«١٦٨» - قال رسول الله ﵌: تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والحلم، ولا تكونوا من جبابرة العلماء فلا يقوم جهلكم بعلمكم.
١٦٩- وروي عن عيسى ﵇ أنّه قال: من علم وعمل وعلّم عدّ في الملكوت الأعظم عظيما.
١٧»
- وقد كرهت الشهرة بذلك خوف الفتنة، قال رسول الله ﵌: كفى بالمرء فتنة أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا.
«١٧١» - وروي في الحديث: من تعلّم العلم لأربعة دخل النار: ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يأخذ به من الأمراء، أو يميل به وجوه الناس إليه.
«١٧٢» - وقال الحسن: لقد صحبت أقواما ان الرجل لتعرض له الكلمة من الحكمة لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه وما يمنعه منها إلّا مخافة الشهرة.
[ ٢ / ٩١ ]
«١٧٣» - وقال ابن سيرين: لم يمنعني من مجالستكم إلا مخافة الشهرة، فلم يزل بي البلاء حتى أخذ بلحيتي، فأقمت على المصطبة [١] فقيل: هذا ابن سيرين.
«١٧٤» - قال معمر [٢]: رأيت قميص أيوب السختياني يكاد يمس الأرض فقلت: ما هذا؟ فقال: إنما كانت الشهرة فيما مضى في تذييلها واليوم الشهرة في تقصيرها؛ وكان يقول للخياط: اقطع وأطل فإن الشهرة اليوم في القصر.
«١٧٥» - وقال رجل لفضيل [٣]: عظني، فقال: كن ذنبا ولا تكن رأسا، حسبك.
وهم وإن كرهوا الشهرة فإن الرياسة حاصلة لهم وإن أخفوا حالهم وستروها، والقلوب مسلّمة إليهم الرياسة وان أبوها، والجبابرة منقادة إليهم [٤] صغرا وكرها لتمكن هيبتهم في صدورهم.
«١٧٦» - جاء عطاء بن أبي رباح إلى سدّة سليمان بن عبد الملك فجعل يقعقع الحلقة، فقال سليمان بن عبد الملك: افتحوا له، وتزحزح له عن مجلسه
_________________
(١) م: المصيطبة.
(٢) م: قال نعم.
(٣) ع: للفضل؛ م: للفضيل.
(٤) م ر: لهم.
[ ٢ / ٩٢ ]
فقال: أصلحك الله، احفظ وصية رسول الله ﷺ في أبناء المهاجرين والأنصار قال: أصنع بهم ماذا؟ قال: انظر في أرزاقهم، قال: ثم ماذا؟
قال: أهل البادية تفقّد أمورهم فإنهم مادة العرب، قال: ثم ماذا؟ قال: ذمّة المسلمين تفقد أمورهم وخفف عنهم من خراجهم فإنهم عون لك على عدو الله وعدوهم، قال: ثم ماذا؟ قال: أهل الثغور تفقدهم فإنه يدفع بهم عن هذه الأمّة، قال: ثم ماذا؟ قال: يصلح الله أمير المؤمنين. فلما ولى قال: هذا والله الشرف لا شرفنا، وهذا والله السؤدد لا سؤددنا، والله لكأنما معه ملكان ما أقدر أن أراجعه في شيء سألني، ولو سألني أن أتزحزح عن هذا المجلس لفعلت.
«١٧٧» - ودخل عمر بن عبد العزيز على عطاء وهو أسود مفلفل الشعر يفتي الناس في الحلال والحرام فتمثل: [من البسيط]
تلك المكارم لا قعبان من لبن
«١٧٨» - ودخل محمد بن أبي علقمة على عبد الملك بن مروان فقال له: من سيد الناس بالبصرة؟ قال: الحسن، قال: مولى أم عربي؟
قال: مولى، قال: ثكلتك أمك، مولى ساد العرب؟ قال: نعم، قال:
بم؟ قال: استغنى عما في أيدينا من الدنيا وافتقرنا إلى ما عنده من العلم.
قال: صفه لي، قال: آخذ الناس لما أمر به وأتركهم لما نهى عنه.
[ ٢ / ٩٣ ]
«١٧٩» - وروي أن بدويا قدم البصرة فقال لخالد بن صفوان: أخبرني عن سيد هذا المصر، قال: هو الحسن بن أبي الحسن، قال: عربيّ أم مولى؟ قال: مولى، قال: وبم سادهم؟ قال: احتاجوا إليه في دينهم واستغنى عن دنياهم، قال البدوي: كفى بهذا سؤددا.
١٨٠- ولما وقعت الفتنة بالبصرة رضوا بالحسن فاجتمعوا عليه وبعثوا إليه، فلما أقبل قاموا، فقال يزيد بن المهلب: كاد العلماء يكونون أربابا، أما ترون هذا المولى كيف قام له سادة العرب؟! «١٨١» - وجّه الرشيد إلى مالك بن أنس ليأتيه فيحدثه، فقال مالك: إن العلم يؤتى، فصار الرشيد إلى منزله فاستند معه إلى الجدار فقال: يا أمير المؤمنين من إجلال الله إجلال العلم، فقام وجلس بين يديه. وبعث إلى سفيان ابن عيينة فأتاه وقعد بين يديه وحدّثه، فقال الرشيد بعد ذاك: يا مالك تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وتواضع لنا علم سفيان فلم ننتفع به.
