(الباب الخامس في السخاء والجود والبخل واللؤم) الجود بذل المال [١]، وأنفعه ما يصرف [٢] في وجه استحقاقه، وقد حثّ الله ﷿ عليه، وندب إليه في قوله لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
(آل عمران: ٩٢) والبخل منع الحقوق، وإليه الاشارة في قوله تعالى وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
(التوبة: ٣٤- ٣٥) .
وقال تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
(آل عمران:
١٨٠) . وقال تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(الحشر: ٩) .
«٦٦٥» - وقال رسول الله ﷺ: إنّ الله استخلص هذا الدين لنفسه، ولا يصلح لدينكم إلا السخاء وحسن الخلق، ألا فزيّنوا دينكم بهما.
«٦٦٦» - وقال ﷺ: تجاوزوا عن ذنب السخيّ فإن الله ﷿ آخذ
_________________
(١) نهاية الأرب ٣: ٢٠٤.
(٢) م: صرف.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
بيده كلّما عثر وفاتح له كلما افتقر.
«٦٦٧» - ووفد عليه ﷺ رجل فسأله فكذبه فقال له: أسألك فتكذبني؟! لولا سخاء فيك ومقك الله عليه لشرّدت بك من وافد قوم.
«٦٦٨» - وقال ﷺ: شرّ ما في الرجل شحّ هالع، أو جبن خالع.
«٦٦٩» - وقال ﷺ: خلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق.
«٦٧٠» - وقال بعض السلف: منع الموجود سوء ظنّ بالمعبود، وتلا وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
(سبأ: ٣٩) .
«٦٧١» - وقال علي ﵇: الجود حارس الأعراض.
«٦٧٢» - وقال أيضا: السخاء ما كان ابتداء، فأما ما كان عن مسألة فحياء وتذمّم.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
«٦٧٣» - وقال أيضا: البخل عار.
«٦٧٤» وقال أيضا: عجبت للبخيل الذي استعجل الفقر الذي منه هرب، وفاته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء.
«٦٧٥» - وقال علي بن عبد الله بن العبّاس: سادة الناس في الدنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء.
٦٧٦- وقال يحيى بن معاذ الرازي: تأبى القلوب للأسخياء إلا حبّا ولو كانوا فجارا، وللبخلاء إلا بغضا ولو كانوا أبرارا.
«٦٧٧» - وقال بعض الحكماء: الجواد من جاد بماله وصان نفسه عن مال غيره.
«٦٧٨» - وقيل لعمرو بن عبيد: ما الكرم؟ فقال: أن تكون بمالك متبرعا، وعن مال غيرك متورّعا.
٦٧٩- نظر أعرابي إلى قوم ينصرفون من المسجد الجامع فقال: لو ورد هؤلاء على بخيل لقضى حوائجهم، فكيف على أجود الأجواد؟
[ ٢ / ٢٦١ ]
«٦٨٠» - ومن كلام ينسب إلى جعفر بن محمد ﵉: (١) لا يتمّ المعروف إلا بثلاثة: بتعجيله وتصغيره وستره. (٢) جاهل سخيّ خير من ناسك بخيل. (٣) الجود زكاة السعادة. (٤) الايثار على النفس موجب لاسم الكريم. (٥) لا تستحي من بذل القليل فإن الحرمان أقلّ منه. ويشبه هذا المعنى قول الشاعر، وينسب إلى حماد عجرد: [من البسيط]
بثّ النوال ولا يمنعك قلّته فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
ومن هذا الشعر:
إن الكريم ليخفي عنك عسرته حتى يخال غنيّا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل زرق العيون عليها أوجه سود
«٦٨١» - وقال علي بن موسى: لا خير في المعروف إذا أحصي.
«٦٨٢» - وقال علي بن الحسين: الكريم يبتهج بفضله، واللئيم يفتخر بماله.
«٦٨٣» - وقال الحسين بن عليّ لمعاوية: من قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم.
[ ٢ / ٢٦٢ ]
«٦٨٤» - ومن كلام له: أيها الناس من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه.
«٦٨٥» - وأنشد عبد الله بن جعفر قول الشاعر: [من الكامل]
إنّ الصنيعة لا تكون صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع
فقال: هذا شعر رجل يريد أن يبخّل الناس؛ أمطر المعروف مطرا فإن صادف موضعا فهو الذي قصدت، وإلا كنت أحقّ به.
«٦٨٦» - وقيل ليزيد بن معاوية: ما الجود؟ فقال: إعطاء المال من لا تعرف فإنه لا يصير إليه حتى يتخطّى من تعرف [١] .
«٦٨٧» - وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر: ما دام قلمك يرعف فأمطره معروفا.
«٦٨٨» - قال سعيد بن العاص، وكان من الأجواد: قبّح الله المعروف إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة، فأما إذا أتاك يتردد دمه في وجهه مخاطرا لا
_________________
(١) ر: يعترف.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
يدري أتعطيه أم لا، وقد بات ليلته يتململ على فراشه، يعاقب بين شفتيه مرة هكذا ومرة هكذا من لحاجته، فخطرت بباله أنا أو غيري فمثّل أرجاهم في نفسه وأقربهم من حاجته ثم عزم عليّ وترك غيري، فلو خرجت له مما أملك لم أكافه وهو عليّ أمنّ مني عليه.
«٦٨٩» - وقال علي بن أبي طالب ﵇ لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق في كلام دار بينهما: ما فعلت إبلك الكثيرة؟ قال: ذعذعتها [١] الحقوق يا أمير المؤمنين، قال: ذاك أحمد سبلها.
«٦٩٠» - قال عمرو بن الأهتم: [من الطويل]
ألا طرقت أسماء وهي طروق وباتت على أنّ الخيال يشوق
بحاجة محزون كأنّ فؤاده جناح وهت عظماه فهو خفوق
ذريني فإن البخل يا أمّ هيثم لصالح أخلاق الرجال سروق
وإنّي كريم ذو عيال تهمّني نوائب يغشى رزؤها وحقوق
ذريني وحطّي في هواي فإنني على الحسب الزاكي الرفيع شفيق
ومستنبح بعد الهدوء دعوته وقد حان من ساري الشتاء طروق
يعالج عرنينا من الليل باردا تلفّ رياح ثوبه وبروق
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا فهذا مبيت صالح وصديق
_________________
(١) ذعذعتها: فرقتها.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وقمت إلى البرك الهواجد فاتّقت مقاحيد كوم كالمجادل روق [١]
بأدماء مرباع النتاج كأنّها إذا عرضت دون العشار فنيق [٢]
بضربة ساق أو بنجلاء ثرّة [٣] لها من أمام المنكبين فتيق
وقام إليها الجازران فأوقدا يطيران عنها الجلد وهي تفوق [٤]
فجرّ إلينا ضرعها وسنامها وأزهر يحبو للقيام عتيق [٥]
بقير [٦] جلا بالسيف عنه غشاءة أخ باخاء الصالحين رفيق
فبات لنا منها وللضيف موهنا عشاء سمين راهن وغبوق
وبات له دون الصّبا وهي قرّة لحاف ومصقول الكساء رقيق
وكلّ كريم يتّقي الذمّ بالقرى وللخير بين الصالحين طريق
أضفت فلم أفحش عليه ولم أقل لأسمعه إن الفناء مضيق [٧]
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق
نمتني عروق من زرارة للعلى ومن فدكيّ والأشدّ عروق
أكارم يجعلن الفتى في أرومة يفاع وبعض الوالدين دقيق
«٦٩١» - وقال حاتم الطائي: [من الطويل]
_________________
(١) البرك: الابل، الهواجد: النيام؛ المقاحيد: الابل العظام الاسنمة، وكذلك الكوم؛ المجادل: القصور، روق: كريمة.
(٢) الأدماء: البيضاء؛ مرباع النتاج: نتجت في أول النتاج؛ الفنيق: فحل الابل.
(٣) في الأصل: بادماء؛ والنحلاء: الطعنة الواسعة؛ ثرة: واسعة مخرج الدم.
(٤) تفوق: يخرج نفسها.
(٥) الأزهر العتيق، يعني ولد الناقة.
(٦) بقير: مبقور.
(٧) لم يرد في المفضليات.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
أماويّ إنّ المال غاد ورائح ويبقى من المال الأحاديث والذكر
وقد علم الأقوام لو أنّ حاتما أراد ثراء المال أمسى له وفر
أماويّ إن يصبح صداي بقفرة من الأرض لا ماء لديّ ولا خمر
تري أنّ ما أفنيت لم يك ضرّني وأنّ يدي مما بخلت به صفر
أماويّ إما مانع فمبيّن وإمّا عطاء لا ينهنهه الزّجر
أماويّ ما يغني الثراء عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى وكلّا سقاناه بكأسيهما الدهر
فما زادنا بغيا على ذي قرابة غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر
«٦٩٢» - وقال أيضا: [من الكامل]
وإذا تنوّر طارق مستنبح نبحت فدلّته عليّ كلابي
وعوين يستعجلنه فلقينه يضربنه بشراشر الأذناب
«٦٩٣» - وقال الأقرع بن معاذ القشيري: [من الطويل]
دعيني فإن الجود يا أمّ خالد إليّ ومعروف الثناء عجيب
وإنك إن بخّلت ثم ندبتني بصالح أخلاق الفتى لكذوب
وما يك من عسري ويسري فإنني ذلول بحاج المعتفين أريب
وما زلت مثل البحر يركب مرة فيعلى ويولي مرة فيثيب
وما خير معروف الفتى في شبابه إذا لم يزده الشيب حين يشيب
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وما السائل المحروم يرجع خائبا ولكن بخيل الأغنياء يخيب
وللمال أشراك وإن ضنّ ربه يصيب الفتى من ماله وتصيب
«٦٩٤» .- (١) وقال ابن هرمة: [من المنسرح]
لا غنمي في الحياة مدّ لها إلى دراك القرى ولا إبلي
كم ناقة قد وجأت منحرها بمستهلّ الشؤبوب أو جمل
لا أمتع العوذ بالفصال ولا أبتاع إلا قريبة الأجل
(٢) وقال أيضا: [من الكامل]
أغشى الطريق بقبّتي ورواقها وأحلّ في قلل الرّبى فأقيم
إنّ امرءا جعل الطريق لبيته طنبا وأنكر حقّه للئيم
(٣) وقال أيضا: [من الطويل]
ومستنج تستكشط الريح ثوبه ليسقط عنه وهو بالثوب معصم [١]
عوى في سواد الليل بعد اعتسافه لينبح كلب أو ليفزع نوّم
فجاوبه مستسمع الصوت للقرى له عند إتيان المهبين [٢] مطعم
يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا يكلّمه من حبّه وهو أعجم
_________________
(١) معصم: مستمسك.
(٢) المهبين: الضيوف.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
«٦٩٥» - وقال الخثعمي: [من البسيط]
لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة فليس ينفدها التبذير والسّرف
وان تولّت فأحرى أن تجود بها فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف
وقد روي هذان البيتان لبعض الكتاب، أنشدهما يحيى بن خالد وقد رآه يفرّق الصلات في النّاس.
«٦٩٦» - وأخذ المعنى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فقال: [من الطويل]
فأنفق إذا أنفقت إن كنت موسرا وأنفق على ما خيّلت حين تعسر
فلا الجود يفني المال والحظّ مقبل ولا البخل يبقي المال والجدّ مدبر
«٦٩٧» - وقد قال عسل بن ذكوان: [من البسيط]
أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمت بين العباد مع الآجال أرزاق
لا ينفع البخل مع دنيا مولّية ولا يضرّ مع الإقبال إنفاق
والكلّ مأخوذ من قول امرأة من العرب لابنها: يا بنيّ إذا رأيت المال مقبلا فأنفق، فإن ذهابه فيما تريد خير من ذهابه فيما لا تريد.
٦٩٨- وصف رجل عبد الله بن جعفر فقال: كان إذا افتقر لم تفتقر نفسه، وإذا استغنى لم يستغن وحده.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
«٦٩٩» - وكان عبد الله بن جعفر من الجود بالمكان المشهور، وله فيه أخبار يكاد سامعها ينكرها لبعدها عن المعهود، وكان معاوية يعطيه ألف ألف درهم كل سنة فيفرقها في الناس، ولا تراه إلّا وعليه دين. ولما مات معاوية وفد على يزيد فقال له: كم كان أمير المؤمنين معاوية يعطيك؟ قال: كان ﵀ يعطيني ألف ألف، قال يزيد: قد زدناك لترحمك عليه ألف ألف، قال: بأبي وأمي أنت، قال: ولهذه ألف ألف، قال: أمّا إني لا أقولها لأحد بعدك، فقيل ليزيد: أعطيت هذا المال العظيم رجلا واحدا من مال المسلمين فقال: والله ما أعطيته إلّا لجميع أهل المدينة، ثم وكل به من صحبه وهو لا يعلم، لينظر ما يفعل في المال، فلما وصل المدينة فرّق جميع المال حتى احتاج بعد شهر إلى الدّين.
«٧٠٠» - وقال له الحسن والحسين ﵉: إنك قد أسرفت في بذل المال، فقال: بأبي أنتما، إن الله ﷿ عوّدني أن يفضل عليّ وعوّدته أن أفضل على عباده، فأخاف أن أقطع العادة فتنقطع عنّي المادة.
«٧٠١» - ولما ولي عبد الملك بن مروان جفا عبد الله ورقّت حاله. فراح يوما إلى الجمعة وجاءه سائل فقال له: إن كان يقنعك أحد قميصيّ هذين فخذه، فقال نعم، فقال: اللهم إنك عودتني عادة جريت عليها، فإن كان ذلك قد انقطع فاقبضني إليك، فتوفي في الجمعة الأخرى.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
«٧٠٢» - وامتدح نصيب عبد الله بن جعفر، فأمر له بخيل وأثاث وإبل ودنانير ودراهم، فقال له رجل: أمثل هذا الأسود يعطى مثل هذا المال؟
فقال عبد الله: إن كان أسود فإن شعره لأبيض وإن ثناءه لعربيّ، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى ومالا يفنى ومطايا تنضى، وأعطانا مدحا يروى وثناء يبقى؟
«٧٠٣» - وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك تبذل الكثير إذا سئلت، وتضيّق في القليل إذا توجرت، فقال: إنّي أبذل مالي وأضنّ بعقلي.
وله أخبار سأذكر بعضها حيث يتفق من هذا الباب.
«٧٠٤» - كان لبيد بن ربيعة العامري جوادا شريفا في الجاهلية والإسلام، وكان نذر أن لا تهبّ الصّبا إلا نحر وأطعم حتى تنقضي، فهبت في الإسلام وهو بالكوفة مملق مقتر، فعلم بذلك الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو واليها من قبل عثمان، فخطب الناس فقال: إنكم قد عرفتم نذر أبي عقيل وما وكّد على نفسه، فأعينوا أخاكم؛ ثم نزل فبعث إليه بمائة ناقة وبعث الناس إليه أيضا، فقضى نذره، ففي ذلك تقول بنت لبيد: [من الوافر]
إذا هبّت رياح أبي عقيل دعونا عند هبّتها الوليدا
[ ٢ / ٢٧٠ ]
«٧٠٥» - وكان عبد الله بن جدعان التيميّ- تيم قريش- من أجواد العرب في الجاهلية، فلما أسنّ أخذت بنو تيم على يده ومنعوه أن يعطي شيئا من ماله، فكان إذا أتاه الرجل يطلب منه قال: ادن مني، فإذا دنا منه لطمه، ثم يقول: اذهب فاطلب لطمتك أو ترضى، فترضيه بنو تيم من ماله، وذلك قول ابن قيس الرقيات: [من الخفيف]
والذي إن أشار نحوك لطما تبع اللطم نائل وعطاء
«٧٠٦» - مرض قيس بن سعد بن عبادة فاستبطأ عوّاده، فقال لمولى له: ما بال الناس لا يعودونني؟ قال: للدّين الذي لك عليهم، قال: ناد فيهم: من كان عليه شيء فهو له، فكسروا درجته من تهافتهم.
«٧٠٧» - كان سعيد بن العاص إذا سأله سائل فلم يكن له ما يعطيه قال له: اكتب عليّ سجّلا إلى يوم يسري؛ ولما مات أتى غرماوءه ابنه بما عليه من الصكاك وكان في جملتها صكّ لفتى من قريش فيه شهادة مولى له بعشرين ألفا فقال ابنه للمولى: من أين له هذا المال وإنما هو صعلوك من فتيان قريش؟
فقال المولى: إن أباك خرج من منزله فلقيه هذا الفتى فمشى معه، فلما بلغ حيث أراد سأله هل من حاجة؟ فقال: لا إنما رأيتك تمشي وحدك فوصلت جناحك، فلم يكن معه ما يعطيه فكتب له على نفسه بما رأيت.
[ ٢ / ٢٧١ ]
«٧٠٨» - اشترى عبيد الله بن أبي بكرة جارية بستين ألف درهم، فطلب دابة تحمل عليها فلم توجد، فجاء رجل بدابّته فحملها فقال له: إلى أين أحملها؟ فقال له عبيد الله: اذهب بها إلى منزلك، ووهبها له.
«٧٠٩» - واستعمله عبيد الله بن زياد على إطفاء بيوت النيران بين البصرة وسجستان، فأصاب أربعين ألف ألف درهم، فحال الحول عليه وعليه دين.
«٧١٠» - أرتج على عبد الله بن عامر بالبصرة يوم أضحى، فسكت ساعة ثم قال: لا أجمع عليكم عيّا وبخلا، من أخذ شاة من السوق فهي له، وثمنها عليّ.
«٧١١» - باع أبو الجهم داره، فلما أرادوا الاشهاد عليه قال: بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص؟ قالوا: سبحان الله، وهل رأيت أحدا يشتري جوار أحد؟ قال: ألا تشترون جوار إنسان إذا أسأت إليه أحسن؟ لا أريد أن أبيعكم شيئا، ردّوا عليّ داري، فبلغ ذلك سعيدا فبعث إليه بألف دينار.
«٧١٢» - طلب رجل من أبي العبّاس الطوسي خطرا فلم يعطه، فبلغ
[ ٢ / ٢٧٢ ]
ذلك معن بن زائدة وهو باليمن، فأرسل إليه بجراب خطر فيه ألف دينار وكتب إليه: اختضب بالخطر وانتفع بالنخالة.
«٧١٣» - كان معن بن زائدة قد أبلى مع يزيد بن عمر بن هبيرة بلاء شديدا، فطلبه المنصور وبذل مالا لمن جاء به، فاضطر لشدة الطلب إلى أن أقام في الشمس حتى لوّحت وجهه، وخفّف عارضه ولحيته، ولبس جبة صوف غليظة، وركب جملا ثفالا، وخرج عليه ليمضي إلى البادية فيقيم بها؛ قال معن: فلما خرجت من باب حرب تبعني أسود متقلّد سيفا حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام الجمل فأناخه، وقبض علي فقلت: مالك؟
فقال: أنت طلبة أمير المؤمنين، فقلت له: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين؟
قال: دع هذا فأنا أعرف بك منك، قال معن فقلت له: يا هذا أتّق الله فيّ فان كانت القصة كما تقول فهذا جوهر حملته معي بأضعاف ما بذله المنصور لمن جاءه بي، فخذه ولا تسفك دمي، فقال: هاته، فأخرجته فنظر إليه ساعة وقال: صدقت في قيمته ولست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك، فقلت: قل، فقال: إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت قطّ مالك كلّه؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال:
فثلثه؟ قلت: لا، حتى بلغ العشر، فاستحييت وقلت: أظنّ أني قد فعلت ذلك، فقال: ما ذاك بعظيم، أنا والله رزقي من أبي جعفر عشرون درهما، وهذا الجوهر قيمته آلاف الدنانير قد وهبته لك، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أنّ في الدنيا أجود منك فلا تعجبك نفسك، ولتحقر بعدها كلّ شيء تفعله، ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى بالجوهر في حجري وخلّى خطام البعير وانصرف، فقلت له: يا هذا قد والله فضحتني، ولسفك
[ ٢ / ٢٧٣ ]
دمي أهون عليّ مما فعلت، فخذ ما دفعته إليك فإني عنه غني، فضحك وقال: أردت أن تكذبني في مقامي هذا؟ والله لا آخذه ولا آخذ لمعروف ثمنا أبدا. فو الله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جاء به ما شاء فما عرفت له خبرا، وكأن الأرض ابتلعته.
«٧١٤» - أراد رجل أن يمدح رجلا عند خالد بن عبد الله القسري فقال: والله لقد دخلت إليه فوجدته أسرى الناس فرشا ودارا وآلة، فقال خالد: لقد ذممته من حيث أردت أن تمدحه، هذه والله حال من لم تدع فيه شهوته للمعروف فضلا.
«٧١٥» - قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في علّته: لم يبق عليّ من لباس الزمان إلا العلة والخلّة، وأشدّهما عليّ أهونهما على الناس، لأن ألم جسمي بالأوجاع أهون من ألم قلبي للحقّ المضاع.
«٧١٦» - قال أعرابي: ما زال فلان يعطيني حتى ظننته يودعني، وما ضاع مال أودع حمدا.
«٧١٧» - شاعر: [من الكامل]
وإذا الرجال تصرّفت أهواؤها فهواه لحظة سائل أو آمل
ويكاد من فرط السخاء بنانه حبّ العطاء يقول هل من سائل
[ ٢ / ٢٧٤ ]
«٧١٨» - وقال عمارة بن عقيل في خالد بن يزيد: [من الكامل]
تأبى خلائق خالد وفعاله إلا تجنّب كلّ أمر عائب
وإذا حضرنا الباب عند غدائه أذن الغداء لنا برغم الحاجب
«٧١٩» - وقال الخريميّ: [من الطويل]
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمحلّ جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ولكنما وجه الكريم خصيب
«٧٢٠» - مرّ يزيد بن المهلب بأعرابية في خروجه من سجن عمر بن عبد العزيز يريد البصرة، فقرته عنزا فقبلها وقال لابنه معاوية: ما معك من النفقة؟
قال: ثمانمائة دينار، قال: فادفعها إليها، فقال له ابنه: إنك تريد الرجال ولا تكون الرجال إلا بالمال، وهذه يرضيها اليسير وهي بعد لا تعرفك، قال:
فإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي؛ ادفعها إليها.
«٧٢١» - قال العتبيّ: أشرف عمر بن هبيرة يوما من قصره فإذا هو بأعرابيّ يرقص قلوصه الآل، فقال لحاجبه: إن أرادني هذا فأوصله إليّ، فلما
[ ٢ / ٢٧٥ ]
دنا الأعرابيّ سأله فقال: قصدت الأمير، فأدخله إليه، فلما مثل بين يديه قال له عمر: ما خطبك؟ فقال الأعرابيّ: [من المنسرح]
أصلحك الله قلّ ما بيدي فما أطيق العيال إذ كثروا
ألحّ دهر أنحى بكلكه فأرسلوني إليك وانتظروا
قال: فأخذت عمر الأريحية فجعل يهترّ في مجلسه ثم قال: أرسلوك إليّ وانتظروا، إذن والله ولا تجلس حتى ترجع إليهم غانما، فأمر له بألف دينار وردّه على بعيره.
قال أبو العبّاس المبرد: بلغني أنّ الخبر لمعن، وذلك عندي أصحّ.
