤٠» - كان أبو بشر رزام مولى خالد بن عبد الله القسري يكتب لمحمد بن خالد، وهو يتولّى الحرمين لأبي جعفر، فصرف محمد بن خالد برياح بن عثمان المري، فحبس رزاما وطالبه بأن يرفع على صاحبه فامتنع، فكان يخرجه في كلّ
_________________
(١) بهجة المجالس: إنّ الأمير.
(٢) بهجة المجالس: الأمير.
[ ٣ / ٢٦ ]
يوم ويضربه خمسة عشر سوطا حتى صار جسمه كالقرحة. فأحضره يوما ليضربه فلم يجد فيه موضعا فضربه على كفّه. ولما بلغ به ما بلغ أحضره رزام كتابا يوهمه أنّ فيه رفائع على محمد بن خالد، وقد [١] جمع له رياح الناس، فلما اجتمعوا قال لهم رزام: أيها الناس إن الأمير أمرني أن أرفع على محمد بن خالد، وقد أحضرني [٢] كتابا كلّ ما فيه باطل، وقد صدقت عما عندي، فأمر به فضرب مائة سوط وحبسه. فلم يزل محبوسا حتى غلب محمد بن عبد الله بن حسن بن علي على المدينة، فقتل رياحا وأطلق محمد بن خالد ورزاما كاتبه هذا.
٤»
- لما حلف محمد الأمين للمأمون في البيت الحرام، وهما وليّا عهد، طالبه جعفر بن يحيى بأن يقول: خذلني الله إن خذلته، فقال ذلك ثلاث مرّات.
قال الفضل بن الربيع، قال لي في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا أبا العباس هو ذا أجد في نفسي أنّ أمري لا يتمّ، فقال له: ولم ذاك أعزّ الله الأمير؟
قال: لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر، فقلت: سبحان الله في مثل هذا الموضع؟ فقال لي: هو ما قلت لك.
«٤٢» - قال مسرور الكبير: دخلت على الرشيد بعد أن قتل جعفر بن يحيى، وقد خرج من مرقده وهو يريد الخلاء، فلما رآني أمر بكرسيّ فطرح وجلس عليه ثم قال: إني سائلك عن أمر فلا تطوّل عليّ فإني أريد الطهور [٣]، ولست أبرح أو تخبرني بما أسألك عنه، فقلت له: ليسأل أمير المؤمنين عما أحبّ، قال:
أخبرني عما وجدته من المال والجوهر للبرامكة، فقلت له: ما وجدت شيئا من
_________________
(١) وقد خالد: سقط من الجهشياري.
(٢) الجهشياري: أحضرت.
(٣) الجهشياري: التطهير.
[ ٣ / ٢٧ ]
ذلك لهم، فقال: وكيف وقد نهبوا مالي وذهبوا بخزائني؟ فقلت له: أنفقوه في المكارم، وأصيب لهم من الجوهر ما لا يشبه أمثالهم، قال لي: فما يقول الناس فينا؟ فقلت: الله الله في أمري، فقال: ما لك؟ قلت: الصدق يغضبك، وكان استحلفني ورشيدا والحسين الخادمين أن نصدقه عن كلّ شيء يسألنا عنه، فخفت أن أصدقه فلا يعجبه، لأني كنت قد صدقته عن شيء من أمر الحرم فغضب وحجبني أربعين يوما، فأذكرته بذلك فقال: كان ذلك مني غلطة ولن أعود لمثلها. فقلت له: يقول الناس لم تف لهم، وانك طمعت في أموالهم، قال:
فأيّ شيء حصلت منها؟ قلت: ضياعهم هي مال، فقال: البس سيفك وأحضرني يحيى بن خالد فأقمه وراء الستر، فقلت في نفسي: إنا لله وإنّا إليه راجعون، ماذا صنعت؟ قتلت ابنه وأقتله؟ ثم أحضرت يحيى، فلما خرج الرشيد من الخلاء قال لي: اخرج إليه فقل له ما حملك على أن حملت إلى يحيى بن عبد الله بالديلم مائتي ألف دينار؟ فقلت له ذاك، فقال: أليس قد صفحت عن هذا؟ فقال لي: أو يصفح الإنسان عن دمه؟ فقلت له ذاك، فقال: أردت أن تقوى شوكة يحيى بن عبد الله فيظفر به الفضل بعد قوّته فيكون أحظى له عندك، قال فقلت له: فما كان يؤمّنك أن يقوى فيقتل الفضل ويقتلني؟ وما حملك على أن حملت إلى أحمد بن عيسى بن زيد بالبصرة مع غلامك رباح سبعين ألف دينار؟ فقلت له ذاك، فقال، قل له: أفليس قد صفحت عن ذلك؟ فقال:
