«٥٣» - ويروى في أخبار العرب أنّ الضّيزن بن معاوية من قضاعة كان ملكا ما بين دجلة والفرات، وكان له هناك قصر مشيد يعرف بالحضر حيال تكريت، وملك الجزيرة وبلغ ملكه الشام، فأغار فأصاب أختا لسابور ذي الأكتاف، وفتح مدينة بهرسير [١] وقتل فيهم. قالوا: ثم إنّ سابور ذا الأكتاف جمع لهم وسار إليهم، فأقام على الحصن أربع سنين لا يصل منهم إلى شيء، ثم إنّ النضيرة بنت الضّيزن عركت، أي حاضت، فأخرجت إلى الرّبض، وكانت من أجمل أهل دهرها، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن، وكان سابور من أجمل أهل زمانه، فرآها ورأته فعشقته وعشقها، فأرسلت إليه: ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي؟ قال: حكمك، وأرفعك على نسائي، وأخصّك بنفسي دونهنّ، قالت: عليك بحمامة مطوّقة ورقاء، فاكتب في رجلها بحيض جارية زرقاء، ثم أرسلها فإنها تقع على حائط المدينة فتتداعى المدينة، وكان ذلك طلّسمها لا يهدمها إلا هو. ففعل وتأهّب لهم، وقالت: أنا أسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم وادخل المدينة. ففعل، فتداعت المدينة وفتحها
_________________
(١) بهرسير: قرب المدائن.
[ ٣ / ٣٢ ]
سابور عنوة، وقتل الضيزن يومئذ، وأباد بني العبيد قبيلته الدنيا، وأفنى قضاعة الذين كانوا معه، واحتمل النضيرة بنت الضيزن فأعرس بها بعين التمر، فلم تزل ليلتها تتضوّر من حشيّة في فراشها، وهي من حرير محشوّة بالقزّ. فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هو ورقة آس ملتصقة بعكنة من عكنها قد أثّرت فيها. قال:
وكان ينظر إلى مخّها من لين بشرتها. فقال لها سابور: ويحك بأيّ شيء كان أبوك يغذوك؟ [١] قالت: بالزبد والمخّ وشهد الأبكار من النحل وصفوة الخمر، فقال: وأبيك لأنا أحدث عهدا بمعرفتك وأوتر لك في أبيك الذي غذاك بما تذكرين. فكان عاقبة غدرها بأبيها وعشيرتها أنّ سابور غدر بها، فأمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه ثم استركضه فقطّعها قطعا.