«٧٢٢» - أتى رجل يسأل الحسن بن علي ﵉ فقال له: إنّ المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح، أو فقر مدقع، أو حمالة مفظعة، قال الرجل: ما جئت إلّا في إحداهن، فأمر له بمائة دينار، ثم أتى أخاه الحسين ﵇ فقال له مثل ما قال له أخوه، فأعطاه تسعة وتسعين دينارا، كره أن يساوي أخاه. ثم أتى عبد الله بن عمر رضوان الله عليهما فأعطاه سبعة دنانير، ولم يسأله عن شيء، فحدثه بقصته وما جرى بينه وبينهما، فقال عبد الله: ويحك وأين تجعلني منهما؟ إنهما عذّيا العلم [١] غذاء.
«٧٢٣» - لما وجّه يزيد بن معاوية عسكره لاستباحة أهل المدينة ضمّ عليّ ابن الحسين إلى نفسه أربعمائة منافيّة يعولهنّ إلى أن انقرض جيش مسلم بن عقبة، فقالت امرأة منهن: ما عشت والله بين أبويّ بمثل ذلك التتريف [٢] .
_________________
(١) م: بالعلم.
(٢) ع م: الشريف.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
٧٢٤- ذكر العبّاس بن محمد أنّ المهديّ لما وجّه الرشيد إلى الصائفة سنة ثلاث وستين خرج يشيّعه وأنا معه، فلما حاذى قصر مسلمة قلت له: يا أمير المؤمنين إن لمسلمة في أعناقنا منّة، كان محمد بن علي مرّ به فأعطاه أربعة آلاف دينار وقال له: يا ابن عم هذان ألفان لدينك وألفان لمعونتك، فإذا نفدت فلا تحتشمنا؛ فقال لما حدّثته الحديث: أحضروا من ها هنا من ولد مسلمة ومواليه، فأمر لهم بعشرين ألف دينار، وأمر أن تجرى عليهم الأرزاق ثم قال: يا أبا الفضل أكافأنا مسلمة وقضينا حقه؟ قلت: وزدت يا أمير المؤمنين.
«٧٢٥» - قال يحيى بن خالد: جعلت الدنيا دون عرضي، فأبرّها عندي ما صانه، وأهونها عليّ ما شانه.
«٧٢٦» - كتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان في نكبته: إنّ الكريم المنكوب أجدى على الأحرار من اللئيم الموفور، لأنّ اللئيم إذا ازداد نعما ازداد لؤما، والكريم إذا ازداد عسرا ازداد ظنّه بالله حسنا.
«٧٢٧» - رفع الواقدي قصة إلى المأمون يشكو غلبة الدّين وقلّة الصبر، فوقّع المأمون عليها: أنت رجل فيك خلّتان: الحياء والسخاء، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يدك، وأما الحياء فبلغ بك ما أنت عليه، وقد أمرنا لك بمائة ألف درهم، فإن كنّا أصبنا إرادتك فازدد في بسط يدك، وإن كنّا لم نصب إرادتك فبجنايتك على نفسك، وأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء
[ ٢ / ٢٧٧ ]
الرشيد عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال للزبير: يا زبير، إن مفاتيح الرزق بساق [١] العرش، ينزل الله ﷿ للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم، فمن كثّر كثّر له ومن قلّل قلّل له؛ قال الواقدي:
وكنت أنسيت الحديث، فكانت مذاكرته إياي به أعجب إليّ من صلته.
«٧٢٨» - بعث روح بن حاتم بن المهلب إلى رجل بثلاثين ألف درهم وكتب إليه: قد وجهت إليك بما لا أقلّله تكبرا، ولا أكثّره تمنّنا، ولا أستثيبك عليه ثناء، ولا أقطع لك به رجاء.
«٧٢٩» - أراد الرشيد أن يخرج إلى القاطول فقال يحيى بن خالد لرجاء ابن عبد العزيز، وكان على نفقاته: ما عند وكلائنا من المال؟ قال: سبعمائة ألف درهم، قال: فاقبضها إليك يا رجاء، فلما كان من الغد غدا إليه رجاء فقبّل يده وعنده منصور بن زياد، فلما خرج قال لمنصور: قد ظننت أنّ رجاء قد توهّم أنا قد وهبنا المال له وإنما أمرناه بقبضه من الوكلاء ليحفظه علينا لحاجتنا إليه في وجهنا هذا، قال منصور: فأنا أعلمه ذلك، قال إذن يقول:
فقل له يقبّل يدي كما قبلت يده، فلا تقل شيئا فقد تركتها له.
«٧٣٠» - قال سلم بن زياد لطلحة بن عبيد الله بن خلف الخزاعي: إني أريد أن أصل رجلا له عليّ حقّ وصحبة بألف ألف درهم فما ترى؟ قال:
أرى أن تجعل هذه لعشرة، قال: فأصله بخمسمائة ألف درهم، قال: كثير، فلم يزل به حتى وقف على مائة ألف درهم قال: أفترى مائة الف يقضى بها
_________________
(١) ر: بازاء.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
ذمام رجل له انقطاع وصحبة ومودة وحقّ واجب؟ قال: نعم، قال: هي لك وما أردت غيرك، قال: فأقلني قال لا أفعل والله.
«٧٣١» - سئل إسحاق الموصلي عن سخاء أولاد يحيى بن خالد فقال:
أما الفضل فيرضيك فعله، وأما جعفر فيرضيك بقوله، وأما محمد فيفعل بحسب ما يجد، وأما موسى فيفعل ما لا يجد.
٧٣٢- بات جماعة من الرؤساء عند أحمد بن أبي دواد، فلما أخذوا مضاجعهم إذا الخدم قد أخرجوا لكلّ واحد منهم جارية، قال: فاحتشموا من ذلك، وبات الجواري ناحية، فلما أصبحوا وجّه بجارية كلّ واحد إلى منزله ومعها وصيفة.
«٧٣٣» - قال شريح بن الأحوص: [من الطويل]
ومستنبح يبغي المبيت ودونه من الليل سجفا ظلمة وستورها
رفعت له ناري فلما اهتدى بها زجرت كلابي أن يهرّ عقورها
فبات وقد أسرى من الليل عقبة بليلة صدق غاب عنها شرورها
إذا الشول راحت ثم لم تفد لحمها بألبانها ذاق السنان عقيرها
«٧٣٤» - وقال عروة بن الورد: [من الطويل]
[ ٢ / ٢٧٩ ]
إني امرو عافي إنائي شركة وأنت امرو عافي إنائك واحد
أتهزأ منّي أن سمنت وأن ترى بوجهي شحوب الحقّ والحقّ جاهد
أقسّم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد
«٧٣٥» - وقال آخر: [من البسيط]
ألا ترين وقد قطّعتني عذلا ماذا من الفوت بين البخل والجود
إلّا يكن ورق يوما أجود بها للمعتفين فإني ليّن العود
«٧٣٦» - وقال قيس بن عاصم: [من الطويل]
أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلا فإني غير آكله وحدي
كريما قصيا أو قريبا فإنني أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره خفيف المعا بادي الخصاصة والجهد
وللموت خير من زيارة باخل يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا وما فيّ إلا تيك من شيمة العبد
«٧٣٧» - وقال آخر: [من الطويل]
[ ٢ / ٢٨٠ ]
ومستنبح قال الصّدى مثل قوله حضأت له نارا لها حطب جزل
وقمت إليه مسرعا فغنمته مخافة قومي أن يفوزوا به قبل
وأوسعني حمدا وأوسعته قرى وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل
«٧٣٨» - وقال محمد بن يسير: [من البسيط]
لقلّ عارا إذا ضيف تضيفني ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
فضل [١]- المقلّ إذا اعطاه مصطبرا [٢] ومكثر في الغنى سيّان في الجود
لا يعدم السائلون الخير أفعله إمّا نوال وإما حسن مردود
«٧٣٩» - وقال الهذلي: [من البسيط]
وهّاب ما لا تكاد النفس ترسله من التّلاد وصول غير منّان [٣]
«٧٤٠» - وقال البحتري: [من الطويل]
ألست ترى مدّ الفرات كأنه جبال شرورى جين في البحر عوما
وما ذاك من عاداته غير أنه رأى شيمة من جاره فتعلما
_________________
(١) الحماسة البصرية: جهد.
(٢) الحماسة: اعطاك نائله.
(٣) روايته في ديوان الهذليين: يعطيك ما لا تكاد النفس تسلمه من التلاد وهوب غير منان
[ ٢ / ٢٨١ ]
«٧٤١» - وقال حاتم: [من الطويل]
لا تسأليني واسألي أيّ فارس إذا الخيل جالت في قنا فتكسرا
ولا تسأليني واسألي أيّ ياسر إذا بادر القوم الكنيف المستّرا
وانّي لوهّاب لقطعي ونمرقي [١] إذا ما صحوت [٢] والكميت المصدرا
وإني لتغشى أبعد الحيّ جفتني إذا ورق الطلح الطوال تحسّرا
«٧٤٢» - نزل رجل بامرأة من العرب فقال لها: هل من لبن أو طعام يباع، فقالت: إنك للئيم أو حديث عهد باللئام، فاستحسن ذلك منها وخطبها فتزوجها.
«٧٤٣» - قيل لأعرابيّة وقد حملت شاة تبيعها: بكم هذه؟ قالت:
بكذا، قيل لها: أحسني، فتركت الشاة ومرّت لتنصرف، فقيل لها: ما هذا؟ فقالت: لم تقولوا أنقصي، وإنما قلتم أحسني، والإحسان ترك الكلّ.
«٧٤٤» - قال أبو الحسين محمد بن عمر بن بكير: كان أبي بين يدي
_________________
(١) الديوان: قطوعي وناقتي.
(٢) الديوان: إذا ما انتشيت.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
المنتصر بالله، وأحمد بن الخصيب جالس، فدخل الحاجب فقال: أيها الأمير هذا [١] الحسن بن سهل بالباب، فالتفت إليه أحمد فقال: دعنا من العظام الناخرة والرسوم الداثرة، فوثب أبي وقال: أيها الأمير إنّ للحسن بن سهل عليّ نعما عظاما وله في عنقي أياد جمة، فقال: ما هو يا عمر؟ فقال: ملأ والله بيتي ذهبا وفضة، وأدنى مجلسي، وخلع عليّ وألحقني برؤساء أهل العلم كأبي عبيدة والأصمعي ووهب بن جرير وغيرهم، وقد أقدرني الله سبحانه بالأمير على مكافأته وهذا من أوقاته، فإن رأى الأمير أن يسهّل إذنه ويجعل ذلك على يدي وحبوة لي وذريعة إلى مكافأة الحسن بالحسنى فعل، فقال: يا أبا حفص بارك الله عليك، فمثلك يستودع المعروف، وعندك يثمر البرّ، وبمثلك يرغب الأشراف في اتخاذ الصنائع، وقد جعلت إذن الحسن إليك، فأدخله أيّ وقت حضر من ليل أو نهار، لا سبيل لأحد من الحجّاب عليه، فقبّل البساط ووثب إلى الباب، فأدخل الحسن، وأتكأه يده، فلما سلّم على المنتصر أمره بالجلوس فجلس، وقال له: قد جعلت إذنك إلى أبي حفص فاحضر إذا شئت من غدوّ أو عشيّ، وارفع حوائجك، وتكلّم بكلّ ما في صدرك، فقال الحسن: والله أيها الأمير ما أحضر طلبا للدنيا ولا رغبة فيها ولا حرصا عليها، ولكني عبد يشتاق إلى مواليه وسادته، وبلقائهم يشتدّ ظهره وينبسط أمله وتتجدّد نعم الله تعالى عنده، وما أحضر لغير ذلك، قال:
وأحمد بن الخصيب يكاد ينقدّ غيظا. فقال له المنتصر: فاحضر الآن في أيّ الأوقات أحببت، فأكبّ الحسن على البساط يقبله شكرا ونهض. قال أبي:
ونهضت معه، فلما بعدنا عن عينه بلغني أن المنتصر قال: هكذا فليكن الشاكرون، وعلى مثل هذا فلينعم المنعمون؛ ثم قال الحسن لعمر: والله ما أدري بأيّ لسان أثني عليك، فقال: يا سبحان الله أنا أولى بالثناء عليك
_________________
(١) م: إن.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
منك، والدعاء لك، لأنك خوّلتني الغنى وألبستني النعمى في الزمان الصعب والحال التي يجفوني في مثلها الحميم، فجزاك الله عنّي وعن ولدي أفضل الجزاء، فقال الحسن: والهفاه على أن لا يكون ذلك المعروف أضعاف ما كان، لادرّ درّ الفوت وتعسا للندم وأحواله، ولله درّ الخريميّ حيث يقول:
[من الطويل]
ودون الندى في كلّ قلب ثنية لها مصعد حزن ومنحدر سهل
وودّ الفتى في كلّ نيل ينيله إذا ما انقضى لو أنّ نائله جزل
ثم قال لي أبي: يا محمد اخرج معه، أعزه الله، حتى تؤدّيه إلى منزله، قال أبو الحسين: فخرجت معه، فلم أزل أحدّثه حتى جرى ذكر رزين العروضيّ الشاعر، وكان قد امتدحه بقصيدة، فمات رزين من قبل أن يوصلها إلى الحسن، فقلت: أعزّ الله الأمير، كان شاعرا ومن أهل العلم، مدح الأمير بقصيدة هي في العسكر مثل ومات قبل أن ينشدها، قال: فأسمعنيها أنت، فأنشدته:
قرّبوا جمالهم للرحيل غدوة أحبّتك الأقربوك
خلّفوك ثم مضوا مدلجين مفردا بهمّك ما ودّعوك
وهي ستون بيتا على غير وزن العروض.
قال أبو الحسين: فأنا والله أنشده، ودموعه تهمي على خده وتقطر على نحره، ثم قال: والله ما أبكي إلّا على قصور الأيام عنّا وبنا عنه، ثم جعل يتلهّف وقال: فما الذي منعه من اللقاء: تعذّر الحجاب أم قعود الأسباب؟
فقلت له: اعتلّ، جعلني الله فداك؛ فجعل يترحّم عليه ترحّم الرجل على أخيه ثم قال: والله لا أكون أعجز من علقمة قال: فوالله ما دريت ما عنى، فقلت: جعلني الله فداك: ومن علقمة؟ قال: علقمة بن علاثة حيث مات قبل وصول الحطيئة بالقصيدة التي رحل بها إليه حيث يقول: [من الطويل]
[ ٢ / ٢٨٤ ]
لعمري لنعم الحيّ من آل جعفر بحوران أمسى أدركته الحبائل
فإن تحي لا أملل حياتي وان تمت فما في حياة بعد موتك طائل
وما كان بيني لو لقيتك سالما وبين الغنى الا ليال قلائل
فبلغت هذه الأبيات علقمة، فأوصى له بمثل نصيب ابن. ولكن هل ترك الرجل وارثا؟ قلت: بنيّة، قال: أتعرف مكانها؟ قلت: نعم، قال: والله ما أتسع في وقتي هذا ما أبرّ به هذه الصبية، ولكنّ القليل يقع منها والعذر يقنع، ثم دعا غلاما له فقال: هات ما بقي من نفقة شهرنا، قال: هذه فأعطاه ألفي درهم فدفعها إليّ وقال: خذ ألفا وأعط الصبية ألفا، ففعلت ما قال.
«٧٤٥» - وأتى الحسن بن شهريار الحسن بن سهل فكلّمه في رجل فقال له: العيال متوافرون، والضياع متحيّفة، والوظائف قائمة، وذو العادة لا يرضيه دون عادته، وقد أمرت له بثلاثين ألف درهم، فقال الحسن بن شهريار: إنما مقدار الرجل الذي سألتك فيه أن يعطى ألفا أو ألفين، فقال:
يا حسن إنّ لكلّ شيء زكاة، وإن زكاة الجاه بذله، فإذا أجرى الله تعالى لإنسان على يدك خيرا فلا تعترض فيه.
«٧٤٦» - قال علي ﵇ لأصحابه: من كانت له إليّ منكم حاجة فليرفعها إليّ في كتاب لأصون وجهه عن المسألة.
«٧٤٧» - وقالوا: السخيّ من كان مسرورا ببذله، مسرعا بعطائه، لا يلتمس عرض دنيا فيحبط عمله، ولا طلب مكافأة فيسقط شكره، ويكون مثله فيما أعطى مثل الصائد الذي يلقي الحبّ للطير لا يريد نفعها ولكن نفع
[ ٢ / ٢٨٥ ]
نفسه.
«٧٤٨» - نظر المنذر بن أبي سبرة إلى أبي الأسود الدؤلي وعليه قميص مرقوع فقال له: ما أصبرك على هذا القميص!! فقال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه، فبعث إليه بتخت من ثياب، فقال أبو الأسود: [من الطويل]
كساني ولم أستكسه فحمدته أخ لك يعطيك الجزيل وناصر
وإنّ أحقّ الناس ان كنت شاكرا بشكرك من أعطاك والعرض وافر
«٧٤٩» - ذكر عمر بن الخطاب ﵁ الفقراء فقال: إنّ سعيد بن خريم منهم، فأعطاه ألف دينار وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أعطيت فأغن.
«٧٥٠» - وقدم على رسول الله ﷺ وفد من العرب، فأعطاهم وفضّل رجلا منهم، فقيل له في ذلك فقال: كلّ القوم عيال عليه.
«٧٥١» - وكان عبيد الله بن العبّاس بن عبد المطلب من الأجواد، أتاه رجل وهو بفناء داره فقام بين يديه فقال: يا ابن عبّاس إنّ لي عندك يدا وقد احتجت إليها، فصعد فيه بصره وصوّبه فلم يعرفه ثم قال: ما يدك عندنا؟
فقال: رأيتك واقفا بزمزم، وغلامك يمتح لك من مائها والشمس قد
[ ٢ / ٢٨٦ ]
صهرتك، فظللتك بطرف كسائي حتى شربت، فقال: أجل إني لأذكر ذلك، وإنك لتتردّد بين خاطري وفكري، ثم قال لغلامه ما عندك قال: مائتا دينار وعشرة آلاف درهم، قال: ادفعها إليه، وما أراها تفي بحقّه عندنا، فقال له الرجل: والله لو لم يكن لإسماعيل ولد غيرك لكان فيك كفاية، فكيف وقد ولد سيّد الأولين والآخرين محمدا ﷺ، ثم شفع بك وبأبيك.
«٧٥٢» - وحبس معاوية عن الحسين بن علي ﵉ صلاته، فقيل له: لو وجّهت إلى ابن عمك عبيد الله فإنه قد قدم بنحو ألف ألف، فقال الحسين: وأين تقع ألف ألف من عبيد الله، فو الله لهو أجود من الريح إذا عصفت، وأسخى من البحر إذا زخر، ثم وجّه إليه مع رسوله بكتاب ذكر فيه حبس معاوية عنه صلاته وضيق حاله، وأنه يحتاج إلى مائة ألف درهم، فلما قرأ عبيد الله كتابه، وكان أرق الناس قلبا، وألينهم عطفا، انهملت عيناه ثم قال: ويلك يا معاوية مما اجترحت يداك من الإثم حين أصبحت ليّن المهاد، رفيع العماد، والحسين يشكو ضيق الحال وكثرة العيال؟! ثم قال لقهرمانه:
احمل إلى الحسين نصف ما نملكه من فضة وذهب ودابّة، وأخبره أني شاطرته مالي، فإن أقنعه ذلك وإلا فارجع واحمل إليه الشطر الآخر، فقال له القهرمان: فهذه المؤن التي عليك من أين تقوم بها؟ قال: إذا بلغنا [ذلك] دللتك على أمر تقيم به حالك، فلما أتاه الرسول قال: إنا لله، حملت والله على ابن عمي وما حسبت أنه يتسع لنا هذا كلّه، وأخذ الشطر من ماله.
«٧٥٣» - وأهدى إليه معاوية وهو عنده من هدايا النيروز حللا كثيرة ومسكا وآنية من ذهب وفضة، ووجهها مع حاجبه، فلما وضعها بين يديه نظر
[ ٢ / ٢٨٧ ]
إلى الحاجب وهو ينظر إليها فقال له: هل في نفسك منها شيء؟ قال: نعم والله، وإن في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف، فضحك عبيد الله وقال: فشأنك بها فهي لك قال: جعلت فداك، أنّى وإن يبلغ ذلك معاوية يجد عليّ، قال: فاختمها بخاتمك وادفعها إلى الخازن، فإذا كان [١] خروجنا حملها إليك ليلا، قال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم اكبر من الكرم، ولوددت أني لا أموت حتى أراك مكانه، يعني معاوية، فظنّ عبيد الله أنها مكيدة منه فقال: دع هذا الكلام فإنا قوم نفي بما عقدنا ولا تنقض ما أكّدنا.
«٧٥٤» - وجاءه رجل من الأنصار فقال له: يا ابن عمّ محمد، إنه ولد لي في هذه الليلة مولود وإني سمّيته باسمك تبركا مني به، وإنّ أمّه ماتت، فقال عبيد الله: بارك الله لك في الهبة، وأجزل لك الأجر على المصيبة، ثم دعا بوكيله فقال: انطلق الساعة فاشتر للمولود جارية تحضنه، وادفع إليه مائتي دينار لينفقها على تربيته، ثم قال للأنصاريّ: عد إلينا بعد أيام فإنك جئتنا وفي العيش يبس، وفي المال قلّة. فقال الأنصاري: جعلت فداك، لو سبقت حاتما بيوم ما ذكرته العرب أبدا، ولكنه سبقك فصرت له تاليا، وأنا أشهد أنّ عفو جودك أكثر من مجهوده، وطلّ صوبك أكثر من وابله.
«٧٥٥» - وعبيد الله بن أبي بكرة من الأجواد، أدلى إليه رجل بحرمة فأمر له بمائة ألف درهم فقال: أصلحك الله ما وصلني بها أحد قط، لقد قطعت لساني عن شكر غيرك، وما رأيت الدنيا في يد أحد أحسن منها في يدك، ولولا أنت لم تبق لنا بهجة إلا أظلمت ولا نور إلا انطمس.
_________________
(١) العقد: حان.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
«٧٥٦» - الذين انتهى إليهم الجود في الجاهليّة: حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، وهرم بن سنان المريّ، وكعب بن مامة الايادي، وضرب المثل بحاتم وكعب، وحاتم أشهرهما. فأما كعب فجاد بنفسه وآثر رفيقه بالماء، تصافنا الإداوة في المفازة فمات عطشا، وليس له خبر مشهور غيره. وأما حاتم فأخباره كثيرة، وآثاره في الجود مشهورة، وكان إذا اشتدّ البرد وكلب الشتاء أمر غلامه يسارا فأوقد نارا في يفاع من الأرض لينظر إليها من أضلّ الطريق ليلا فيصمد نحوها، فقال في ذلك: [من الرجز]
أوقد فإن الليل ليل قرّ والريح يا واقد ريح صرّ
عسى يرى نارك من يمرّ إن جلبت ضيفا فأنت حرّ
قالوا: ولم يكن حاتم يمسك شيئا ما عدا فرسه وسلاحه فإنه كان لا يجود به ثم جاد بفرسه في سنة أزمة:
«٧٥٧» - قالت النوار امرأة حاتم: أصابتنا سنة اقشعرّت لها الأرض، واغبرّ أفق السماء [١]، وراحت الإبل حدبا حدابير [٢]، وضنّت المراضيع عن أولادها أن تبضّ بقطرة، وجلفت [٣] السنة المال وأيقنّا بالهلاك، فو الله إني لفي
_________________
(١) م: واقشعرت لها السماء.
(٢) حدابير: سقطت من م.
