(الباب السادس في البأس والشجاعة والجبن والضّراعة [١]) نذكر في هذا الباب ما جاء في البأس والشجاعة، والجبن والضراعة، والحرب والمقارعة، وما استعمل فيها من الآراء والمكايد، ونصب للأعداء فيها من الأشراك والمصايد، وتسمية أبطال الإسلام وقاتليهم [٢]، ومن مات منهم حتف أنفه فلم يضرّه إقدامه، ولا دنا بخوضه الغمرات حمامه، وأتبع ذلك بنوادر من هذين النوعين، يرتاح لها المتأمل من كلال الجدّ والأين.
الشجاعة عزّ والجبن ذل، وكفى بالعزّ مطلوبا، وبالذل مصروفا عنه ومرغوبا، وقد أثنى الله ﷿ على الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس وعلى الذين هم أذلّة على المؤمنين أعزة على الكافرين فقال سبحانه: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
(الفتح: ٢٩) ووصف المجاهدين فقال إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
(الصف: ٤) وندب إلى جهاد الأعداء، ووعد عليه أفضل الجزاء، وجعل قتالهم أجلّ الأعمال ثوابا، والفرار أكبر وزرا وآلم عقابا. والرأي في الحرب أمام الشجاعة، قال رسول الله ﷺ: الحرب خدعة، وقال حكيم لابنه: كن بحيلتك أوثق منك بشدتك فالحرب حرب [٣] للمتهور، وغنيمة للمتحذر.
_________________
(١) ح: الباب السادس من كتاب التذكرة في الشجاعة والجبن؛ م: الباب السادس في الشجاعة والجبن من كتاب التذكرة.
(٢) وقاتليهم: سقطت من م.
(٣) م: خدعة. انظر كنز العمال ٤: ٣٥٨ (رقم: ١٠٨٩١) والمستطرف ١: ٢١٥.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
«١٠٠٧» - قال رسول الله ﷺ: ما من قطرة أحبّ إلى الله من قطرة دم في سبيله أو قطرة دمع في جوف الليل من خشيته.
«١٠٠٨» - وسمع رجل عبد الله بن قيس يقول: قال رسول الله ﷺ:
إنّ أبواب الجنة تحت ظلال السيوف، فقال: يا أبا موسى أنت سمعت رسول الله ﷺ يقوله؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدوّ فضرب به حتى قتل.
«١٠٠٩» - ولحق أبو الطيب المتنبي الأوائل بقوله: [من الكامل]
الرأي قبل شجاعة الشجعان هو أوّل وهي المحلّ الثاني
لكنه لا يستغني عنها ولا يتم إلّا بها، لأن صاحب الرأي إذا عدمها ضلّ لبّه، وانخلع قلبه، فلم يتمّ له كيده، وخانه دونه بطشه وأيده. والعرب تقول: الشجاعة وقاية والجبن مقتلة، فانظر في من رأيت أو سمعت من قتل في الحرب مقبلا أكثر أم من قتل مدبرا.
«١٠١٠» - قال قبيصة بن مسعود الشيباني يوم ذي قار يحرض بني وائل:
الجزع لا يغني من القدر، والدنيّة أغلظ من المنية، واستقبال الموت خير من استدباره، والطعن في الثغر خير وأكرم منه في الدبر، يا بني بكر حاموا فما من
[ ٢ / ٣٩٦ ]
المنايا بدّ، هالك معذور، خير من ناج فرور.
«١٠١١» - وضدّ ذلك ما روي عن أسلم بن زرعة الكلابي، وقد خرج لمحاربة أبي بلال مرداس بن أديّة الخارجي أحد بني ربيعة بن حنظلة في الفين، ومرداس في أربعين، فانهزم منه، فقال له ابن زياد: ويلك أتمضي في ألفين وتنهزم من أربعين؟ فكان أسلم يقول: لأن يذمّني ابن زياد حيّا أحبّ إليّ من أن يمدحني ميتا. وكان أسلم بعد ذلك إذا خرج إلى السوق أو مرّ بصبيان صاحوا به: أبو بلال وراءك، حتى شكا ذلك إلى ابن زياد فأمر الشرط بكفّ الناس عنه.
«١٠١٢» - قال علي بن أبي طالب ﵇: من أكثر النظر في العواقب لم يشجع.
١٠١»
- وقال ﵇: الجبن منقصة.
«١٠١٤» - قيل لأكثم بن صيفيّ: صف لنا الحرب، فقال: أقلّوا الخلاف على أمرائكم، فلا جماعة لمن اختلف عليه، واعلموا أنّ كثرة الصياح من الفشل، فتثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين، وربّ عجلة تعقب ريثا، وادّرعوا الليل فإنه أخفى للويل، وتحفّظوا من البيات.
«١٠١٥» - ومن كلام عليّ ﵇ لأصحابه في الحرب: قدّموا
[ ٢ / ٣٩٧ ]
الدارع وأخرّوا الحاسر، وعضّوا على الأضراس فإنه أنبا للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح فإنه أنور [١] للأسنّة، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل، ورايتكم فلا تميلوها ولا تحلّوها [٢] ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم والمانعين الذمار منكم، فإن الصابرين على نزول الحقائق هم الذين يحفّون براياتهم ويكتنفونها، حفافها [٣] وأمامها ووراءها، لا يتأخرون عنها فيسلمونها [٤]، ولا يتقدمون عليها فيفردونها [٥]، اجزأ [٦] امرؤ قرنه، وواسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه، وايم الله لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلمون من سيف الآخرة، أنتم لهاميم العرب والسنام الأعظم، إنّ في الفرار موجدة الله والذلّ اللازم والعار الباقي، وإنّ الفارّ غير مزيد في عمره ولا محجوز بينه وبين يومه.
«١٠١٦» - كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح: بلغني أنّ رسول الله ﷺ كان إذا بعث جيشا أو سرية قال: اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله، لا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا، فإذا بعثت جيشا أو سرية فمرهم بذلك.
«١٠١٧» - وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول عند عقد الألوية:
_________________
(١) م ونهج: أمور.
(٢) نهج: تخلوها.
(٣) نهج: حفافيها.
(٤) نهج: فيسلموها.
(٥) نهج: فيفردوها؛ ح م: فيردونها.
(٦) ح: آخرا.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
بسم الله، وبالله، وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله والنصر، ولزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تغفلوا [١] عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، توقوا [٢] قتلهم إذا التقى الزحفان وعند شنّ الغارات.
«١٠١٨» - كتب أنوشروان إلى مرازبة خراسان: عليكم بأهل السخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن ظنّ بالله ﷿.
١٠١٩- قيل لأبي مسلم من أشجع الناس؟ قال: كلّ قوم في إقبال دولتهم شجعان.
«١٠٢٠» - قال عمر بن الخطاب: لا تخون [٣] قوى ما كان صاحبها ينزع وينزو (يقول: لا تنتكث قوته ما دام ينزع [٤] في القوس وينزو في السرج من غير أن يستعين بركاب) .
«١٠٢١» - ومن كلام لعلي بن أبي طالب ﵇: ربّ حياة سببها التعرض [٥] للموت، وربّ منية سببها طلب الحياة.
_________________
(١) عيون: تمثلوا.
(٢) ر م: توفي.
(٣) عيون: لن تخور.
(٤) ح: ينتزع.
(٥) م ح: التعريض.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
«١٠٢٢» - ومثله قول الحصين بن الحمام المري: [من الطويل]
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدما
وهي قصيدة طويلة مشهورة من جيد أشعار العرب في هذا الفن، فمن مختارها:
فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما
نفلّق هاما من رجال أعزّة علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
ولما رأينا الصبر قد حيل دونه وان كان يوما ذا كواكب مظلما
صبرنا وكان الصبر منا سجيّة بأسيافنا يقطعن كفّا ومعصما
ولما رأيت الودّ ليس بنافعي عمدت إلى الأمر الذي كان أحزما
فلست بمبتاع الحياة بسبّة ولا مرتق من خشية الموت سلما
«١٠٢٣» - قيل لعلي بن أبي طالب ﵇: إن جالت الخيل فأين نطلبك؟ قال: حيث تركتموني.
«١٠٢٤» - وقيل له: كيف صرت تقتل الأبطال؟ قال: لأني كنت ألقى الرجل فأقدّر أني أقتله، ويقدّر أني أقتله فأكون أنا ونفسه عونين عليه.
«١٠٢٥» - وقال مصعب الزبيري: كان عليّ ﵇ حذرا في
[ ٢ / ٤٠٠ ]
الحروب، شديد الروغان [١] من قرنه، لا يكاد أحد يتمكّن منه، وكانت [٢] درعه صدرا لا ظهر لها، فقيل له: ألا تخاف أن تؤتى من قبل ظهرك؟
فقال: إذا أمكنت عدوي من ظهري فلا أبقى الله عليه إن أبقى عليّ.
«١٠٢٦» - قال ابن عبّاس: عقمت النساء أن يأتين بمثل علي بن أبي طالب ﵇، لعهدي به يوم صفين، وعلى رأسه عمامة بيضاء، وهو يقف على شرذمة من الناس يحضّهم على القتال، حتى انتهى إليّ وأنا في كنف من الناس، وفي أغيلمة من بني عبد المطلب فقال: يا معشر المسلمين تجلببوا السكينة، وأكملوا اللأمة، وأقلقوا [٣] السيوف في الأغماد، وكافحوا [٤] بالظّبا، وصلوا السيوف بالخطا، فإنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله ﷺ. عاودوا الكرّ، واستحيوا من الفرّ، فإنه عار في الاعقاب، ونار يوم الحساب، وطيبوا عن الحياة [٥] أنفسا، وسيروا إلى الموت سيرا سجحا، ودونكم هذا الرواق الأعظم فاضربوا ثبجه، فإن الشيطان راكب صعيديه [٦] . قدّموا للوثبة رجلا وأخّروا للنكوص أخرى، فصمدا صمدا حتى يبلغ الحقّ أجله، وَاللَّهُ مَعَكُمْ، وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ
(محمد: ٢٥) . ثم صدر عني وهو يقرأ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ
(التوبة: ١٤) .
_________________
(١) ح م: الروعات.
(٢) ح: مكان؛ م: وكان.
(٣) نهج: وقلقلوا.
(٤) نهج: ونافحوا.
(٥) نهج: عن أنفسكم.
(٦) نهج: فان الشيطان كامن في كسره.
[ ٢ / ٤٠١ ]
«١٠٢٧» - وقد أكثر الشعراء في مثل معنى قوله ﵇: صلوا السيوف بالخطا.
(١) قال كعب بن مالك: [من الكامل]
نصل السيوف إذا قصرن بخطونا قدما ونلحقها إذا لم تلحق
(٢) ومثله لبعض بني قيس بن ثعلبة: [من البسيط]
لو كان في الألف منّا واحد فدعوا من فارس خالهم إياه يعنونا
إذا الكماة تنحّوا أن يصيبهم حدّ الظباة وصلناها بأيدينا
(٣) ومثله: [من الطويل]
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى أعدائنا فنضارب
(٤) ومثله: [من الطويل]
[ ٢ / ٤٠٢ ]
إذا قصرت أسيافنا عن عداتنا جعلنا خطانا وصلها فتطول
«١٠٢٧» . (٥) ومثله لوداك بن ثميل المازني: [من الطويل]
مقاديم وصّالون في الروع خطوهم بكلّ رقيق الشفرتين يمان
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم لأيّة حرب أم بأيّ مكان
«١٠٢٨» - تمثّل معاوية في عبد الله بن بديل: [من الطويل]
أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها وإن شمّرت يوما به الحرب شمّرا
ويدنو إذا ما الموت لم يك دونه قدى الشبر يحمي الأنف أن يتأخرا
«١٠٢٩» - وقال نضلة السّلمي: [من الوافر]
ألم تسأل فوارس من سليم بنضلة وهو موتور مشيح
رأوه فازدروه وهو خرق وينفع أهله الرجل القبيح
فلم يخشوا مصالته عليهم وتحت الرغوة اللبن الصريح
فأطلق غلّ صاحبه وأردى جريحا منهم ونجا جريح
«١٠٣٠» - وقال حاتم: [من الطويل]
[ ٢ / ٤٠٣ ]
لحا الله صعلوكا مناه وهمّه إذا بات [١] أن يلقى لبوسا ومطعما
ولكنّ صعلوكا خميصا فؤاده ويمضي على الهيجاء ليثا مصمّما [٢]
فذلك إن يلق المنية يلقها كريما وإن يستغن يوما فربما
«١٠٣١» - وقال الأعرج المعنيّ: [من الرجز]
أنا أبو برزة إذ جدّ الوهل خلقت غير زمّل ولا وكل
ذا قوّة وذا شباب مقتبل لا جزع اليوم على قرب الأجل
نحن بنو ضبّة أصحاب الجمل نحن بنو الموت إذا الموت نزل
لا عار بالموت إذا حمّ الأجل الموت أحلى عندنا من العسل
١٠٣٢- وقال الأقرع بن معاذ القشيري: [من الطويل]
وفيّ على ما كان من شيب لمتي خلائق مما يستحبّ وينفع
جوامع من قول ونفس سخية وقلب إذا ما غشّي الهول أشجع
وغلظة إضباري إذا رامني [٣] العدا وليني إذا حاد الضعيف المدفّع
«١٠٣٣» - وقال قطريّ بن الفجاءة المازني: [من الوافر]
_________________
(١) عيون: من الدهر؛ الديوان: من العيش.
(٢) سقط من م: عجز البيت الأول وشطر الثاني.
(٣) م: لامني؛ والاضبار: اجتماع الخلق.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
أقول لها وقد طارت شعاعا من الأبطال ويحك لن تراعي
فانك لو سألت بقاء يوم على الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبرا في مجال الموت صبرا فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب البقاء بثوب عز فيطوى عن أخي الخنع اليراع
ويروى أخي الجزع، واليراع: القصب، واحدته يراعة وإنما يريد خوره، والخنع: الخضوع [١]
سبيل الموت غاية كلّ حيّ وداعيه لأهل الأرض داع
ومن لا يعتبط يسأم ويهرم وتسلمه المنون إلى انقطاع
وما للمرء خير في حياة إذا ما عدّ من سقط المتاع
«١٠٣٤» - وقال قيس بن الخطيم الأوسي: [من الطويل]
وكنت امرءا لا أسمع الدهر سبّة أسبّ بها إلا كشفت غطاءها
وإنّي في الحرب العوان موكّل باقدام نفس ما أريد بقاءها
«١٠٣٥» - وقال بعض بني قيس بن ثعلبة: [من الطويل]
دعوت بني قيس إليّ فشمّرت خناذيذ من سعد طوال السواعد
إذا ما قلوب الناس طارت مخافة من الموت أرسوا بالنفوس المواجد
_________________
(١) ويروى الخضوع: سقط من م.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
«١٠٣٦» - وقال القتّال الكلابي: [من الطويل]
إذا همّ همّا لم ير الليل عمّة عليه ولم تصعب عليه المراكب
إذا جاع لم يفرح بأكلة ساعة ولم يبتئس من فقدها وهو ساغب
يرى أن بعد العسر يسرا ولا يرى إذا كان عسر أنه الدهر لازب
«١٠٣٧» - وقال آخر: [من الرجز]
إني إذا ما القوم كانوا أنجيه واضطرب القوم اضطراب الأرشيه
وشدّ فوق بعضهم بالأرويه [١] هناك أوصيني ولا توصي بيه
«١٠٣٨» - وقال بعضهم: [من الرجز]
قد علم المستأخرون في الوهل إذا السيوف عريت من الخلل
أنّ الفرار لا يزيد في الأجل
«١٠٣٩» - وقال سالم بن وابصة: [من البسيط]
عليك بالقصد فيما أنت فاعله إنّ التخلق يأتي دونه الخلق
وموقف مثل حدّ السيف قمت به أحمي الذمار وترميني به الحدق
_________________
(١) الأروية: الحبال.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
فما زلقت ولا أبديت فاحشة إذا الرجال على أمثالها زلقوا
١٠٤٠- قيل: أراد تبع أن يجهّز جيشا وأن يؤمّر عليه [١] رجلا، فأتي برجل فقال: انعت لي نفسك، فقال: أنا جريء عضب لساني، أعرض عن الأمر وإن ساءني، لا أنتقص في قومي، ولا يظفر بي خصمي، قال:
انصرف ليس لهذا دعوتك؛ ثم دعا آخر فقال: انعت لي نفسك، قال: إذا تطاولت علوت، وإذا ساورت استويت، وإذا قدرت عفوت، وإذا غمزت قسوت، قال: ليس لهذا دعوتك انصرف؛ ثم دعا آخر فقال: انعت لي نفسك، قال: أعطي المائة، وأحمل الدية، وأسير بالسوية، وأسبق إلى الغاية، قال: انصرف ليس لهذا دعوتك؛ ثم دعا آخر فقال: انعت لي نفسك، قال: أصطنع الجميل، وأنهض بالثقيل، وأعود وأجود، وأكرم القعيد، وأنضي الشديد، وأشبع ضيفي وإن جاع عيالي قال: كدت ولم تفعل انصرف؛ ثم دعا بآخر فقال: انعت لي نفسك قال: أضرب عند النزال، وأغشى الأبطال، وألقح الحرب بعد الحيال، إذا أدبروا طعنت، وإذا أقبلوا ضربت، أترك قرني سطيحا، وكبش القوم نطيحا، فقال الملك: سئلت فبيّنت، ونطقت فأحسنت، اذهب فأنت أنت، وولّاه.