١٨٢- وأراد أن يسمع منه الموطأ مع ابنيه فاستخلى المجلس، فقال مالك: إن العلم إذا منع منه العامة لم ينتفع به الخاصّة، فأذن للناس فدخلوا.
«١٨٣» - وكان مالك يكرم العلم ويعظّمه، فإذا أراد أن يتحدث توضّأ وسرّح لحيته وجلس في صدر مجلسه بوقار وهيبة. ودخل عليه ليلة بعد ما أوى إلى فراشه قريبه إسماعيل بن أويس ليحدثه، فقام فتوضّأ وفعل نحو ذلك فحدّثه ثم نزع ثيابه وعاد إلى فراشه.
[ ٢ / ٩٤ ]
«١٨٤» - وفيه قيل: [من الكامل]
يأبى الجواب فما يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعزّ سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطان
«١٨٥» - قال سفيان الثوري: ما رأينا الزهد في شيء أقلّ منه في الرياسة لأنّ الرجل يزهد في الأموال ويسلمها وإذا نوزع في الرياسة لم يسلمها.
«١٨٦» - قال علي ﵇: من حقّ إجلال الله إكرام ثلاثة: ذو الشيبة المسلم، وذو السلطان المقسط، وحامل القرآن غير الجافي عنه ولا الغالي فيه.
«١٨٧» - قام وكيع بن الجراح إلى سفيان الثوري فأنكر عليه قيامه، فقال وكيع: حدثتني عن عمرو بن دينار عن أنس قال رسول الله ﷺ: من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم، فسكت سفيان وأخذ بيده فأجلسه إلى جانبه.
«١٨٨» - قال ابن المبارك: سألت سفيان الثوريّ من الناس؟ قال:
العلماء، قلت: من الأشراف؟ قال: المتقون، قلت: من الملوك؟ قال:
الزهاد، قلت: من الغوغاء؟ قال: القصّاص الذين يستأكلون أموال الناس
[ ٢ / ٩٥ ]
بالكلام، قلت: من السفلة؟ قال: الظلمة.
«١٨٩» - دخل أبو العالية على ابن عبّاس فأقعده معه على السرير وأقعد رجالا من قريش تحته، فرأى سوء نظرهم إليه وحموضة وجوههم، فقال:
ما لكم تنظرون إليّ نظر الشحيح إلى الغريم المفلس؟ هكذا الأدب يشرّف الصغير على الكبير، ويرفع المملوك على المولى، ويقعد العبيد على الأسرّة.
«١٩٠» - مر الحسن بأبي عمرو بن العلاء وحلقته متوافرة، والناس عليه عكوف فقال: من هذا؟ قالوا: أبو عمرو، قال: لا إله إلا الله كاد العلماء يكونون أربابا.
«١٩١» - قال الفضيل [١]: لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم وشحوا على دينهم وأعزّوا هذا العلم وصانوه وأنزلوه حيث أنزله الله إذن لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس فكانوا لهم تبعا، ولكنهم ابتذلوا أنفسهم، وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا فهانوا وذلوا، ووجدوا لغامز فيهم مغمزا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، أعظم بها مصيبة.
نظر إلى هذا المعنى القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني فقال:
[من الطويل]
ولم أقض حقّ العلم إن كنت كلّما بدا طمع صيرته لي سلّما
ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأغرسه عزا وأجنيه ذلة إذا فاتباع الجهل قد كان أسلما
_________________
(١) م: الفضل.
[ ٢ / ٩٦ ]
فإن قلت جدّ العلم كاب فإنما كبا حين لم يحرس حماه وأسلما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظّموه في النفوس لعظما
ولكن أذالوه فهان ودنّسوا محيّاه بالأطماع حتى تجهما
«١٩٢» - سأل خالد القسري واصل بن عطاء عن نسبه فقال: نسبي الإسلام الذي من ضيّعه فقد ضيّع نسبه، ومن حفظه فقد حفظ نسبه، فقال خالد: وجه عبد وكلام حرّ.
١٩٣- أوصى حكيم ابنه فقال: يا بني عزّ المال للذهاب والزوال، وعزّ السلطان يوم لك ويوم عليك، وعزّ الحسب للخمول والدثور، وأما عزّ الأدب فعز راتب رابط لا يزول بزوال المال، ولا يتحوّل بتحوّل السلطان، ولا ينقص على طول الزمان؛ يا بني عظّمت الملوك أباك وهو أحد رعيتها، وعبدت الرعية ملوكها فشتّان ما بين عابد ومعبود؛ يا بنيّ لولا أدب أبيك لكان للملوك بمنزلة الابل النقالة والعبيد الحمالة.
«١٩٤» - قال عطاء بن أبي رباح: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عبّاس، أكثر فقها وأعظم جفنة: إن أصحاب القرآن عنده، وأصحاب الشعر عنده، وأصحاب الفقه عنده، يصدرهم كلهم في واد واسع.