(٣) م: واحلفت.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
ليلة صنّبر بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى أصيبيتنا جوعا، عبد الله وعدي وسفانة، فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت إلى الصبيّة، فو الله ما سكتوا إلّا بعد هدأة من الليل، وأقبل يعللني، فعرفت ما يريد فتناومت، فلما تهوّرت النجوم إذا شيء قد رفع كسر البيت فقال: من هذا؟ فولى ثم عاد آخر الليل، فقال: من هذا؟ قال: جارتك فلانة، أتيتك [١] من عند صبية يتعاوون عواء الذئاب، فما وجدت معوّلا إلا عليك أبا عدي، فقال: أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم، فأقبلت المرأة تحمل اثنين، ويمشي جانبيها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها، فقام إلى فرسه فوجأ لبته بمدية فخرّ، ثم كشط عن جلده، ودفع المدية إلى المرأة، فقال: شأنك فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل، ثم جعل يأتيهم بيتا بيتا فيقول: هبّوا، عليكم بالنار، والتفع بثوبه ناحية ينظر إلينا، لا والله إن ذاق منه مزعة وانه لأحوج إليه منا، فأصبحنا وما على الأرض من الفرس إلا عظم أو حافر.
«٧٥٨» - مرض سعيد بن العاص بالشام، فعاده معاوية ومعه شرحبيل ابن السمط ومسلم بن عقبة المريّ ويزيد بن شجرة الرهاوي، فلما نظر سعيد إلى معاوية وثب عن صدر مجلسه إعظاما له، فقال له معاوية: أقسمت عليك أبا عثمان فإنك ضعفت للعلة، فسقط، فبادر معاوية نحوه حتى حنا عليه، وأخذ بيده فأقعده معه على فراشه وجعل يسائله عن علته ومنامه وغذائه، ويصف له ما ينبغي أن يتوقاه، وأطال القعود عنده. فلما خرج التفت إلى شرحبيل ويزيد ابن شجرة فقال: هل رأيتما خللا في حال أبي عثمان؟ فقالا: لا ما رأينا شيئا ننكره، فقال لمسلم: ما تقول أنت؟ قال: رأيت خللا، قال: وما ذاك؟
قال: رأيت على حشمه ومواليه ثيابا وسخة، ورأيت صحن داره غير
_________________
(١) م: جئتك.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
مكنوس، ورأيت التجار يخاصمون قهرمانه، قال: صدقت، كلّ ذلك قد رأيت، فوجه إليه [مع مسلم] بثلاثمائة ألف، فسبق رسول مسلم إلى سعيد يبشره بتوجيهها، ويخبره بما كان، فغضب سعيد وقال للرسول: إنّ صاحبك ظنّ أنه أحسن فأساء، وتأوّل فأخطأ، فأما وسخ ثياب الحشم فمن كثرت حركته اتسخ ثوبه، وأما كنس الدار فلست من جعل داره مرآته، وبهاءه لبسته [١]، ومعروفه عطره، ثم لا يبالي من مات هزلا من ذوي رحمه أو لحمته [٢]، وأما منازعة التجار قهرماني فمن كثرت حوائجه وبيعه وشراؤه لم يجد بدا من أن يكون طالبا أو مطلوبا، وأما المال الذي أمر لنا به أمير المؤمنين فوصلته به كلّ رحم قاطعة، وهناه كرامة [٣] المنعم بها، وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمائة ألف، ولشرحبيل بن السمط بمثلها، وليزيد بن شجرة بمثلها، وفي سعة الله وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه معوّلنا. فركب مسلم إلى معاوية فأعلمه، فقال: صدق ابن عمّي فيما قال، وأخطأت فيما أنهيت إليه، فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك، فإنه من جنى جناية عوقب بمثلها، كما أنّه من فعل خيرا كوفىء عليه.
«٧٥٩» - قال الحسن: بلغني أن رجلا جهده الجوع ففطن به بعض الأنصار، فلما أمسى أتى به رحله، وقال لامرأته: هل لك أن نطوي ليلتنا هذه لضيفنا؟ قالت: نعم، قال: فإذا قرّبت الطعام فاعمدي كأنك تصلحين السراج فاطفئيها، ففعلت، وجاءت بثريدة كأنها قطاة فوضعتها، ثم دنت فأطفأت السراج فجعل الانصاريّ يضع يده في القصعة ولا يأكل، وأكل
_________________
(١) العقد: وتزينه لبسه.
(٢) العقد: من ذي لحمة أو حرمة.
(٣) ر: كرمه.
[ ٢ / ٢٩١ ]
الضيف حتى أتى عليها، فلما أصبح صلّى مع رسول الله ﷺ فقال له: أنت صاحب الكلام الليلة؟ قال: وما هو؟ قال: كذا وكذا، قال: قد كان ذاك يا رسول الله، قال: فوالله لقد عجب الله من صنيعكما.
«٧٦٠» - اقترض ابن عبدل من التجار مالا، وحلف لهم بالطلاق ثلاثا أن يقضيهم المال عند طلوع الهلال، فلما بقي من الشهر يومان قال: [من المنسرح]
قد بات همّي قرنا أكابده كأنما مضجعي على حجر
من رهبة أن يرى هلال غد فإن رأوه فحقّ لي حذري
وفقد بيضاء غادة كملت كأنها صورة من الصور
أصبحت من أهلي الغداة ومن مالي على مثل ليلة الصّدر
فبلغ خبره عبد الملك بن بشر فأعطاهم ما لهم عليه وأضعفه له.
«٧٦١» - مرّ عبد الله بن جعفر ومعه عدة من أصحابه بمنزل رجل قد أعرس، فإذا بقينة تغنّي: [من المنسرح]
قل لكرام ببابنا يلجوا ما في التصابي على الفتى حرج
فقال عبد الله لأصحابه: لجوا فقد أذن لكم القوم، فنزل ونزلوا فدخلوا، فلما رآه صاحب المنزل تلقاه فأجلسه على الفرش، فقال للرجل: كم أنفقت على وليمتك؟ قال: مائتي دينار، قال: فكم مهر صاحبتك [١]؟ قال:
كذا وكذا، فأمر له بالجميع وبمائة دينار بعد ذلك معونة واعتذر إليه وانصرف.
٧٦٢- قيل غاب محمد بن نصر بن بسام عن داره مدة عشرين سنة،
_________________
(١) ر: امرأتك.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
ووكل بها في هذه المدة من يفرشها وينظفها في كلّ يوم فيدخل إليها المقيمون هناك من خواصّه وأصحابه، فيجلسون حيث كان يجلس منها قبل انتقاله إلى بغداد، ومطبخه فيها قائم، ويجتمع الناس فيها على طعامه وهو غائب عنها هذه المدّة الطويلة.
٧٦٣- صنع عمرو بن حريث طعاما لعديّ بن حاتم، فلما دخل نظر إلى الستور مسبلة فقال: آكل وحدي؟ فقال عمرو: إنما هو شيء هيأناه لك خاصة، فقال: حرام عليّ اكله أو ترفع الستور فيدخل من شاء.
«٧٦٤» - كان المهلب يقول لبنيه: يا بنيّ ثيابكم على غيركم أحسن منها عليكم، ودوابكم وخدمكم عند غيركم أحسن منها عندكم.
٧٦٥- اشتهى المأمون أن يأكل من الكواميخ، فقال له أخوه أبو إسحاق: إن لي نبطيا يجيدها، فاستدعى منه ما تعجّل عنده، فأحضر في الحال ثمانين غلاما على رؤوسهم جون وأطباق فيها ألوان من الكواميخ والمخللات والشواريز [١]- والسمك الطري والمملوح، ومن البوارد بالفراريج وغيرها، ومن المزوّرات، فاستكثره المأمون وأعجبه واستطابه، فقال لأبي إسحاق: قل له يعمل مثل ذلك في كلّ عام مرة، فقال: بل في كل يوم فإن منازلي لا تخلو منه وليس عليّ فيه كلفة. ثم رفع صاحب الديوان بعد مدة مؤامرة ببقايا السنة، فوجد المأمون فيها اسم مالك بن شاهي فقال: قد مرّ بي هذا الاسم، فقيل: هو الذي أكلت كوامخه، قال: فنأكل طعام الرجل ونحاسبه؟ وكان
_________________
(١) ر: والسوارير.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
عليه ثلاثة عشر ألف درهم، فوقع تحتها: يعان بها على مروءته، ورمى بها من يده ثم قال: ردّوها إليّ، إنّ الناس يتحدثون أن المأمون أكل سكرّجات قامت عليه بكذا وكذا، وأطلق صاحبها من الحبس، ثم وقع في المؤامرة باطلاق جميع من في الحبس، وكان مبلغ ما عليهم أربعين ألف ألف درهم.
«٧٦٦» - قيل لم يكن لخالد بن برمك جليس الا وقد بنى له دارا على قدر كفايته، وكان يقف على أولاد الإخوان ما يعيّشهم أبدا، وما كان لأحد من إخوانه ولد إلا من جارية هو وهبها له.
«٧٦٧» - وقيل إنّ جارا لابن المقفع أراد بيع داره لدين ركبه، وكان يجلس في ظلّ تلك الدار كثيرا، فقال: ما قمت إذن بحقّ ظلّ داره إن باعها معدما وبتّ واجدا، فبعث إليه بثمنها وقال: دعها على حالها وقلّب هذا المال في بعض التجارات.
«٧٦٨» - روي أن سعيد بن خالد بن عثمان بن عفان أتى سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، أتيتك مستعديا، قال: ومن بك؟ قال:
موسى شهوات، قال: وماله؟ قال: سمّع بي واستطال في عرضي، فقال: يا غلام عليّ بموسى شهوات، فأتي به فقال: ويلك أسمّعت به واستطلت في عرضه؟ فقال: ما فعلت يا أمير المؤمنين ولكني مدحت ابن عمه فغضب هو، قال: وكيف ذاك؟ قال: علقت جارية لم تبلغ ثمنها جدتي، فأتيته وهو صديقي فشكوت إليه ذلك، فلم أصب عنده فيه شيئا، فأتيت ابن
[ ٢ / ٢٩٤ ]
عمه سعيد بن خالد بن عبد الله بن أسيد، فشكوت إليه ما شكوته إلى هذا، قال: تعود إليّ، فتركته ثلاثا ثم أتيته فسهّل من إذنى، فلما استقر بي المجلس قال: يا غلام قل لقيمتي هاتي وديعتي، ففتح باب بين بيتين فإذا أنا بالجارية، فقال لي: أهذه بغيتك؟ قلت: نعم فداك أبي وأمي، قال:
اجلس، ثم قال: يا غلام قل لقيمتي هاتي ظبية نفقتي، فأتي بظبية فنثرت بين يديه فإذا فيها مائة دينار ليس فيها غيرها فردت في الظبية، ثم قال: عتيدة طيبي! فأتي بها، ثم قال: ملحفة فراشي، فأتي بها، فصير ما في الظبية والعتيدة في حواشي الملحفة ثم قال: شأنك بهواك واستعن بهذا عليه؛ فقال له سليمان بن عبد الملك: فذلك حين تقول ماذا؟ فأنشده: [من الطويل]
أبا خالد أعني سعيد بن خالد أخا العرف لا أعني ابن بنت سعيد
ولكنّني أعني ابن عائشة الذي أبو أبويه خالد بن أسيد
عقيد الندى ما عاش يرضى به الندى وإن مات لم يرض الندى بعقيد
دعوه دعوه إنكم قد رقدتم وما هو عن أحسابكم برقود
فقال سليمان: يا غلام عليّ بسعيد بن خالد، فأتي به فقال: أحقّ ما وصفك به موسى؟ قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ فأعاد عليه، فقال: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين، قال فما طوّقتك عواقب هذه الأفعال؟ قال: دين ثلاثين ألف دينار، قال: قد أمرت لك بها وبمثلها [وبمثلها] وبثلث مثلها، فحمل إليه مائة ألف دينار. قال الراوي: فلقيت سعيد بن خالد بعد ذلك فقلت له: ما فعل المال الذي وصلك به سليمان؟ قال: ما أصبحت والله أملك منه خمسين دينارا، قلت: فما اغتاله؟ قال: خلّة من صديق وفاقة من ذي رحم.
ولما أنشده موسى الشعر قال له: اتفقت أسماؤهما وأسماء آبائهما، فتخوفت أن يذهب شعري باطلا، ففرّقت بينهما بأمهاتهما، فأغضبه أن مدحت ابن
[ ٢ / ٢٩٥ ]
عمه، فقال سليمان: بلى والله لقد هجوته، وما خفي عليّ ذلك، ولكن لا أجد إليك سبيلا، فاطلقه.
«٧٦٩» - والبخيل لا يزال عدوا للجواد يحسده على ما آتاه الله من فضله ويحقد عليه نعمة الله عنده؛ قال الطرماح بن حكيم: [من الطويل]
لقد زادني حبّا لنفسي أنني بغيض إلى كلّ امرىء غير طائل
وأنّى شقي باللئام ولا ترى شقيّا بهم إلا كريم الشمائل
«٧٧٠» - قال إبراهيم بن هرمة: ما رأيت قطّ أسخى ولا أكرم من رجلين: إبراهيم بن عبد الله بن مطيع وإبراهيم بن طلحة [بن عمرو] بن عبيد الله بن معمر؛ أما إبراهيم بن طلحة فأتيته فقال: أحسنوا ضيافة أبي إسحاق، فأتيت بكلّ شيء من الطعام، فأردت أن أنشده فقال: ليس هذا وقت الشعر، ثم أخرج إليّ الغلام رقعة فقال: إيت بها الوكيل، فأتيته بها فقال: إن شئت أخذت لك جميع ما كتب به، وإن شئت أعطيتك القيمة، قلت: وما أمر لي به؟ قال: مائتي شاة برعائها وأربعة أجمال وغلام جمّال، ومظلة وما يحتاج إليه، وقوتك وقوت عيالك سنة، فقلت: أعطني القيمة، فأعطاني مائتي دينار؛ وأما إبراهيم بن عبد الله فأتيته في منزله بمشاش على بئر الوليد [١] بن عثمان بن عفان، فدخل منزله ثم خرج إليّ برزمة ثياب وصرّة من دراهم ودنانير وحلي ثم قال: لا والله ما بقّينا في منزلنا ثوبا نواري به امرأة ولا حليا ولا دينارا ولا درهما.
_________________
(١) الأغاني: ابن الوليد.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
٧٧١- قال أعرابي: من لم يضنّ بالحقّ عن أهله فهو الجواد.
«٧٧٢» - وقال آخر: الصبر عند الجود أخو الصبر عند البأس.
«٧٧٣» - قيل: كان مبدأ أمر حاتم في الجود أنه لما ترعرع جعل يخرج طعامه، فإن وجد من يأكله معه أكله، وإن لم يجد طرحه، فلما رأى أبوه أنه يهلك طعامه قال له: الحق بالابل، فخرج إليها، ووهب له جارية وفرسا وفلوها. وقيل: بل هلك أبو حاتم وهو صغير، وهذه القصة كانت مع جدّه سعد بن الحشرج، فلما أتى حاتم الابل طفق يبغي الناس فلا يجدهم، ويأتي الطريق فلا يجد عليه أحدا، فبينا هو كذلك إذ بصر بركب على الطريق فأتاهم فقالوا: يا فتى هل من قرى؟ فقال: تسألوني عن القرى وقد ترون الابل؟
وكان الذين بصر بهم عبيد بن الأبرص وبشر بن أبي خازم والنابغة الذبياني، وكانوا يريدون النعمان، فنحر لهم ثلاثة من الإبل، فقال عبيد: إنما أردنا اللبن، وكانت تكفينا بكرة إذا كنت لا بدّ متكلفا لنا شيئا، فقال حاتم: قد عرفت، ولكنّي رأيت وجوها مختلفة، وألوانا متفرقة، فظننت أن البلدان غير واحدة وأردت أن يذكر كلّ واحد منكم ما رأى إذا أتى قومه، فقالوا فيه أشعارا امتدحوه بها وذكروا فضله، فقال حاتم: أردت أن أحسن إليكم فصار لكم الفضل عليّ، وأنا أعاهد الله أن أضرب عراقيب إبلي عن آخرها أو تقوموا إليها فتقسموها، ففعلوا، فأصاب الرجل تسعة وثلاثين بعيرا، ومضوا على سفرهم إلى النعمان. وإن أبا حاتم أو جدّه سمع بما فعل، فأتاه فقال: أين
[ ٢ / ٢٩٧ ]
الابل؟ فقال: يا أبت [١] طوقتك بها طوق الحمامة مجد الدهر وكرما، لا يزال الرجل يحمل بيت شعر [٢] أثنى به علينا عوضا من إبلك، فلما سمع أبوه ذلك قال: أبإبلي فعلت ذلك؟ قال: نعم، قال: والله لا أساكنك أبدا، فخرج أبوه بأهله وترك حاتما ومعه جاريته وفرسه وفلوها، فقال يذكر تحول أبيه عنه (والشعر يدلّ على أنه جده لأنه حاتم بن عبد الله بن سعيد بن الحشرج):
[من الطويل]
إنّي لعفّ الفقر مشترك الغنى وتارك شكل لا يوافقه شكلي
وشكلي شكل لا يقوم لمثله من الناس إلا كلّ ذي نيقة مثلي
وأجعل مالي دون عرضي جنّة لنفسي وأستغني بما كان من فضلي
وما ضرّني أن سار سعد بأهله وأفردني في الدار [٣] ليس معي أهلي
قالوا: فبينا حاتم يوما بعد أن أنهب ماله ووهبه نائم إذ انتبه، وإذا حوله [٤] نحو من مائتي بعير تجول ويحطم بعضها بعضا [٥] فساقها إلى قومه فقالوا: يا حاتم أبق على نفسك، فقد رزقت مالا، ولا تعودنّ إلى ما كنت عليه من الإسراف، قال: فإنها نهبى بينكم، فانتهبت فأنشأ حاتم يقول: [من الطويل]
تداركني جدّي بسفح متالع فلا يأمنن ذو نومة أن يغنّما
وأقبل ركب من بني أسد ومن قيس يريدون النعمان، فلقوا حاتما فقالوا له: إنا تركنا قومنا يثنون عليك خيرا، وقد أرسلوا إليك برسالة، قال: وما هي؟ فأنشده الأسديون شعرا لعبيد، وأنشده القيسيون شعرا للنابغة، فلما أنشدوه قالوا: إنا لنستحيي أن نسألك شيئا وإنّ لنا لحاجة، قال: وما
_________________
(١) ر: يا أبه.
(٢) م: بيتأ من الشعر.
(٣) م: البرّ.
(٤) م: إذ انتبه وحوله.
(٥) م: بعضها على بعض.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
هي؟ قالوا: صاحب لنا قد أرجل، فقال حاتم: خذوا فرسي هذه فاحملوا عليها صاحبكم، فأخذوها، وربطت الجارية فلوها بثوبها، فأفلت فاتبعته الجارية، فقال حاتم: ما لحقكم من شيء فهو لكم، فذهبوا بالفرس والفلو والجارية.
«٧٧٤» - أسرت عنزة حاتما، فجعل نساء من عنزة يدارين بعيرا ليفصدنه، فضعفن عنه، فقلن: يا حاتم أفاصده أنت إن أطلقنا إحدى يديك؟ قال: نعم فأطلقن إحدى يديه فوجأ لبّته، فاستدمين منه ما شئن، ثم إنّ البعير عضد أي لوى عنقه، فقلن، ما صنعت؟ قال: هكذا فزدي، يريد فصدي، فجرت مثلا فلطمته إحداهنّ فقال: ما أنتنّ نساء عنزة بكرام ولا ذوات أحلام، وإن امرأة منهن يقال لها عاجزة أعجبت به فأطلقته ولم ينقمن [١] عليه، فقال حاتم يذكر البعير الذي فصده. [من الطويل]
كذلك فصدي إن سألت مطيتي دم الجوف إذ كلّ الفصاد وخيم
«٧٧٥» - عظم [٢] على طيء موت حاتم فادعى أخوه أن يخلفه، فقالت له أمه: هيهات فشتان ما بين خلقيكما، وضعته فبقي سبعة أيام لا يرضع حتى ألقمت أحد ثديي طفلا من الجيران، وكنت أنت راضعا أحدهما وآخذا الآخر بيدك، فأنى لك؟! «٧٧٦» - قال حذيفة بن اليمان: ربّ رجل فاجر في دينه، أخرق في
_________________
(١) ر م والأغاني: ولم ينقموا.
(٢) سقطت هذه الفقرة من ر.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
معيشته، يدخل الجنّة بسماحته.
«٧٧٧» - كان جعفر بن محمد يقول: اللهم ارزقني مواساة من قتّرت عليه رزقك بما أوسعت علي من فضلك.
«٧٧٨» - قيل لأنوشروان: ما الجود الذي يسع الناس كلهم؟ قال:
إرادة الخير لجميعهم، وبسط الوجه لهم.
«٧٧٩» - وقيل: الكريم يكرم وإن افتقر، كالأسد يهاب وإن كان رابضا، واللئيم يهان وإن أيسر كالكلب يخسأ وإن طوّق وحلّي.
«٧٨٠» - قال بعض العرب: يا بنيّ لا تزهدنّ في معروف فإن الدهر ذو صروف، كم راغب كان مرغوبا إليه، وطالب كان مطلوبا ما لديه، وكن كما قال أخو الدئل: [من الطويل]
وعدّ من الرحمن فضلا ونعمة عليك إذا ما جاء للخير طالب
ولا تمنعنّ ذا حاجة جاء راغبا فإنك لا تدري متى أنت راغب
«٧٨١» - المقنع الكندي: [من الكامل]
ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك قليل
[ ٢ / ٣٠٠ ]
٧٨٢- آخر مثله: [من الخفيف]
ليس جود الجواد من فضل مال إنّما الجود للمقلّ المواسي
«٧٨٣» - قال خالد بن عبد الله القسري وهو يخطب: أيها الناس من جاد ساد [١]، ومن بخل رذل، وإنّ اكرم الناس من أعطى من لا يرجوه، ومن لم يطب حرثه لم يزك نبته، والفروع من مغارسها تنمي وبأصولها تسمو، ثم قال في آخر كلامه: [من المنسرح]
قد توهم النفس في تحسّسها وتنكر العين في تفرسها
فعندها يستدلّ بالثمر ال عذب على مستطاب مغرسها
«٧٨٤» - احتضر الحكم بن المطلب، وكان من الأسخياء، فأصابته غشية، فقيل: اللهم هوّن عليه فإنه كان وكان، فأفاق فقال: إن ملك الموت يقول: إني بكلّ سخيّ رفيق. وكان الحكم هذا إذا انقطع شسعه خلع النعل الأخرى [٢] ومضى، فأخذ نعليه نوبيّ فسوّى الشسع، وجاءه بالنعلين في منزله، وقال: سوّيت لك الشسع، فدعا بثلاثين دينارا فدفعها إليه وقال:
ارجع بالنعلين فهما لك.
«٧٨٥» - ومن الأجواد عبيد الله بن أبي بكرة، كتب إلى يزيد بن ربيعة
_________________
(١) ر: من ساد جاد.
(٢) م: وكان الحكم هذا انقطع شسع نعله يوما فخلع الأخرى.