«١٠٤١» - قال عبد الملك بن مروان يوما لجلسائه، وكان يجتنب غير الأدباء: أيّ المناديل أفضل؟ فقال قائل: مناديل مصر كأنها غرقىء البيض، وقال آخر: مناديل اليمن كأنها أنوار الربيع، فقال عبد الملك: ما صنعتم شيئا، أفضل المناديل ما قال أخو تميم، يعني عبدة بن الطبيب: [من البسيط]
_________________
(١) ح م: عليهم.
[ ٢ / ٤٠٧ ]
لما نزلنا أصبنا [١] ظلّ أخبية وفار للقوم باللحم المراجيل
ورد وأشقر ما ينهيه [٢] طابخه ما غيّر الغلي منه فهو مأكول
ثمّت قمنا إلى جرد مسوّمة أعرافهنّ لأيدينا مناديل
وقد جمع ذلك امرؤ القيس في بيت واحد فقال: [من الطويل]
نمشّ بأعراف الجياد أكفّنا إذا نحن قمنا عن شواء مضهّب [٣]
المضهب [٤]: الذي لم يدرك، ونمش: نمسح، ويقال للمنديل المشوش، وغرقىء البيض: قشره الباطن، وقشره الظاهر القيض، وينهيه:
ينضجه.
«١٠٤٢» - كان إبراهيم بن الأشتر من الشجعان المعدودين، حارب عبيد الله بن زياد وهو في أربعة آلاف وعبيد الله في سبعين ألفا فظفر به وقتله بيده وهزم جيشه. قال عمير بن الحباب السّلمي، وكان يقال له فارس الاسلام: كان إبراهيم لي صديقا، فلما كان الليلة التي يريد أن يواقع في صبيحتها ابن زياد خرجت إليه ومعي رجل من قومي، فصرت في عسكره، فرأيته وعليه قميص هرويّ وملاءة، وهو متوشح بالسيف، يجوس عسكره فيأمر فيه وينهى، فالتزمته من ورائه فو الله ما التفت إليّ ولكن قال: من هذا؟
فقلت: عمير بن الحباب، فقال: مرحبا بأبي المغلّس، كن بهذا الموضع حتى أعود إليك. (أرأيت أشجع من هذا قط؟ يختضنه رجل من عسكر عدوه لا يدري من هو فلا يلتفت إليه؟) ثم عاد إليّ فقال: ما الخبر؟
_________________
(١) المفضليات: لما وردنا رفعنا.
(٢) المفضليات: لم ينهئه.
(٣) ح م: مهضب، المهضب.
(٤) ح م: مهضب، المهضب.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
فقلت: القوم كثير، والرأي أن تناجزهم فإنه لا صبر بهذه العصابة القليلة على مطاولة هذا الجمع الكثير، فقال: نصبح إن شاء الله، ثم نحاكمهم إلى ظباة السيوف وأطراف القنا؛ والقصة طويلة لا يتعلق تمامها بهذا الباب.
١٠٤٣- قال ابن أبي عتيق: نظرت إلى عبد الله بن الزبير وعبد الله ابن صفوان وقد ذهب الناس عنهما ولم يبق معهما أحد، وهما نائمان يغطّان في الليلة التي قتلا في صبيحتها.
«١٠٤٤» - ولما ذهب بهدبة بن الخشرم ليقتل انقطع قبال نعله، فجلس يصلحه، فقيل له: أتصلحه وأنت على مثل هذه الحال؟ فقال: [من الوافر]
أشدّ قبال نعلي أن يراني عدوّي للحوادث مستكينا
«١٠٤٥» - وكان الناس يختبرون جلد هدبة حين أخرج ليقتل، لقيه عبد الرحمن بن حسان [١] فقال له: يا هدبة أتأمرني أن أتزوج هذه بعدك؟ يعني زوجته، فقال له: إن كنت من شرطها قال: وما شرطها؟ قال: قد قلت ذلك وهو: [من الطويل]
فلا تنكحي إن فرّق الدهر بيننا أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا
_________________
(١) م: جدعان.
(٢) الأنزع: الذي انحسر مقدم شعر رأسه؛ والأغمّ الذي سال شعره حتى غطى قفا رأسه.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
كليلا سوى ما كان من حدّ ضرسه أكيبد [١] مبطان العشيّات أروعا [٢]
ضروبا بلحييه على عظم زوره إذا القوم هشّوا للفعال تقنّعا [٣]
وحلّي بذي أكرومة وحمية وصبر إذا ما الدهر عضّ فأسرعا
«١٠٤٦» - وقالت له حبى في تلك الحال: لقد كنت أعدّك من الفتيان وقد زهدت فيك [٤] اليوم لأني لا أنكر صبر الرجال على الموت، ولكن كيف تصبر عن هذه؟ فقال: والله إنّ حبي لها لشديد، وإن شئت لأصفنّ ذلك، ووقف ووقف الناس معه فقال: [من الطويل]
وجدت بها ما لم تجد أمّ واحد ولا وجد حبّى بابن أمّ كلاب
رأته طويل الساعدين شمردلا كما اشترطت [٥] من قوة وشباب
فانقمعت [٦] داخلة في بيتها وأغلقت الباب دونه.
«١٠٤٧» - سأل ابن هبيرة عن مقتل عبد الله بن خازم، فقال رجل ممن حضر مجلسه: سألت وكيع بن الدورقية: كيف قتلته [٧]؟ قال: غلبته بفضل قنا كان لي عليه، فصرعته وجلست على صدره وقلت: يا لثارات دوبلة، يعني أخاه من أمه، فقال: ويلك تقتل كبش مضر بأخيك وكان لا يساوي كفّ نوى؟ ثم تنخم فملأ وجهي، فقال ابن هبيرة: هذه البسالة والله،
_________________
(١) م ع: اليبد؛ والاكبيد: الذي في كبده وجع.
(٢) الأروع: الجبان.
(٣) ع م: تصنعا.
(٤) ح: قبل.
(٥) الأغاني: كما تشتهي.
(٦) ع: فانقبعت؛ م: فانبعثت.
(٧) ح: قتله.
[ ٢ / ٤١٠ ]
استدلّ عليها بكثرة [١] ريقه في ذلك الوقت.
«١٠٤٨» - لما أخذ بيهس الخارجيّ قطعت يداه ورجلاه وترك يتمرغ في التراب، فلما أصبح قال: هل أحد يفرغ عليّ دلوين فاني احتلمت في هذه الليلة، وهو عجب إن كان صادقا، وإن كان كاذبا فيدلّ أيضا على قلة مبالاته وفراغه للمجون.
١٠٤٩- ووقف عليه رجل وهو مقطوع فقال: ألا أعطيك خاتما تتختم به؟ فقال له بيهس: أشهد أنك [٢] إن كنت من العرب فأنت من هذيل، وإن كنت من العجم فأنت بربري، فسئل عنه فإذا هو من هذيل وأمّه بربرية.
«١٠٥٠» - ذكر أعرابي قوما فقال: يقتحمون الحرب كأنهم يلقونها بنفوس أعدائهم.
«١٠٥١» - كان عبّاد بن الحصين الحبطيّ من فرسان الإسلام، فقيل له: في أيّ جنّة تحبّ أن تلقى عدوك؟ قال: في أجل مستأخر.
«١٠٥٢» - قال المهلب: أشجع الناس ثلاثة: ابن الكلبية وأحمر قريش وراكب البغلة، فابن الكلبية مصعب بن الزبير أفرد في سبعة نفر وأعطي الأمان
_________________
(١) م: استدل بها على كثرة.
(٢) أنك: سقطت من ح م.
[ ٢ / ٤١١ ]
وولاية العراقين فأبى ومات كريما، وأحمر قريش عمر بن عبيد الله بن معمر ما لقي خيلا قطّ إلا كان في سرعانها، وراكب البغلة عبّاد بن الحصين الحبطي ما كنّا قط في كربة إلا فرّجها؛ فقال الفرزدق [١] وكان حاضرا: فأين أنت عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن خازم؟ فقال: ويحك إنما ذكرنا الإنس، فأما الجن فلم نذكرهم بعد.
«١٠٥٣» - كان المهلب بن أبي صفرة وأولاده من الشجاعة والنجدة بالموضع المعروف، إلا أنّ المغيرة بن المهلب من بينهم كان أشدّ تمكنا، وكان المهلب يقول: ما شهد معي حربا إلا رأيت البشرى في وجهه، وكان أشدّ ما تكون الحرب أشدّ ما يكون تبسما، وكان إذا نظر إلى الرماح قد تشاجرت في وجهه نكس على قربوس السرج وحمل من تحتها فبراها بسيفه وأثر في أصحابها.
«١٠٥٤» - قيل للمهلب: إنك لتلقي نفسك في المهالك، قال: إن لم آت الموت مسترسلا أتاني مستعجلا، إني لست آتي الموت من حبه وإنما آتيه من بغضه، ثم تمثل بقوله: [من الطويل]
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن أتقدّما
«١٠٥٥» - وقيل له في بعض حروبه: لو نمت، فقال: إن صاحب
_________________
(١) الفرزدق: سقطت من م.
[ ٢ / ٤١٢ ]
الحرب إذا نام نام قلبه [١] .
«١٠٥٦» - وقال المهلب: يا بني تباذلوا تحابوا، فإن بني الأمّ يختلفون فكيف بنو العلّات؟ البرّ ينسأ في الأجل، ويزيد في العدد، وإن القطيعة تورث القلّة وتعقب النار بعد الذلة، واتقوا زلّة اللسان فإن الرجل نزلّ رجله فينتعش ويزلّ لسانه فيهلك، وعليكم في الحرب بالمكيدة فإنها أبلغ من النجدة، فإن القتال إذا وقع وقع القضاء وبطل الخيار، فان ظفر فقد سعد، وإن ظفر به لم يقولوا فرّط؛ واقتدوا بقول نبيكم ﷺ: الحرب خدعة، فليكن أول أمركم منها وآخره المكيدة، فإذا اضطررتم إلى المجالدة فعليكم بالمطاولة فإنها نتيجة الظفر وذريعة المكايد [٢]، وهي بعد دربة [٣] الفارس وتخريج الناشىء.
«١٠٥٧» - قال الجاحظ، قال المهلب: ليس أنمى من سيف، فوجد الناس تصديق قوله فيما نال ولده من السيف، فصار فيهم النماء؛ وقال علي بن أبي طالب ﵇: السيف أنمى عددا، وأكرم ولدا، ووجد الناس ذلك بالعيان الذي صار إليه ولده من نهك السيف وكثرة الذروء وكرم النجل.
_________________
(١) م: جسده.
(٢) ح م: المكايدة.
(٣) ح: درية.
[ ٢ / ٤١٣ ]
«١٠٥٨» - قال حبيب بن المهلب: ما رأيت رجلا مستلئما في الحرب إلا كان عندي رجلين، ولا رأيت حاسرين إلا كانا عندي واحدا، فسمع بعض أهل المعرفة هذا الكلام فقال: صدق، إن للسلاح فضيلة، ألا تراهم ينادون السلاح السلاح ولا ينادون الرجال الرجال.
«١٠٥٩» - قال رجل: كنت عند يزيد بن حاتم بافريقية، وكنت به خاصّا، فعرض عليه تاجر أدراعا فأكثر تقلبيها ومزاولة صاحبها [١]، فقلت له:
أصلح الله الأمير فعلام نلوم السوق؟ فقال: ويحك إنّي لست أشتري أدراعا إنما أشتري أعمارا.
«١٠٦٠» - قال بعض لصوص بني سعد: [من الطويل]
ألم ترني صاحبت صفراء نبعة [٢] وأسمر إلا ما تحلّل عامله [٣]
وطال احتضاني السيف حتى كأنما يلاط بكشحي جفنه وحمائله
أخو فلوات صاحب الجنّ وانتحى عن الإنس حتى قد تقضّت وسائله
له نسب في الإنس يعرف نجره وللجنّ منه شكله وشمائله
_________________
(١) ومزاولة صاحبها: سقطت من م.
(٢) خ بهامش ح: ألم ترنى صفراء أحمل نبعة.
(٣) الكامل: لها ربذي لم تفلل معابله. والربذي: وتر شديد الحركة عند دفع السهام، والمعابل: السهام الخفيفة.
[ ٢ / ٤١٤ ]
«١٠٦١» - وقال العبّاس بن عبد المطلب: [من الطويل]
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت قواطع في أيماننا تقطر الدما
تركناهم لا يستحلّون بعدها لذي رحم من سائر الناس محرما
وزعناهم وزع الخوامس غدوة بكلّ سريجيّ إذا هزّ صمما
أبا طالب لا تقبل النّصف منهم وإن أنصفوا حتى تعفّ وتظلما
«١٠٦٢» - قال أبو طالب بن عبد المطلب: [من الطويل]
وإنا لعمر الله إن جدّ قومنا لتلتبسن أسيافنا بالأماثل [١]
بكفّ فتى مثل الشهاب سميدع أخي ثقة حامي الحقيقة باسل
وحتى ترى ذا الرّدع يركب ردعه من الطّعن فعل الأنكب المتحامل [٢]
«١٠٦٣» - قطري بن الفجاءة: [من الطويل]
إلى كم تعاديني [٣] السيوف ولا أرى معاداتها تدعو إليّ حماميا
أقارع عن دار الخلود ولا أرى بقاء على حال لمن ليس باقيا
_________________
(١) ح: بالأنامل.
(٢) يركب ردعه: يخر لوجهه على دمه، الأنكب: المائل.
(٣) في رواية: تغاربني، تغازيني.
[ ٢ / ٤١٥ ]
ولو قرّب الموت القراع لقد أنى لموتي أن يدني إليّ قراعيا [١]
أغادي جلاد المعلمين كأنني على العسل الماذيّ أصبح غاديا
وأدعو الكماة للنزال إذا القنا تحطّم فيما بيننا من طعانيا
ولست أرى نفسا تموت وإن دنت من الموت حتى يبعث الله داعيا
«١٠٦٤» - سأل عبد الملك بن مروان عن أشجع الناس في الشعر فقالوا: عمرو بن معدي كرب فقال عبد الملك: كيف وهو الذي يقول:
[من الطويل]
وجاشت إليّ النفس أوّل مرة وردّت [٢] على مكروهها فاستقرّت
قالوا: فعامر بن الطفيل، قال: وكيف وهو الذي يقول: [من الطويل]
أقول لنفس لا يجاد بمثلها أقلّي مراحا إنني غير مدبر [٣]
قالوا فعنترة، قال: كيف وهو الذي يقول: [من الكامل]
إذ يتّقون بي الأسنّة لم أخم عنها ولكنّي تضايق مقدمي
_________________
(١) في رواية: أن يدنو لطول قراعيا.
(٢) ح م: فردت.
(٣) الديوان: غير مقصر.
[ ٢ / ٤١٦ ]
قالوا: فمن أشجعهم؟ قال: ثلاثة نفر: قيس بن الخطيم الأوسي والعبّاس بن مرداس السلمي ورجل من مزينة، أما قيس بن الخطيم فقال: [من الطويل]
وإني لدى الحرب العوان موكّل بإقدام نفس ما أريد بقاءها
وأما العبّاس بن مرداس فقال: [من الوافر]
أشدّ على الكتيبة لا أبالي أحتفي كان فيها أم سواها
وأما المزني فقال: [من الوافر]
دعوت بني قحافة فاستجابوا فقلت ردوا ألا طاب النزول
«١٠٦٥» - قيل للمهلب بن أبي صفرة: ما أعجب ما رأيت في حرب الأزارقة؟ فقال: فتى كان يخرج إلينا منهم في كل غداة فيقف ويقول:
[من الطويل]
وسائلة بالغيب عني ولو درت مقارعتي الأبطال طال نحيبها
إذا ما التقينا كنت أوّل فارس يجود بنفس أثقلتها ذنوبها
ثم يحمل فلا يقوم له شيء إلا أقعده فإذا كان من الغد عاد لمثل ذلك.
«١٠٦٦» - وقال زيد الخيل: [من البسيط]
هلا سألت بني نبهان [١] ما حسبي عند الطعان إذا ما احمرّت الحدق
_________________
(١) البصرية: هداك الله؛ م: بني النبهان.
