«٥٨» - ومن الغدر الشنيع ما فعلته عضل والقارة. قال قتادة: قدم على رسول الله ﷺ بعد أحد رهط من عضل والقارة، فقالوا: يا رسول الله إنّ فينا إسلاما وخيرا، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقّهونا في الدين، ويقرئونا القرآن، ويعلّمونا شرائع الإسلام. فبعث معهم رسول الله ﷺ ستة نفر من أصحابه: مرثد بن أبي مرثد الغنويّ، وخالد بن البكر [١] حليف بني عديّ بن كعب، وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخا بني عمرو بن عوف، وخبيب بن عديّ أخا بني جحجبا بن كلفة بن عمرو بن عوف، وزيد بن الدثنّة أخا بني بياضة بن عامر، وعبد الله بن طارق حليفا لبني ظفر من بليّ، وأمّر عليهم مرثد بن أبي مرثد. فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع، ماء لبني هذيل بناحية
_________________
(١) خالد بن أبي البكير، في مغازي الواقدي: ٣٥٥.
[ ٣ / ٣٥ ]
من الحجاز، غدروا بهم، واستصرخوا عليهم هذيلا. فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلّا الرجال في أيديهم السيوف قد غشوا، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا: إنّا والله ما نريد قتالكم، ولكنّا نريد أن نصيب بكم شيئا من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه ألّا نقتلكم. فأما مرثد بن أبي مرثد وخالد بن البكر وعاصم بن ثابت فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا. فقاتلوهم حتى قتلوهم جميعا. وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فلانوا ورقّوا ورغبوا في الحياة وأعطوا بأيديهم، فأسروهم وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها، حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القرآن، ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بالظهران. وأما خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فقدموا بهما إلى مكة فباعو هما، فابتاع خبيبا حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل، وكان حجير أخا الحارث بن عامر لأمّه، ليقتله بأبيه. وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف. وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت قد أرادوا رأسه ليحملوه إلى سراقة بنت سعد بن سهيل ليبيعوه منها، وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربنّ في قحفه الخمر، فمنعته الدّبر، فلما حالت بينه وبينهم قالت: دعوه حتى نمسي فيذهب الدبر عنه فنأخذه، فبعث الله ﷿ الوادي فاحتمل عاصما فذهب به، وكان عاصم قد أعطى الله عهدا لا يمسّه مشرك أبدا ولا يمسّ مشركا في حياته، فمنعه الله تعالى بعد وفاته. وكان عمر بن الخطاب يقول حين بلغه أنّ الدّبر منعته: عجبا لحفظ الله العبد المؤمن، كان عاصم نذر لا يمسّه مشرك ولا يمسّ مشركا في حياته فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع منه في حياته.
وروي أنّ خبيبا لما حصل عند بنات الحارث استعار من إحداهنّ موسى يستحدّ بها للقتل، فما راع المرأة لها صبيّ يدرج إلّا بخبيب قد أجلس الصبيّ على فخذه، والموسى في يده، فصاحت المرأة، فقال خبيب: أتحسبين أني أقتله؟
[ ٣ / ٣٦ ]
إنّ الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة بعد: ما رأيت أسيرا قطّ خيرا من خبيب، لقد رأيته وما بمكة من ثمرة وإنّ في يده لقطفا من عنب يأكله إن كان إلّا رزقا رزقه الله خبيبا. ولما خرج بخبيب من الحرم ليقتلوه قال: ذروني أصلّ ركعتين، ثم قال: لولا أن يقال جزع لزدت، وما أبالي على أيّ شقّيّ كان مصرعي، وقال: [من الطويل]
وذلك في ذات الإله ولو يشا لبارك في أوصال شلو ممزّق
اللهم أحصهم عددا، وخذهم بددا، ولا تفلت منهم أحدا.
وأخبر عون بن أمية عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ بعثه وحده عينا إلى قريش، قال: فجئت إلى خشبة خبيب وأنا أتخوّف العيون، فرقيت إليها فحللت خبيبا فوقعت إلى الأرض، فاستدرت غير بعيد ثم إني التفتّ فلم أر لخبيب أثرا، فكأنما الأرض ابتلعته، فلم تذكر لخبيب رمّة حتى الساعة.
وبعث صفوان بن أمية مولى له يقال له نسطاس، فأخرج زيد بن الدّثنّة من الحرم ليقتله، واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال له أبو سفيان حين قدّم ليقتل: أنشدك يا زيد أتحبّ أنّ محمدا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك الآن؟ قال: والله ما أحبّ أنّ محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه فتصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. قال، يقول أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحبّ أحدا كحبّ أصحاب محمد محمدا، ثم قتله نسطاس.
«٥٩» - قال مسعود بن عبد الله الأسدي يحسّن الغدر: [من الكامل]
سائل بني يربوع إن لاقيتهم عن ضيفهم يخبرك منهم خابر
[ ٣ / ٣٧ ]
قالوا غدرت فقلت إنّ وربما نال العلى وشفى الغليل الغادر
«٦٠» - وقال حرب بن جابر الحنفي: [من الطويل]
رأيت أبا القيّار للغدر آلفا وللجار وابن العمّ جمّا غوائله
وإنّ أبا القيار كالذئب إن رأى بصاحبه يوما دما فهو آكله
«٦١» - وقال عارق الطائي [من الطويل]
غدرت بأمر أنت كنت دعوتنا إليه وشرّ شيمة الغدر بالعهد
وقد يترك الغدر الفتى وطعامه إذا هو أمسى جلّه من دم الفصد
«٦٢» - أغار حنتمة بن مالك الجعفيّ على حيّ من بني القين بن جسر، فاستاق منهم إبلا، فلحقوه ليستنقذوها منه، فلم يطمعوا فيه، ثم إنه ذكر يدا كانت لبعضهم عنده، فخلّى عما كان في يده وولّى منصرفا. فنادوه وقالوا: إنّ المفازة أمامك ولا ماء معك، وقد فعلت جميلا فانزل ولك الذمام والحباء، فنزل. فلما اطمأنّ واستمكنوا منه غدروا به فقتلوه، فقالت عمرة ابنته:
[من الطويل]
غدرتم بمن لو كان ساعة غدركم بكفّيه مفتوق الغرارين قاضب
لذادكم عنه بضرب كأنّه سهام المنايا كلهنّ صوائب