[ ٢ / ٣٠١ ]
ابن مفرغ الحميري: إني قد توجهت إلى سجستان فالحق بي، فلعلك إن قدمت عليّ ألا تندم ولا تذم [١] رأيك، فتجهز ابن مفرغ وخرج حتى قدم سجستان ممسيا، فدخل عليه وشغله بالحديث وأمر له سرا بمنزل وفرش وخدم، وجعل يطاوله حتى علم أنه قد استتم ما أمر له به، ثم صرفه إلى المنزل الذي هيّىء له، ثم دعا به في اليوم الثاني فقال له: يا ابن مفرغ إنك قد تجشمت إليّ شقة بعيدة، واتسع لك الأمل فرحلت إليّ لأقضي عنك دينك وأغنيك عن الناس، وقلت: أبو حاتم بسجستان فمن لي بالغنى بعده؟
فقال: والله ما أخطأت أيها الأمير ما كان في نفسي، فقال عبيد الله: أم والله لأفعلنّ، ولأقلّنّ لبثك عندي ولأحسننّ صلتك، وأمر له بمائة ألف درهم ومائة وصيف ومائة وصيفة ومائة نجيبة، وأمر له بما ينفقه إلى أن يبلغ بلده سوى المائة الألف، وبمن يكفيه الخدمة من غلمانه ومواليه، وقال له: إن [من] خفّة السفر أن لا تهتم بخفّ ولا حافر، فكان مقامه عنده سبعة أيام، ثم ارتحل وشيعه ابن أبي بكرة أربعة فراسخ، ثم قال له: يا ابن مفرغ انه ينبغي للمودّع أن ينصرف، وللمتكلم أن يسكت، وأنا من قد عرفت، فأنفق على الأمل وعلى حسن ظنك بي ورجائك فيّ، فإذا بدا لك أن تعود فعد، والسلام.
«٧٨٦» - ولزم يزيد بن مفرّغ غرماؤه بدين فقال لهم: انطلقوا نجلس على باب الأمير عسى أن يخرج الأشراف فيروني فيقضوا عني، فانطلقوا به، فكان أول من خرج إما عمر بن عبيد الله بن معمر وإما طلحة الطلحات، فلما رآه قال: أبا عثمان ما أقعدك ها هنا؟ قال: غرمائي هؤلاء لزموني بدين لهم عليّ، قال: وكم هو؟ قال: سبعون ألفا، قال: علي منها عشرة آلاف، ثم خرج الآخر على الأثر فسأله كما سأل صاحبه قال: هل خرج قبلي أحد؟
_________________
(١) الأغاني: يذم.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
قالوا: نعم، قال: فما صنع؟ قال: ضمن عشرة آلاف، قال: فعليّ مثلها، قال: فجعل الناس يخرجون، فمنهم من يضمن الألف إلى أكثر من ذلك حتى ضمنوا له أربعين ألف درهم، وكان يأمل عبيد الله بن أبي بكرة، فلم يخرج حتى غربت الشمس، فخرج مبادرا فلم يره حتى كاد يبلغ بيته، فقيل له: إنك مررت بابن مفرغ ملزوما وقد مرّ به الأشراف فضمنوا عنه، فكرّ راجعا فوجده قاعدا فقال له: يا أبا عثمان ما يجلسك ها هنا؟
قال: غرمائي هؤلاء يلزمونني، قال: وكم ضمن عنك قال: أربعون ألفا، قال: فاستمتع بها وعليّ دينك أجمع.
«٧٨٧» - قيل لم يكن رجل من ولاة بني مروان أنفس على قومه ولا أحسد لهم من الوليد بن عبد الملك، فأذن يوما للناس فدخلوا عليه، وأذن للشعراء فكان أوّل من بدر بين يديه عويف القوافي الفزاري، فاستأذنه في الانشاد فقال: ما بقي لي بعد ما قلت لأخي زهرة؟ قال: وما قلت له مع ما قلت لأمير المؤمنين؟ قال: ألست الذي يقول له: [من الكامل]
يا طلح أنت أخو الندى وحليفه إنّ الندى من بعد طلحة ماتا
إن السماح إليك أطلق رحله فبحيث بتّ من المنازل باتا
أو لست الذي يقول: [من الوافر]
إذا ما جاء يومك يا ابن عوف فلا جادت [١] على الأرض السماء
ولا سار العزيز [٢] بغنم جيش ولا حملت على الطهر النساء
_________________
(١) الأغاني: مطرت.
(٢) الأغاني: البشير.
[ ٢ / ٣٠٣ ]
تساقى الناس بعدك يا ابن عوف ذريع الموت ليس له شفاء
ألم تقم علينا الساعة يوم قامت عليه؟ لا والله لا أسمع منك شيئا، ولا أنفعك بنافعة أبدا، أخرجوه عنّي. فقال له القرشيون والشاميون: وما الذي أعطاك [١] حتى استخرج هذا منك؟ قال: أم والله لقد أعطاني غيره أكثر من عطيته، ولكن لا والله ما أعطاني أحد قط أحلى في قلبي ولا أبقى شكرا ولا أجدر ألّا أنساه، ما عرفت الصلات، من عطيّته. قالوا: وما أعطاك؟
قال: قدمت المدينة ومعي بضيّعة لي لا تساوي عشرة دنانير أريد أن أبتاع قعودا من قعدان الصدقة، فإذا برجل بصحن السوق على طنفسة قد طرحت له، وإذا الناس حوله، وإذا بين يديه إبل معقولة، فظننت أنه عامل السوق، فسلّمت عليه فأثبتني وجهلته، فقلت له: رحمك الله، هل أنت معيني ببصرك على قعود من هذه القعدان تبتاعه لي؟ فقال: نعم، أو معك ثمنه؟ فقلت: نعم، فأهوى بيده إليّ فأعطيته بضيّعتي، فرفع طنفسته فألقاها تحتها، ومكث طويلا، ثم قمت إليه فقلت: أي رحمك الله انظر في حاجتي، فقال: ما منعني منك إلا النسيان، أمعك حبل؟ قلت: نعم قال: هكذا أفرجوا، فأفرجوا حتى استقبل الابل التي بين يديه، فقال: اقرن هذه وهذه [٢]-، فما برحت حتى أمر لي بثلاثين بكرة، أدنى بكرة فيها- ولا دنيّة فيها [٣]- خير من بضاعتي ثم رفع طنفسته فقال: شأنك ببضاعتك فاستعن بها على من ترجع إليه، فقلت: رحمك الله أتدري ما تقول؟ فما بقي عنده إلّا من نهرني وشتمني، ثم بعث معي نفرا فأطردوها حتى أطلعوها في رأس الثنية، فو الله لا أنساه ما دمت حيا أبدا.
_________________
(١) الأغاني: أعطاك طلحة.
(٢) زاد في الأغاني: أدنى بكرة فيها.
(٣) النص مضطرب في النسخ، وأثبت ما في الأغاني.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
٧٨٨- قيل: تراهن نفر من كلب ثلاثة على أن يختاروا من تميم وبكر نفرا ليسألوهم، فأيهم أعطى ولم يسألهم عن نسبهم ومن هم فهو أفضلهم، فاختار كلّ واحد منهم رجلا والذين اختيروا: عمير بن السليل بن قيس بن مسعود الشيباني وطلبة بن قيس بن عاصم المنقري وغالب بن صعصعة المجاشعي. فأتوا ابن السليل فسألوه مائة ناقة فقال: من أنتم؟ فانصرفوا عنه، ثم أتوا طلبة فقال لهم مثل ذلك، فردّوا عليه كردّ ابن السليل، فأتوا غالبا فسألوه فأعطاهم مائة ناقة وراعيها ولم يسألهم.
«٧٨٩» - قال محمد بن حبيب: كان للنمر بن تولب صديق، فأتاه النمر في ناس من قومه يسألونه في دية احتملوها، فلما رآهم وسألوه تبسم فقال النمر:
[من الوافر]
تبسّم ضاحكا لما رآني وأصحابي لدى عين التمام
فقال لهم الرجل: إن لي نفسا تأمرني أن أعطيكم ونفسا تأمرني أن لا أفعل، فقال النمر: [من البسيط]
أمّا خليلي فانّي لست معجله حتى يؤامر نفسيه كما زعما
نفس له من نفوس الناس صالحة تعطي الجزيل ونفس ترضع الغنما
ثم قال النمر لأصحابه: لا تسألوا أحدا فالدية كلها عليّ.
«٧٩٠» - ابن الرومي: [من الطويل]
عدونا إلى ميمون نطلب حاجة فأوسعنا منعا وجيزا بلا مطل
فقال اعذروني إنّ بخلي جبلّة وإنّ يدي مخلوقة خلقة القفل
طبيعة بخل أكّدتها خليقة تخلّقتها خوف احتياجي إلى مثلي
[ ٢ / ٣٠٥ ]
فألقى إلينا عذرة لا نردّها وكان ملقّى حجة اللؤم والبخل
«٧٩١» - كان رجل من البخلاء قد أفرط في البخل حتى صار مثلا، فأتى جارا له من الزهاد فجعل يشكو إليه البخل وما قد يلي به منه وأنه لا حيلة له فيه، فقال له الزاهد: لهذا القول كلام في الجواب طويل، ولكني أقول لك: إنك على ما وصفت من أنك لا تجود على نفسك بفلس غير بخيل، لأنّ البخيل يعطي ويمنع، وأنت تعطي كلّ مالك، فقال له البخيل: وكيف ذاك مع ما وصفت لك؟ قال: لأنك توفّره كلّه على من تخلّف. قال فرجع والله البخيل عن خلقه وعدّ من الأجواد.
«٧٩٢» - قيل: كان أسيد بن عنقاء الفزاري من أكثر الناس مالا وأشدّهم عارضة ولسانا، فطال عمره، ونكبه دهره، واختلت حاله، فخرج عشية يتبقّل لأهله، فمرّ به عميلة الفزاريّ فسلّم عليه وقال: يا عمّ ما أصارك إلى ما أرى من حالك؟ فقال بخل مثلك بماله، وصوني وجهي عن مسألة الناس، فقال: والله لئن بقيت إلى غد لأغيرنّ من حالك، فرجع ابن عنقاء إلى أهله فأخبرها بما قال له عميلة، فقالت: لقد غرّك كلام غلام جنح ليل، فكأنما ألقمت فاه حجرا، فبات متململا بين رجاء ويأس، فلما كان السحر سمع ثغاء الشاء ورغاء الابل وصهيل الخيل ولجب الاموال، فقال: ما هذا؟
فقالوا: هذا عميلة ساق إليك ماله، قال: فاستخرج ابن عنقاء ثم قسم ماله شطرين وساهمه عليه، وأنشأ ابن عنقاء يقول: [من الطويل]
رآني على ما بي عميلة فاشتكى إلى ماله حالي أسرّ كما جهر
[ ٢ / ٣٠٦ ]
دعاني فآساني [١] ولو ضنّ لم ألم على حين لا بدو يرجّى ولا حضر
فقلت له خيرا وأثنيت فعله وأوفاك ما أبليت من ذمّ أو شكر
ولما رأى المجد استعيرت ثيابه تردّى رداء سابغ الذيل واتّزر
غلام رماه الله بالخير يافعا له سيمياء لا تشقّ على البصر
كأن الثريا علّقت فوق نحره وفي أنفه الشعرى وفي خدّه القمر
إذا قيلت العوراء أغضى [٢] كأنه ذليل بلا ذلّ ولو شاء لانتصر
«٧٩٣» - دخل أعرابي على خالد بن عبد الله القسري فقال: أصلح الله الأمير، شيخ كبير حدته إليك بارية العظام، ومورثة الاسقام، ومطوّلة الأعوام، فذهبت أمواله، وذعذعت إباله، وتغيرت أحواله، فإن رأى الأمير أن يجبره بفضله، وينعشه بسجله، ويردّه إلى أهله، فقال: كل ذلك، وأمر له بعشرة آلاف درهم.
«٧٩٤» - بعث معاوية إلى عائشة بمائة ألف درهم فما قامت من مجلسها حتى وزعتها، فدخلت عليها الخادم فقالت: لو حبست لنا درهما نشتري به لحما، فقالت: هلّا ذكرتني ذلك قبل أن أفرقه.
وكانت ترقع قميصا لها، ودخل عليها المنكدر فقال: أصابتني حاجة فأعينيني، فقالت: ما عندي شيء، ولو كانت عندي عشرة آلاف درهم بعثت بها إليك، فلما خرج من عندها جاءتها عشرة آلاف درهم من عند خالد
_________________
(١) ع: فواساني؛ م: فأستاني.
(٢) الأغاني: ولّى.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
ابن أسيد، فقالت: ما أوشك ما ابتليت ثم أرسلت بها في أثره، فدخل السوق فاشترى جارية بألفي درهم فولدت له ثلاثة كانوا عبّاد أهل المدينة:
محمد وأبو بكر وعمر.
٧٩٥- جاء أسماء بن خارجة الفزاري إلى داره فوجد على بابه فتى جالسا فقال: ما يجلسك ها هنا يا فتى؟ قال: خير، فألحّ عليه فقال:
جئت سائلا إلى هذه الدار فخرجت منها جارية اختطفت قلبي، فجلست لكي تخرج ثانية، فجعل يعرضهنّ عليه حتى مرّت به فقال: هي هذه، فقال:
مكانك، فدخل ثم خرج إليه فقال: إنها لم تكن لي، كانت لبعض بناتي فابتعتها بثلاثة آلاف درهم، خذ بيدها بارك الله لك فيها.
٧٩٦- شاعر: [من الطويل]
أصبت صنوف المال من كلّ وجهة فما نلته إلا بكفّ كريم
وإني لأرجو أن أموت وتنقضي حياتي وما عندي يد للئيم
«٧٩٧» - قال كسرى: اجتماع المال عند الأسخياء أحد الخصبين، واجتماعه عند البخلاء أحد الجدبين.
«٧٩٨» - ابن الرومي: [من المتقارب]
يقتّر عيسى على نفسه وليس بباق ولا خالد
فلو يستطيع لتقتيره تنفّس من منخر واحد
[ ٢ / ٣٠٨ ]
«٧٩٩» - دخل عبد الرحمن بن أبي عمار، وهو يومئذ فقيه أهل الحجاز، على نخاس يعترض جواري له، فعلق واحدة منهن فاستهتر بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه فكان جوابه: [من البسيط]
يلومني فيك أقوام أجالسهم فما أبالي أطار اللوم أم وقعا
فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر، فلم يكن له همة غيره، فبعث إلى مولى الجارية فاشتراها منه بأربعين ألف درهم، وأمر قيّمة جواريه أن تطيّبها وتحلّيها ففعلت، وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه، فقال: مالي لا أرى ابن أبي عمار؟ فأتاه، فلما أراد أن ينهض استجلسه فقعد، فقال له عبد الله بن جعفر: ما فعل حبّ فلانة؟ قال: في اللحم والمخ والدم والعصب والعظام، قال: تعرفها إن رأيتها؟ قال: أو أعرف غيرها؟ قال: فإنا قد ضممناها إلينا، فو الله ما نظرت إليها، فأمر بها فأخرجت في الحلي والحلل، قال: أهي هذه؟ قال: نعم بأبي أنت وأمي، قال: فخذ بيدها فقد جعلتها لك، أرضيت؟ قال: أي والله بأبي أنت وأمي وفوق الرضا، فقال له ابن جعفر:
لكني والله لا أرضى أن أعطيكها هكذا، يا غلام احمل معه مائة ألف درهم كيلا يهتمّ بها وتهتمّ به، قال: فراح بها وبالمال.
«٨٠٠» - قال مروان بن أبي حفصة: دخلت على الوليد بن يزيد وأنا
[ ٢ / ٣٠٩ ]
غلام شاب ولي جمّة فينانة، وبيد الوليد قضيب، فجعل يشير به إلى جمتي ويقول: إنك لفينان الشعر يا ابن أبي حفصة فمن ولد سكّر أنت؟ قلت:
لا، ثم أنشد الوليد شعرا له: [من الطويل]
ألا أبلغوا أهل الحجاز رسالة [١] بأنّ سماء الضرّ عنكم ستقلع
ستوشك أموال معا وزوائد وأعطية تأتيكم تتسرّع [٢]
قال مروان: فقلت معارضا للوليد: [من الطويل]
أتت منك قطّان الحجاز رسالة فأنت بها واف وقولك مقنع
وعدت بها أن تكشف الضر عنهم وأبلغها الركبان عنك فاسرعوا
في شعر لمروان طويل؛ ثم أنشدته شعرا مضى فيه فقلت: [من البسيط]
فقلت لهم ذو اللبّ يعلم أنّى تؤكل الكتف
قال: ومعن بن زائدة واقف على رأس الوليد، قال: ثم انصرفت، فقبل أن أخرج من الدار أحسست بإنسان يضرب بين كتفيّ، فالتفتّ فإذا هو معن، فقال لي: يا ذا الكتف إن سمعت بي يوما من دهر قد وقعت في شيء فأتني، قال: ثم خرجت فنسيت قول معن وضرب الدهر من ضربه، ثم حججت في خلافة المنصور، فبينا أنا أطوف في البيت إذا رجل يضرب بين كتفيّ ويقول: يا ذا الكتف، فالتفتّ إليه فلم أعرفه فقال: أنا معن بن
_________________
(١) هذا الشطر روي بعدة روايات في المصادر مثل: ضمنت لكم إن لم تصابوا بمهجتي.
(٢) روايته في الديوان: سيوشك إلحاق بكم وزيادة وأعطية تأتي تباعا فتشفع
[ ٢ / ٣١٠ ]
زائدة، وقد وليت اليمن فالحق بي، فصرت إلى منزله فقلت: أعزّ الله الأمير، إنّ لي أبا شيخا كبيرا وأما عجوزا ولم أقدّر لقاءك في هذا الوجه فأخبرهما به فيسكنا إليه، فأذن لي في الرجوع إليهما واللحوق بك بعد ذلك، فأجابني إلى ما سألت، ونهضت من بين يديه، فلما كنت في بعض الدار تبعني غلام بكيس لا أعلمه إلا قال: خمسمائة دينار وبرد وشي فقال: يقول لك الأمير استعن بهذا على سفرك إلى أهلك ومن أهلك إلينا، فأخذتها ومضيت إلى منزلي، ثم خرجت إليه على طريق نجران فوافيته بصنعاء، فلما دخلت عليه أنشدته قصيدتي التي أقول فيها: [من الكامل]
معن بن زائدة الذي زيدت به شرفا على شرف بنو شيبان
وكان على فراش فنزل عنه، وأمر لي بمال فأعطانيه، ثم أنشدته قصيدتي التي أقول فيها: [من الكامل]
مسحت ربيعة وجه معن سابقا لما جرى وجرى ذوو الأحساب
خلّى الطريق له الجياد قواصرا من دون غايته وهنّ كوابي
وسمت به غرّ سوابق زانها كرم النّجار وصحّة الأنساب
فقام من مجلسه إليّ وقبّل رأسي وأمر لي بمال فأعطانيه، فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها: [من الطويل]
بنو مطر يوم اللقاء كأنهم أسود لها في غيل خفّان أشبل
هم يمنعون الجار حتى كأنما لجارهم بين السماكين منزل
لهاميم في الإسلام سادوا ولم يكن كأوّلهم في الجاهلية أوّل
هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا أجابوا وان أعطوا أطابوا وأجزلوا
وما يستطيع الفاعلون فعالهم وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا
ثلاث بأمثال الجبال حباهم وأحلامهم منها لدى الوزن أثقل
[ ٢ / ٣١١ ]
فأمر لي بمال أعطانيه، فقلت له: أغنيتني أغناك الله، فقال: لعن الله من يقدّر أنه قد كافأك يا ابن أبي حفصة.
«٨٠١» - وولي معن أذربيجان، فقصده قوم من أهل الكوفة فاستأذنوا، فدخل الحاجب فقال: أعزّ الله الأمير، إنّ بالباب وفدا من أهل العراق، قال: من أيّ العراقين؟ قال: من أهل الكوفة، فأذن لهم، فلما نظر إليهم وثب عن أريكته وأنشأ يقول (الشعر لعباد بن عباد المهلبي) [١]: [من الطويل]
إذا نوبة نابت صديقك فاغتنم مرمّتها فالدهر بالناس قلّب
فأحسن ثوبيك الذي هو لابس وأحسن مهريك الذي هو يركب
فبادر بمعروف إذا كنت قادرا حذار اقتدار أو غنى منك يعقب
فوثب إليه رجل من القوم فقال: أصلح الله الأمير، أنا أنشدك ما هو أحسن من هذا لابن عمك ابن هرمة، فقال: هات، فقال: [من الطويل]
وللنفس حاجات [٢] تحلّ بها العرى وتسخو عن المال النفوس الشحائح
إذا المرء لم ينفعك حيا فنفعه أقلّ إذا ضمّت [٣] عليه الصفائح
لأية حال يمنع المرء ماله [٤] غدا فغدا والموت غاد ورائح
_________________
(١) الشعر المهلبي: سقط من ر: م: لعبادة بن عباد.
(٢) الجليس: تارات.
(٣) الديوان: رصت.
(٤) الديوان: لأي زمان يخبأ المرء نفعه.
[ ٢ / ٣١٢ ]
قال: أحسنت والله، وإن كان الشعر لغيرك، يا غلام أعطهم أربعة آلاف، أربعة آلاف ليستعينوا بها على أمورهم إلى أن يتهيأ لنا فيهم ما نريد، قال الغلام: يا سيدي أعطيهم دنانير أو دراهم؟ قال معن: لا تكون همتك أبعد من همتي صفّرها لهم، فأعطاهم دنانير.
«٨٠٢» - لم يغسل عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر ثوبا قط، كلما استغسل ثوبه كساه، فكلما أراد أحد من أهله أو من غيرهم شيئا من ثيابه قال له: استغسل ثوبك، فيدفعه إليه.
«٨٠٣» - جاء رجل إلى أحمد بن أبي دواد فقال: أيها القاضي مالي إليك حاجة غير أني أحبّك لعموم معروفك، ثم أنشأ يقول: [من الكامل]
مالي إلى ابن أبي دواد حاجة تدني إليه ولا له عندي يد
إلا يد عمّت فكنت كواحد ممن يعين على الثناء ويحمد
«٨٠٤» - كانت العرب تسمي الكلب داعي الضمير، وهادي الضمير، وداعي الكرم، ومتمم النعم، ومشيد الذكر، لما يجلب من الأضياف بنباحه.
والضمير: الضيف الغريب، من أضمرته البلاد إذا غيبته؛ وكانوا إذا اشتد البرد وهبّت الرياح ولم تثبت النيران فرقوا الكلاب حوالي الحيّ وجعلوا لها مظالّ، وربطوها إلى العمد لتستوحش فتنبح فتهدي الضلّال.
«٨٠٥» - المتنبيّ: [من الطويل]
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
[ ٢ / ٣١٣ ]
وللنفس أخلاق تدلّ على الفتى أكان سخاء ما أتى أم تساخيا
٨٠٦- غزا تبع الأوس والخزرج فكان يقاتلهم نهارا ويخرجون إليه القرى ليلا.
«٨٠٧» - سأل الوليد بن عقبة مروان بن الحكم، وهو على المدينة، والمغيرة ابن شعبة، وهو على الكوفة، فلم يجد عندهم طائلا، فانحدر إلى عبد الله بن عامر، وهو على البصرة، فقضى عنه دينه مائة ألف، وأجازه بمائة ألف، فقال: [من الطويل]
ألا جعل الله المغيرة وابنه ومروان نعلي بذلة لابن عامر
لكي يقياه الحرّ والقرّ والأذى ولسع الأفاعي واحتدام الهواجر [١]
«٨٠٨» - قال يوسف بن محمد مولى آل عثمان: بعثني عبد الرحمن بن قطن المخزوميّ إلى حمزة بن عبد الله بن الزبير يستسلفه ألف دينار، فدخلت عليه، فأمر بنجيبة له مريء [٢]، فحلبت في عسّ وطرح فيه طبرزد فشرب وسقاني، ودعا بالألف فأعطانيه، فلم يلبث عبد الرحمن إلا يسيرا أن بعثني بالألف إليه، فدخلت عليه، فحلبت النجيبة وسقيت لبنها مع الطبرزد، وقسم الألف نصفين وقال: خذ خمسمائة وأعطه خمسمائة وقل له: إنا قوم لا نعود فيما خرج منّا.
_________________
(١) جاء في ع بعد هذا: تم الجزء الثالث من كتاب التذكرة يتلوه في الرابع إن شاء الله تعالى: قال يوسف بن محمد [مولى] آل عثمان؛ حسبنا الله ونعم الوكيل، بسم الله الرحمن الرحيم وبه أثق. وقد سقط هذا كله من ر م.
(٢) مريء: سقطت من م.
[ ٢ / ٣١٤ ]
«٨٠٩» - مرّ محمد بن واسع بأسود عند حائط يحفظه، وبين يديه كلب يأكل لقمة ويطعمه لقمة، فقال له: إنك تضرّ [١] بنفسك، فقال: يا شيخ عينه بحذاء عيني، أستحيي أن آكل ولا أطعمه، فاستحسن ذلك منه فاشتراه واشترى الحائط وأعتقه ووهب له الحائط، فقال: إن كان لي فهو في سبيل الله، فاستعظم ذلك منه فقال: يجود هو وأبخل أنا؟ لا كان هذا أبدا.
«٨١٠» - وقف أعرابيّ على محمد بن معمر، وكان سخيا، فسأله فخلع خاتمه وأعطاه وقال له: لا تخدعنّ عن هذا الفصّ فانه قام علي بمائة دينار، فهشم الأعرابيّ الخاتم وقلع فصّه وقال: دونكه، فالفضّة تكفيني أياما فقال:
هذا والله أجود مني.
«٨١١» - قدم نهيك بن مالك القشيريّ الملقب بمنهب الورق مكة بعير عليها طعام ومتاع فأنهبه، وقد أنهب ماله بعكاظ ثلاث مرات، فعاتبه خاله فقال: [من البسيط]
يا خال ذرني ومالي ما فعلت به وخذ نصيبك منّي إنني مودي
إن نهيكا أبى إلّا خلائقه حتى تبيد جبال الحرة السود
فلن أطيعك إلا أن تخلّدني فانظر بكيدك هل تسطيع تخليدي
الحمد لا يشترى إلّا له ثمن ولن أعيش بمال غير محمود
«٨١٢» - لقي سليمان بن المغيرة شعبة فشكا إليه الحاجة، وكان راكب
_________________
(١) م: بصير.
[ ٢ / ٣١٥ ]
حمار فقال: والله ما أملك من الدنيا إلا هذا الحمار، فنزل عنه ودفعه إليه.
«٨١٣» - دخل طلحة بن عبد الله بن عوف سوق الظّهر يوما فوافق فيه الفرزدق، فقال: يا أبا فراس، اختر عشرا من الابل، ففعل، فقال: ضمّ إليها مثلها، فلم يزل يقول ذلك حتى بلغت مائة فقال: هي لك، فقال:
[من الكامل]
يا طلح أنت أخو الندى وعقيده إنّ الندى إن مات طلحة ماتا
إن الندى ألقى إليك رحاله فبحيث بتّ من المنازل باتا
«٨١٤» - وقدم الفرزدق المدينة فتلقاه من نعى إليه طلحة فقال: بفيك التراب والحجر، ودخل من رأس الثنيّة يولول ويقول: يا أهل المدينة أنتم أذلّ قوم في الأرض، غلبكم الموت على طلحة.
«٨١٥» - وخرج طلحة ومع غلامه سبعة آلاف درهم، فقال له أعرابي: أعنّي على الدهر، فقال لغلامه: انثرها في حجر الأعرابي، فذهب يقلّها فعجز عنها فبكى، فقال: لعلك استقللتها، فقال: لا والله، ولكن تفكرت فيما تأكل الأرض من كرمك فبكيت.
«٨١٦» - وفد أبو عطاء السنديّ على نصر بن سيار بخراسان مع رفيقين له، فأنزله وأحسن إليه وقال: ما عندك يا أبا عطاء؟ قال: وما عسى أن أقول وأنت أشعر العرب؟ غير أني قلت بيتين، قال: هاتهما، فقال: [من البسيط]
[ ٢ / ٣١٦ ]
يا طالب الجود إما كنت طالبه فاطلب على نأيه نصر بن سيّار
الواهب الخيل تعدو في أعنّتها مع القيان وفيها ألف دينار
فأعطاه ألف دينار ووصائف ووصفاء، وحمله وكساه، فقسم ذلك بين رفيقيه ولم يأخذ منه شيئا، فبلغه ما فعل فقال: ماله قاتله الله من سنديّ فما أضخم قدره!! ثم أمر له بمثله.
«٨١٧» - خرج الحسنان وعبد الله بن جعفر وأبو حبّة الأنصاريّ من مكة إلى المدينة، فأصابتهم السماء فلجأوا إلى خباء أعرابي، فأقاموا عنده ثلاثا حتى سكنت السماء، وذبح لهم، فلما ارتحلوا قال له عبد الله: إن قدمت المدينة فسل عنّا، فاحتاج الأعرابي بعد سنين، فقالت له امرأته: لو أتيت المدينة فلقيت أولئك الفتيان، فقال: قد أنسيت أسماءهم، قالت: سل عن ابن الطيار، فأتاه فقال: الق سيدنا الحسن، فلقيه فأمر له بمائة ناقة بفحولها ورعائها، ثم أتى الحسين فقال: كفانا أبو محمد مؤونة الابل، فأمر له بألف شاة، ثم أتى عبد الله بن جعفر فقال: كفاني أخواي الابل والشاء، فأمر له بمائة ألف درهم، ثم أتى أبا حبّة فقال: والله ما عندي مثل ما أعطوك، ولكن جئني بإبلك، فأوقرها له تمرا، فلم يزل اليسار في أعقاب الأعرابيّ.
«٨١٨» - قال المأمون لمحمد بن عباد: بلغني أنّ فيك سرفا، قال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء ظن بالمعبود، فأمر له بمائة ألف درهم وقال:
[ ٢ / ٣١٧ ]
أنا مادتك، والله مادتي، فأنفق ولا تبخل.
«٨١٩» - بخلاء العرب أربعة: الحطيئة وحميد الأرقط وأبو الأسود الدؤلي وخالد بن صفوان.
«٨٢٠» - أما الحطيئة فمرّ به ابن الحمامة وهو جالس بفناء بيته فقال:
السلام عليكم، فقال: قلت ما لا ينكر، فقال: إني خرجت من أهلي بغير زاد، فقال: ما ضمنت لأهلك قراك، قال: فتأذن لي أن آتي ظلّ بيتك فأتفيأ به؟ فقال: دونك الجبل يفىء عليك، قال: أنا ابن الحمامة، قال:
انصرف وكن ابن أيّ طائر شئت.
«٨٢١» - وأتاه رجل وهو في غنم له فقال: يا صاحب الغنم، فرفع الحطيئة العصا وقال: إنها عجراء من سلم، فقال: إني ضيف، قال:
لكعاب الضيفان أعددتها، فانصرف عنه.
«٨٢٢» - وأما حميد الأرقط فكان هجاء للضيفان فحّاشا عليهم، فنزل به ضيف ذات ليلة فقال لامرأته: نزل بك البلاء فقومي وأعدّي لنا شيئا، فجعل الضيف يأكل متنفّجا ويقول: ما فعل الحجاج بالناس؟ فلما فرغ قال حميد: [من الطويل]
[ ٢ / ٣١٨ ]
يحرّ على الأطناب من جذل بيتنا هجفّ [١] لمخزون التحية باذل
يقول وقد ألقى المراسي للقرى [٢] ابن لي ما الحجاج بالناس فاعل
فقلت لعمري ما لهذا أتيتنا [٣] فكل ودع الأخبار [٤] ما أنت آكل
تدبّل [٥] كفّاه ويحدر حلقه إلى الصدر ما حازت عليه الأنامل
أتانا ولم يعدله سحبان وائل بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللّقم حتى كأنّه من العيّ لما أن تكلّم باقل
«٨٢٣» - ونزل به أضياف فأطعمهم تمرا وهجاهم وادّعى عليهم أنهم أكلوه بنواه فقال: [من البسيط]
باتوا وجلّتنا الشهريز حولهم كأنّ أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنّوى ملقى معرّسهم وليس كلّ النوى ألقى المساكين
«٨٢٤» - وأما أبو الأسود فعمل دكانا عاليا يجلس عليه، فكان ربما أكل عليه فلا يناله المجتاز، فمر به أعرابيّ على جمل، فعرض عليه أن يأكل معه، وظنّ أنه لا يناله، فأناخ الاعرابيّ بعيره حتى وازى الدكان وأكل معه، فلم يجلس بعدها عليه.
٨٢٥- وتصدق على سائل بتمرة، فقال له السائل: جعل الله نصيبك
_________________
(١) الهجف: الطويل الضخم.
(٢) البكري: مراسي مقعد.
(٣) البكري: طرقتنا.
(٤) البكري: التسآل.
(٥) يدبل: يعظم اللقمة.
[ ٢ / ٣١٩ ]
من الجنة مثلها.
«٨٢٦» - وكان يقول: لو أطعنا المساكين في أموالنا كنا أسوأ حالا منهم.
«٨٢٧» - وأما خالد بن صفوان فكان إذا أخذ جائزته قال للدرهم: والله لطالما سرت في البلاد، أما والله لأطيلنّ ضجعتك ولأديمن صرعتك.
«٨٢٨» - وقيل لخالد: مالك لا تنفق فإن مالك عريض؟ قال: الدهر اعرض منه؛ قيل له: كأنك تأمل أن تعيش الدهر كله، قال: ولا أخاف أن اموت في أوله.
«٨٢٩» - وأحيحة بن الجلاح ممن كان يبخّل، وكان إذا هبّت الصّبا طلع من أطمه فنظر إلى ناحية هبوبها ثم يقول: هبّي هبوبك، فقد أعددت لك ثلاثمائة وستين صاعا من عجوة أدفع إلى الوليد منها خمس تمرات فيردّ علي ثلاثا لصلابتها بعد جهد، ما يلوك منها اثنتين.
«٨٣٠» - وتضرب العرب بمادر المثل [١] في اللؤم تقول: هو ألام من
_________________
(١) م: ويضرب المثل بمادر
[ ٢ / ٣٢٠ ]
مادر، يزعمون أنه بنى حوضا وسقى إبله، فلما أصدرها سلح في الحوض لئلا يسقي غيره فيه.
«٨٣١» - وكان عمر بن يزيد الأسدي مبخّلا جدا، فأصابه القولنج، فحقنه الطبيب بدهن كثير، فانحلّ ما في بطنه في الطّست، فقال للغلام: ما تصنع به؟ قال: أصبّه، قال: لا ولكن ميّز الدهن منه واستصبح به.
«٨٣٢» وجاءه الحكم بن عبدل الأسدي ومعه جماعة من قومه يسألونه حاجة، فدخلوا إليه وهو يأكل تمرا، فلم يدعهم إليه، وذكروا حاجتهم فلم يقضها، فقال فيه ابن عبدل. [من البسيط]
جئنا وبين يديه التمر في طبق فما دعانا أبو حفص ولا كادا
علا على جسمه ثوبان من دنس لؤم وكفر ولولا أيره سادا
قال ذلك لأن أباه وجده مع أمة له فكان يعيّر بذلك.
«٨٣٣» كان الحكم بن أيوب من ولد أبي عقيل الثقفي بخيلا، وكان عاملا على البصرة، فاستعمل رجلا من بني مازن يقال له جرير بن بيهس، ولقبه العطرّق، على العرق، [فخرج الحكم يتنزّه وهو باليمامة] فأتي بغدائه، فدعا العطرق فتغدّى معه، وجاءوا بدراجة فتناول العطرق فخذها فانتزعها، فعزله الحكم واستعمل مكانه نويرة بن شقيق أحد بني حارثة بن حرقوص، فقال نويرة: [من البسيط]
قد كان بالعرق صيد لو قنعت به فيه غنى لك عن درّاجة الحكم
[ ٢ / ٣٢١ ]
وفي عوارض ما تنفكّ آكلها لو كان يشفيك لحم الجزر من قرم
وفي وطاب مملّاة متمّمة فيها الصريح الذي يشفي من السقم
ثم استعمل الحكم مكانه رجلا من بني ضبة يقال له المحلق، فقال نويرة للحكم: [من الطويل]
أبا يوسف لو كنت تعرف طاعتي ونصحي إذن ما بعتني بالمحلّق
ولا اعتلّ سرّاق العراقة صالح عليّ ولا كلّفت ذنب العطرق
صالح بن كدير المازني كان على استخراج الحجاج فدفع إليه رجلا ليستخرج منه مالا فدفنه حيا فلقّبه الحجاج «قفل الأمانة» .
«٨٣٤» - قال أنو شروان لأصحابه: أيّ شيء أضرّ على الإنسان؟
قالوا: الفقر، قال: الشحّ أضرّ منه، لأنّ الفقير إذا وجد اتسع، والشحيح لا يتّسع وإن وجد.
«٨٣٥» - وقال عليّ بن أبي طالب ﵇: البخل جامع لمساوىء العيوب، وهو زمام يقاد به إلى كلّ سوء.
«٨٣٦» - قيل لحبّى المدنية: ما السّقم الذي لا يبرأ والجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم الذي [١] لا يجدي عليه.
_________________
(١) الذي: سقطت من ر.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
«٨٣٧» - قيل لجعفر بن محمد: إن أبا جعفر المنصور لا يلبس مذ صارت إليه الخلافة إلا الخشن، ولا يأكل إلا الجشب، فقال: ولم يا ويحه مع ما قد مكّن الله له من السلطان وجبى إليه من الأموال؟ فقيل له: إنما يفعل ذلك بخلا وجمعا للمال فقال: الحمد لله الذي حرمه من دنياه ما ترك له دينه [١] .
«٨٣٨» - وكان المنصور شديد البخل، حدا به سلم الحادي في طريقه إلى الحجّ، فحدا يوما بقول الشاعر: [من الرجز]
أغر بين حاجبيه نوره يزينه حياؤه وخيره
ومسكه يشوبه كافوره إذا تغدّى رفعت ستوره
فطرب المنصور حتى ضرب برجله المحمل ثم قال: يا ربيع، أعطه نصف درهم، فقال سلم: نصف درهم يا أمير المؤمنين؟ والله لقد حدوت بهشام فأمر لي بثلاثين ألف درهم، فقال المنصور: ما كان له أن يعطيك ثلاثين ألف درهم من بيت مال المسلمين، يا ربيع وكلّ به من يستخرج منه هذا المال، فقال الربيع: فما زلت أسفر بينهما حتى شرط عليه أن يحدو به في خروجه وقفوله بغير مؤونة.
«٨٣٩» - كان الحارثي يقول: الوحدة خير من جليس السوء، وأكيل السوء شر من جليس السوء، لأن كلّ أكيل جليس وليس كلّ جليس أكيلا.
_________________
(١) سقطت الفقرات ٨٣٧- ٨٤٣ من النسخة ر.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
«٨٤٠» - وكان لسوار القاضي كاتبان، رزق أحدهما أربعون درهما والآخر عشرون درهما، فكتب إلى المنصور يسأله أن يلحق صاحب العشرين بالأربعين فأجابه بأن يحطّ من الأربعين عشرة ويزيدها صاحب العشرين حتى يعتدلا.
«٨٤١» - وكان عبد الملك بن مروان بخيلا فقال يوما لكثّير: أيّ الشعر أفضل؟ قال: أفضله قول المقنّع: [من البسيط]
إنّي أحرّض أهل البخل كلّهم لو كان ينفع أهل البخل تحريضي
يعرّض ببخله، فقال عبد الملك وعرف ما أراد: الله أصدق من المقنّع حيث يقول: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا
(الفرقان: ٦٧) .
«٨٤٢» - قال العبّاس بن المأمون لغلامه: إني رأيت [في] الرصافة نقلا حسنا، فاشتر لي منه بنصف درهم [فقال المأمون: أما وقد عرفت للدرهم] نصفا فو الله لا أفلحت أبدا.
«٨٤٣» .- (١) قال أبو الشمقمق: [من الوافر]
طعامك في السحاب إذا التقينا وخبزك عند منقطع التراب
وما روّحتنا لتذبّ عنّا ولكن خفت مرزئة الذباب
(٢) وقال أيضا في سعيد بن سلم: [من الكامل]
[ ٢ / ٣٢٤ ]
هيهات تضرب في حديد بارد إن كنت تطمع في نوال سعيد
تالله لو ملك البحور بأسرها وأتاه سلم في زمان مدود
يبغيه منها شربة لطهوره لأبي وقال تيممن بصعيد
«٨٤٤» - وقال آخر: [من الوافر]
فتى لرغيفه شنف وقرط ومرسلتان من خرز وشذر
ودون رغيفه لمس الثريا ويوم مثل وقعة يوم بدر
وإن ذكر [١] الرغيف بكى عليه بكا الخنساء إذ فجعت بصخر
«٨٤٥» - آخر: [من البسيط]
وأبغض الضيف ما بي جلّ مأكله لكن تنفّجه حولي إذا قعدا
ما زال ينفض جنبيه وحبوته حتى أقول لعلّ الضيف قد ولدا
«٨٤٦» - آخر: [من الطويل]
وإنا لنجفو الضيف من غير عسرة مخافة أن يضرى بنا فيعود
٨٤٧- آخر: [من الطويل]
إذا المرء أثرى ثم قال لقومه أنا السيّد المفضى إليه المعمّم
_________________
(١) ر: إذا كسر.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
ولم يعطهم شيئا أبوا أن يسودهم وهان عليهم رغمه وهو ألوم
«٨٤٨» - آخر: [من الطويل]
إذا كنت جماعا لمالك ممسكا فأنت عليه خازن وأمين
تؤديه مذموما إلى غير حامد فيأكله عفوا وأنت دفين
«٨٤٩» - وقال الرضي الموسوي: [من البسيط]
واجعل يديك مجاز المال تحظ به إنّ الأشحّاء للورّاث خزّان
٨٥»
- روي أنه افتقر رجل من الصيارفة بإلحاج الناس في أخذ أموالهم التي كانت عليه، وتعذّر أمواله التي له عند الناس، فسأل جماعة من الجيران أن يصيروا معه إلى رجل من قريش كان موسرا من أولاد أجوادهم ليسدّ من خلته، فصاروا إليه فجلسوا في الصحن، فخرج إليهم يخطر بقضيب في يده، حتى ثنى وساده فجلس عليها، فذكروا حاجتهم وخلّة صاحبهم مع قديم نعمته وقرب جواره، فخطر بالقضيب ثم قال متمثلا: [من الطويل]
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه صنيعة تقوى أو صديق توامقه
[ ٢ / ٣٢٦ ]
بخلت وبعض البخل حزم وقوة ولم يفتلذك المال إلا حقائقه
ثم أقبل على القوم وقال: إنّا والله ما نجمد عن الحقّ ولا نتدفّق في الباطل، وان لنا لحقوقا تشغل فضول أموالنا، وما كلّ من أفلس من الصيارفة احتلنا لجبره، قوموا يرحمكم الله، قال: فابتدر القوم الأبواب.
قوله: يفتلذك يقول: يقطع منك، يقال: فلذ له أي قطع له.
«٨٥١» - قال الجاحظ: يقول المروزي لزائره إذا أطال عنده: تغديت اليوم؟ فان قال: نعم، قال: لولا أنك تغديت لغديتك بطعام طيّب، فإن قال: لا قال: لو كنت تغديت لسقيتك خمسة أقداح، فلا يكون في يده على هذين الوجهين قليل ولا كثير.
«٨٥٢» - كان أبو العتاهية ومروان بن أبي حفصة بخيلين يضرب بهما المثل، ويحسن فيهما قول أحمد بن أبي فنن: [من الطويل]
وإن أحقّ الناس باللوم شاعر يلوم على البخل الرجال ويبخل
وكان سلم الخاسر سمحا، فكان يأتي باب المهديّ وعليه الثياب الجميلة، ورائحة الطيب تفوح منه، وتحته برذون فاره، وكان مروان يأتي وعليه فرو كبل منتن الرائحة، وكان لا يأكل اللحم حتى يقرم إليه، فإذا همّ بأكله اشترى رأسا، فقيل له في ذلك فقال: أعرف سعره فآمن خيانة الغلام فيه، وآكل منه ألوانا، آكل من غلصمته لونا، ومن عينيه لونا، ومن دماغه لونا.
«٨٥٣» - وقال مروان: ما فرحت بشيء قطّ فرحي بمائة ألف درهم
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وهبها إليّ المهدي فوزنتها فزادت درهما فاشتريت به لحما.
«٨٥٤» - واشترى لحما بدرهم فلما وضعه في القدر وكاد أن ينضج دعاه صديق له، فردّه على القصّاب بنقصان دانق، فشكّه القصّاب وجعل ينادي:
هذا لحم مروان، وظنّ أنه يأنف لذلك، فبلغ الرشيد فقال: ويلك ما هذا؟
قال: أكره الإسراف.
«٨٥٥» - ولما قال أبو العتاهية: [من الوافر]
تعالى الله يا سلم بن عمرو أذلّ الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تصير إليك عفوا أليس مصير ذاك إلى زوال
قال سلم: ويلي على الجرّار ابن الفاعلة قد كنز الكنوز لا ينفق منها وينسبني إلى الحرص، ولا أملك غير ثوبيّ هذين؟! «٨٥٦» - واجتاز مروان بامرأة من العرب فأضافته، فقال لها: عليّ إن وهب لي أمير المؤمنين مائة ألف درهم أن أهب لك درهما فأعطاه سبعين ألفا فأعطاها أربعة دوانيق.
«٨٥٧» - قال ثمامة بن أشرس: أنشدني أبو العتاهية: [من الطويل]
إذا المرء لم يعتق من المال نفسه تملّكه المال الذي هو مالكه
إلا إنما مالي الذي أنا منفق وليس لي المال الذي أنا تاركه
[ ٢ / ٣٢٨ ]
إذا كنت ذا مال فبادر به الذي يحقّ وإلا استهلكته مهالكه
فقلت له: من أين قضيت بهذا؟ فقال: من قول رسول الله ﷺ:
ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت؛ فقلت له: هذا قول رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، قلت: فلم تحبس عندك سبعا وعشرين بدرة في دارك لا تأكل منها ولا تشرب ولا تزكّي ولا تقدّمها ذخرا ليوم فقرك وفاقتك؟ فقال: يا أبا معن، والله إنّ ما قلت لهو الحقّ ولكنّي أخاف الفقر والحاجة إلى الناس، قلت: وبماذا يزيد حال من افتقر على حالك، وأنت دائم الحرص، دائم الجمع، شحيح على نفسك، لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد؟ فترك جوابي كلّه ثم قال لي: والله لقد اشتريت في يوم عاشوراء لحما وتوابله وما يتبعه بخمسة دراهم، فأضحكني حتى أذهلني عن جوابه ومعاتبته، فأمسكت عنه، وعلمت أنه ممن لم يشرح الله صدره للإسلام.
«٨٥٨» - وقال له بعض إخوانه: أتزكّي مالك؟ فقال: والله ما أنفق على عيالي إلا من زكاة مالي، فقال: سبحان الله، إنما ينبغي أن تخرج زكاة مالك إلى الفقراء والمساكين، فقال لي: لو انقطعت عن عيالي زكاة مالي لم يكن في الأرض أفقر منهم.
٨٥٩- وقيل له: مالك تبخل بما رزقك الله تعالى؟ فقال: والله ما بخلت بما رزقني الله قطّ، قيل له، وكيف ذلك، وفي بيتك من المال ما لا يحصى؟ قال: ليس ذلك رزقي، ولو كان رزقي أنفقته.
«٨٦٠» - حدّث ذارع من أهل البصرة قال: دعاني خالد بن صفوان
[ ٢ / ٣٢٩ ]
فقسمت له مالا وأقمت حسابه، فلما كان عند الظهر دعا بالغداء فجاءوه بدجاجة، وجاءوني بزيتون وبصل، فقال لي: تشتهي أن تأكل من هذه الدجاجة؟ قلت: وما عليك لو أكلت منها؟ قال: إذن كنت أنا وأنت في مالي سواء، فما ينفعني مالي.
٨٦١- وقد قال بخيل آخر في مثل ذلك: إذا أكلت كما آكل فأين فضل المالك؟
«٨٦٢» - عمل سهل بن هارون كتابا مدح فيه البخل وأهداه إلى الحسن ابن سهل، فوقّع على ظهره: قد جعلنا ثوابك عليه ما أمرت به فيه.
«٨٦٣» - قال أبو نواس [١]، قلت لبخيل: لم تأكل وحدك؟ فقال:
ليس في هذا سؤال، إنّما السؤال على من أكل مع الجماعة لأنّ ذاك تكلّف وهذا هو الأصل.
«٨٦٤» - قال الكندي: من ذلّ البذل أنك [٢] تقول نعم مطأطئا رأسك، ومن عزّ المنع أنك [٣] تقول: لا، رافعا رأسك.
«٨٦٥» - دخل هشام بن عبد الملك حائطا له وفيه أشجار فاكهة، ومعه
_________________
(١) م: أنوشروان.
(٢) م: أن.
(٣) م: أن.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
أصحابه، فجعلوا يأكلون منه ويدعون بالبركات، فقال هشام: كيف يبارك فيه وأنتم تأكلون؟ ثم قال: يا غلام، اقلع هذا واغرس مكانه الزيتون.
«٨٦٦» - قال صعصعة: أكلت عند معاوية لقمة فقام بها خطيبا قيل:
وكيف ذاك؟ قال: كنت آكل معه فهيأ لقمة ليأكلها وأغفلها فأخذتها، فسمعته بعد ذلك يقول في خطبته: أيها الناس، أجملوا في الطلب فربّ رافع لقمة إلى فيه تناولها غيره.
«٨٦٧» - أصاب أعرابيّ درهما في كناسة الكوفة [١] فقال: أبشر أيها الدرهم وقرّ قرارك، فطالما خيض فيك الغمار، وقطعت فيك الأسفار، وتعرّض فيك للنار.
«٨٦٨» - وكان بعض البخلاء إذا صار الدرهم في يده خاطبه وناجاه وفدّاه واستبطأه وقال: بأبي أنت وأمي، كم من أرض قطعت، وكيس خرمت، وكم من خامل رفعت، ومن رفيع [٢] أخملت، لك عندي ألا تعرى ولا تضحى، ثم يلقيه في كيسه ويقول: اسكن على اسم الله في مكان لا تزول عنه ولا تزعج منه.
«٨٦٩» - وقال محمد بن أبي المعافى [٣]: كان أبي متنحّيا [٤] عن المدينة.
_________________
(١) م: في الكوفة.
(٢) م: وكم من رفيع.
(٣) : ابن المعافى.
(٤) م: متناحيا.
[ ٢ / ٣٣١ ]
وكانت إلى جنبه مزرعة فيها قثّاء، وكنت صبيّا قد ترعرعت، فجاءني صبيان من جيراننا أقران لي، وكلمت أبي ليهب لي درهما أشتري به قثاء، فقال لي:
أتعرف حال الدرهم؟ كان في حجر في جبل فضرب بالمعاول حتى استخرج ثم طحن ثم أدخل القدور وصبّ عليه الماء وجمع بالزئبق ثم أدخل النار فسبك ثم أخرج فضرب، وكتب في أحد شقيه لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وفي الآخر محمد رسول الله، ثم صيّر إلى أمير المؤمنين فأمر بادخاله بيت ماله، ووكّل به عوج القلانس صهب السبال ثم وهب [١] لجارية حسناء جميلة، وأنت والله أقبح من قرد، أو رزقه رجلا شجاعا وأنت والله أجبن من صفرد، فهل ينبغي لك أن تمسّ الدرهم إلا بثوب؟! «٨٧٠» - أهل مرو موصوفون بالبخل، ومن عادتهم إذا ترافقوا في سفر أن يشتري كل واحد منهم قطعة لحم ويشدّها في خيط، ويجمعون اللحم كلّه في قدر، ويمسك كلّ واحد منهم طرف خيطه، فإذا نضجت القدر جرّ كلّ واحد خيطه وتفرّد بأكل ما فيه، وتساعدوا على المرقة.
«٨٧١» - وحكي عنهم أنهم تخارجوا ثمن [٢] بزر للسراج [٣]، وانفرد أحدهم فلم يوافقهم، فشدوا عينه لئلا يرى ضوء السراج.
٨٧٢- ومن طريف [٤] أمورهم أنهم يستعملون الخادم في ستة أعمال في وقت واحد: تحمل الصبيّ وتشدّ البربند في صدرها [٥] فتدور وتطحن، وفي
_________________
(١) م: وهبه.
(٢) ثمن: سقطت من ر.
(٣) م: بزر السراج.
(٤) م: ظرائف.
(٥) م: وسطها.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
ظهرها سقاء تمخضه باختلافها وحركتها، وتدوس طعاما قد ألقي تحت رجليها، وتلقي الحنطة في الرحى، وتطرد العصافير عن طعام قد وكلت به.
«٨٧٣» - قال العتبيّ: لو بذلت الجنة للأصمعي بدرهم لا ستنقص شيئا.
«٨٧٤» - وسأله متكفّف فقال: لا أرضى لك ما يحضرني، فقال السائل: أنا أرضى به، فقال الأصمعي: بورك فيك.
«٨٧٥» - أكل أعرابيّ مع أبي الأسود رطبا فأكثر، ومدّ أبو الأسود يده إلى رطبة ليأخذها، فسبقه الأعرابيّ إليها وأخذها، فسقطت في التراب فأخذها وجعل يمسحها ويقول: لا أدعها للشيطان، فقال أبو الأسود: ولا لجبريل وميكائيل لو نزلا.
«٨٧٦» - وسأله رجل شيئا فمنعه فقال له: يا أبا الأسود، ما أصبحت حاتميا، فقال: بل أصبحت حاتميا، أما سمعت حاتما يقول: [من الطويل]
أماويّ إمّا مانع فمبيّن وإما عطاء لا ينهنهه الزّجر
«٨٧٧» - ودخل أبو الأسود السوق [يشتري ثوبا] فقال له رجل: ادن أقاربك [في هذا الثوب] قال له: إن لم تقاربني أنت باعدتك أنا [بكم
[ ٢ / ٣٣٣ ]
[هو]، قال: طلب بكذا قال أبو الأسود: أراك تحدّث بخير قد فاتك.
«٨٧٨» - سمع أبو الأسود رجلا يقول: من يعشيّ الجائع؟ فعشّاه ثم ذهب السائل ليخرج، فقال: هيهات، عليّ أن لا تؤذي المسلمين الليلة، فوضع رجله في الأدهم وقال: لا تروّع مسلما سائر الليلة.
«٨٧٩» - ووقف على بابه سائل وهو يأكل فقال: السلام عليكم، قال: كلمة مقولة، قال: أدخل؟ قال: وراءك أوسع لك، قال: إنّ الرمضاء قد أحرقت رجليّ، قال: بل عليهما؛ وأغلق دونه الباب [١] .
«٨٨٠» - وقف أعرابيّ على أبي الأسود وهو يتغدى فسلّم فردّ عليه، ثم أقبل على الأكل ولم يعرض عليه، فقال له الأعرابي: أما إني قد مررت بأهلك، قال: كان ذلك طريقك، قال: هم صالحون، قال: كذلك هم، قال: وأمرأتك حبلى، قال: كذلك كان عهدي بها، قال:
وولدت، قال: ما كان بدّ لها أن تلد، قال: ولدت غلامين، قال: كذاك كانت أمها، قال: مات أحدهما قال: ما كانت تقوى على رضاع اثنين، قال: ثم مات الآخر، قال: ما كان ليبقى بعد أخيه، قال: وماتت الأمّ، قال: حزنا على ولدها، قال: ما أطيب طعامك!! قال: ذاك حداني على أكله، قال: أفّ لك ما ألأمك، قال: من شاء سبّ صاحبه.
_________________
(١) م: الباب دونه.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
«٨٨١» - كان الثوري يقول لعياله: لا تلقوا نوى التمر والرطب وتعوّدوا ابتلاعه فإن النوى يعقد الشحم في البطن، ويدفىء الكليتين، واعتبروا ذلك ببطون الصفايا وجميع ما يعتلف النوى، والله لو حملتم أنفسكم على قضم الشعير واعتلاف القتّ لوجدتموها سريعة القبول فقد يأكل الناس القتّ قداحا والشعير فريكا ونوى البسر الأخضر والعجوة، وأنا أقدر أن أبيع النوى وأعلفه الشاء، ولكن أقول هذا بالنظر لكم.
«٨٨٢» - وكان يقول لهم: كلوا الباقلاء بقشوره فإن الباقلاء يقول: من أكلني ولم يأكل قشوري فأنا آكله، فما حاجتكم إلى أن تصيروا طعاما لطعامكم وأكلا لما جعل أكلا لكم.
«٨٨٣» - قال الجاحظ: كنا نسمع باللئيم الراضع، وهو الذي يرضع الخلف لئلا يسمع صوت الحلب أو يضيّع من الشخب شيئا، ثم رأيت أبا سعيد المدائني قد صنع أعظم من ذلك، اصطبغ من دنّ خلّ حتى فني وهو قائم ولم يخرج منه شيئا.
«٨٨٤» - كان الكندي [١] لا يزال يقول للساكن من سكانه والمجاور له:
إنّ في داري امرأة بها حمل، والوحمى ربما أسقطت من ريح القدر الطيبة فإذا طبختم فردّوا شهوتها بغرفة أو قطعة فإن النفس يردّها اليسير، وإن لم تفعل ذلك فأسقطت فعليك غرة: عبد أو أمة.
_________________
(١) ع م: المنذر.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
«٨٨٥» - دعبل [١]: [الكامل المجزوء]
استبق ودّ أبي المقا تل حين تأكل من طعامه
سيّان كسر رغيفه أو كسر عظم من عظامه
وتراه من خوف النزي ل به يروّع في منامه
«٨٨٦» - ذكر أعرابيّ قوما فقال: ألقوا من الصلاة الأذان، لئلا تسمعه الآذان [٢]، فتدلّ عليهم الضيفان.
«٨٨٧» - قال الأصمعي: سمعت بيتين لم أحفل بهما، ثم قلت هما على حال خير من وضعهما من الكتاب، فإني عند الرشيد يوما وعنده عيسى بن جعفر، فأقبل على مسرور الكبير [٣] فقال: يا مسرور [٤] كم في بيت مال السرور؟
فقال: ما فيه شيء، قال عيسى: هذا بيت مال الحزن، فاغتمّ لذلك الرشيد وأقبل على عيسى وقال: والله لتعطين الأصمعيّ سلفا على بيت مال السرور ألف دينار، فوجم عيسى وانكسر، فقلت في نفسي: جاء موقع البيتين، وأنشدت الرشيد: [من الطويل]
إذا شئت أن تلقى أخاك معبسا وجدّاه في الماضين كعب وحاتم
فكشّفه عما في يديه فإنما تكشّف أخبار الرجال الدراهم
قال: فتجلّى عن الرشيد وقال: يا مسرور، أعطه على بيت مال السرور
_________________
(١) م: وأنشد دعبل.
(٢) م: الأذن.
(٣) الكبير: زيادة من ر.
(٤) يا مسرور: سقطت من ع.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
ألفي دينار فأخذت بالبيتين ألفي دينار وما كانا يساويان عندي در همين.
«٨٨٨» - كان المغيرة بن شعبة من المدمنين للشراب، فقال لصاحب له يوم خيبر [١] قد قرمت إلى الشراب، ومعي درهمان زائفان، فأعطني زكرتين، فأعطاه فصب في إحداهما ماء وأتى بعض الخمارين فقال: كل بدرهمين، فكال في زكرته فأعطاه الدرهمين فردّهما، وقال هما زائفان، فقال: ارتجع ما اعطيتني فكاله وأخذه، وبقيت بقية في الزكرة بقدر الماء فصبّها في الفارغة، ثم فعل ذلك بكل خمار أتاه حتى ملأ زكرته، ورجع ومعه درهمان.
«٨٨٩» - كان إبراهيم بن علي بن هرمة- جدّه هرمة [٢]- دعيّا في الخلج، والخلج أدعياء في قريش، فكان يقول: أنا ألأم العرب، دعيّ أدعياء؛ وأراد الحارث بن فهر نفيه فقال: [من الطويل]
أحار بن فهر كيف تطّرحونني وجاني العدى من غيركم يبتغي نصري
فصار من ولد فهر في ساعته.
«٨٩٠» - قال [عبد الله بن أبي] عبيدة [٣] بن محمد بن عمار بن ياسر:
زرت عبد الله بن حسن [٤] بباديته وزاره ابن هرمة، فجاءه رجل من أسلم، فقال ابن هرمة لعبد الله بن حسن: أصلحك الله، سل الأسلميّ أن يأذن لي أن أخبرك خبري وخبره، فقال له عبد الله: إيذن له، فأذن له الأسلميّ،
_________________
(١) م: لصاحب له خبير (وقوله: يوم خبير محير حقا) .
(٢) جده هرمة: زيادة من ر.
(٣) ر ع م: قال أبو عبيدة.
(٤) بن حسن بن حسين؛ م: بن حسن بن حسن.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
فقال له ابن هرمة: إني خرجت أصلحك الله أبغي ذودا فأوحشت وضفت هذا الأسلميّ، فذبح لي شاة وخبز لي خبزا وأكرمني، ثم غدوت من عنده فأقمت ما شاء الله، ثم خرجت أيضا في بغاء ذود لي فأوحشت، فقلت: لو ضفت هذا الأسلمي، فملت إليه فجاءني بلبن وتمر، ثم خرجت بعد ذلك فقلت لو ضفت الأسلمي فاللبن والتمر خير من الطوى، فضفته فجاءني بلبن حامض، فقال: قد أجبته أصلحك الله إلى ما سأل، فسله أن يأذن لي أن أخبرك لم فعلت ذلك. فقال: إيذن له، فأذن له، فقال الأسلميّ: ضافني فسألت من هو، فقال: رجل من قريش، فذبحت له الشاة التي ذكر، والله لو كان لي غيرها لذبحت له حين ذكر أنه من قريش، ثم غدا من عندي وغدا الحيّ فقالوا: من كان ضيفك البارحة؟ فقلت: رجل من قريش، فقالوا: ليس من قريش ولكنه دعيّ فيها، ثم ضافني الثانية على أنه دعيّ في قريش فجئته بلبن وتمر، وقلت: دعيّ من قريش خير من غيره، ثم غدا من عندي وغدا الحيّ فقالوا: من كان ضيفك البارحة؟ فقلت ذلك الرجل الذي زعمتم أنه دعيّ من قريش، فقالوا: لا والله ما هو دعيّ قريش، ولكنه دعيّ أدعياء قريش، فقريته الثالثة لبنا حامضا، وو الله لو كان عندي شرّ منه لقريته إياه.
قال: فانخزل ابن هرمة، وضحك عبد الله وضحكنا معه.
٨٩١- وقيل: كان سليم [١] بن سلام من أبخل الناس، قال أبو الحواجب [٢] الأنصاري: قال لي سليم يوما: امض إلى موسى بن إسحاق الأزرق فادعه، ووافياني مع الظهر، فجئناه فأخرج إلينا ثلاثين جارية محسنة ونبيذا ولم يطعمنا شيئا، فغمز موسى غلامه فذهب فاشترى لنا خبزا وبيضا وأدخله إلى الكنيف وجلسنا نأكل، فلما رآنا سليم غضب وخاصمنا وقال:
أهكذا يفعل الناس؟ تأكلون ولا تطعموني؟ وجلس معنا يأكل أكل واحد منّا
_________________
(١) م: سلم (في هذا الموضع) .
(٢) م: أبو الحاجب.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
حتى فني الخبز والبيض.
«٨٩٢» - وقد أشار جماعة من شعراء العرب إلى الحثّ على البخل بطريق الارشاد والتبصير (١) فمن ذلك قول المتلمس الضّبعيّ: [من الوافر]
لحفظ المال خير من بغاه وسير في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ولا يبقى الكثير مع الفساد
(٢) وقول الشماخ: [من الوافر]
لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعفّ من القنوع
(٣) وقول أبي قيس بن الأسلت: [من الوافر]
بنيّ متى هلكت وأنت حيّ فلا ترحم فواضلك العديما
ومالك فاصطنعه وأصلحنه تجد فيه الفواضل والنعيما
(٤) وقول أحيحة بن الجلاح وكان شديد البخل: [من البسيط]
ولن أزال على الزوراء أعمرها إنّ الكريم على الإخوان ذو المال
[ ٢ / ٣٣٩ ]
«٨٩٢» .- (٥) وقول عدي بن زيد: [من البسيط]
البس جديدك إني لابس خلقي ولا جديد لمن لم يلبس الخلقا
«٨٩٣» - قال العتبيّ: قدم معن بن أوس مكة على ابن الزبير فأنزله دار الضيفان، وكان ينزلها الغرباء وابن السبيل والضيفان، فأقام يومه لم يطعم شيئا، حتى إذا كان الليل جاءهم ابن الزبير بتيس هرم هزيل فقال: كلوا من هذا، وهم نيّف وسبعون رجلا، فغضب معن وخرج من عنده، فأتى عبيد الله بن العبّاس فقراه وحمله وكساه، ثم أتى عبد الله بن جعفر وحدّثه حديثه فأعطاه حتى أرضاه، وأقام عنده ثلاثا ثم رحل، وقال يهجو ابن الزبير ويمدح ابن جعفر وابن العبّاس: [من الطويل]
ظللنا بمستنّ الرياح غديّة إلى أن تعالى اليوم في شر محضر
لدى ابن الزبير خاسئين [١] بمنزل من الخير والمعروف والرفد مقفر
رمانا أبو بكر وقد طال يومنا بتيس من الشاء الحجازيّ أعفر
وقال اطعموا منه ونحن ثلاثة وسبعون إنسانا فيا لؤم مخبر
فقلت له لا تقرين [٢] فأمامنا جفان ابن عباس العلا وابن جعفر
وكن آمنا وانعق بتيسك إنه له أعنز ينزو عليها وأبشر
«٨٩٤» - وكان عبد الله بن الزبير شديد البخل، وخبره مع عبد الله بن
_________________
(١) م والأغاني: جالسين.
(٢) الأغاني: لا تقرنا؛ م: تقربن.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
فضالة، وقيل مع أبيه فضالة، مشهور حين أتاه مسترفدا وشكا إليه جهد سيره ونقب راحلته، فقال: أرقعها بسبت واخصفها بهلب وسر بها [١] البردين تصحّ، فقال: إني أتيتك مستحملا ولم آتك مستوصفا، فلعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إنّ وراكبها، فقال عبد الله بن فضالة أبياتا منها: [من الوافر]
شكوت إليه أن نقبت قلوصي فردّ جواب مشدود الصّفاد
يضنّ بناقة ويروم ملكا محال ذاكم غير السّداد
٨٩٥- ولما حوصر ابن الزبير كانت عنده البيوت مملوءة قمحا وذرة، وأصحابه يموتون جوعا، فقيل له فرقها فيهم، فلم يفعل، واحتجّ بأنّ قلوبهم قوية ما لم يفن.
«٨٩٦» - كانت بين بني الديل وبني الليث منازعة، فقتلت بنو الديل منهم رجلا ثم اصطلحوا بعد ذلك على أن يؤدوا ديته، فاجتمعوا إلى أبي الأسود يسألونه المعونة على أدائها، وألحّ عليه منهم غلام ذو بيان وعارضة يقول: يا أبا الأسود، أنت شيخ العشيرة وسيدهم، وما يمنعك من معاونتهم [٢] قلة ذات يد ولا سؤدد ولا جود، فلما أكثر أقبل عليه أبو الأسود ثم قال له:
قد أكثرت يا ابن أخي، فاستمع مني: إنّ الرجل والله لا يعطي ماله إلّا لإحدى خلال: إما رجل أعطى ماله رجاء مكافأة [٣] ممن يعطيه، أو رجل خاف على نفسه فوقاها بماله، أو رجل أراد وجه الله وما عنده في الآخرة، أو رجل
_________________
(١) م: وسيرها.
(٢) ر: معانتهم.
(٣) ر: وجاء بمكافأة.
[ ٢ / ٣٤١ ]
أحمق خدع عن ماله، والله ما أنتم أحد هذه الطبقات، ولا جئتم في شيء من هذا، ولا عمك الرجل العاجز فينخدع لها، ولما أفدتك إياه في عقلك خير لك من مال أبي الأسود لو وصل إلى بني الديل. قوموا إذا شئتم، فقاموا يتبادرون الباب.
«٨٩٧» - كان الفضل بن العبّاس اللهبيّ بخيلا، وكان ثقيل البدن، فكان كلما أراد يمضي [١] في حاجة استعار مركوبا، وطال ذلك من فعله، فقال له بعض بني هاشم: أنا أشتري لك حمارا تركبه وتستريح من العارية، وفعل، فكان الفضل يستعير له سرجا إذا أراد أن يركبه، فتواصى الناس بأن لا يعيره أحد سرجا، فلما طال ذلك عليه اشترى سرجا بخمسة دراهم، وقال: [من الطويل]
لما رأيت المال ما كفّ [٢] أهله وصان ذوي الأخطار أن يتبذّلوا
رجعت إلى مالي فعاتبت بعضه فأعتبني إنّي كذلك أفعل
وقال المدائني [٣]، قال للذي اشترى له الحمار: إني لا أطيق علفه فاما أن بعثت إليّ بقوته وإلا رددته.
«٨٩٨» - وكان خالد بن عبد الله القسري معروفا بالسماحة مشهورا بالجود [٤] إلا أنه [٥] كان أبخل الناس بالطعام، فوفد إليه رجل له حرمة، فأمر أن يكتب له بعشرين ألف درهم، وحضر الطعام فدعا به، فأكل أكلا منكرا، فأغضبه وقال للخازن: لا تعرض عليّ صكّه، فعرّفه الخازن ذلك، فقال: ويحك ما
_________________
(١) م: يمشي.
(٢) ع: يا لف.
(٣) وقال المدائني: من م وحدها.
(٤) م: مشهورا معروفا بالجود.
(٥) إلا أنه: سقط من ر.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
الحيلة؟ قال: تشتري له غدا كلّ ما يحتاج إليه في مطبخه وتهب للطباخ دراهم حتى لا يشتري شيئا، وتسأله إذا أكل خالد أن يقول: إنك كنت اليوم في ضيافة فلان، فاشترى له كلّ ما أراد حتى الحطب فبلغ خمسمائة درهم، فأكل خالد واستطاب ما صنع له، فقال الطباخ: إنك كنت اليوم في ضيافة فلان، فأخبره فاستحيا خالد، ودعا بصكّه فصيّره ثلاثين ألف درهم، ووقّع فيه، وأمر الخازن بتسليمه [١] إليه.
«٨٩٩» - وكان لبعض التجار على رجل دين، فأراد استعداء خالد عليه، فلاذ الرجل ببواب خالد وبرّه، فقال له: سأحتال لك في أمر هذا بحيلة لا يدخله عليه أبدا قال: فلما جلس خالد للأكل أذن البواب للتاجر، فدخل وخالد يأكل سمكا، فجلس فأكل أكلا شنيعا فغاظ ذلك خالدا، فلما خرج قال خالد لبوابه: فيم أتاني هذا؟ قال: يستعدي على فلان في دين يدّعيه عليه، قال: إني لأعلم أنه كاذب فلا يدخلنّ عليّ، وتقدم إلى صاحب الشرطة بأن يقبض يده عن خصمه.
«٩٠٠» - كانت بنو تميم اجتمعت ببغداد على عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير حين قال شعره الذي يقدّم فيه غلاما من ربيعة على شيخ بني تميم، وهو مع ذلك من بيت تميم، ولاموه فقال [٢]: [من الطويل]
صه يا تميم إنّ شيبان وائل بطرفهم عنكم أضنّ وأرغب
أإن سمت برذونا بطرف غضبتم عليّ وما في الحقّ والصدق [٣] مغضب
_________________
(١) الأغاني: بتسليمها.
(٢) م: فأنشد.
(٣) الأغاني: وما في السوق والسوم.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
فان أكرمت أو أنجبت أمّ خالد فزند الرياحيين أورى وأثقب
ثم قال عمارة: قال لي عليّ بن هشام، وفيه عصبية على العرب: قد علمت مكانك مني وقيامي بأمرك حتى قرّبك أمير المؤمنين، والمائة الألف التي وصلك بها عليّ سببها، وها هنا من بني عمّك من هو أقرب إليك وأجدر أن يعينني على ما أمر به أمير المؤمنين لك، فقلت: ومن هو؟ قال: تميم بن خزيمة، قال: قلت آتيه قال: وخالد بن يزيد بن مزيد؟ قلت: سآتيهما، فبعث معي شاكريا من شاكريته حتى وقف بي على باب تميم، فلما نظر غلمانه إليّ أنكروا أمري، فدنا الشاكريّ فقال: أعلموا الأمير أن على الباب ابن جرير الشاعر جاء مسلّما، فتوانوا وخرج غلام عرّفني أنه قد علم الأمير فحجبني، فدخلني من ذلك ما الله به عالم، فقلت للشاكريّ: أين منزل خالد بن يزيد؟
قال: اتبعني، فما كان إلا قليلا حتى وقف بي على بابه، ودخل بعض غلمانه يطلب الاذن، فما كان إلا كلا حتى خرج في قميصه وردائه يتبعه حشمه، فقال بعض القوم: هذا خالد قد أقبل إليك قال: فأردت أن أنزل إليه فوثب وثبة فإذا هو معي آخذ بعضدي، فأنزلني وأدخلني وقرّب الطعام، فأكلت وشربت، وأخرج إلى خمسة آلاف درهم وقال: يا أبا عقيل ما آكل إلا بالدّين، وأنا على جناح من ولاية، فإن صحّت لي لم أدع أن أعينك [١]، وهذه خمسة أثواب خزّ آثرتك بها كنت قد ادخرتها، قال عمارة فخرجت وأنا أقول: [من الطويل]
أأترك أن قلّت دراهم خالد زيارته إنّي إذن للئيم
فليت بثوبيه لنا كان خالد وكان لبكر بالثراء تميم
فيصبح فينا سابق متمهّل ويصبح في بكر أعمّ [٢] بهيم
_________________
(١) الأغاني: أغنيك.
(٢) م ر ع: أعم.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
قال عمارة: فلما بلغ خالد بن يزيد [١] هذا الشعر قال: يا أبا عقيل بلغك أن أهلي يرضون مني ببديل كما رضيت بي من تميم بن خزيمة؟ فقلت: إنما طلبت حظّ نفسي وسقت مكرمة إلى أهلي لو جاز ذلك، فما زال يضاحكني.
«٩٠١» - كان الواقدي شيخا سمحا، وأظلّه شهر رمضان ولم يكن عنده نفقة، فاستشار امرأته بمن ينزل ظنّه من اخوانه، فقالت: بفلان الهاشمي، فأتاه فذكر له خلّته، فأخرج له صرة فيها ثلاثمائة دينار وقال: والله ما أملك غيرها، فأخذها الواقدي فساعة دخل منزله جاءه بعض إخوانه وشكا إليه خلته، فدفع إليه الصرة بختمها، وعاد صاحب الصرة إلى منزله، فجاءه الهاشميّ فشكا إليه خلته فناوله الصرة فعرفها الهاشميّ فقال له: من أين لك هذه؟ فحدثه بقصته، فقال له: قم بنا إلى الواقديّ، فأتوه فقال الهاشمي:
حدّثني عنك وعن إخراج الصرة فحدثه الحديث على وجهه، فقال الهاشمي:
فأحقّ ما في هذه الصرة أن نقتسمها، ونجعل فيها نصيبا للمرأة التي وقع اختيارها عليّ.
«٩٠٢» - والشافعيّ معدود في الأجواد، قال الربيع بن سليمان: ركب يوما فمرّ في الحدادين فسقط سوطه، فوثب غلام فمسحه وأعطاه إياه، فقال لي: ما معك يا ربيع؟ قلت: عشرة دنانير، قال: ادفعها إليه، وما كان معنا غيرها.
«٩٠٣» - العجير السلوليّ وكان أسرع في ماله فأتلفه، ثم ادّان حتى أثقله
_________________
(١) زيد: هكذا في النسخ، وقد مرّ «يزيد» .
[ ٢ / ٣٤٥ ]
الدين، ثم مدّ يده إلى مال زوجته فمنعته: [من الطويل]
تقول وقد غاديتها أمّ خالد على مالها أغرقت [١] دينا فأقصر
أبى القصر من يأوي إذا الليل جنّه [٢] إلى ضوء ناري من فقير ومقتر
أيا موقدي ناري ارفعاها لعلّها تشبّ لمقو آخر الليل مقفر [٣]
أمن راكب أمسى بظهر تنوفة أواريك أم من جاري المتنظّر
سلي الطارق المعترّ يا أمّ خالد إذا ما أتاني بين قدري ومجزري
أأبسط وجهي إنّه أوّل القرى وأبذل معروفي له دون منكري
أقي العرض بالمال التلاد وما عسى أخوك إذا ما ضيّع العرض مشتر
يؤدي إليّ الليل [٤] قنيان ماجد كريم ومالي سارحا مال مقتر
إذا متّ يوما فاحضري أمّ خالد تراثك من سيف وطرف وأقدر
«٩٠٤» - وفد مطيع بن إياس إلى جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري وقد مدحه بقصيدة أولها: [من المتقارب]
أمن آل ليلى عزمت البكورا ولم تلق ليلى فتشفي الضميرا
فلما بلغ جريرا خبر قدومه دعا به ليلا ولم يعلم أحدا بحضوره وقال له: قد عرفت خبرك، وإني معجّل لك جائزتك ساعتي هذه، فإذا حضرت غدا فإني سأخاطبك مخاطبة فيها جفاء، وأزوّدك نفقة طريقك لئلا يبلغ أبا جعفر خبري
_________________
(١) ر: أعرفت.
(٢) الأغاني: جنني.
(٣) بهامش ع: يروى لعروة بن الورد.
(٤) الأغاني: النيل.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
فيهلكني، فأمر له بمائتي دينار وصرفه، فلما أصبح أتاه فاستأذنه في الإنشاد فقال له: يا هذا لقد رميت بأملك غير مرمى، وفي أيّ شيء أنا حتى تنتجعني الشعراء؟ لقد أسأت إليّ لأني لا أستطيع تبليغك محبّتك ولا آمن سخطك ولا ذمّك، فقال له: تسمع مني ما قلته فإني أقبل ميسورك وأبسط عذرك، فاستمع كالمنكر المتكلّف، فلما فرغ قال لغلامه: يا غلام كم مبلغ ما بقي من نفقتنا؟ قال: ثلاثمائة درهم، قال: أعطه مائة درهم ينصرف بها إلى أهله، ومائة درهم لنفقة طريقه، واحبس مائة درهم لنفقتنا فانصرف مطيع عنه شاكرا. فهذا تسلق [١] على المروءة عجيب، وحيلة في الجود مع الخوف من سلطانه ومباينته [٢] فيه لأخلاقه.
«٩٠٥» - وعمر بن عبيد الله بن معمر التيمي من الأجواد: كان لرجل جارية يهواها فاحتاج إلى بيعها، فابتاعها؟؟؟ منه عمر بن عبيد الله بن معمر، فلما قبض ثمنها أنشأت تقول: [من الطويل]
هنيئا لك المال الذي قد قبضته [٣] ولم يبق في كفّيّ غير التحسّر [٤]
أبوء بحزن من فراقك موجع أناجي به صدرا طويل التفكر
فقال الرجل: [من الطويل]
فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن يفرّقنا شيء سوى الموت فاعذري
عليك سلام لا زيارة بيننا ولا وصل إلّا أن يشاء ابن معمر
_________________
(١) ر: تساق.
(٢) م: ومباهتة.
(٣) م: حويته.
(٤) م: التفكر.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
فقال: قد شئت، خذ الجارية وثمنها وانصرف.
«٩٠٦» - وكان زياد الأعجم صديقا لعمر بن عبيد الله قبل أن يلي، فقال له عمر: يا أبا أمامة لو وليت لتركتك لا تحتاج إلى أحد أبدا، فلما ولي عمر فارس قصده زياد، فلما لقيه قال: [من الطويل]
أبلغ أبا حفص رسالة ناصح أتت من زياد مستبينا كلامها
فانك مثل الشمس لا ستر دونها فكيف أبا حفص عليّ ظلامها
فقال له عمر: لا يكون عليك ظلامها أبدا.
فقال زياد:
لقد كنت أدعو الله في السرّ أن أرى أمور معدّ في يديك نظامها
فقال: قد رأيت ذلك، فقال:
فلما أتاني ما أردت تباشرت بناتي وقلن العام لا شكّ عامها
قال: فهو عامهنّ إن شاء الله تعالى، فقال:
فإني وأرضا أنت فيها ابن معمر كمكة لم يطرب لأرض حمامها
قال: فهي كذاك يا زياد، فقال:
إذا اخترت أرضا للمقام رضيتها لنفسي ولم يثقل عليّ مقامها
وكنت أمنّي النفس منك ابن معمر أمانيّ أرجو أن يتمّ تمامها
فقال: قد أتمها الله لك، فقال:
فلا أك كالمجري إلى رأس غاية يرجّي سماء لم يصبه غمامها
[ ٢ / ٣٤٨ ]
قال: لست كذاك، فسل حاجتك، قال: نجيبة ورحالتها، وفرس رائع وسائسه، وبدرة وحاملها، وجارية وخادمها، وتخت ثياب ووصيف يحمله، فقال: قد أمرنا لك بجميع ما سألت، وهو لك علينا في كل سنة.
«٩٠٧» دخل حمزة بن بيض على يزيد بن المهلب وهو في السجن فأنشده: [من المنسرح]
أغلق دون السماح والجود والنّ جدة باب حديده أشب
لا بطر إن تتابعت نعم وصابر في البلاء محتسب
برزت سبق الجواد في مهل وقصّرت دون سعيك العرب
فقال: والله يا حمزة لقد أسأت حين نوّهت [١] باسمي في غير وقت تنويه، ثم رفع مقعدا تحته فرمى إليه بخرقة مصرورة، وعليه صاحب خبر واقف، وقال: خذ هذا الدينار، فوالله ما أملك ذهبا غيره، فأخذه حمزة وأراد أن يرده، فقال له سرا: خذه ولا تخدع عنه، قال حمزة: فلما قال: لا تخدع عنه قلت: والله ما هذا بدينار، فخرجت فقال لي صاحب الخبر: ما أعطاك يزيد؟ فقلت: أعطاني دينارا، وأردت أن أردّه عليه فاستحييت منه، فلما صرت إلى منزلي حللت الصرة وإذا فصّ ياقوت أحمر كأنه سقط زند، فقلت:
والله لئن عرضت هذا بالعراق ليعلمنّ أني أخذته من يزيد فيؤخذ مني، فخرجت إلى خراسان فبعته على رجل يهوديّ بثلاثين ألفا، فلما قبضت المال وصار الفصّ في يد اليهوديّ قال لي: والله لو أبيت إلا خمسين ألف درهم لأخذته منك بها، فكأنه قذف في قلبي جمرة، فلما رأى تغير وجهي قال: إني رجل تاجر، ولست أشكّ أني قد غممتك، قلت: أي والله وقتلتني، فأخرج إليّ
_________________
(١) م: توهمت.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
مائة دينار وقال: أنفق هذه في طريقك ليتوفر المال عليك.
٩٠٨- وليزيد أخبار في الجود عجيبة: فمن ذلك أنّ المهلب لما مات نادى منادي يزيد ابنه: من كانت له عند المهلب عدة أو له عليه دين فليحضر، فأتاه الناس، إلى أن أتاه رجل فقال: لي عنده عدة قال: وما عدتك؟ قال: سألته شيئا فأمرني بالمقام، قال: فما ظنّك؟ قال: على قدرك، فأمر له بمائة ألف درهم.
«٩٠٩» قال عقيل بن أبي: لما أراد يزيد بن المهلب الخروج إلى واسط أتيته فقلت: أيها الأمير إن رأيت أن تأذن لي فأصحبك وأستظلّ بظلك وأكون في كنفك، فقال: إذا قدمت واسطا أتيتنا إن شاء الله، فشخص وأقمت، فقال لي اخواني: مالك لا تشخص؟ فقلت لهم: إن جوابه كان ضعيفا، فقالوا: أنت أضعف خلق الله، تريد من يزيد جوابا أكثر مما قال لك؟
فشخصت حتى قدمت عليه، فلما كان في الليل دعيت الى السمر، فتحدّث القوم حتى ذكروا الجواري فالتفت إليّ يزيد فقال: إيه يا عقيل فقلت: [من الوافر]
أفاض القوم في ذكر الجواري فأما الأعزبون فلن يقولوا
قال: إنك لن تبقى بعدها عزبا، فلما رجعت إلى منزلي إذا خادم له معه جارية وبدرة فيها عشرة آلاف درهم وفرس وفرش بيت، فلما كان الليلة الثانية دعيت إلى السمر، فلما رجعت إلى المنزل إذا بمثل ذلك، فمكثت عشر ليال كلما رجعت إلى منزلي وجدت مثل ذلك، فلما رأيت في بيتي عشرا من الجواري وعشرة من الخدم وعشر بدر وفرش عشرة وعشرة أفراس دخلت عليه فقلت:
أيها الأمير، قد والله أغنيت وأقنيت، فإن رأيت أن تأذن لي في الرجوع فأكبت عدوي وأسرّ صديقي، قال: بل نخيّرك خلتين اختر أيتهما شئت، إما أن تقيم
[ ٢ / ٣٥٠ ]
فنوليك أو تشخص فنغنيك، فقلت: أو لم تغنني أيها الأمير؟ قال: لا إنما هذا أثاث المنزل ومصلحة المقدم.
«٩١٠» - قال أبو العيناء: تذاكروا السخاء فاتفقوا على آل المهلّب في الدولة المروانيّة، وعلى البرامكة في الدولة العبّاسيّة، ثم اتفقوا على أن أحمد بن أبي دواد أسخى منهم جميعا وأفضل. وكان يقال للفضل بن يحيى «حاتم الاسلام وحاتم الأجواد»، ويقال حدث عن البحر ولا حرج، وعن الفضل ولا حرج. وقالوا: ما بلغ أحد من أولاد خالد بن برمك مبلغه في جوده ورأيه وبأسه ونزاهته. وكان يحيى بن خالد يقول: ما أنا إلا شررة من نار أبي العباس. وقيل لداود الطائي: أيّ الناس أسخى؟ فذكر خالد بن برمك، فقيل: قد وصل الفضل بن يحيى منذ ترك النهروان إلى أن دخل خراسان بثمانين ألف ألف درهم، فقال: ما بلغ ذاك يوما من أيام خالد.
«٩١١» - أتى الفرزدق عمرو بن عبد الله بن صفوان الجمحي بالمدينة وليس عنده نقد حاضر، وهو يتوقع أعطيته وأعطيته ولده، فقال: والله يا أبا فراس ما وافقت عندنا نقدا، ولكن عروضا إن شئت، قال: نعم، قال:
فان عندنا رقيقا فرهة فإن شئت أخذتهم، قال: نعم، فأرسل إليه من بنيه وبني أخيه عدّة، وقال: هم لك عندنا حتى تشخص، وجاءه العطاء فأخبره [١] الحبر، وفداهم، فقال الفرزدق، ونظر إلى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان سيدا يطوف بالبيت يتبختر: [من البسيط]
تمشي تبختر حول البيت منتحيا لو كنت عمرو بن عبد الله لم تزد
_________________
(١) ع: فأخبرهم.
[ ٢ / ٣٥١ ]
«٩١٢» - وفد أبو الشمقمق إلى جنديسابور يريد محمد بن عبد السلام، فلما دخلها صار إلى منزله، فخبر أنه في دار الخراج مطالب، فقصده ودخل عليه وهو قائم في الشمس وعلى عنقه صخرة، فلما رآه محمد قال: [من الكامل]
ولقد قدمت على رجال طالما قدم الرجال عليهم فتمولوا
أخنى الزمان عليهم فكأنهم كانوا بأرض أقفرت فتحولوا
فقال أبو الشمقمق: [من الكامل]
الجود أفلسهم وأذهب مالهم فاليوم إن راموا السماح تجملوا
فقال محمد لغلامه: ادن مني يا غلام، فدنا فقال: خذ هذه الصخرة عني ولا تضعها على الأرض، فنزع ثيابه وخاتمه ودفع ذلك إليه وقال: اردد الصخرة على عاتقي، وأخذ أبو الشمقمق الثياب والخاتم معا ومضى، فكتب صاحب الخبر إلى الخليفة يخبره وذكر فعله وشعره، فوقّع إلى عامله بجنديسابور بإسقاط الخراج عنه في تلك السنة، وإسقاط ما عليه من البقايا، وأمر له بمائة ألف درهم معونة على مروءته.
«٩١٣» - قدم ربيعة على يزيد بن حاتم بمصر، فشغل عنه ببعض الأمر، فخرج وهو يقول: [من الطويل]
أراني ولا كفران لله راجعا بخفّى حنين من نوال ابن حاتم
فسأل عنه يزيد فأخبر أنه قد خرج وقال كذا، وأنشد البيت، فأرسل في طلبه، فأتي به فقال: كيف قلت؟ فأنشده البيت، فقال: شغلنا عنك وعجلت علينا، ثم أمر بخفيه فخلعتا من رجليه وملئتا مالا، وقال ارجع بهما
[ ٢ / ٣٥٢ ]
بدلا من خفي حنين.
«٩١٤» - حدّث أبو العبّاس أحمد بن يحيى قال: كان ببغداد فتى يجنّ ستة أشهر ويفيق ستة أشهر [١]، فاستقبلني في بعض السكك ذات يوم فقال:
ثعلب؟ قلت: نعم، قال: أنشدني، فأنشدته: [من الكامل]
فإذا مررت بقبره فاعقر به كوم الهجان وكلّ طرف سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها فلقد يكون أخا دم وذبائح
فتضاحك وسكت ساعة ثم قال: ألا قال؟ [من الخفيف]
اذهبا بي إن لم يكن لكما عق ر إلى ترب قبره فاعقراني
وانضحا من دمي عليه فقد كا ن دمي من نداه لو تعلمان
ثم إني رأيته يوما بعد ذلك فتأملني وقال: ثعلب؟ قلت: نعم، قال:
أنشدني، فأنشدته: [الوافر المجزوء]
أعار [٢] الجود نائله إذا ما ماله نفدا [٣]
وإن أسد شكا جبنا أعار فؤاده الأسدا
فضحك وقال: ألا قال؟ [من الرمل]
علّم الجود الندى حتى إذا ما حكاه علّم البأس الأسد
فله الجود مقرّ بالندى وله الليث مقرّ بالجلد
_________________
(١) ويفيق أشهر: سقط من ع م.
(٢) ر م: أعاد.
(٣) ر: فقدا.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
«٩١٥» - قال أبو العيناء: أضقت إضاقة شديدة فكتمتها عن أصدقائي، فدخلت على يحيى ابن أكثم القاضي فقال لي: إن أمير المؤمنين عبد الله المأمون قد جلس للمظالم وأخذ القصص، فتنشط للحضور؟ فقلت: نعم، فمضيت معه إلى دار أمير المؤمنين، فلما بصر بنا أجلس يحيى ثم أجلسني فقال: يا أبا العيناء، بالألفة والمحبة ما جاء بك في هذه الساعة؟ فانشأت أقول: [من البسيط]
فقد رجوتك دون الناس كلهم وللرجاء حقوق كلّها يجب
إلا تكن لي أسباب أمتّ بها ففي العلى لك أخلاق هي السبب
فقال: يا سلامة، انظر أيّ شيء في بيت مالنا وخاصّنا لا في بيت مال المسلمين، فقال: بقية من مال، فقال: ادفع إليه منها مائة ألف وأدررها عليه في كل وقت مثل هذا، فقبضها؛ فلما كان بعد أحد عشر شهرا مات المأمون، فبكى عليه أبو العيناء حتى قرحت عيناه، فدخل عليه بعض ولده فقال له: يا أبتاه بعد ذهاب العين ما يغني البكاء؟ فأنشأ يقول: [من الكامل]
شيئان لو بكت الدماء عليهما عيناي حتى يؤذنا بذهاب
لم يبلغا المعشار من حقّيهما فقد الشباب وفرقة الأحباب
«٩١٦» - كان أحمد بن طولون كثير الصدقة، وكان راتبه منها في الشهر ألف دينار سوى ما يطرأ عليه من نذر أو صلة أو شكر على تجديد نعمة، وسوى ما يرسله إلى أهل الستر، وسوى مطابخه التي تطبخ في دار الصدقة، وكان أحد المتولّين لصدقاته سليم الفاقو [١] الخادم المعدّل، وكان معروفا بالخير والورع، قال سليم: فقلت له أيها الأمير، إني أطوف القبائل، وأدقّ الأبواب بصدقاتك،
_________________
(١) م: الفافو.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وان اليد تمتدّ إليّ فيها الحناء، وربما كان فيها الخاتم الذهب [١]، وربما كان الدستينج والسوار الذهب، فأعطي أو أردّ؟ فأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال: كلّ يد امتدّت إليك فلا تردها.
«٩١٧» - كان بشر بن غالب الأسدي سخيا مطعاما، وكانت له موائد يغشاها إخوانه، ثم إنّ الدهر نبا به وضاقت ذات يده، فاختفى في منزله استحياء من الناس، وأظهر أنه غائب، وكانت له مولاة تقوم بحوائجه وتقيم له مروءته بالقرض والفرض وبيع الشيء بعد الشيء، حتى جاءته يوما فقالت: يا مولاي، قد والله أعيت الحيلة وما أجد اليوم مضطربا، فإن أذنت لي احتلت لك، قال: على أن لا تذكريني لأحد، قالت لا، فأتت عكرمة بن ربعيّ الفياض، فدخلت عليه فقالت له: هل لك في عورة كريم تسترها وخلّة تسدها؟ قال: ومن هو؟ قالت: قد أمرني أن لا أذكره، فدعا بثلاثمائة درهم فدفعها إليها، ثم قال لمولاة له ذات ظرف وعقل: اتبعي هذه المرأة فانظري أين تدخل، فرجعت إليه فأخبرته أنها دخلت دار بشر بن غالب، فقال لوكيله: هيّء أربعمائة دينار في كيس، فلما كان في بعض الليل أخذ عكرمة الكيس وجاء إلى باب بشر بن غالب فقرع الباب، فقيل له إنه غائب، فقال: أخبروه أني مستغيث يستغيث به، فخرج إليه في ظلمة الليل فرمى الكيس وركض البغلة منصرفا، فناداه بشر: أنشدك الله من أنت؟ قال: أنا جابر عثرات الكرام، قال: فلما رجع بشر إلى منزله دعا مولاته فقال: أخبريني من أتيت اليوم في حاجتك، قالت: عكرمة بن ربعي، فلم يك إلا أيام يسيرة حتى قدم بشر بن مروان الكوفة، فأرسل إلى بشر بن غالب فولّاه الشرطة، وقلّده سيفا، فقال: أيها الأمير، إنّ الشرطة لحوائج الناس وشفاعاتهم،
_________________
(١) ع: الخاتم معا من.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
فاجعل لي شيئا من الخراج أستعين به، فولّاه رستاقا، فقال له: أيها الأمير بقيت لي حاجة، قال: وما هي؟ قال: عكرمة بن ربعي، كان من قصته وقصتي كيت وكيت، فإن رأى الأمير أن يأذن لي فاكرمه بهذه الولاية، قال:
أنت وذاك، فلم يشعر عكرمة وهو بباب بشر بن مروان أن خرج بشر بن غالب ومعه السيف، فقلده اياه ثم قال: السلام عليك أيها الأمير.
«٩١٨» - مدح بعض ولد نهيك بن إساف الأنصاري الحكم بن المطلب المخزوميّ فقال: [من الطويل]
خليليّ إنّ الجود في السجن فابكيا على الجود إذ سدّت علينا مرافقه
ترى عارض المعروف كلّ عشيّة وكلّ ضحى يستنّ في السجن بارقه
إذا صاح كبلاه طفا فوق بحره لزواره حتى تعوم غرانقه
«٩١٩» - وقال سلمة [١] بن عياش في جعفر بن سليمان بن علي: [من الطويل]
فما شمّ أنف ريح كفّ شممتها من الناس إلا ريح كفّك أطيب
فأمر له بألف دينار ومائة مثقال مسك ومائة مثقال عنبر.
«٩٢٠» - دخل القعقاع بن شور الذهلي على معاوية، والمجلس غاصّ بأهله، ففسح له رجل حتى جلس إلى جنب معاوية، وأمر له معاوية بألف فجعلها للمفسح.
٩٢١- خرج عكرمة بن ربعيّ مع الوليد بن عبد الملك إلى الصائفة
_________________
(١) م: سليمان.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
ومعه ألف بعير عليها الطعام فجعل ينحر كلّ يوم سمينها ويطعم ما عليه.
«٩٢٢» - لزمت داود بن قحذم العبدي، وكان عامل مصعب، مائة ألف فأخذ بها، فأرسل امرأته أمّ الفضل بنت غيلان بن خرشة الضبي إلى عائشة بنت طلحة امرأة مصعب لتشفع له، فجاء مصعب فسأل أمّ الفضل ومازحها ساعة، وكانت من أجمل نساء زمانها، ثم قال لعائشة: ما حاجتها؟ فذكرتها فقال: تحطّ عنه المائة الألف ونجيزه بمثلها، فجاءت بالكتابين إلى زوجها.
«٩٢٣» - كان عبد العزيز بن مروان جوادا مضيافا فتغدّى عنده أعرابيّ، فلما كان من الغد رأى الناس على بابه كما رآهم بالأمس، فقال: أفي كلّ يوم يطعم الأمير؟ ثم أنشأ يقول: [من الخفيف]
كلّ يوم كأنه يوم أضحى عند عبد العزيز أو عيد فطر
وله ألف جفنة مترعات كلّ يوم تمدّها ألف قدر
«٩٢٤» - وكان الحسن بن قحطبة مضيافا له مطبخان، في كلّ مطبخ سبعمائة تنّور.
«٩٢٥» - وكان الزهري إذا لم يأكل أحد من أصحابه من طعامه حلف لا يحدثه عشرة أيّام.
«٩٢٦» - وأراد ابن عامر أن يكتب لرجل خمسين ألفا فجرى القلم
[ ٢ / ٣٥٧ ]
بخمسمائة ألف، فراجعه الخازن فقال: أنفذه، فو الله لإنفاذه وإن خرج المال أحسن من الاعتذار، فاستسرفه فقال: إذا أراد الله بعبد خيرا حرف القلم عن مجرى إرادة كاتبه إلى إرادته، وأنا أردت شيئا وأراد الجواد الكريم أن يعطي عبده عشرة أضعافه، فكانت إرادة الله الغالبة وأمره النافذ.
«٩٢٧» - وقف أعرابيّ على ابن عامر فقال: يا قمر البصرة وشمس الحجاز ويا ابن ذروة العرب وترب بطحاء مكة، نزعت بي الحاجة، وأكدت بي الآمال إلا بفنائك، فامنحني بقدر الطاقة والوسع، لا بقدر المحتد والشرف والهمة، فأمر له بعشرة آلاف، فقال: ماذا؟ تمرة أو رطبة أو بسرة؟ قيل:
بل دراهم، فصعق ثم قال: ربّ إنّ ابن عامر يجاودك فهب له ذنبه في مجاودتك.
«٩٢٨» - تعشى الناس عند سعيد بن العاص، فلما خرجوا بقي فتى من الشام قاعدا، فقال له سعيد: ألك حاجة؟ واطفأ الشمعة كراهة أن يحصر الفتى عن حاجته، فذكر أن أباه مات وخلّف دينا وعيالا، وسأله أن يكتب له إلى أهل دمشق ليقوموا بإصلاح بعض شأنه، فأعطاه عشرة آلاف دينار وقال:
لا تقاس الذلّ على أبوابهم.
قال بعض القرشيين: والله لإطفاؤه الشمعة أكثر من عشرة آلاف.
«٩٢٩» - سمع المأمون قول عمارة بن عقيل: [من الطويل]
أأترك أن قلّت دراهم خالد زيارته إني إذن للئيم
[ ٢ / ٣٥٨ ]
فقال: أو قد قلّت دراهم خالد؟ احملوا إليه مائتي ألف درهم، فعشّرها خالد لعمارة وقال: هذا مطر من سحابك [١] .
«٩٣٠» - كان يقال لإبراهيم الخليل ﵇ أبو الضيفان لأنه أول من قرى الضيف وسنّ لأبنائه العرب القرى، وكان إذا أراد الأكل بعث أصحابه ميلا إلى ميل يطلبون ضيفا يؤاكله.
«٩٣١» - كان أبو عبيدة [٢] بن عبد الله بن زمعة القرشي جوادا مطعاما، وكان يقول: إني لأستحيي أن يدخل داري أو يمّر بي أحد فلا أطعمه، حتى إنه كان يطرح للذّر السويق والحنطة. وأراد إبراهيم بن هشام أمير المدينة أن يبخّله، فقال لأصحابه: تعالوا نفجأ أبا عبيدة فاستنزلهم فقالوا: إن كان شيء عاجل وإلا فلا ننزل، فجاءهم بسبعين كرشا فيها رؤوس، فعجب ابن هشام وقال: ترونه ذبح في ليلته من الغنم عدد هذه الرؤوس.
«٩٣٢» - أما أنا فما رأيت جوادا ينطلق عليه اسم الجود إلّا أن يكون أبا منصور محمد بن علي الأصفهاني الملقب بالجمال وزير الموصل، فإنه عمّ بعطائه وصلاته أهل ولايته، وتجاوزهم إلى أهل [٣] العراق والجبل وأصفهان والحرمين، فكان يعطي من نأى عنه تبرعا كما يعطي من هاجر إليه سائلا، والذي أطلق
_________________
(١) ع ر: سحاب.
(٢) م: أبو عبد الله.
(٣) أهل: سقطت من م.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
عليه اسم الجود أنه كان مؤثرا على نفسه، متقللا في خاصته، وحاصله في السنة خمسون ألف دينار، كما قيل، ولا يزال يأخذ بالدين يتمم به صلاته، وتصدّق بداره التي يسكنها، فكان يؤدي أجرتها في كلّ شهر على السبيل الذي [١] جعلها فيه.
ومن عجيب أمره أنه خدم زنكي بن آق سنقر في مبدأ أمره مشرفا على الاصطبل، وكان ذاك موصوفا بالشحّ، فتقرب إليه بما يطابق هواه، حتى بما يسقط [٢] من النعال، وتوسّل عنده بالتبخل [٣] تكلفا تتطلع السجايا الكريمة من خلاله، ويشهد بما ستبديه الأيام من شرف جلاله، حتى صار مشرف ديوانه، فكان أقرب أصحابه إليه [٤]، فلما قتل زنكي وقام ولده بالأمر ووزر له وملك أمره، وأمن ما كان يخافه من أبيه، أظهر مكنون سجيته، وباح بما كان يضمره وأبان عن جود برمكيّ. ومن المستفيض عنه أنه لم يتضجر قطّ على سائل، ولم يبرم بملحّ، ولا منع أحدا، ولا أصغى بسمعه إلى عاذل في الجود ولا مشير.
٩٣٣- وشاهدت اثنين أحدهما من أوساط الناس والآخر من فقرائهم:
أما الأوّل فكان يجوع ويطعم، ويعرى ويكسو، ويتكسب بالتصرف فيلبس القميص المرقوع ويركب الدابّة الضعيف، لا زوجة له ولا ولد ولا عبد، ويصرف ما يحصله في معونة الناس وإرفادهم وإطعامهم، وأما الثاني فرجل ضعيف يجتدي الناس في الأسواق ويسألهم، ويجمع ذلك فينفقه [٥] على المحبوسين: يطعمهم ويسقيهم ويداوي مرضاهم، ويضع الأجاجين على الطرق
_________________
(١) ر ع: التي.
(٢) م: سقط.
(٣) وتوسل عنده بالتبخل سقط من ع م.
(٤) ع م: وكان مشرف ديوانه وأقرب أصحابه منه.
(٥) ع م: ينفقه.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
يملأها ثريدا، ويدعو الفقراء إليها، وهو بقميص متخرق مكشوف الرأس، لا يعود على نفسه مما يحصله إلا ببلغته، فهذان يستحقان اسم الكرم.
«٩٣٤» - وكان يوسف بن أحمد الحرزي [١] وكيل المستظهر بالله يذكر بالكرم، وليس في هذه الرتبة: كان يعطي ويفضل، لكن قليلا من كثير، ولما قبض عليه المسترشد بالله وجد له ذخائر عظيمة وأموالا جليلة [٢] لا يدّخرها جواد.
٩٣٤ ب- وفات [٣] هؤلاء المذكورين بالكرم، وفاقهم في حسن الشيم من أهل زماننا صاحب مدينة إربل وما والاها من الأعمال، وهو الأمير مجاهد الدين قايماز، فانه كلف بحب الحسنات، وعكف على فعل الخيرات، وقصر زمانه على مكارم الأخلاق؛ فمما شاهدته من ذلك أنه كان موئلا لكل وافد عليه من بلادنا العراقيّة، ملجأ لكلّ خائف يصل إليه منها، ولقد قصده جماعة من الأكابر أصحاب الأعمال السلطانيّة هاربين إليه إذ كربتهم الحوادث واستأصلتهم النوائب [٤]، فتلقّاهم بالبشر والترحيب وأحسن إليهم وبرّهم وعطف عليهم
_________________
(١) م: ابن الجزري.
(٢) م: جزيلة.
(٣) انفردت النسخة م بهذه الفقرة.
(٤) زاد بعدها في م: هاربين إليه.
[ ٢ / ٣٦١ ]
وأشركهم في ماله وجاهه حتى أنساهم ما كانوا عليه بالعراق من حالة العمل وخدمة السلطان، فقال بعضهم فيه، وهو من أنساب الوزير عون الدين بن هبيرة: [من الوافر]
كأني شانى بمهلبيّ ونازل عبد شمس في احتكام
وهذا البيت من قصيدة طويلة امتدحه بها وشكره على ما أسداه إليه وإلى غيره من الإحسان. وشاعت هذه المكرمة عنه حتى قصده الخائفون في جميع البلاد، فأصبحت به إربل حمى لّلاجىء وملاذا للمستجير. وأما من وفد عليه من الشعراء والسؤال فكثير لا يحصى عددهم، وكان يحب الشعر ويجيز قائله بأسنى الجوائز، وخصّه الله ﷿ بالذكاء والمعرفة وصفاء النفس واتقاد الخاطر حتى إنه كان يستنبط بدقيق فكره معاني الآيات من القرآن العزيز والأخبار النبويّة والأشعار ويتفرد في ذلك بأشياء لم يسبق إليها. وأما ما منحه الله به من بذل الأموال وإنفاقها في عمارة بيوت الله تعالى وتجديد الرباطات والمدارس والجسور على الدجلة وغيرها من الأنهار وعمارة الخانات في الطرق المخوفة والقفار الخالية عن العمار والعمران فان ذلك مما لا يحتاج إلى ذكر وبيان، فإنه لم يخل بلد من البلاد التي تحت يده من ذلك، حتى أنه عمر بظاهر مدينة الموصل في خطة واحدة من الأرض مقدار رأي العين على الدجلة جامعا ورباطا للصوفيّة وبيمارستان للمرضى، غرم على ذلك مالا كثيرا يزيد على خمسين ألف دينار، ونصب على دجلة الموصل جسرا من الخشب، ووقف على هذه الوجوه الأربعة أوقافا كثيرة يحصل منها في السنة عشرة آلاف دينار أو أكثر من ذلك، فمن تسمح نفسه بهذه الأعمال لحقيق أن يوصف بالجود والكرم، ولولا أن نخرج عما يقتضيه عمل الكتاب لذكرنا من مناقبه ما يطرب السامع ويؤنق المتأمل، وفيما أشرت إليه من ذلك كفاية.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
«٩٣٥» - ركب الفضل بن يحيى بن خالد يوما من منزله بالخلد يريد منزله بباب الشماسية [١] فتلقاه فتى من الأبناء [٢] مملك، ومعه جماعة من الناس ركبان تحملوا لإملاكه، فلما رآه الفتى نزل وقبّل يده ولم يكن يعرفه، فسأل عنه فعرف نسبه، فسأل عن مبلغ الصداق فعرف أنه أربعة آلاف درهم، فقال الفضل لقهرمانه: أعطه أربعة آلاف درهم لزوجته، وأربعة آلاف ثمن منزل ينزله، وأربعة آلاف للنفقة على وليمته، وأربعة آلاف يستعين بها على العقد وعلى نفسه.
«٩٣٦» - قال المهلبي للقاضي أبي بكر ابن قريعة: كنت وعدتك أن أغنيك، فهل استغنيت؟ فقال: قد أغناني جود الوزير وإنعامه، ورفع مجلسي بسطه وإكرامه، ولم يبق في قلبي حسرة إلا ضيعة تجاورني لأبي الحسين [٣] ابن أبي الطيب العلوي، وأنا متأذّ به، فقال له: كم مقدار ثمنها؟ فقال له:
تساوي ألف [٤] دينار، قال: فهذا قريب، فلما انصرف القاضي قال المهلبي لحاجبه: إذا كان غدا فقل لأبي الحسين ابن حاجب النعمان يخرج ما على ابن أبي الطيب من بواقي معاملاته وعلقه وكفالاته، وتحضرني عملا به، فلما أحضر العمل أمر بملازمة ابن أبي الطيب عليه، فدخل العلويّ إلى فرح الخادم وحمّله رسالة إلى المهلبي، وسأله عن سبب وجده عليه، فلم يزل الكلام يتردد حتى
_________________
(١) الجهشياري: منزله بالشماسية.
(٢) م: الأنبار.
(٣) م: لأبي الحسن.
(٤) م: تسوى حدود ألف.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
ذكر له أمر الضيعة ورغبته في شرائها، فحلف أنه لا يملكها وأنها لنساء علويات في داره وبذل له خطابهن عليها ونقد الثمن من ماله، فقال: لا بل تقرره على احتياطي [١] وتعرفني لتزاح العلة فيه، فمضى وعاد بكرة غد ومعه كتاب ابتياع الضيعة باسم أحد وكلائه بعشرة آلاف درهم، فقال لفرح: لا تبرح حتى توفيه المال، فقال: ما عندي دراهم تفي بهذا، فقال تممها من الدنانير التي عندك، ففعل واستدعى الوكيل الذي كتب الكتاب باسمه فأقرّ بالضيعة لأبي بكر ابن قريعة، وأخذ المهلبيّ الكتاب مفروغا منه، وتركه تحت مطرحه، وحضر ابن قريعة على رسمه بعد يومين ولا يعلم شيئا مما جرى، وجلس مع الندماء، فلما همّ المهلبيّ بالنوم نهضوا فقال للقاضي: اجلس حتى تحدثني إلى أن أنام، ثم نهض لبعض الأمر، وقلب جانب المطرح وقال: هذا كتاب ابتياعك الضّيعة التي كنت تتأذى بها، فأخذه القاضي وقرأه وبكى فرحا، فقال له المهلبيّ: القاضي مثل الصبيّ إن منع بكى وإن أعطي بكى، فقال له القاضي: الذي أبكاني فرط السرور، فاني رأيت لنفسي وللوزير ما كنت أسمعه لغيري عن أكارم الزمان فأقدّره كذبا مجموعا وحديثا مصنوعا.
«٩٣٧» - الفرزدق: [من البسيط]
لو أنّ قدرا بكت من طول محبسها عن الحقوق [٢] بكت قدر ابن ختّار [٣]
ما مسّها دسم مذ فضّ معدنها ولا رأت بعد نار القين من نار
_________________
(١) م: احتياط.
(٢) ر م والديوان: على الحقوق.
(٣) الديوان: جيار، الشريشي: عمار؛ البخلاء: حبار؛ عيون: جبار.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
«٩٣٨» - ابن بسام [١]: [من السريع]
دار أبي العبّاس مفروشة ما شئت من بسط وأنماط
لكنما بعدك من خبزه كبعد بلخ من سميساط
مطبخه قفر وطبّاخه أفرغ من حجّام ساباط
«٩٣٩» - دخل الحسن البصري على عبد الله بن الأهتم يعوده في مرضه، فرآه يصوّب النظر في صندوق في بيته ويصعّده ثم قال: أبا سعيد، ما تقول في مائة ألف في هذا الصندوق لم أؤدّ منها زكاة ولم أصل منها رحما؟ قال:
ثكلتك أمك، ولمن كنت تجمعها؟ قال: لروعة الزمان، وجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة. قال: ثم مات فشهده الحسن، فلما فرغ من دفنه قال:
انظروا إلى هذا المسكين، أتاه شيطانه فحذّره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، ومكاثرة عشيرته عما رزقه الله إياه وعمره فيه، انظروا إليه كيف خرج منه محروبا [٢] . ثم التفت إلى الوارث فقال: أيها الوارث لا تحدعنّ كما خدع صاحبك بالأمس، أتاك المال حلالا، فلا يكوننّ عليك وبالا، أتاك عفوا صفوا ممن كان له جموعا منوعا، من باطل جمعه، ومن حقّ منعه، قطع فيه لجج البحار، ومفاوز القفار، ولم تقدح فيه بيمين، ولم يعرق لك فيه جبين،
_________________
(١) م: وقال ابن بسام الشاعر وقد أجاد.
(٢) م: محروما.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
إنّ يوم القيامة يوم ذو حسرات، وإنّ من أعظم الحسرات غدا أن ترى مالك في ميزان غيرك، فيا لها عثرة لا تقال وتوبة لا تنال.
«٩٤٠» - كان الحطيئة ساقط النفس دنيء الهمة، أتى بني كليب فقالوا: هو أشعر الناس، وهابوه وحكّموه وقالوا: سل ما أحببت يا أبا مليكة وأكثر ولا تبق علينا، فظنّوا أنه يسأل في دية، فقال: قصعة من ثريد قالوا:
ألف قصعة قال: لا أريد إلا واحدة، فأكل فشبع وقال: [من الوافر]
لعمرك ما المجاور في كليب بمقصى في المحلّ ولا مضاع
ويحرم سرّ جارتهم عليهم ويأكل جارهم أنف القصاع
وقدم المدينة فاستعدّوا له من كلّ جانب، وقال بعضهم: عليّ عشر من الإبل، وقال آخر: عليّ خمس وقال آخر: عليّ ألف درهم، وأعدّوا له كلّ ضرب من الثياب، فلما دخل قام متوكئا على عصاه فقال: من يحمل عليّ سمل نعله؟ من يعين بسحق عميمة؟ من يكسو جبيبة صوف؟ فسقط من أعينهم.
وخبره مع سعيد بن العاص يشبه هذا وقد ورد في موضعه.
«٩٤١» - عمرو [١] بن أحمر الباهلي: [من الطويل]
إذا أنت راودت البخيل رددته إلى البخل واستمطرت غير مطير
ومن يطلب المعروف من غير أهله يجد مطلب المعروف غير يسير
إذا أنت لم تجعل لعرضك جنّة من الذمّ سار الذمّ كلّ مسير
_________________
(١) م: وقال عمرو.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
«٩٤٢» - دخل خالد بن صفوان في يوم شديد الحرّ على هشام، وهو في بركة فيها مجالس كالكراسيّ، فقعد على بعضها، فقال له هشام: ربّ خالد قد قعد مقعدك هذا، حديثه أشهى إليّ من الشهد، أراد خالد بن عبد الله القسري، فقال: ما يمنعك من إعادته إلى مكانه؟ قال: هيهات إنّ خالدا أدلّ فأملّ، وأوجف فأعجف، ولم يدع لراجع مرجعا، ولا للعودة موضعا، وأنشد: [من الطويل]
إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد إليه بوجه آخر الدهر تقبل
ثم سأله أن يزاد عشرة دنانير في عطائه فردّه، فقال له: وفقك الله يا أمير المؤمنين، فأنت كما قال أخو خزاعة، يعني كثيرا: [من الطويل]
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه صنيعة قربى أو صديق توامقه
منعت وبعض المنع حزم وقوة ولم يفتلذك المال إلا حقائقه
فقيل له: ما حملك على تزيينك الإمساك لهشام [١]؟ فقال: أحببت أن يمنع غيري فيكثر من يلومه.
«٩٤٣» - سأل المأمون اليزيدي عن ابنه العبّاس فقال: رأيته وقد ناوله الغلام أشنانا ليغسل يده، فاستكثره فردّ بعضه في الاشناندانه ولم يلقه في الطّست، فعلمت أنه بخيل لا يصلح للملك.
_________________
(١) م: عن هشام.
[ ٢ / ٣٦٧ ]
«٩٤٤» - كتب أنوشروان إلى ابنه هرمز لا تعدّ الشحيح أمينا، ولا الكذاب حرّا فإنه لا عفّة مع الشح، ولا مروءة مع الكذب.
«٩٤٥» - (١) قال محمد بن هانىء: [من الكامل]
أعطى وأكثر واستقلّ هباته فاستحيت الأنواء وهي هوامل
فاسم الغمام لديه وهو كنهور آل وأسماء البحار جداول
لم تخل أرض من نداه ولا خلا من شكر ما يولي لسان قائل
(٢) وقال أيضا: [من الطويل]
لقد جدت حتى ليس للمال طالب وأعطيت حتى ما لمنفسة قدر
فليس لمن لا يرتقي النجم همّة وليس لمن لا يستفيد الغنى عذر
(٣) وقال أيضا: [من البسيط]
الواهب الألف إلا أنها [١] بدر والطاعن الألف إلا أنه نسق
تأتي عطاياه شتّى غير واحدة كما تدافع موج البحر يصطفق
«٩٤٦» .- (١) وقال الرضي: [من السريع]
ريان والأيام ظمآنة من النّدى نشوان بالبشر
لا يمسك العذل يديه ولا تأخذ منه نشوة الخمر
_________________
(١) ر ع: أنه.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
«٩٤٦» . (٢) وقال: [من المتقارب]
ذخائره العرف في أهله وخزّان أمواله السائلونا
(٣) وقال: [من الكامل]
كالغيث يخلفه الربيع وبعضهم كالنار يخلفها الدخان [١] المظلم