[ ٢ / ٤١٧ ]
وجالت الخيل مبتلّا جحافلها [١] زورا يسفح من لبّاتها العرق [٢]
هل أطعن الفارس الحامي حقيقته نجلاء يهلك فيها الزيت والخرق
وأضرب الكبش والخيلان جانحة والهام منا ومن أعدائنا فلق
«١٠٦٧» - وقال آخر: [من الطويل]
وقد طال حملي الرمح حتى كأنه على فرسي غصن من البان نابت
يطول لساني في العشيرة مصلحا على أنّني يوم الكريهة ساكت
«١٠٦٨» - وقال آخر: [من الطويل]
حرام على أرماحنا طعن مدبر وتندقّ قدما في الصدور صدورها
محرمة أعجاز خيلي على القنا محللّة لبّاتها ونحورها
«١٠٦٩» - وقال جابر بن حنيّ: [من الطويل]
نعاطي الملوك السّلم ما قصدوا لنا وليس علينا قتلهم بمحرّم
يرى الناس منّا جلد أسود سالخ وفروة ضرغام من الأسد ضيغم
وعمرو بن همّام صقعنا جبينه بشنعاء تشفي سورة المتظلم
_________________
(١) البصرية: بالأبطال معلمة.
(٢) البصرية: شعث النواصي عليها البيض يأتلق.
[ ٢ / ٤١٨ ]
«١٠٧٠» - وقال القطامي: [من الوافر]
بضرب يبصر العميان منه وتعشى دونه الحدق البصار
«١٠٧١» - وقال الأعشى: [من الكامل]
وإذا تجيء كتيبة ملمومة يخشى الكماة الدارعون نزالها
كنت المقدم غير لابس جنّة بالسيف تضرب معلما أبطالها
١٠٧٢- وقال رجل من بني كاهل: [من الطويل]
يزيد اتساعا في الكريهة صدره تضايق أطراف الوشيج المقوّم
فما شارب بين الندامى معلل بأطرب منه بين سيف ولهذم
كأنّ نفوس الناس في سطواته فراش تهادى في حريق مضرّم
«١٠٧٣» - وقال أبو ذؤيب: [من الكامل]
حميت عليه الدرع حتى وجهه من حرّها يوم الكريهة أسفع
تعدو به خوصاء يفصم جريها حلق الرحالة فهي رخو تمزع [١]
بينا تعنّقه الكماة وروغه يوما أتيح له جريء سلفع [٢]
وكلاهما متوشّح ذا رونق عضبا إذا مسّ الكريهة يقطع
وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبّع
_________________
(١) خوصاء: غائرة العين؛ تمزع: تمرّ في عدوها بخفة.
(٢) بينا يقبل ويراوغ ويطاعن، عرض له فارس جريء واسع الصدر.
(٣) مسرودتان: درعان، قضاهما: عملهما، صنع السوابغ: الماهر بعمل الدروع.
[ ٢ / ٤١٩ ]
وكلاهما في كفّه يزنيّة فيها سنان كالمنارة أصلع [١]
يتناهبان المجد كلّ واثق ببلائه واليوم يوم أشنع
فتنازلا وتواقفت خيلاهما وكلاهما بطل اللقاء مخدّع
فتخالسا نفسيهما بنوافذ كنوافذ العبط التي لا ترقع [٢]
وكلاهما قد عاش عيشة ماجد وجنى العلاء لو أنّ شيئا ينفع
السلفع: الجريء، يقال: ناقة سلفع أي جريئة على السير، وقوله كالمنارة أراد المصباح نفسه فلما لم يستقم له أقام المنارة مقامه، وأصلع:
براق، والمخدّع ها هنا أي ذو خدعة في الحرب، وقال أبو عمرو: مجدّع مضروب بالسيف ومخدّع أيضا بالخاء وهو المقطع بالسيوف.
«١٠٧٤» - أمّر عثمان بن عفان ﵁ عبد الله بن سعد بن أبي سرح على إفريقية فغزاها، وكان المسلمون عشرين ألفا، وفيهم عبد الله بن الزبير بن العوام، قال عبد الله بن الزبير: أحاط بنا جرجير [٣] صاحب إفريقية وهو ملك فرنجة [٤] في مائة وعشرين ألفا، فضاق بالمسلمين أمرهم واختلفوا في الرأي، فدخل عبد الله بن سعد فسطاطه يخلو ويفكر، قال عبد الله بن الزبير:
فرأيت عورة من جرجير، والناس على مصافّهم، رأيته على برذون أشهب خلف أصحابه منقطعا منهم، معه جاريتان تظلان عليه من الشمس بريش الطواويس [٥]،
_________________
(١) اليزنية: الأسنة المنسوبة إلى ذي يزن.
(٢) النوافذ: يريد الطعنات النافذة، العبط: الجلود أو الأثواب المشقوقة.
(٣) ع: جرين؛ م ح: جرير.
(٤) م: افرنجة.
(٥) م: الطاوس.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
فجئت فسطاط عبد الله بن سعد فطلبت الإذن عليه من حاجبه فقال:
إنه في شأنكم وقد أمرني أن أمسك الناس عنه، قال: فدرت فأتيت مؤخر الفسطاط فرفعته فإذا هو مستلق على فراشه، ففزع وقال: ما أدخلك عليّ يا ابن الزبير؟ فقلت: انه كلّ أزبّ نفور، إني رأيت عورة من عدونا فرجوت الفرصة منها وخشيت فوتها، فاندب الناس لي، قال: وما هي؟ فأخبرته فقال: فرصة وعورة لعمري، ثم خرج فقال: أيها الناس انتدبوا مع ابن الزبير إلى عدوكم. فاخترت ثلاثين فارسا وقلت: إني حامل فاضربوا عن [١] ظهري فاني سأكفيكم من ألقى إن شاء الله تعالى، فحملت في الوجه الذي هو فيه وحملوا فذبّوا عني حتى حزتهم إلى أرض خالية وتبيّنني فصمدت صمده، فو الله ما حسب إلا [٢] أني رسول ولا ظنّ أكثر أصحابه إلا ذاك، حتى رأى ما بي من السلاح فثنى برذونه هاربا. فأدركته فطعنته فسقط، فرميت بنفسي عليه، واتقت جاريتاه عنه السيف فقطعت يدا إحداهما، وأجهزت عليه ثم رفعت رأسه في رمحي، وجال أصحابه، وحمل المسلمون في ناحيتي وكثروا [٣]، فقتلوهم كيف شاءوا وكانت الهزيمة.
«١٠٧٥» - لما كان يوم مسكن وهرب الناس عن مصعب بن الزبير، دخل على سكينة بنت الحسين، وكانت شديدة المحبة له، وكانت تخفي ذلك عنه، فلبس غلالة وتوشح عليها وانتضى السيف، فلما رأت ذلك علمت أنه عزم على أن لا يرجع، فصاحت من ورائه واحرباه، فالتفت إليها وقال: أو هذا لي في قلبك؟ فقالت: أي والله وأكثر من هذا، فقال: أما لو علمت
_________________
(١) م: على.
(٢) م: ما حسبني إلا.
(٣) م: وكبروا.
[ ٢ / ٤٢١ ]
لكان لي ولك شأن، ثم خرج فقال لابنه عيسى: يا بنيّ انج إلى نجائك فإن القوم لا حاجة بهم إلى غيري، وستفلت بحيلة أو بقيا [١] فقال: يا أبتاه لا أخّرت [٢] والله عنك أبدا فقال: أما والله لئن قلت ذلك لما زلت أتعرّف الكرم في أساريرك وأنت تقلّب في مهدك، فقتل بين يدي أبيه. ففي ذلك يقول الشاعر: [من الطويل]
فلو كان شهم النفس أو ذا حفيظة رأى ما رأى في الموت عيسى بن مصعب
وأم عيسى هذا بنت فلان بن السائب من بني أسد بن عبد العزّى، وروي أن أباها زوجها عمرو بن عثمان بن عفان فلما نصت عليه طلّقها على المنصة، فجاء أبوها إلى عبد الله بن الزبير فقال له: إنّ عمرو بن عثمان طلّق ابنتي على المنصّة، وقد ظنّ الناس أنّ ذلك لعاهة، وأنت عمها فقم فادخل إليها، فقال عبد الله: أو خير من ذلك؟ جيئوني بالمصعب فخطب عبد الله فزوجها من المصعب وأقسم عليه ليدخلنّ بها في ليلته، فلا يعلم أنّ أمرأة نصت على رجلين في ليلة غيرها، فأولدها المصعب عيسى وعكاشة.
«١٠٧٦» - كان محمد بن الحنفية شجاعا أيّدا وله في أيده أحاديث مشهورة، منها: أن أباه عليا ﵇ اشترى درعا فاستطالها، فقال:
لينقص منها كذا، وعلّم على موضع منها، فقبض محمد بيده اليمنى على ذيلها وبالأخرى على فضلها، ثم جذبه فقطعها من الموضع الذي حدّ أبوه، وكان عبد الله بن الزبير يحسده على قوته، فإذا حدّث بهذا الحديث غضب واعتراه أفكل [٣] .
_________________
(١) ح: بفنا؛ أو بقيا: سقطت من م.
(٢) ح: أحدث؛ م: أخذت. لعلها: أجدن.. بدّا) .
(٣) الأفكل: الرعدة.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
«١٠٧٧» - كان مسلمة بن عبد الملك فارس بني أمية وشجاعهم، قال له أخوه هشام: يا أبا سعيد هل دخلك ذعر قطّ بحرب شهدتها أو لعدو؟ قال:
ما سلمت في ذلك من ذعر ينبّه على حيلة، ولم يفتني فيها ذعر سلبني [١] رأيي، قال هشام: هذه البسالة.
«١٠٧٨» - لم يكن في بني العبّاس أشجع من المعتصم، ولا أشدّ قلبا وأيدا، ولا أحسن تيقظا في الحرب، وكان من شدته يسمي ما بين إصبعيه السبابة والوسطى «المقطرة»، واعتمد بها مرة على ساعد إنسان فدقّه، وكتب إليه ملك الروم يتهدّده، فأمر بكتب جوابه فلما قرىء عليه لم يرضه وقال للكاتب: اكتب، بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد قرأت كتابك والجواب ما ترى لا ما تسمع وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ
(الرعد:
٤٢) .
«١٠٧٩» - وقال ابن أبي دواد: كان المعتصم يقول لي: يا أبا عبد الله عضّ ساعدي بأكثر قوتك، فأقول: والله يا أمير المؤمنين ما تطيب نفسي بذلك، فيقول: إنه لا يضرّني، فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنّة فكيف الأسنان؟
«١٠٨٠» - ويقال إنه طعنه بعض الخوارج وعليه جوشن، فأقام المعتصم ظهره فقصف الرمح بنصفين.
_________________
(١) م ح: يسلبني.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
«١٠٨١» كان عبد الملك بن صالح واليا للرشيد على الشام، فكان إذا وجه سريّة إلى أرض الروم أمّر عليها أميرا شهما وقال له: اعلم أنك مضارب الله تعالى بخلقه، فكن بمنزلة التاجر الكيّس إن وجد ربحا وإلا احتفظ برأس المال، وكن من احتيالك على عدوّك أشدّ حذرا من احتيال عدوك عليك.
«١٠٨٢» - وولّى العبّاس بن زفر الثغر فودّعه وقال: يا عبّاس إنّ حصن المحارب من عدوه حسن تدبيره، والمقاتل عنه جليد رأيه وصدق بأسه.
«١٠٨٣» - يقال: إنه لا يصدق ويصبر في اللقاء إلا ثلاثة: مستبصر في دين، أو غيران على حرمة، أو ممتعض من ذلّ.
«١٠٨٤» - كان حبيب بن مسلمة الفهري يغزو الترك، فخرج ذات مرّة إلى بعض غزواته فقالت له امرأته: أين موعدك؟ قال: سرادق الطاغية أو الجنة، قالت: إني لأرجو أن أسبقك إلى أيّ الموضعين كنت فيه، فجاء فوجدها في سرادق الطاغية تقاتل الترك.
«١٠٨٥» - قال جعفر بن علبة الحارثيّ: [من الطويل]
لا يكشف الغماء إلّا ابن حرّة يرى غمرات الموت ثم يزورها
نقاسمهم أسيافنا شرّ قسمة ففينا غواشيها وفيهم صدورها
[ ٢ / ٤٢٤ ]
«١٠٨٦» - وقال ابن هرمة: [من الوافر]
إذا شدّوا عمائمهم ثنوها على كرم وإن سفروا أناروا
يبيع ويشتري لهم سواهم ولكن بالطعان هم تجار
١٠٨٧- قيل: دخل على معاوية بعض كنانة فقال له: هل شهدت بدرا؟ قال: نعم، قال: مثل من كنت يومئذ؟ قال: غلام ممدود مثل عصا الجلمود، قال: فحدثني ما رأيت وحضرت، قال: ما كنّا إلا شهودا كأغياب، وما رأيت ظفرا كان أوشك منه، قال: فصف لي من رأيت، قال: رأيت في سرعان الناس عليّ بن أبي طالب غلاما ليثا عبقريا يفري الفريّ، لا يلبث [١] له أحد إلّا قتله، ولا يضرب شيئا إلا هتكه، لم أر من الناس أحدا قطّ أثقف منه، يحمل حملة ويلتفت التفاتة كأنه ثعلب روّاغ، وكأن له عينين في قفاه، وكأنّ وثوبه وثوب [٢] وحشيّ، يتبعه رجل معلم بريش نعامة، كأنه جمل يحطم يبيسا، لا يستقبل شيئا إلا هدّه، ولا يثبت له شيء إلا ثكلته أمّه، شجاع ابله يحمل بين يديه، قيل هذا حمزة بن عبد المطلب عم محمد ﷺ قال: فرأيت ماذا؟ قال: رأيت ما وصفت لك، ورأيت جدّك عتبة وخالك الوليد حيث قتلا، ورأيت من حضر من أهلك لم يغنوا عنه شيئا، قال: فكنت من المنهزمين؟ قال: نعم لما انهزمت عشيرتك، قال:
فأين كنت منهم؟ قال: لما انهزمنا كنت في سرعانهم، قال: فأين أرحت؟
قال: ما أرحت حتى نظرت إلى الهضبات [٣]، قال: لقد أحسنت الهرب،
_________________
(١) م: يثبت.
(٢) وثوب: سقطت من ح م.
(٣) ع: العضبات.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
قال: قبلي ما [١] أحسنه أبوك وبعد ما اتعظت بمصرع كمصرع جدّك وخالك وأخيك، قال: إنك لغليظ الكلام، قال: إنني ممن تعرف، قال: إنكم لتبغضون قريشا، قال: أما من كان أهله منهم فنبغضه، قال: ومن الذين هم اهله [٢]؟ قال: من قطع القرابة واستأثر بالفيء وطلب الحقّ فلما أعطيه منعه، قال: ما فيك خير من أن نسكت عنك، قال: ذاك إليك، قال:
قد فعلت، قال: فقد [٣] سكت.
«١٠٨٨» - قال الحارث بن خالد المخزومي، وقد فرّ عبد العزيز بن عبد الله بن أسيد من الخوارج فرارا قبيحا، على كثرة عدده [٤] وقلتهم: [من الخفيف]
فرّ عبد العزيز حين رأى الأب طال بالسفح نازلوا قطريّا
عاهد الله إن نجا ملمنايا ليعودنّ بعدها حرميّا [٥]
حيث لا يشهد القتال ولا يس مع يوما لكرّ خيل دويا
«١٠٨٩» - قيل لأعرابي: ألا تغزو فإن الله قد أمرك به، فقال: والله إني لأبغض الموت على فراشي في عافية فكيف أمضي إليه ركضا، ومثله قول الشاعر: [من البسيط]
_________________
(١) م: لقد.
(٢) ح: من أهله.
(٣) ح م: قد.
(٤) م: عددهم.
(٥) ح: احدميا (دون اعجام) .
[ ٢ / ٤٢٦ ]
تمشي المنايا إلى قوم فأبغضها فكيف أعدو إليها عاري الكتف
«١٠٩٠» - أنفذ الحجاج رجلا من ثقيف يستحثّ المهلب على مناجزة الخوارج، فلما وقعت الحرب انهزم الثقفيّ، فقال رجل من بني عامر بن صعصعة: [من الكامل]
ما زلت يا ثقفيّ تخطب بيننا وتعمّنا بوصية الحجّاج
حتى إذا ما الموت أقبل زاخرا وسما لنا صرفا بغير مزاج
ولّيت يا ثقفيّ غير مناظر تنساب بين أحزّة وفجاج
ليست مقارعة الكماة لدى الوغى شرب المدامة في إناء زجاج
«١٠٩١» - قال أعرابيّ لقومه، وقد صافّوا بعض أصحاب السلطان: يا قوم لا أعرّكم من نشّاب معهم في جعاب كأنها نيوب الفيلة، وقسيّ كأنها العتل، ينزع أحدهم حتى يتفرق شعر إبطه، ثم يرسل نشابة كأنها رشاء مقطع [١]، فما بين أحدكم وبين أن ينصدع قلبه منزلة، قال: فطاروا رعبا قبل اللقاء.
«١٠٩٢» - قيل: كانت لفتى من قريش وصيفة نظيفة جميلة الوجه حسنة الأدب وكان بها معجبا، فأضاق واحتاج إلى ثمنها، فحملها إلى العراق زمن الحجاج فباعها، فوقعت إلى الحجاج، فكانت تلي خدمته، فقدم عليه
_________________
(١) ح م: منقطع.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
فتى من ثقيف، أحد بني عقيل [١]، فأنزله قريبا منه وألطفه، فدخل عليه يوما والوصيفة تغمز رجل الحجاج، وكان للفتى جمال وهيئة، فجعلت الوصيفة تسارق الثقفيّ النظر، وفطن الحجاج فقال للفتى: ألك أهل؟ قال: لا، قال: خذ بيد هذه الوصيفة فاسكن إليها واستأنس بها حتى [٢] أنظر لك بعض [٣] بنات عمك، فدعا له، وأخذها مسرورا وانصرف إلى رحله، فباتت معه ليلتها [٤] وهربت بغلس، فأصبح لا يدري أين هي، وبلغ الحجاج ذلك، فأمر مناديا فنادى: برئت الذمة ممن آوى وصيفة من صفتها كذا وكذا، فلم يلبث أن أتي بها، فقال لها: يا عدوة الله، كنت عندي من أحبّ الناس، واخترت لك ابن عمي شابا حسن الوجه، ورأيتك تسارقينه النظر، فدفعتك إليه وأوصيته بك، فما لبثت إلا سواد ليلتك حتى هربت، قالت: يا سيدي، اسمع قصتي ثم اصنع ما أحببت، قال: هات، قالت: كنت لفلان القرشي، وكان بي معجبا، فاحتاج إلى ثمني فحملني إلى الكوفة، فلما صرنا قريبا من البلد دنا مني فوقع عليّ فلم يلبث أن سمع بزئير الأسد، فوثب عني إليه واخترط سيفه ثم حمل عليه فضربه وقتله [٥]، ثم أقبل إليّ وما برد ما عنده، فقضى حاجته، وكان ابن عمك هذا الذي اخترته لي لما أظلم الليل قام إليّ، فإنه لعلى بطني إذ وقعت فأرة من السقف عليه، فضرط ثم وقع مغشيا عليه، فمكث زمانا طويلا أقلّبه وأرشّ على وجهه الماء وهو لا يفيق، فخفت أن تتهمني به فهربت فزعا [٦] من القتل، فما ملك الحجاج نفسه وقال: ويحك لا تعلمي بهذا أحدا، قالت: يا سيدي على أن لا تردني إليه، قال: لك ذلك.
_________________
(١) م: أبي عقيل.
(٢) ح م: إلى أن.
(٣) بعض: سقطت من م.
(٤) م: ليلته.
(٥) م: واحتز رأسه بسيفه.
(٦) فزعا: سقطت من م.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
«١٠٩٣» - حدّث جار لأبي حية النميري قال: كان لأبي حيّة سيف ليس بينه وبين الخشبة فرق، وكان يسميه لعاب المنية، فأشرفت عليه وقد انتضاه من غمده وقد استذمر، وهو واقف [١] على باب بيت في داره، وقد سمع حسا، وهو يقول: أيّها المغترّ بنا والمجترىء علينا، بئس والله ما اخترت لنفسك، خير قليل وسيف صقيل، لعاب المنايا [٢] الذي سمعت به، مشهورة ضربته، لا تخاف نبوته، اخرج بالعفو عنك لا أدخل بالعقوبة عليك، إني والله إن أدع قيسا تملأ الفضاء خيلا ورجلا، فيا سبحان الله ما أكثرها وأطيبها، ثم فتح الباب على وجل فإذا كلب قد خرج فقال: الحمد لله الذي مسخك كلبا وكفاني حربا.
«١٠٩٤» - قال الأخطل يذكر شجاعا: [من الطويل]
وكرّار خلف المرهقين جواده حفاظا إذا لم يحم أنثى حليلها
ثنى مهره والخيل رهو كأنها قداح على كفّي مفيض يجيلها
يهين وراء الخيل نفسا كريمة لكبّة موت ليس يودى قتيلها
ويعلم أنّ المرء [٣] ليس بخالد وأن منايا المرء يسعى دليلها
_________________
(١) م: وقد انتضاه وهو واقف.
(٢) م ح: المنية:
(٣) م: الموت.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
«١٠٩٥» - وقال أبو كبير الهذلي: [من الكامل]
صعب الكريهة لا يرام جنابه ماضي العزيمة كالحسام المقصل [١]
يحمي الصحاب إذا تكون كريهة وإذا هم نزلوا فمأوى العيّل
«١٠٩٦» - وقال تأبّط شرا: [من الطويل]
إذا حاص عينيه كرى النوم لم يزل له كالىء من قلب شيحان فاتك
ويجعل عينيه ربيئة قلبه إلى سلّة من حد أخلق صائك
يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي بحيث اهتدت أمّ النجوم الشوابك
أراد المجرة وقيل الشمس [٢] .
«١٠٩٧» - وقال موسى بن جابر الحنفي: [من الطويل]
ألم تريا أني حميت حقيقتي وباشرت حدّ الموت والموت دونها
وجدت بنفس لايجاد بمثلها وقلت اطمئنّي حين ساءت ظنونها
وما خير مال لا يقي الذمّ ربّه ونفس امرىء في حقّها لا يهينها
«١٠٩٨» - وقال عروة بن الورد: [من الطويل]
_________________
(١) ح: المصقل.
(٢) أراد الشمس: سقط من م.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
ولكنّ صعلوكا صفيحة وجهه كضوء شهاب القابس المتنوّر
مطلّا على أعدائه يزجرونه بساحتهم زجر المنيح المشهر
إذا بعدوا لا يأمنون اقترابه تشوّف أهل الغائب المتنظّر
فذلك إن يلق الكريهة يلقها حميدا وإن يستغن يوما فأجدر
«١٠٩٩» - وقال عمرو بن كلثوم: [من الطويل]
معاذ الاله أن تنوح نساؤنا على هالك أو أن نضجّ من القتل
قراع السيوف بالسيوف أحلّنا بأرض براح ذي أراك وذي أثل
«١١٠٠» - وقال عبد الله [١] بن سبرة: [من الطويل]
وإني إذا ضنّ الأمير باذنه على الإذن من نفسي إذا شئت قادر
«١١٠١» - وقال تأبط شرا: [من الطويل]
قليل غرار النوم أكبر همّه دم الثأر أو يلقى كميّا مقنّعا
يماصعه كلّ يشجّع قومه وما ضربه هام العدى ليشجّعا
قليل ادّخار الزاد إلّا تعلّة فقد نشز الشّرسرف والتصق المعا
يبيت بمغنى الوحش حتى ألفنه ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا
وإني وإن عمّرت أعلم أنني سألقى سنان الموت يبرق أصلعا
ومن يغز بالأعداء لا بد أنه سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا
_________________
(١) م ح: عبدة.
[ ٢ / ٤٣١ ]
«١١٠٢» - وقال معبد بن علقمة: [من الطويل]
فقل لزهير إن شتمت سراتنا فلسنا بشتّامين للمتشتّم
ولكننا نأبى الظّلام ونعتصي بكلّ رقيق الشفرتين مصمّم
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وان التمادي في الذي كان بيننا بكفّيك فاستأخر له أو تقدّم
«١١٠٣» - وقال موسى بن جابر الحنفي: [من الطويل]
وإنا لوقّافون بالموقف الذي يخاف رداه [١] والنفوس تطلّع
وإنّا لنعطي المشرفيّة حقّها فتقطع في أيماننا وتقطّع
«١١٠٤» - تزوج الهذلول بن كعب العنبريّ امرأة من بني بهدلة، فرأته يوما يطحن وقد نزل به ضيف، فضربت صدرها وقالت: هذا زوجي [٢]؟ فقال في ذلك: [من الطويل]
تقول ودقّت [٣] صدرها بيمينها أبعلي هذا بالرحى المتقاعس
فقلت لها لا تعجبي وتبيّني فعالي إذا التفّت عليّ الفوارس
ألست أردّ القرن يركب ردعه وفيه سنان ذو غرارين يابس
_________________
(١) معجم المرزباني: بالثغرة التي رداها.
(٢) م: زوجي هذا.
(٣) م: وصكت.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
وأحتمل الأوق الثقيل وأمتري خلوف المنايا حين فرّ المغامس [١]
وأقري الهموم الطارقات حزامة إذا كثرت للطارقات الوساوس
إذا خام [٢] أقوام تقحمت غمرة يهاب حميّاها الألدّ المداعس
لعمر أبيك الخير إني لخادم لضيفي وإني إن ركبت لفارس
وإني لأشري الحمد أبغي رباحه وأترك قرني وهو خزيان تاعس
«١١٠٥» - وقال طفيل الغنوي: [من الرجز]
إذا تخازرت وما بي من خزر ثم كسرت العين من غير عور
ألفيتني ألوى بعيد المستمر ذا صولة في المصمئلّات الكبر
أحمل ما حمّلت من خير وشر كالحية الصمّاء في ظلّ الحجر
«١١٠٦» - قال آخر ويروى [٣] لابن قيس الرقيات: [من الطويل]
وإني لآبى الشرّ حتى إذا أبى تجنّب بيتي قلت للشرّ مرحبا
وأركب ظهر الأمر حتى يلين لي إذا لم أجد إلا على الشرّ مركبا
_________________
(١) الأوق: العبء؛ المغامس: الشجاع.
(٢) خام: نكل وجين.
(٣) م ح: وروي.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
«١١٠٧» - وقال آخر: [من الطويل]
أفرّ حذار الشرّ والشرّ تاركي [١] وأطعن في أنيابه وهو كالح
«١١٠٨» .- (١) وقال ابن هرمة: [من الطويل]
إذا ما أراد الأمر ناجى ضميره فناجى ضميرا غير مضطرب العقل
ولم يشرك الأدنين في جلّ أمره إذا انتقضت بالأضعفين قوى الحبل [٢]
(٢) وقال أيضا في مثل ذلك: [من الطويل]
يزرن امرءا لا يمحض القوم أمره ولا ينتجي الأدنين فيما يحاول
إذا ما أبى شيئا مضى كالذي أبى وإن قال إني فاعل فهو فاعل
«١١٠٩» - ومثله لسعد بن ناشب المازني: [من الطويل]
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ونكّب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في أمره غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
«١١١٠» - وقال مالك بن الريب في مثله: [من الطويل]
_________________
(١) م ح: نازلي.
(٢) ح م: الحمل.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
وما أنا بالنابي الحفيظة بالوغى ولا المتّقي في السلم جرّ الجرائم
ولا المتأرّي في العواقب للذي أهمّ به من فاتكات العزائم
ولكنني ماضي العزيمة مقدم على غمرات الحادث المتفاقم
قليل اختلاج الرأي في الجدّ والهوى جميع الفؤاد عند وقع العظائم
«١١١١» - وقال [أبو] قيس بن الأسلت: [من السريع]
قالت ولم تقصد لقيل الخنا مهلا فقد أبلغت أسماعي
واستنكرت لونا له شاحبا [١] والحرب غول ذات أخداع [٢]
من يذق الحرب يجد طعمها مرّا وتتركه [٣] بأوجاع
قد حصّت البيضة رأسي فما أطعم نوما غير تهجاع
أسعى على جلّ بني مالك كلّ امرىء في شأنه ساع
أعددت للأعداء فضفاضة موضونة [٤] كالنّهي بالقاع
أحفزها [٥] عني بذي رونق أبيض مثل الملح [٦] قطّاع
صدق حسام وادق حدّه ومارن [٧] أسمر قرّاع
بزّ [٨] امرىء مستبسل حاذر للدهر جلد غير مجزاع
الكيس والقوة خير من ال إدهان والفهّة [٩] والهاع
_________________
(١) المفضليات (ض): أنكرته حين توسمته.
(٢) م وأصل ح: أوجاع.
(٣) ض: وتحبسه.
(٤) ض: موضونة فضفاضة.
(٥) م ح: أحفرها؛ ع: أحقرها.
(٦) ض: مهند كالملح.
(٧) ض: ومجنا.
(٨) ح: مرّ؛ م: ابن.
(٩) ض: والفكة.
(١٠) الادهان: النفاق، الفكة: الضعف، والفهة: العيّ؛ والهاع: النزع.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
هلا سألت القوم [١] إذ قلّصت ما كان إبطائي وإسراعي
هل أبذل المال على حبّه فيهم وآتي دعوة الداعي
وأضرب القونس [٢] يوم الوغى بالسيف لم يقصر به باعي
«١١١٢» .- (١) وقال العلوي صاحب الزنج: [من الكامل]
يلقى السيوف بوجهه وبنحره ويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطّرف اصطبر لشبا القنا فعقرت ركن المجد إن لم تعقر
(٢) وقال أيضا: [من الرجز]
إذا اللئيم مطّ حاجبيه وذبّ عن حريم درهميه
فاقذف عنان البخل في يديه وقم إلى السيف وشفرتيه
فاستنزل الرزق بمضربيه إن قعد الدهر فقم إليه
(٣) ومن شعره أيضا: [من المتقارب]
وإنّا لتصبح أسيافنا إذا ما اهتززن ليوم سفوك
منابرهنّ بطون الأكفّ وأغمادهنّ رؤوس الملوك
_________________
(١) ض: الخيل.
(٢) القونس: عظيم تحت ناصية الفرس.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
«١١١٣» - أبو العشائر ابن حمدان: [من الكامل]
أأخا الفوارس لو رأيت مواقفي والخيل م تحت الفوارس تنحط
لقرأت منا ما تخطّ يد الوغى والبيض تشكل والأسنة تنقط
«١١١٤» - وقال أبو العبّاس النامي: [من الكامل]
ومنازلين إذا بدوا في شارق شبّوا ضياء وقوده بوقود
ردّوا على داود صنعة سرده لغناهم [١] بالصبر عن داود
لا يصبحون إذا انتضوا بيض الظبا وشبا القنا غير المنايا السود
«١١١٥» - ومن كلام لأبي محمد المهلبي يناسب معنى البيت الثاني:
فإنهم لشدّة [٢] تجهمهم، وسرعة تهجمهم [٣]: [من الكامل]
تركوا المكيدة والكمين لجهدهم [٤] والنّبل والأرماح للأسياف
«١١١٦» - ومن كلامه أيضا: قد صدقه الحملة، ومنعه المهلة، [من المتقارب]
وأصلاه حر جحيم الحديد تحت دخان من القسطل
_________________
(١) م: لغنائهم.
(٢) اليتيمة: فاتهم بشدة.
(٣) فانهم لشدة تهجمهم: سقط من م.
(٤) م ح واليتيمة: جهرهم.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
«١١١٧» .- (١) وقال أبو الفرج الببغاء: [من البسيط]
من كلّ متّسع الأخلاق مبتسم للخطب إن ضاقت الأخلاق والحيل
يسعى به البرق إلا أنّه فرس في صورة الموت إلا أنه رجل
يلقى الرماح بصدر منه ليس له ظهر وهادي جواد ما له كفل
(٢) وقال أيضا: [من البسيط]
الباذلي العرف والأنواء باخلة والمانعي الجار والأعمار تخترم
حيث الدجى النقع والبيض الكواكب وال أسد الفوارس والخطيّة الأجم
«١١١٨» - وقال السريّ الرفّاء: [من الوافر]
طلعت على الديار وهم نبات وأغمدت السيوف وهم حصيد
فما أبقيت إلا مخطفات حمى الأخطاف منها والنهود
«١١١٩» - وقال عبد الله بن رواحة الأنصاري: [من الرجز]
يا نفس إن لم تقتلي تموتي إن تسلمي اليوم فلن تفوتي
أو تبتلى فطالما عوفيت هذي حياض الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت
«١١٢٠» .- (١) وقال عنترة: [من الكامل]
[ ٢ / ٤٣٨ ]
بكرت تخوّفني الحتوف كأنني أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل
فأجبتها إن المنية منهل لا بدّ أن أسقى بكأس المنهل
فأقني حياءك لا أبا لك واعلمي اني امرؤ سأموت إن لم أقتل
«١١٢٠» . (٢) وقال عنترة أيضا: [من الكامل]
وعلمت أن منيتي إن تأتني لا ينجني منها الفرار الأسرع
فصبرت عارفة لذلك حرّة نفسي إذا نفس الجبان تطلّع
«١١٢١» - وقال العبّاس بن مرداس: [من الكامل]
القائلون إذا لقوا أقرانهم إنّ المنايا قصر من لم يقتل
فتعانقوا الأبطال في حمس الوغى تحت الأسنّة والغبار الاطحل
«١١٢٢» - وقال ضابىء البرجمي: [من الطويل]
وما الفتك ما شاورت فيه ولا الذي تخبّر من لاقيت أنك فاعله
«١١٢٣» - وقال حارثة بن بدر: [من الطويل]
ولا تلتمس أمر الشديدة بامرىء إذا رام أمرا عوّقته عواذله
وما الفتك الا لامرىء رابط الحشا إذا صال لم ترعد إليه خصائله
«١١٢٤» - وقال حسان بن ثابت: [من الخفيف]
[ ٢ / ٤٣٩ ]
كرهوا الموت فاستبيح حماهم وأقاموا فعل اللئيم الذليل
أمن الموت يهربون فإن ال موت موت الهزال غير جميل
«١١٢٥» - وقال هدبة بن خشرم العذري: [من الطويل]
وليس أخو الحرب الشديدة بالذي اذا زبنته كان للسلم أخضعا
ولكن أخو الحرب الحديد سلاحه إذا حملته فوق حال تشجعا أ
خو الحرب لا ينآد للحرب متنه ولا يظهر الشكوى إذا كان موجعا
ركوب على أثباجها متخوف لعوراتها ينمي إذا الثقل أضلعا
«١١٢٦» - وقال الحطيئة: [من الطويل]
إذا همّ بالأعداء لم يثن همّه كعاب عليها لؤلؤ وشنوف
أخذ المعنى وبعض اللفظ كثير فقال لعبد الملك: [من الطويل]
إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه حصان عليها عقد درّ يزينها
«١١٢٧» - وقالت امرأة من بني عبد القيس: [من الطويل]
أبوا أن يفرّوا والقنا في نحورهم ولم يبتغوا من خشية الموت سلّما
ولو أنهم فرّوا لكانوا أعزّة ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما
[ ٢ / ٤٤٠ ]
«١١٢٨» - وقال آخر: [من الرجز]
قد علم المستأخرون في الوهل إذا السيوف عريت من الخلل
أنّ الفرار لا يزيد في الأجل
«١١٢٩» - ومما يروى لعلي بن أبي طالب ﵇: [من الرجز]
من أيّ يوميّ من الموت أفر من يوم لا يقدر أم يوم قدر
«١١٣٠» - وقال المخبّل السعدي: [من الطويل]
وإنا أناس تعرف الخيل زجرنا إذا أمطرت سحب الصوارم بالدّم
وأنا لنعطي النصف من لو نضيمه أقرّ ونأبى نخوة المتظلم
«١١٣١» - ومما جاء في ذكر الجبناء قول الطرماح: [من الطويل]
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ولو سلكت سبل المكارم ضلّت
ولو أنّ برغوثا على ظهر قملة يكرّ على صفّي تميم لولّت
ولو جمعت يوما تميم جموعها على ذرّة معقولة لاستقلّت
«١١٣٢» - وقال آخر: [من الطويل]
[ ٢ / ٤٤١ ]
إذا صوّت العصفور طار فؤاده وليث حديد الناب عند الثرائد
«١١٣٣» - وقول الأخطل: [من الطويل]
ونجّى ابن بدر ركضه من رماحنا ونضاحة الأعطاف ملهبة الحضر
كأنهما والآل ينجاب عنهما إذا انغمسا فيه يعومان في بحر
يسرّ إليها والرماح تنوشه فدى لك أمّي إن دأبت إلى العصر
فظل يفدّيها وظلّت كأنها عقاب دعاها جنح ليل إلى وكر
١١٣٤- وقال آخر: [من البسيط]
لو كنت في مائتي ألف جميعهم مثل المزرفن داود بن حمدان
وتحتك الريح تجري حيث تأمرها وفي يمينك ماض غير خوّان
لكنت أول فرار إلى عدن إذا تحرك سيف في خراسان
«١١٣٥» - قال عمر بن الخطاب رضوان الله عليه لعمرو بن معدي كرب: أخبرني عن أشجع من رأيت، فقال: والله يا أمير المؤمنين لأخبرنّك عن أحيل الناس، وعن أشجع الناس، وعن أجبن الناس، فقال له عمر:
هات، فقال: أربعت الصعابية [١] فخرجت كأحسن ما رأيت، شقّاء مقاء طويلة الأنقاء [٢] [تمطّق بالعرق] تمطّق الشيخ بالمرق، فركبتها ثم آليت لا ألقى أحدا إلّا قتلته، فخرجت وهي تتقدّى [٣] [بي]، فإذا بفتى بين عرضين [٤]، فقلت
_________________
(١) الصعابية: اسم فرسه (اللباب: الضبابية) .
(٢) شقاء مقاء: طويلة؛ الأنقاء: عظم اليدين والرجلين.
(٣) تتقدى: تلزم سنن السيرة (وغيرها محقق اللباب إلى «تنقز») .
(٤) في الأصل: عن عرضين؛ والعرض: الوادي.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
له: خذ حذرك فإني قاتلك، فقال: والله ما أنصفتني يا أبا ثور أنا كما ترى أعزل أميل، فأنظرني حتى آخذ نبلي، فقلت: وما غناؤها عنك؟ قال:
أمتنع بها، قلت: خذها، قال: لا والله أو تعطيني من العهود ما يثلجني أنّك لا تروعني حتى آخذها، قال: فأثلجته فقال: وإلهي [١] قريش لا آخذها أبدا، فسلم والله وذهبت، فهذا أحيل الناس.
ثم مضيت حتى اشتمل عليّ الليل، فو الله إني لأسير في قمر زاهر، كالنور الظاهر، إذا بفتى على فرس يقود ظعينة وهو يقول: [الرمل المجزوء]
يا لدينا يا لدينا [٢] ليتنا يعدى علينا
ثم يبلى ما لدينا
ثم يخرج حنظلة من مخلاته فيرمي بها في السماء فلا تبلغ الأرض حتى ينتظمها بمشقص من نبله، فصحت به: خذ حذرك ثكلتك أمّك فاني قاتلك، فمال عن فرسه فإذا هو في الأرض، فقلت: إن هذا إلّا استخفاف، فدنوت منه فصحت به ويلك ما أجهلك، فما تحلحل ولا زال عن موضعه، فشككت بالرمح إهابه فإذا هو كأنه قد مات منذ سنة، فهذا أجبن الناس.
ثم مضيت فأصبحت من دكادك هرشى إلى غزال [٣]، فنظرت إلى أبيات فعدلت إليها، فإذا فيها جوار ثلاث كأنهنّ نجوم الثريا، فبكين حين رأينني، فقلت: ما يبكيكن؟ فقلن: لما ابتلينا به منك، ومن ورائنا أخت لنا هي أجمل منا، فأشرفت من فدفد، فإذا بامرىء لم أر قطّ أحسن من وجهه، وهو غلام يخصف نعله، عليه ذؤابة يسحبها، فلما نظر إليّ وثب على الفرس مبادرا، ثم ركض فسبقني إلى البيوت، فوجدهن قد ارتعن، فسمعته يقول:
[من الرجز]
_________________
(١) الأغاني واللباب: وإله.
(٢) اللباب: يا لبينا يا لبينا.
(٣) غزال: ثنية قريبة من هرشى، تعرف بقرن غزال.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
مهلا نسيّاتي لا تروّعن إن يمنع اليوم نساء تمنعن
أرخين أذيال المروط وأرتعن
فلما دنوت منه قال: أتطردني أم أطردك؟ فركض وركضت في أثره، حتى إذا أمكنت السنان من لفتته- واللفتة أسفل من الكتف- اتكأت عليه فإذا هو والله مع لبب فرسه، ثم استوى في سرجه فقلت: أقلني، قال: اطرد، فتبعته حتى إذا ظننت أن السنان بين ناغضتيه [١] اعتمدت عليه، فإذا هو والله قائم على الأرض والسنان زالج، ثم استوى على فرسه فقلت: أقلني، قال:
اطرد فطردته حتى إذا أمكنت السنان من متنه اتكأت عليه وأنا أظنّ أن قد فرغت منه، فمال في سرجه حتى نظرت إلى يديه في الأرض ومضى السنان زالجا، ثم قال: بعد ثلاث تريد ماذا؟ اطردني ثكلتك أمك، فوليت وانا مرعوب [٢] منه، فلما غشيني ووجدت مسّ السنان التفتّ فإذا هو يطردني بالرمح بلا سنان، فكفّ عني واستنزلني فنزلت، فجز والله ناصيتي وقال: انطلق فأنا أنفس بك عن القتل، فكان ذاك والله يا أمير المؤمنين عندي أشدّ من الموت، فذاك أشجع من رأيت، وسألت عن الفتى فقيل ربيعة بن مكدّم الفراسي من بني كنانة.
«١١٣٦» - وكان عمرو بن معدي كرب موصوفا بالأيد والشدة عظيم الخلقة، جاء إليه رجل وهو واقف بالكناسة على فرس له وقد أسنّ، فقال:
لأنظرنّ ما بقي من قوة أبي ثور، فأدخل يده بين ساقه وبين السرج، وفطن له عمرو فضمّها عليه وحرك فرسه، فجعل الرجل يعدو مع الفرس لا يقدر أن ينزع يده، حتى إذا بلغ منه قال: يا ابن أخي مالك؟ قال: يدي تحت ساقك، فخلّى عنه وقال: يا ابن أخي إن في عمك لبقية بعد.
_________________
(١) الناغضة: أصل العنق.
(٢) م: فوليت مرعوبا.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
«١١٣٧» - ومن بليغ الشعر في الحرب والبأس والنجدة قول محمد بن هانئ: [من الطويل]
ومضرمة الأنفاس جمر وطيسها شرنبثة [١] الكفّين فاغرة الفم
ضروس لها أبناء صدق تحشّها فمن خادر ورد وأشجع أيهم [٢]
وأرعن يحموم [٣] كأنّ أديمه إذا شرعت أرماحه ظهر شيهم [٤]
فما تنطق الأرماح غير تصلصل ولا ترجع الأبطال غير تغمغم
فتملأ سمعا من رواعد رجّف وتملأ عينا من بوارق ضرّم
فلا راجع باللأم [٥] غير مبتّك ولا بحبيك البيض غير مثلّم
رفعت على هام العدى منه قسطلا خضبت مشيب الفجر منه بعظلم
فلا تتكلّف للخميس من العدى خميسا ولكن رعه باسمك يهزم
لقد أعذرت فيك الليالي وأنذرت فقل للعقول استأخري أو تقدمي
كأن قد كشفت الأمر عن شبهاته فلم يضطهد حقّ ولم يتهضّم
وفاض دما موج الفرات فلم يجز لوارده طهر بغير تيمم
فلا حملت فرسان حرب جيادها إذا لم يزرهم من كميت وأدهم
ولا عذب الماء القراح لشارب وفي الأرض مروانيّة غير أيّم
بريغون في الهيجا إلى ذي حفيظة طويل نجاد السيف أبلج خضرم
قليل لقاء البيض إلا من الظبا قليل شراب الكأس الا من الدم
وأيّ قوافي الشعر فيك أحوكها وما ترك التنزيل من متردّم
_________________
(١) شرنبئة: غليظة.
(٢) الأيهم: الجريء.
(٣) الأرعن: الجيش؛ اليحموم: الأسود بسبب كثافته ولبس الدروع.
(٤) الشيهم: القنفذ.
(٥) اللأم: الدروع.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
«١١٣٨» - وكان حسان بن ثابت الشاعر من الجبناء، وكان ابن الزبير يحدث أنه كان في فارع أطم ابن ثابت، يعني حسان، مع النساء يوم الخندق ومعهم عمرو بن أبي سلمة [قال ابن الزبير]: ومعنا حسان بن ثابت ضارب وتدا في ناحية [١] الأطم، فإذا حمل أصحاب رسول الله ﷺ على المشركين حمل على الوتد يضربه بالسيف، وإذا أقبل المشركون انحاز عن الوتد، كأنه يقاتل قرنا، يتشبه بهم كأنه يرى أنه يجاهد حين جبن [٢] . وقيل إنه أتاهم في ذلك اليوم يهوديّ يطيف بالحصن، وقد قطعت قريظة ما بينها وبين رسول الله ﷺ، قالت صفية بنت عبد المطلب فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدلّ على عورتنا [٣] من وراءنا من اليهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه فانزل إليه فاقتله، فقال:
يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت:
فلمّا قال ذلك ولم أر عنده شيئا اعتجرت [٤]، ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلّا أنه رجل، قال:
مالي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب.
«١١٣٩» - كان حارثة بن بدر الغدانيّ من سادات بني تميم ووجوههم، وكان في وجه الخوارج والإمارة لغيره، فقتل صاحب الجيش فعقدوا الرياسة لآخر فقتل، فعقدوها لحارثة بن بدر فنادى في الناس: أن تثبتوا فتح الله
_________________
(١) الأغاني: آخر.
(٢) م: حين يضرب الوتد.
(٣) م والأغاني: عوراتنا.
(٤) الأغاني: احتجزت؛ م: اعجزت.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
عليكم فللعرب زيادة فريضتين وللموالي زيادة فريضة، وندب الناس فالتقوه وانهزم حارثة وقال: [من الرجز]
كرنبوا ودولبوا وحيث شئتم فاذهبوا
أير الحمار فريضة لعبيدكم والخصيتان فريضة الأعراب
فتتابع الناس على أثره منهزمين.
«١١٤٠» - وكان في الخوارج امرأة يقال لها أم حكيم، وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجها، وخطبها جماعة منهم فردتهم، وكانت في الحرب تحمل على الناس وتقول: [من الرجز]
أحمل رأسا قد سئمت حمله وقد مللت دهنه وغسله
ألا فتى يحمل عنّي ثقله
وهم يفدّونها بالآباء والأمهات.
«١١٤١» - وقال الحارث بن هشام يعتذر من الفرار. [من الكامل]
الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسي بأشقر مزبد
وعلمت أني إن أقاتل واحدا أقتل ولا يضرر عدوّي مشهدي
فصددت عنهم والأحبّة فيهم طمعا لهم بعقاب يوم مرصد
[ ٢ / ٤٤٧ ]
«١١٤٢» - وقال زفر بن الحارث وقد فرّ يوم مرج راهط عن أبيه وأخيه:
[من الطويل]
أيذهب يوم واحد إن اسأته بصالح أعمالي وحسن بلائيا
ولم ير منّي زلّة قبل هذه فراري وتركي صاحبيّ ورائيا
«١١٤٣» - وقال أزهر بن هلال التميمي: [من الطويل]
أعاتك ما ولّيت حتى تبددت رجالي وحتى لم أجد متقدّما
وحتى رأيت الورد يدمى لبانه وقد هزّه الأبطال فانتعل الدما
أعاتك أفناني السلاح ومن يطل مقارعة الأبطال يرجع مكلّما
«١١٤٤» - وأحسن ما قيل في الفرار قول قيس بن الخطيم: [من الطويل]
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا صدود الخدود وازورار المناكب
صدود الخدود والقنا متشاجر ولا تبرح الأقدام عند التضارب
«١١٤٥» - وقال مالك بن أبي كعب: [من الطويل]
أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا وأنجو إذا غمّ الجبان من الكرب
«١١٤٦» - وقال جرير يعيّر الأخطل إيقاع قيس ببني تغلب: [من الكامل]
[ ٢ / ٤٤٨ ]
حملت عليك حماة قيس خيلها شعثا عوابس تحمل الأبطالا
ما زلت تحسب كلّ شيء بعدهم خيلا تكرّ عليهم ورجالا
نظر المتنبي إلى المعنى فقال وأحال [١]: [من البسيط]
وضاقت الأرض حتى صار هاربهم إذا رأى غير شيء ظنّه رجلا
وغير شيء ليس بشيء فيرى [٢]، وهذا مما طعن به عليه.
وبيت جرير مأخوذ من قوله ﷿: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
[٣]- (المنافقون: ٤) .
«١١٤٧» - خرجت المغيرية [٤] على خالد القسري وهو يخطب على المنبر ولا يعلم بهم، فخرجوا في التبابين [٥] ينادون: لبّيك لبيك جعفر، وعرف خالد خبرهم وهو يخطب على المنبر، فدهش ولم يعقل ما يقول فزعا، فقال:
أطعموني ماء، ثم خرج الناس إليهم فأخذوا، فكان ضعفه على المنبر وجبنه حين خاف من أضعف خصم، ولما أمنهم وحصلوا في قبضته جعل يأخذ للرجل طنّ
_________________
(١) ح: وأجاد (وسقطت من م) .
(٢) م: وغير شيء لا يرى.
(٣) وبيت العدو: سقط من م.
(٤) الأغاني: الجعفرية.
(٥) غيرها محقق الأغاني تعسفا إلى البيانية ظنا منه أن المغيرية والبيانية أتباع بيان بن سمعان خرجوا معا، وكلتا الفرقتين من الغلاة، وتعرض لهما خالد القسري، ولكن لا مجال لتغيير النصّ هنا.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
قصب فيطلى بالنفظ ويقال له احتضنه، ويضرب حتى يفعل ذلك، ثم يحرق، فأحرقهم جميعا، فجمع القسوة وانخلاع القلب في حالتيه، وفي ذلك يقول الكميت [١] يمدح يوسف بن عمر: [من الطويل]
خرجت لهم تمشي البراح ولم تكن كمن حصنه فيه الرتاج المضبّب
وما خالد يستطعم الماء فاغرا بعدلك والداعي إلى الموت ينعب
«١١٤٨» - لما دخلت غزالة الحروريّة الكوفة على الحجاج ومعها شبيب تحصّن منها وأغلق قصره، فكتب إليه عمران بن حطان، وكان الحجاج قد لجّ في طلبه: [من الكامل]
أسد عليّ وفي الحروب نعامة ربداء تجفل من صفير الصافر
هلّا برزت إلى غزالة في الوغى بل كان قلبك مثل قلب الطائر [٢]
صدعت غزالة قلبه بفوارس تركت مدابره كأمس الدابر
«١١٤٩» - ويقال إن عباد بن زياد كان جبانا، فبينا هو ذات ليلة نائم في عسكره صاحت بنات [٣] آوى، فثارت الكلاب إليها، ونفر بعض الدواب،
_________________
(١) ع: الشاعر.
(٢) ح: ويروى: بل كان قلبك في جناحي طائر.
(٣) م: بنو.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
ففزع عباد وظنّ أنها كبسة من العدو، فركب فرسه ودهش فقال: افتحوا سيفي، فذلك قول ابن مفرغ يعيره: [من الوافر]
ويوم فتحت سيفك من بعيد أضعت وكلّ أمرك للضياع
إذا أودى معاوية بن حرب فبشّر شعب قعبك بانصداع
ألم تر إذ تحالف حلف حرب عليك عددت من سقط المتاع
وكدت تموت إذ صاح ابن آوى ومثلك مات من خوف السباع
«١١٥٠» - وجه المهلب كعب بن معدان الأشقريّ إلى الحجاج في وقت محاربته الخوارج، فقال له الحجاج: كيف كانت حالكم مع عدوكم؟ قال:
كنّا إذا لقيناهم بعفونا وجهدهم أيسنا منهم، وإذا لقيناهم بجهدهم وجهدنا طمعنا فيهم؛ قال: وكيف كان بنو المهلب؟ قال: حماة الحريم نهارا، وفرسان الليل تيقّظا [١] قال: فأين السماع من العيان؟ قال: السماع دون العيان، قال:
صفهم رجلا رجلا، قال: المغيرة فارسهم وسيدهم، نار ذاكية، وصعدة عالية، وكفى بيزيد فارسا شجاعا: ليث غاب وبحر جمّ [٢] العباب، وجوادهم قبيصة، ليث المغار وحامي الذمار، ولا يستحيي الشجاع أن يفرّ من مدرك، وكيف لا يفرّ من الموت الحاضر، ولا يستحيي الشجاع أن يفرّ من مدرك، ويكف لا يفرّ من الموت الحاضر، والأسد الخادر؟ وعبد الملك سمّ ناقع، وسيف قاطع، وحبيب الموت الذّعاف إنّما هو طود شامخ، وبحر باذخ، وأبو عيينة البطل الهمام، والسيف الحسام، وكفاك بالفضل نجدة: ليث هرّار وبحر موّار، ومحمد ليث غاب، وحسام ضراب. قال: فأيهم أفضل؟ قال: هم
_________________
(١) الأغاني: أيقاظا.
(٢) ح: ويحرهم (ويحر: سقطت من م) .
[ ٢ / ٤٥١ ]
كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفها [١]، قال: فكيف جماعة الناس؟ قال: على أحسن حال، أدركوا ما رجوا وأمنوا ما خافوا، أرضاهم العدل، وأغناهم النّفل [٢]، قال: فكيف رضاهم بالمهلب؟ قال: أحسن رضى، وكيف لا يكونون [٣] كذلك وهم لا يعدمون منه إشفاق [٤] الوالد ولا يعدم منهم برّ الأولاد؟
قال: فكيف فاتكم قطريّ؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه، فتحوّل عن منزله، قال: فهلّا اتبعتموه؟ قال: حال الليل بيننا وبينه، وكان التحرز إلى أن يقع العيان ويعلم امرؤ ما يصنع أحزم، وكان الجدّ عندنا آثر من النّفل [٥] .
«١١٥١» - قيل لعنترة: أأنت أشجع العرب وأشدّها؟ قال: لا، قيل له: فبم شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم اذا رأيت الإقدام عزما، وأحجم إذا رأيت الأحجام حزما، ولا أدخل موضعا لا أرى فيه مخرجا لي، وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع فأنثني عليه فأقتله.
«١١٥٢» - لقي تأبط شرا ذات يوم رجلا من ثقيف يقال له أبو وهب، وكان جبانا [٦] أهوج، وعليه حلّة جيّده، فقال أبو وهب لتأبط شرا: بم تغلب الرجال يا ثابت، وأنت كما أرى دميم ضئيل؟ قال: باسمي، إنما أقول ساعة ألقى الرجل: أنا تأبط شرا فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت، فقال له الثقفي: فهل لك أن تبيعني اسمك؟ قال: نعم، فبم تبتاعه؟ قال: بهذه
_________________
(١) الأغاني: طرفاها.
(٢) م: وأعياهم الثقل.
(٣) ح م ع: يكون.
(٤) الأغاني: رضا.
(٥) الأغاني: الحد الفلّ (وفي الأمالي: آثرنا الحد على الفل) .
(٦) الديوان: حسّانا.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
الحلّة وكنيتي، قال: افعل، ففعل، وقال له: لك اسمي ولي اسمك وأخذ حلّته وأعطاه طمريه ثم انصرف وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي: [من الطويل]
ألا هل أتى الحسناء أنّ حليلها تأبط شرا واكتنيت أبا وهب
فهبه تسمّى اسمي وسمّاني اسمه فأين له صبري على معظم الخطب
وأين له بأس كبأسي وسورتي وأين له في كلّ فادحة قلبي
«١١٥٣» - البحتري: [من الطويل]
وفرسان هيجاء تجيش صدورها بأحقادها حتى تضيق دروعها
تقتّل من وتر أعزّ نفوسها عليها بأيد ما تكاد تطيعها
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها
«١١٥٤» - مرّ خالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد بعروة بن الزبير، وكان بينهما تباعد [١]، فقال له: يا خالد أتدع ابن أثال وقد تفصّى [٢] أوصال عمّك [٣] بالشام وأنت بمكة مسبل إزارك تجرّه وتخطر فيه متخايلا؟! (وكان عبد الرحمن ابن خالد بن الوليد عند معاوية بالشام، فخافه معاوية على الأمر، فدسّ إليه ابن أثال الطبيب فسقاه شربة فمات منها)، فحمي خالد بن المهاجر ودعا مولى له يدعى نافعا فأعلمه الخبر، وقال له: لا بدّ من قتل ابن أثال، وكان نافع جلدا شهما، فخرجا حتى قدما دمشق، وكان ابن أثال يمسي [٤] عند معاوية،
_________________
(١) م: وقفة وتباعد.
(٢) الأغاني: وقد بين؛ م: وقدسا؛ ح: تقيا.
(٣) الأغاني: ابن عمك.
(٤) ح م: يتمشى، وأثبت ما في الأغاني.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
فجلس له في مسجد دمشق إلى أصطوانة، وجلس غلامه إلى أخرى حتى خرج، فقال خالد لنافع: إيّاك أن تعرض له أنت، ولكن احفظ ظهري واكفني من ورائي، فإن رابك شيء من خلفي يريدني فشأنك [١]، فلما حاذاه وثب إليه خالد فقتله [٢]، وثار إليه من كان معه فصاح بهم نافع فانفرجوا، ومضى خالد ونافع وتبعهما من كان معه، فلما غشاهما الليل [٣] حملا عليهم فتفرقوا حتى دخل خالد ونافع زقاقا ضيّقا ففاتا القوم، فبلغ معاوية الخبر، فقال: هذا خالد بن المهاجر، اقلبوا الزقاق، ففتش عليه فأتي به [٤] فقال: لا جزاك الله من زائر خيرا قتلت طبيبي، قال: قتلت المأمور وبقي الآمر، فقال: أم والله لو كان تشهّد مرّة واحدة لقتلتك به، وحبسه وضرب نافعا مائة سوط، وألزم بني مخزوم اثني عشر ألف درهم، أدخل بيت المال منها ستة آلاف وأخذ هو ستة آلاف، فلم يزل ذلك يجري دية المعاهد حتى جاء عمر بن عبد العزيز فأبطل الذي يأخذه السلطان لنفسه، وأثبت الذي يدخل بيت المال.
«١١٥٥» - روي أن امرأة عمران بن حطان قالت له: ألم تزعم أنك لا تكذب في شعرك؟ قال: بلى، قالت: أفرأيت قولك: [الكامل المجزوء]
وكذاك مجزأة بن ثو ر كان أشجع من أسامه
أيكون رجل أشجع من أسامة؟ قال: نعم، إن مجزأة بن ثور فتح مدينة
_________________
(١) الأغاني: فان رابك شيء تراه من خلفي فشأنك.
(٢) ح م: فقتلاه.
(٣) الأغاني: فلما غشوهما؛ م: فلما غشياهما.
(٤) م: فجيء به.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
كذا وكذا، والأسد لا يقدر على فتح مدينة.
«١١٥٦» - روي أن أبا محجن عبد الله بن حبيب الثقفي كان في من خرج مع سعد بن أبي وقّاص لحرب الفرس، وكان سعد يؤتى به شاربا فيتهدّده فيقول له: لست تاركها إلّا لله، فأمّا لقولك فلا، فأتي به يوم القادسية وقد شرب الخمر فأمر به إلى القيد، وكانت بسعد خراجة فلم يخرج إلى الناس يومئذ، واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة، فلما اشتدّ القتال تلك الليلة صعد أبو محجن إلى سعد يستعفيه ويستقيله فزبره ورده، وأتى سلمى بنت أبي حفصة فقال لها: يا ابنة أبي حفصة هل لك إلى خير [١]؟ قالت: وما ذاك؟
قال: تحلّين عني وتعيرينني البلقاء، فلّله [٢]- علي- إن سلمني الله- أن أرجع إلى حضرتك [٣]- حتى تضعي [٤] رجلي في قيدي، فقالت: وما أنا وذاك؟ فرجع يرسف في قيوده ويقول: [من الطويل]
كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا وأترك مشدودا عليّ وثاقيا
إذا قمت عنّاني الحديد وأغلقت مصاريع من دوني تصمّ المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وإخوة فقد تركوني واحدا لا أخا ليا
وقد شفّ جسمي أنني كلّ شارق أعالج كبلا مصمتا قد برانيا
فلله درّي يوم أترك موثقا وتذهل عنّي أسرتي ورجاليا
حبيسا عن الحرب العوان وقد بدت وإعمال غيري يوم ذاك العواليا
فلله عهد لا أخيس بعهده لئن فرجت ألّا أزور الحوانيا
_________________
(١) م: في خير.
(٢) فلله: سقطت من ع م.
(٣) م: أرجع إليك.
(٤) م: ثم تعيدي.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
فقالت له سلمى: إني قد استخرت الله تعالى ورضيت بعهدك، فأطلقته ورجعت إلى بيتها، فخالفها أبو محجن إلى الفرس فأخذها وأخرجها من باب القصر الذي يلي الخندق، فركبها ثم دبّ عليها حتى إذا كان بحيال الميمنة، وأضاء النهار وتصافّ الناس كبّر ثم حمل على الميسرة يلعب برمحه وسلاحه [١] بين الصفّين، ثم رجع من خلف المسلمين إلى القلب فبدر أمام الناس فحمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه، وكان يقصف الناس ليلتئذ قصفا منكرا، فعجب الناس منه [٢] وهم لا يعرفونه، ولم يروه بالأمس، فقال بعض القوم: هذا من أوائل أصحاب هاشم بن عتبة أو هشام [٣]، وقال قوم: إن كان الخضر شهد الحرب فهو صاحب البلقاء، وقال آخرون: لولا أن الملائكة لا تباشر القتال ظاهرا لقلنا هذا ملك بيننا، وجعل سعد يقول، وهو مشرف ينظر إليه: الطعن طعن أبي محجن، والضبر ضبر البلقاء، لولا محبس أبي محجن لقلت: هذا أبو محجن، وهذه البلقاء، فلم يزل يقاتل حتى انتصف الليل وتحاجز أهل العسكرين، وأقبل أبو محجن حتى دخل القصر ووضع عن نفسه وعن دابته، وأعاد رجليه في قيده وأنشأ يقول: [من الوافر]
لقد علمت ثقيف غير فخر بأنا نحن أكرمهم سيوفا
وأكثرهم دروعا سابغات وأصبرهم إذا كرهوا الوقوفا
وأنا رفدهم في كلّ يوم وان جحدوا فسل بهم عريفا
وليلة فارس [٤] لم يشعروا بي ولم أكره لمخرجي الزّحوفا
فإن أحبس فقد عرفوا بلائي وان أطلق أجرّعهم حتوفا
فقالت له سلمى: يا أبا محجن في أيّ شيء حبسك هذا الرجل؟ فقال:
_________________
(١) وسلاحه: سقطت من م.
(٢) م: منه الناس.
(٣) ع: هاشم (وسقطت من م) .
(٤) الأغاني: قادس.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
أما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته، ولكني كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدبّ الشعر على لساني فينفثه أحيانا، فحبسني لأني قلت: [من الطويل]
إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة يروّي مشاشي بعد موتي عروقها
ولا تدفنّني بالفلاة فانني إذا رحت مدفونا فلست أذوقها [١]
قال: وكانت سلمى قد رأت من المسلمين جولة، وسعد بن أبي وقاص في القصر لعلة كانت به لم يقدر معها على حضور الحرب، وكانت قبله عند المثنّى بن حارثة الشيبانيّ فلما قتل خلف عليها سعد، فلما رأت شدة البأس صاحت: وامثّنياه ولا مثنّى لي اليوم، فلطمها سعد، فقالت: أفّ لك أجبنا وغيرة؟ وكانت مغاضبة لسعد عشية ارماث وليلة الهرير وليلة السواد، حتى إذا أصبحت أتته وصالحته وأخبرته خبر أبي محجن، فدعا به وأطلقه وقال: اذهب فلست مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، فقال: لا جرم والله لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدا، وذلك قول أبي محجن: [من البسيط]
إن كانت الخمر قد عزّت وقد منعت وحال من دونها الإسلام والحرج
فقد أباكرها صرفا وأشربها ريا وامزج أحيانا فامتزج
ولما انصرف أبو محجن إلى محبسه [٢] رأته امرأته منصرفا فعيرته بفراره، فقالت له [٣]: [من الكامل]
من فارس كره الطّعان يعيرني رمحا إذا نزلوا بمرج الصّفّر
فقال لها أبو محجن: [من الكامل]
إن الكرام على الجياد مبيتها فدعي الرماح لأهلها وتعطّري
_________________
(١) م: أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها.
(٢) ح: حبسه.
(٣) ع م: فقال لها أبو محجن، ثم أورد البيتين، وهذا غير دقيق، انظر الأغاني.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
«١١٥٧» - وذكر المفضل [١] أن الناس لما التقوا مع العجم يوم قسّ الناطف [٢] كان مع الأعاجم فيل يكرّ عليهم، فلا تقوم له الخيل، فقال أبو عبيد ابن مسعود الثقفي: هل له مقتل؟ فقيل له: نعم خرطومه، إلا أنه لا يفلت منه من ضربه، فقال: أنا أهب نفسي لله، وكمن له حتى أقبل فوثب إليه فضرب خرطومه، ثم استدار فطحن الأعاجم وانهزموا.
«١١٥٨» - لما قال بكر بن النطاح الحنفي قصيدته التي يقول فيها: [من الطويل]
هنيئا لأخواني ببغداد عيدهم وعيدي بحلوان قراع الكتائب
أنشدها أبا دلف العجلي فقال له: إنك لتكثر وصف نفسك بالشجاعة، وما رأيت لذلك عندك أثرا قط ولا فيك، فقال له: أيها الأمير وأيّ غناء يكون عند الرجل الحاسر الأعزل؟ فقال: اعطوه سيفا وفرسا ودرعا ورمحا، فأعطوه ذلك أجمع، فأخذه وركب الفرس، وخرج على وجهه، فلقيه مال لأبي دلف يحمل من بعض ضياعه فأخذه، وخرج جماعة من غلمانه ومانعوه، فجرحهم جميعا وقطعهم فانهزموا، وسار بالمال فلم ينزل إلا على عشرين فرسخا، فلما اتصل خبره بأبي دلف قال: نحن جنينا على أنفسنا، وقد كنا أغنياء عن إهاجة أبي [٣] وائل، ثم كتب إليه بالأمان وسوّغه المال، وكتب إليه: صر إلينا فلا ذنب لك، نحن كنا سبب فعلك بتحريكنا إياك وتحريضنا، فرجع ولم يزل معه يمتدحه حتى مات.
«١١٥٩» - قال أبو الحسين الرواية، قال لي المأمون: أنشدني أشجع
_________________
(١) م: الفضل.
(٢) م: لما التقوا يوم القادسية.
(٣) ح م ع: بني.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
بيت وأعفه وأكرمه من شعر المحدثين، فأنشدته: [من الطويل]
ومن يفتقر منّا يعش بحسامه ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
وإنا لنلهو بالسيوف كما لهت عروس بعقد أو سخاب قرنفل
فقال لي: ويلك من يقول هذا؟ فقلت: بكر بن النطاح، فقال:
أحسن والله، ولكنه كذب في قوله، فما باله يسأل أبا دلف ويمدحه وينتجعه؟
هلّا أكل خبزه بسيفه كما قال؟! «١١٦٠» - قال العتبي: كتب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى الحجاج مبتدئا: أما بعد فان مثلي ومثلك كما قال القائل: [من البسيط]
سائل مجاور جرم هل جنيت لهم حربا تزايل بين الجيرة الخلط
أم هل دلفت بجرّار له لجب يغشى الأماعز بين السهل والفرط
(والشعر لوعلة الجرميّ، وثالث البيتين:
حتى تركت نساء الحيّ ضاحية [١] في ساحة الدار يستوقدن بالغبط)
هذا مثلي ومثلك، سأحملك على أصعبه، وأريحك من مركبه، فكتب الحجاج بذلك إلى عبد الملك، فكتب إليه جوابه: أما بعد فاني قد أجبت عدوّ الرحمن ب «لا حول ولا قوة إلا بالله» ولعمر الله لقد صدق وخلع سلطان الله بيمينه وطاعته بشماله، وخرج من الدين عريان كما ولدته أمه؛ وعلى أن مثلي ومثله ما قال الشاعر: [من الطويل]
ألم تعلموا أني تخاف عرامتي وأنّ قناتي لا تذلّ على القسر
_________________
(١) م: صائحة.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
وإني وإياكم كمن نبّه القطا ولو لم ينبّه باتت الطير لا تسري
أناة وحلما وانتظارا بهم غدا فما أنا بالواني ولا الضّرع الغمر
أظنّ صروف الدهر والجهل منكم ستحملكم منّي على مركب وعر
«١١٦١» - قطري بن الفجاءة: [من البسيط]
يا ربّ ظل عقاب قد وقيت بها مهري من الشمس والأبطال تجتلد
وربّ يوم حمى أرعيت عقوته خيلي اقتسارا وأطراف القنا قصد
ويوم لهو لأهل الخفض ظلّ به لهوي اصطلاء الوغى وناره تقد
مشهرا موقفي والحرب كاشفة عنها القناع وبحر الموت يطّرد
وربّ هاجرة تغلي مراجلها نحرتها بمطايا غارة تخد
تجتاب أودية الأفراع آمنة كأنها أسد يقتادها أسد
فإن أمت حتف أنفي لا أمت كمدا على الطعان وقصر العاجز الكمد
ولم أقل لم أساق الموت شاربه في كأسه والمنايا شرّع ورد
«١١٦٢» - وقال أبو سعيد السكري: بلغني أن أبا دلف لحق أكرادا قطعوا في عمله، وقد أردف فارس منهم رفيقا له خلفه فطعنهما جميعا فأنفذهما، فتحدّث الناس أنه أنفذ بطعنة واحدة فارسين، فلما قدم من وجهه دخل إليه بكر بن النطاح فأنشده: [من الكامل]
قالوا وينظم فارسين بطعنة يوم اللقاء ولا يراه جليلا
لا تعجبوا لو أنّ طول قناته ميل إذن نظم الفوارس ميلا
[ ٢ / ٤٦٠ ]
«١١٦٣» لما غدر أصحاب مصعب به يوم مسكن، وقتل إبراهيم بن الأشتر، بقي مصعب وابنه عيسى في نفر قليل، فدعا محمد بن مروان عيسى بن مصعب، فقال له أبوه: انظر ما يريد محمد، فدنا منه فقال له: إني لكم ناصح، إنّ القوم خاذلوكم ولك الأمان، فأبى قبول ذلك، وناشده فرجع إلى أبيه فأخبره، فقال له: إني أظنّ أنّ القوم سيفون فإن أحببت أن تأتيهم فأتهم، فقال: والله لا يتحدث نساء قريش أني خذلتك، ورغبت بنفسي عنك، قال: فتقدم حتى أحتسبك، فتقدم وتقدّم ناس معه فقتل وقتلوا، وترك أهل العراق مصعبا حتى بقي في سبعة، وجاء رجل من أهل الشام ليحتزّ رأس عيسى فشدّ عليه مصعب فقتله، وشدّ على الناس فانفرجوا، ثم رجع فقعد على مرفقة ديباج، ثم جعل يقوم عنها ويحمل على أهل الشام فيفرجون له، ثم رجع فقعد على المرفقة، ففعل ذلك مرارا، ودعاه عبيد الله بن زياد ابن ظبيان، إلى المبارزة فقال أغرب يا كلب، وشدّ عليه مصعب فضربه على البيضة فهشمها وجرحه، فرجع عبيد الله فعصب رأسه، وجاء ابن أبي فروة كاتب مصعب فقال له: جعلت فداك، قد تركك الناس، وعندي خيل مضمّرة فاركبها وانج بنفسك، فدفع في صدره وقال: ليس أخوك بالعبد، ورجع ابن ظبيان فحمل عليه هو وروق بن [١] زائدة بن قدامة، ونادى يا لثارات المختار، فقتله وحمل رأسه إلى عبد الملك، فلما وضعه بين يديه سجد، قال ابن ظبيان: فهممت والله أن أقتله حين سجد، فأكون أفتك العرب، قتلت ملكين في يوم واحد، ثم وجدت نفسي تنازعني إلى الحياة فأمسكت.
«١١٦٤» - وقال عبد الملك يوما لجلسائه: من أشجع الناس؟ فاكثروا
_________________
(١) م: هو وابن.
[ ٢ / ٤٦١ ]
في هذا المعنى، فقال: أشجع الناس مصعب بن الزبير، جمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين وأمة الحميد بنت عبد الله بن عاصم، وولي العراقين، وزحف إلى الحرب فبذل له الأمان والحباء والولاية والعفو عما خلص في يده، فأبى قبول ذلك واطّرح كلّ ما كان مشغولا به من ماله وأهله وراء ظهره، وأقبل بسيفه يقاتل قدما، وما بقي معه إلا سبعة، حتى قتل كريما.
«١١٦٥» - وكان مصعب لما قدم الكوفة يسأل عن الحسين بن عليّ ﵉ وعن قتله، فجعل عروة بن المغيرة يحدثه عن ذلك، فقال متمثلا بقول سليمان بن قتة: [من الطويل]
إن الأولى بالطفّ من آل هاشم تأسّوا فسنّوا للكرام التأسيا
قال عروة: فعلمنا أن مصعبا لا يفرّ أبدا.
«١١٦٦» - وقال خلاد بن فروة [١] السدوسي: لما كان يوم السبخة حين عسكر الحجاج بازاء شبيب الشاري، قال له الناس: لو تنحيت أيها الأمير عن هذه السبخة فقال لهم: ما تنحّوني إليه والله أنتن، فهل ترك مصعب لكريم مفرّا؟ ثم تمثل بقول الكلحبة: [من الطويل]
إذا المرء لم يغش الكريهة أوشكت حبال الهوينا بالفتى أن تقطّعا
«١١٦٧» - حدث شيخ من أهل مكة قال: لما أتى عبد الله بن الزبير قتل
_________________
(١) الأغاني: قرة.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
مصعب أضرب عن ذكره أياما حتى تحدّثت به إماء مكة في الطريق، ثم صعد المنبر فجلس عليه مليا لا يتكلم، فنظرت إليه والكآبة على وجهه وجبينه يرشح عرقا، فقلت لآخر إلى جنبي: ماله لا يتكلم؟ أتراه يهاب المنطق؟ فو الله إنه لخطيب فما تراه يهاب؟ قال: أراه يريد أن يذكر قتل مصعب سيد العرب، فهو يفظع [١] بذلك، وغير ملوم هو. فقال: الحمد لله الذي له الخلق والأمر، مالك الدنيا والآخرة، يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، إلا أنه والله لا يذلّ من كان الحقّ معه وان كان مفردا ضعيفا، ولا يعزّ من كان الباطل معه وإن كان في العدد والكثرة. ثم قال: إنه أتانا الخبر من العراق بلد الغدر والشقاق، فساءنا وسرّنا، أتانا أنّ مصعبا قتل، رحمة الله عليه ومغفرته، فأما الذي حزننا [٢] من ذلك فان لفراق الحميم لذعة [٣] يجدها حميمه عند المصيبة، ثم يرعوي من بعد ذوو الرأي والدين إلى جميل الصبر، وأما الذي سرّنا منه فانا قد علمنا أنّ قتله شهادة، وأنّ الله ﷿ جاعل لنا وله خيرة في ذلك، إن شاء الله. إنّ أهل العراق أسلموه وباعوه بأقلّ ثمن كانوا يأخذونه منه وأخسره، أسلموه إسلام الجمل المخطم فقتل [٤]، ولئن قتل فلقد قتل أبوه وعمه وأخوه وكانوا الخيار [٥] الصالحين، إنّا والله ما نموت حتف أنوفنا، ما نموت إلا قتلا قصعا قصعا بين قصد الرماح وتحت ظلال السيوف، ليس كما تموت بنو مروان، والله ما قتل رجل منهم في جاهلية ولا إسلام. وإنما الدنيا عارية من الملك القهار الذي لا يزول سلطانه ولا ملكه [٦]، فإن تقبل الدنيا عليّ لا آخذها أخذ البطر
_________________
(١) ح: ينطق؛ م: منقطع.
(٢) م ح: أحزننا.
(٣) م: لوعة.
(٤) فقتل: سقطت من م.
(٥) م: الأخيار.
(٦) م: ولا يبيد ملكه.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
الأشر، وإن تدبر عنّي لا أبكي عليها بكاء الخرف المهتر [١]؛ ثم نزل.
١١٦»
- قال المفضل الضبي: خرجت مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن فلما صار [٢] بالمربد وقف على دار [٣] سليمان بن عليّ، فأخرج له صبيّان من ولده فضمهما إليه وقال: هؤلاء والله منّا ونحن منهم، إلّا أن آباءهما فعلوا بنا وصنعوا، وذكر كلاما يعتدّ عليهم فيه بالإساءة، ثم توجه لوجهه وتمثل:
[من المنسرح]
مهلا بني عمنا ظلامتنا إنّ بنا سورة من القلق
لمثلكم تحمل السيوف ولا تغمز أحسابنا من الرفق
إني لأنمي إذا انتميت إلى عزّ عزيز ومعشر صدق
بيض سباط كأنّ أعينهم تكحل يوم الهياج بالزرق
فقلت: ما أفحل هذه الأبيات، فلمن هي؟ قال: لضرار بن الخطاب، قالها في يوم جزع [٤] الخندق في اجتماع المشركين على رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله، وتمثّل بها عليّ ﵇ يوم صفين، والحسين بن علي ﵉ يوم قتل، وزيد بن علي، ولحق القوم ثم مضى [٥] إلى باخمرى، فلما قرب منها أتاه نعي أخيه محمد فتمثل: [من الكامل]
نبّئت أنّ بني ربيعة أجمعوا أمرا خلا لهم ليقتل خالدا
إن تقتلوني لا تصب أرماحكم ثأري ويسعى القوم سعيا جاهدا
_________________
(١) م: الهرم.
(٢) م: صرنا.
(٣) الأغاني: رأس.
(٤) جزع: سقطت من الأغاني.
(٥) ثم مضى: سقطت من م.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
أرمي الطريق وإن صددت لضيعة وأنازل البطل الكميّ الحاردا
فقلت: لمن هذه الأبيات؟ فقال للأحوص بن جعفر بن كلاب تمثّل بها يوم شعب جبلة، وهو اليوم الذي لقيت فيه قيس تميما. قال: وأقبلت عساكر أبي جعفر فقتل من أصحابه وقتل من القوم حتى كاد الظفر يكون له، قال المفضل، فقال لي: حرّكني بشيء، فأنشدته هذه الأبيات: [من الطويل]
ألا أيها الناهي فزارة بعد ما أجدّت [١] أسيرا إنما أنت حالم
أبى كلّ حرّ أن يبيت بوتره ويمنع منه النوم إذا أنت نائم
أقول لفتيان العشيّ تروّحوا على الجرد في أفواههنّ الشكائم
قفوا وقفة من يحي لا يخز بعدها ومن يخترم لا تتّبعه اللوائم
وهل أنت إن باعدت نفسك منهم لتسلم فيما بعد ذلك سالم
فقال لي: أعد، فتنبهت فقلت: أو غير ذلك؟ فقال: لا أعدها فأعدتها فتمطّى في ركابيه حتى خلته قد قطعهما، فطعن رجلا وطعنه آخر فقلت: أتباشر الحرب بنفسك والعسكر منوط بك؟ فقال إليك يا أخا بني ضبة، كأن عويفا أخا بني فزارة كان ينظر إلينا في يومنا هذا حين يقول:
[من المتقارب]
ألمّت خناس وإلمامها أحاديث نفس وأسقامها
يمانية من بني مالك تطاول في المجد أعمامها
وإنّ لنا أصل جرثومة تردّ الحوادث أيامها
تردّ الكتيبة مفلولة بها أفنها وبها ذامها
قال: وجاءه السهم العاثر فشغله عني.
«١١٦٩» - قال عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لمعاوية: إني لأعجب
_________________
(١) ع ح م: أخذت؛ الأغاني: أجدت بسير.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
لك، تتقدم حتى أقول: أشجع الناس، وتتأخر حتى أقول: أجبن الناس، فقال له: إنني أتقدّم ما كان التقدم حزما، وأتأخر ما كان التأخر حزما كما قيل: [من الطويل]
شجاع إذا ما أمكنتني فرصة فإن لم تكن لي فرصة فجبان
«١١٧٠» - محمد بن عبد الملك بن صالح بن علي الهاشمي: [من الكامل]
وكتيبة كالليل بل هي أظلم فيها شعار بني النزال تقدموا
تذر الاكام صفاصفا مسلوكة والبحر رنقا ماؤه يتقسّم
ولها يمين لا تشلّ بنانها ولها شمال صوب درّتها الدم
وكأن بين يمينها وشمالها نارا بأرواح الكماة تضرّم
نهنهت أولاها بضرب صادق هبر كما عطّ الرداء المعلم
وعليّ سابغة الذيول كأنها سلخ كسانيه الشجاع الأرقم
«١١٧١» - كان أبو موسى الأشعريّ محاصرا تستر، فخرج رجل من العجم فدعا إلى البراز، فخرج إليه شيخ مسن من باهلة يدعى حليل [١] بن أوس على فرس عجفاء، فقال أبو موسى: ممن الرجل؟ قال: من باهلة، فقال ارجع يا أخا باهلة فإنك بال على بال، وأحجم الناس عن الرجل فدعا ثانية فخرج الباهليّ فردّه أبو موسى، فأبى أن يرجع ومضى، فقال أبو موسى:
اللهم إنه في حلّ، وتطاعنا فقتله الباهليّ وأقبل يجرّ رمحه ويقول: [من الوافر]
رآني الأشعريّ فقال بال على بال ولم يعلم بلائي
ومثلك قد عرضت الرمح فيه فبان بدائه وشفيت دائي
_________________
(١) ح: هليل؛ م: هلال.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
إذا اجتمع العشائر واستكفّوا فجامعني إلى ظلّ اللواء
فقال أبو موسى: إني لم أرد بأسا يا أخا باهلة، فقال الباهلي: وأخو باهلة لم يرد بأسا يا أخا الأشعريين. فبلغ الخبر عمر بن الخطاب ﵁، وكان لا يخفى عنه ما يجري بين الناس، فكتب إلى أبي موسى يلومه ويأمره أن يعرف لأهل البلاء بلاءهم وينزلهم منازلهم.
«١١٧٢» - كان مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان بن عفان حين شخص إلى خراسان وكان له منه رزق واسع، فبينا هم في بعض الطريق افتقدوا صاحب إبل سعيد والذي يحلب لهم نوقه واحتاجوا إلى اللبن، فقال مالك لبعض غلمان سعيد: أدن مني الفلانة- ناقة كانت لسعيد غزيرة- فأدناها منه فاحتلبها، فإذا أحسن الناس حلبا وأغزره درة، فانطلق الغلام فاخبر بذلك سعيدا فقال سعيد لمالك: هل لك أن تقيم في إبلي وأجزل لك الرزق إلى ما أرزقك، وأضع عنك الغزو؟ فقال مالك: [من الطويل]
وإني لأستحيي الفوارس أن أرى بأرض العدى بوّ المخاض الروائم
وإني لأستحيي إذا الحرب شمّرت أن أرخي دون الحرب ثوب المسالم
(وبعدها أبيات تتضمن العزم ذكرت مع أمثالها في مكان آخر من هذا الباب) .
«١١٧٣» - قيس بن الخطيم: [من الطويل]
ومنّا الذي آلى ثلاثين ليلة عن الخمر حتى زاركم في الكتائب
_________________
(١) هو أبو قيس بن الأسلت.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
فلما هبطنا الحرث [١] قال أميرنا حرام علينا الخمر ما لم نضارب
فسامحه منّا رجال أعزّة فما برحوا حتى أحلّت لشارب
ويوم بعاث ألحقتنا سيوفنا إلى حسب في جذم غسّان ثاقب
يعرّين بيضا حين نلقى عدوّنا ويغمدن حمرا ناحلات المضارب
أطاعت بنو عوف أميرا نهاهم عن السلم حتى كان أول واجب [٢]
ترى قصد المرّان تلقى كأنها تذرّع خرصان بأيدي الشواطب [٣]
وأضربهم [٤] يوم الحديقة حاسرا كأنّ يدي بالسيف مخراق لاعب
«١١٧٤» - وفد ابن أبي محجن على معاوية فقام خطيبا فأحسن، فحسده، فأراد أن يكسره فقال: أأنت الذي أوصاك أبوك بقوله: [من الطويل]
إذا متّ فادفنّي إلى أصل كرمة تروّي عظامي بعد موتي [٥] عروقها
ولا تدفننّي بالفلاة فانني أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
فقال: بل أنا الذي يقول أبي: [من البسيط]
لا تسأل [٦] الناس ما مالي وكثرته وسائل [٧] الناس ما جودي وما خلقي
أعطي الحسام [٨] غداة الروع حصّته وعامل الرمح أرويه من العلق
_________________
(١) الحرث: اسم موضع.
(٢) واجب: ميت.
(٣) القصد: الكسر، المران: الرماح: التذرع: قدر ذراع، الشواطب: اللواتي يشققن السعف.
(٤) الديوان: أجالدهم.
(٥) م: في الممات.
(٦) الأغاني: تسألي وسائلي.
(٧) الأغاني: تسألي وسائلي.
(٨) الأغاني: السنان.
[ ٢ / ٤٦٨ ]
ويعلم الناس [١] أني من سراتهم إذا سما بصر الرعديدة الفرق
وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض واكتم [٢] السرّ فيه ضربة العنق
«١١٧٥» - عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي المغربي: [من الطويل]
وملمومة قد لثّم النقع وجهها وأثقلها حمل الوشيج المقوّم
تثاقل في طود من الخيل أرعن وتسبح في بحر من البيض مفعم
رداح كما مادت رداح خريدة عروس المنايا زينها نقط الدم
«١١٧٦» - محمد بن إبراهيم التميمي الكموني المغربي: [من الطويل]
فتى الخيل يكسوها الغبار غلائلا إذا صممّمت [٣] فيه وهنّ عوابس
طوال عليهنّ الطوال رماحهم عتاق عليهنّ العتاق الأبالس
«١١٧٧» - عبد الله بن محمد الأزدي المعروف بالعطّار المغربي: [من الكامل]
ويبيت [٤] ملتحف العجاج كأنّه قبس يضيء سناه تحت دخان
١١٧٨- أبو عبد الله القزاز المغربي: [من الخفيف]
وإذا شمرت بنو الحرب عن سا ق ونادى الأبطال بالأبطال
_________________
(١) الأغاني: والقوم أعلم.
(٢) الأغاني: وأحفظ.
(٣) المسالك: ضبحت.
(٤) المسالك: يا بنت.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
وتدانى خطو الجواد لقرب ال طعن حتى كأنه في شكال
كان فيه ثبت الجنان بعيد النف س في ضنكة من الأوجال
يتلقّى حدّ الحديد بوجه مشرق تحت برقع من جمال
«١١٧٩» - القاضي ابن الربيب المغربي: [من الطويل]
يفلّ الخميس المجر مصلت رأيه إذا رأي ثبت القوم فال وأحجما
إذا اشتجرت فيها الأسنّة خاضها إلى الموت حتى يترك الموت أتحما [١]
ويروى أعصما [٢]
ومهما انبرت أقلامه برت الطّلى وردّ بها ظفر الخطوب مقلّما
«١١٨٠» - قال عمر بن عبد العزيز لابن أبي مليكة: صف لنا عبد الله ابن الزبير، فإنه ترمرم على أصحابنا فتغشمروا عليه [٣]، فقال: والله ما رأيت جلدا قطّ ركّب على لحم، ولا لحما على عصب، ولا عصبا على عظم، مثل جلده ولحمه وعظمه، ولا رأيت نفسا بين جنبين مثل نفس ركّبت بين جنبيه، ولقد قام يوما إلى الصلاة فمرّ حجر من حجارة المنجنيق بين لحييه وصدره، فو الله ما خشع لها بصره، ولا قطع لها قراءته، ولا ركع دون الركوع الذي كان
_________________
(١) م ح: أعصما.
(٢) ويروى أعصما: سقط من ح م.
(٣) ترمرم: نطق؛ تغشمر: ظلم.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
يركع؛ إن ابن الزبير كان إذا دخل في الصلاة خرج من كلّ شيء إليها، ولقد كان يركع ويسجد كأنه ثوب مطروح.
«١١٨١» - أجارت أمّ هانىء بنت أبي طالب الحارث بن هشام يوم الفتح، فدخل عليها عليّ ﵇ فأخذ السيف ليقتله، فوثبت فقبضت على يده، فلم يقدر أن يرفع قدميه من الأرض، وجعل يتفلت منها ولا يقدر، فدخل رسول الله ﷺ فنظر إليها فتبسّم وقال: قد أجرنا من أجرت، ولا تغضبي عليا فإن الله يغضب لغضبه، وقال: يا علي أغلبتك امرأة؟ فقال: يا رسول الله ما قدرت أن أرفع قدمي من الأرض، فضحك النبي ﵇ وقال: لو أنّ أبا طالب ولد الناس لكانوا شجعانا.
«١١٨٢» - لما قتل المأمون ابن عائشة قال: [من الطويل]
أنا النار في أحجارها مستكنّة متى ما يهجها قادح تتضرّم
«١١٨٣» - رأى حكيم مدينة حصينة بسور محكم فقال: هذا موضع النساء لا موضع الرجال.
«١١٨٤» - وقال المنذر بن ماء السماء: حصون العرب الخيل والسلاح؛ وقال الشاعر: [من الطويل]
أرى الناس يبنون الحصون وإنّما بقيّة آجال الرجال حصونها
[ ٢ / ٤٧١ ]
«١١٨٥» - وقال سعد بن قرط العبقسي [١]: [من الطويل]
ولما رأيت الموت لا ستر دونه يحوم على هامات بكر بن وائل
عطفت عليهم مهرة أعوجيّة وناديت عبد القيس دون القبائل
فجاءوا كأسد الغاب في مرجحنّة لها ذمرات بالقنا والمناصل
ففرّجت عن بكر وكانت بحالة مخنقة للقوم ذات غوائل
لأني وبكرا من ربيعة في الذرى إذا خصل الأقوام أهل الفضائل
١١٨٦- وقال السنديّ: [من الطويل]
ويوم كيوم البعث ما فيه حاكم ولا عاصم إلّا قنا ودروع
حبست به نفسي على موقف الردى حفاظا وأطراف الرماح شروع
ولن يستوي عند الملمّات إن عرت صبور على مكروهها وجزوع
«١١٨٧» - قال سيف بن ذي يزن لأنوشروان حين أعانه بوهرز الديلمي ومن معه: أيها الملك أين تقع ثلاثة آلاف من خمسين ألفا، فقال: يا عربي، كثير الحطب يكفيه قليل النار.
١١٨٨- داود بن رزين الواسطي في الرشيد: [من الكامل]
أكّال أفئدة الرجال كأنما نضح الدماء بساعديه عبير
يمشي العرضنة في الحروب كأنه أسد لهيبته القلوب تطير
«١١٨٩» - صمصامة عمرو بن معدي كرب أشهر سيوف العرب، وممن
_________________
(١) م: الفقعسي.
[ ٢ / ٤٧٢ ]
تمثل به نهشل بن حرى، وأهداه عمرو لخالد بن سعيد بن العاص عامل رسول الله ﷺ على اليمن وقال: [من الوافر]
خليلي لم أخنه ولم يخنّي إذا ما صاب أوساط العظام
خليلي لم أهبه من قلاه ولكنّ المواهب للكرام
حبوت به كريما من قريش فسرّ به وصين عن اللئام
وودّعت الصفي [صفيّ] نفسي [١] على الصمصام أضعاف السلام
فلم يزل في آل سعيد [٢] حتى اشتراه خالد بن عبد الله القسري بمال خطير لهشام وكان قد كتب إليه، فلم يزل عند بني مروان، ثم طلبه السفاح والمنصور والمهدي فلم يجدوه، وجدّ في طلبه الهادي حتى ظفر به وأعطاه لأبي الهول الحميري الشاعر، وقد وصفه هو وغيره من الشعراء وقال فيه: [من الطويل]
حسام غداة الرّوع ماض كأنه من الله في قبض النفوس رسول
وكان على الصمصامة كتوبا: [من الكامل]
ذكر على ذكر يصول بصارم ذكر يمان في يمين يمان
وروي أنه وقع إلى المتوكل فدفعه إلى باغر التركي فقتله به يوم قتل.
«١١٩٠» - وأشهر منه ذو الفقار كان لمنبّه بن الحجاج فصار صفي
_________________
(١) م: وودعت الصبا نفسي كريما.
(٢) ع: السعيد.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، ولم يزل في بني عليّ ﵇ يتوارثونه حتى وقع إلى بني العبّاس. قال الأصمعي: رأيت هارون متقلدا سيفا، فقال لي: يا أصمعيّ ألا أريك ذا الفقار؟ اسلل سيفي هذا، فسللته فرأيت فيه ثماني عشرة فقرة. قال المبرد في كتاب «الاشتقاق»: كانت فيه حزوز مطمئنة [١] شبّهت بفقار الظهر.
وسيوف العرب المسماة كثيرة، ولم أجد فائدة في ذكرها فألغيته، وسترد صفة السيوف والسلاح فيما بعد حيث يليق بها، وهو يغني عن الإشارة إليه ها هنا.
«١١٩١» - ابن الرومي. [من السريع]
لم أر شيئا حاضرا نفعه للمرء كالدرهم والسيف
يقضي له الدرهم حاجاته والسيف يحميه من الحيف
١١٩٢- خوّف عليّ ﵇ من الغيلة فقال: إن عليّ من الله جنّة حصينة، فإذا جاء يومي انفرجت عني، فحينئذ لا يطيش السّهم ولا يبرأ الكلم.
«١١٩٣» - قال الاسكندر في الحرب: احتل للشمس والريح بأن تكونا لك ولا تكونا عليك؛ حبّب إلى عدوّك الفرار بأن لا تتبعهم إذا انهزموا.
«١١٩٤» - قال بعض العرب: ما لقينا كتيبة فيها عليّ بن أبي طالب إلا أوصى بعض إلى بعض.
_________________
(١) م: مطمسة.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
«١١٩٥» - إبراهيم بن عبد الله بن الحسن في محمد أخيه حين قتل:
[من الطويل]
سأبكيك بالبيض الرقاق وبالقنا فإنّ بها ما يدرك الطالب الوترا
وإنا لقوم ما تفض دموعنا على هالك منّا ولو قصم الظهرا
ولست كمن يبكي أخاه بعبرة يعصّرها من جفن مقلته عصرا
ولكنني أشفي فؤادي بغارة تلهّب في قطري كنائنها الجمرا
«١١٩٦» - أمّ الحباب بنت غالب الكلابيّة: [من الطويل]
إذا فزعوا طاروا إلى كلّ شطبة تكاد إذا صلّ اللجام تطير
وزغف مثنّاة دلاص كأنها إذا أشرجت فوق الكميّ غدير
«١١٩٧» - لم يشهد أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك بدرا، فلم يزل متحسرا يقول: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غيّبت عنه، إن أراني الله مشهدا آخر ليرينّ ما أصنع؛ فلما كان يوم أحد قال: واها لريح الجنة أجدها دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية، قالت أخته الربيع بنت النضر: فما عرفته إلّا ببنانه.
«١١٩٨» - لما خرج عبد الله بن رواحة إلى مؤتة قيل له: نسأل الله أن يردّك سالما، فقال: [من البسيط]
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تنضح الزّبدا
[ ٢ / ٤٧٥ ]
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقولوا إذا مرّوا على جدثي أرشدك الله من غاز وقد رشدا
١١٩٩- في وصف جبان: يحسب خفوق الريح قعقعة الرماح؛ فرّ فرار الليل من وضح النهار.
«١٢٠٠» - قيل لأبي مسلم صاحب الدعوة: في بعض الكتب النازلة من قتل بالسيف فبالسيف يموت. فقال: الموت بالسيف أحبّ إليّ من اختلاف الأطبّاء، والنظر في الماء، ومقاساة الداء والدواء؛ فذكر ذلك للمنصور فقال: صادف منيّته كما أحبّ.
«١٢٠١» - قيل لمحمد بن الحنفية: كيف كان علي ﵇ يقحمك في المآزق ويولجك في المضايق دون الحسن والحسين؟ فقال: لأنهما كانا عينيه وكنت يديه، فكان يقي عينيه بيديه.
«١٢٠٢» - قال ابن شبرمة، قلت لأبي مسلم حين أمر بمحاربة عبد الله ابن علي: أيها الأمير إنك تريد عظيما من الأمور، فقال: يا ابن شبرمة، إنك بحديث تغلق معانيه، وشعر توضح قوافيه، أعلم منك بالحرب، إن هذه دولة قد اطّردت أعلامها، [وامتدت أيامها] وخفقت ألويتها، واتّسعت أفنيتها، فليس لمناويها والطامع فيها يد تنيله شيئا من قوة الوثوب عليها، فإذا تولت مدّتها قدح الوزغ بذنبه فيها.
١٢٠٣- كان شبيب بن شبّة المنقري أحد الخطباء المصاقع، فأمره
[ ٢ / ٤٧٦ ]
المهدي بقتل رجل من أسارى الروم فأبى، فقال أبو الهول الحميري: [من الطويل]
فزعت من الروميّ وهو مقيّد فكيف إذا لاقيته وهو مطلق
فنحّ شبيبا عن قراع كتيبة وأدن شبيبا من كلام يلزّق
فلم يخطب بعد هذا البيت خطبة إلا وفيها اضطراب.
«١٢٠٤» - كان عبد الله بن خازم من الشجاعة بالمكان المشهور، وكان يفرق من الجرذ إذا رآه، ويقال: إن هذه جبلّة موجودة في قوم من الشجعان، فبينا هو عند عبيد الله بن زياد إذا هو بجرذ أبيض دخلوا به للتعجب، فتجمع ابن حازم حتى عاد كأنه فرخ، واصفرّ كأنه جرادة، فقال عبيد الله بن زياد: أبو صالح يعصي الرحمن، ويتهاون بالسلطان، ويقبض على الثعبان، ويمشي إلى الأسد، ويلقى الرماح بوجهه، وقد اعتراه من جرذ ما ترون، أشهد أنّ الله على كلّ شيء قدير.
«١٢٠٥» - مزرّد: [من الطويل]
فقد علمت فتيان ذبيان أنني أنا الفارس الحامي الذمار المقاتل
وأني أردّ الكبش والكبش جامح وأرجع رمحي وهو ريّان ناهل
«١٢٠٦» - جعفر بن علبة: [من الطويل]
أرادوا ليثنوني فقلت تجنبوا طريقي فما لي حاجة من ورائيا
[ ٢ / ٤٧٧ ]
«١٢٠٧» - وقد أكثر المتنبي من [١] ذكر الشجاعة والحماسة، فأضفت ما اخترته من ذلك بعضه إلى بعض: [من الطويل]
أحقّهم بالسيف من ضرب الطّلّى وبالأمر من هانت لديه الشدائد
وكلّ يرى طرق الشجاعة والندى ولكنّ طبع النفس للنفس قائد
نهبت من الأعمار ما لو حويته لهنّئت الدنيا بأنّك خالد
تبكّي عليهنّ البطاريق في الدجى وهنّ لدينا ملقيات كواسد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها مصائب قوم عند قوم فوائد
(٢) وله أيضا: [من الوافر]
كأنّ الهام في الهيجا عيون وقد طبعت سيوفك من رقاد
وقد صغت الأسنّة من هموم فما يخطرن إلا في فؤاد
(٣) وله أيضا: [من البسيط]
وفارس الخيل من خفّت فوقّرها في الدّرب والدم في أعطافها دفع
وأوحدته وما في قلبه قلق وأغضبته وما في لفظه قذع
لا يعتقي بلد مسراه عن بلد كالموت ليس له ريّ ولا شبع
حتى أقام على أرباض خرشنة تشقى به الروم والصّلبان والبيع
للسبي ما نكحوا والقتل ما ولدوا والنهب ما جمعوا والنار ما زرعوا
تهدي نواظرها والحرب مظلمة من الأسنّة نار والقنا شمع
لا تحسبوا من قتلتم [٢] كان ذا رمق فليس تأكل إلا الميت الضبع
_________________
(١) ح: في.
(٢) الديوان: أسرتم.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
من كان فوق محلّ الشمس موضعه فليس يرفعه شيء ولا يضع
وما حمدتك في هول ثبتّ له حتى بلوتك والأبطال تمتصع
فقد يظنّ شجاعا من به خرق وقد يظنّ جبانا من به زمع
إن السلاح جميع الناس يحمله وليس كلّ ذوات المخلب السبع
(٤) [١]: وله أيضا: [من الطويل]
وذي لجب لا ذو الجناح أمامه بناج ولا الوحش المثار بسالم
تمرّ عليه الشمس وهي ضعيفة تطالعه من بين ريش القشاعم
ويخفى عليك الرعد والبرق دونه من الرعد [٢] في حافاته والهماهم
أرى دون ما بين الفرات وبرقة ضرابا يمشّي الخيل فوق الجماجم
وطعن غطاريف كأن اكفّهم عرفن الردينيّات قبل المعاصم
(٥) [٣] وقال: [من الخفيف]
ولو أنّ الحياة تبقى لحيّ لعددنا أضلّنا الشجعانا
وإذا لم يكن من الموت بدّ فمن العجز أن تكون جبانا
كلّ ما لم يكن من الصعب في الأن فس سهل فيها إذا هو كانا