أو يصفح الإنسان عن دمه؟ ثم قال: قل له: أنت تعلم موقع عيالي منّي، وطلبت منك وأنا بالبصرة ألف ألف درهم فقلت لي: إن أخذت منها درهما واحدا لهذا الشأن ذهبت هيبتك، فأمسكت، فأخذت أنت منها ألف ألف وخمسماية ألف ففرّقتها في عيالك، واحتلت أنا بقرض تولّاه يونس ما فرّقته فيهم، ثم قال لي:
قل له كذا وقل له كذا حتى عدّ أربعة عشر شيئا، ثم أمرني بردّه إلى محبسه وقال:
يا مسرور، يقول الناس إني ما وفيت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين ما أحبّ أن تستجهلني فقال: وكيف؟ قلت: كيف لك بأن يعلم الناس كعلمي، لبودّي
[ ٣ / ٢٨ ]
أنهم علموا ذلك، على أني أعلم أنه لو نودي فيهم دهرا من الدهور ما حفظوه.
«٤٣» - خرج سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلب إلى بعض جبابين الشام، وإذا امرأة جالسة عند قبر تبكي، فجاء سليمان فرفعت البرقع عن وجهها، فجلت شمسا عن متون غمامة، فوقفا متعجبين ينظران إليها، فقال لها يزيد بن المهلب: يا أمة الله هل لك في أمير المؤمنين بعلا؟ فنظرت إليهما ثم نظرت إلى القبر فقالت: [من الطويل]
فلا تسألاني عن هواي فإنه بحوماء هذا القبر يا فتيان
وإني لأستحييه والترب بيننا كما كنت أستحييه وهو يراني
«٤٤» - كانت عند الحسن بن الحسن بن عليّ امرأة، فضجر يوما وقال: أمرك في يدك، فقالت: أما والله لقد كان في يدك عشرين سنة فحفظته، أفأضيّعه في ساعة صار في يدي؟! قد رددت إليك حقّك، فأعجبه قولها وأحسن صحبتها.
«٤٥» - ومن أحسن الوفاء ما روي عن نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص الكلبي، تزوّجها عثمان بن عفّان، وكان أبوها نصرانيّا، فأمر ابنه ضبّا بتزويجها وحملها إليه بالمدينة، فلما أدخلت إليه قال لها: أتقومين إليّ أم أقوم إليك؟ قالت:
ما قطعت إليك عرض السماوة وأنا أريد أن أكلّفك طول البيت. فلما جلست بين يديه قال: لا يروعنّك هذا الشيب، قالت: أما إني من نسوة أحبّ أزواجهنّ إليهنّ الكهل السيّد، قال: حلّي إزارك، قالت: ذاك بك أحسن. فلما قتل أصابتها ضربة على يدها، وخطبها معاوية فردّته وقالت: ما يعجب الرجل مني؟
[ ٣ / ٢٩ ]
قالوا: ثناياك، فكسرت ثناياها وبعثت بها إلى معاوية، فكان ذلك مما رغّب قريشا في نكاح نساء كلب.
«٤٦» - مرّ أبو بكر ﵁ بجارية سوداء تطحن لمولاتها، فقالت له مولاتها: يا أبا بكر اشترها فإنها على دينك، فلما علم أنها مسلمة حكّم مولاتها فاشتراها على المكان، فدفع ثمنها وقال: قومي يا جارية، قالت: يا أبا بكر إنّ لها عليّ حقّا بقدم ملكها، فائذن لي أن أستتمّ طحينها، ففعل.
«٤٧» - لما أحسّ مصعب بن الزبير بالقتل دفع إلى مولاه زياد فصّ ياقوت قام عليه بألف ألف، وقال له: انج بهذا، فأخذه ودقّه بين حجرين وقال: والله لا أنتفع به بعدك.
«٤٨» - المتنبي: [من الطويل]
أقلّ اشتياقا أيّها القلب إنني رأيتك تصفي الودّ من ليس جازيا
خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصبّا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا