١ يشتمل هذا الجزء (الذي جعلته ثانيا) من التذكرة الحمدونية على أربعة أبواب، وإنما راعيت في هذه التجزئة أمر الحجم وحده بحيث يجيء هذا الجزء مقاربا للأول في عدد صفحاته، فأما التجزئة في النسخ الخطية فإنها متفاوتة ولا تعتمد قاعدة موحدة.
وقد تضمنت الأبواب الأربعة الموضوعات الآتية على التوالي:
١- الشرف والرياسة والسيادة (الفقرة ١- ٣٧٠) .
٢- محاسن الأخلاق ومساوئها (الفقرة ٣٧١- ٦٦٤) .
٣- الجود والبخل (الفقرة ٦٦٥- ١٠٠٦) .
٤- الشجاعة والجبن (الفقرة ١٠٠٧- ١٢٣٤) .
ومن الواضح ان هذه القسمة تغليبيّة، إذ ان هذه الموضوعات الأخلاقية متداخلة في ما بينها في حالات كثيرة، ومن ثم يتعذّر الفصل الدقيق بين موضوع وآخر منها، ولو تأملنا الباب الرابع مثلا وهو في محاسن الأخلاق ومساوئها لوجدناه يشمل- كما لاحظ المؤلف نفسه- الصدق والوفاء والجود والبأس والصبر والقناعة والتواضع وأضدادها من المساوى، وإذن فإن عقد باب عام لهذا الموضوع يعدّ تزيّدا غير ضروري، ما دام المؤلف يعرف انه سيعقد أبوابا مستقلة لتلك الموضوعات فيتحدث عن الجود والبخل في الباب الخامس،
[ ٢ / ٥ ]
والشجاعة والجبن في الباب السادس، والوفاء والغدر في الباب السابع، وهكذا.
وبسبب المسحة الأخلاقية العامة التي تسيطر على جميع موضوعات هذا الجزء، نجد ان تلك الموضوعات تسمح بإيراد استشهادات شعرية كثيرة تكاد توازي الجانب النثري في الكتاب؛ وهذا ما يميّز هذا الجزء عن سابقه تمييزا بعيدا، لذلك يعدّ هذا الجزء نقلة واضحة من جوّ دينيّ سياسيّ تختلط فيه التوجهات والقيم على نحو قد يتضمن مفارقة حادة بين التوجه للآخرة وسياسة الدنيا، إلى جوّ نابض بحيوية ما اختاره العرب من مثل عليا في جاهليتهم، وحافظوا عليه في الإسلام، فهذه النماذج الكبيرة للجوانب الإيجابية من المروءة:
من جود وصبر وشجاعة وحلم وعلوّ همة ومحافظة على الجوار وتهمّم بما يكفل السؤدد والسيادة تجيء في هذا الجزء منتزعة- في الغالب- من السلوك العملي الدنيوي، دون نظر إلى ثواب أخروي، وتجيء الجوانب السلبية المعاكسة لها نوعا من السخرية بمن يعجز عن بلوغ تلك النماذج العليا؛ وقد حاول المؤلف أن يرسم نوعا من السيادة عن طريق الدين، ولكنه كان يدرك أنه لو أسرف في هذه الناحية لعاد يدرج في الأبواب الجديدة مادة كالتي نثرها في الجزء الأول.
ولعلّ ابن حمدون لم يتعمّد أن يكون أكثر الحكايات عن مكارم الأخلاق من حلم وسؤدد وشجاعة متصلة بالعنصر العربي حتى عصره، ولم يتعمد كذلك أن تكون نسبة كبيرة منها إنما يمثلها رجال عاشوا في العصر الأموي، إذ لعلّ طبيعة الفصول هي المسؤولة عن ذلك، مثلما ان طبيعة المصادر التي يستمد منها مادته تشاركها هذه المسؤولية.
ثم إن تلك الموضوعات نفسها تطلبت من المؤلف أن يرجع إلى مصادر لم يكن لها دور واضح في الجزء السابق، وهنا تبرز أهمية كتاب الأغاني والكامل للمبرد وحماسة أبي تمام وحماسة البحتري والوزراء والكتّاب للجهشياري والفرج بعد الشدة للتنوخي والبخلاء للجاحظ ودواوين الشعراء: كديوان المتنبّي والرضي وابن هاني الأندلسي والببغا والسريّ الرفاء. وهذا لم يقطع الصلة بالمؤلفات المشهورة في الأدب: فظل دور البيان والتبيين وعيون الأخبار والعقد
[ ٢ / ٦ ]
والبصائر ونثر الدر ومحاضرات الراغب متميّزا، بل لعلّ «العقد» من بينها قد اكتسب أهمية خاصة. وبالمقارنة تبيّن مدى دين ربيع الأبرار ونهاية الأرب والمستطرف للتذكرة الحمدونية في ما أوردته من نصوص. إلى جانب ذلك تضاءل الدور الذي احتلته مصادر كانت محورا هامّا في الجزء الأول مثل حلية الأولياء، ونهج البلاغة، وكليلة ودمنة، والأدب الكبير لابن المقفع.
ومما يلفت النظر ان ابن حمدون تعرّف على بعض شعراء أفريقية، وهم في الأغلب ممّن ضمهم كتاب الأنموذج لابن رشيق، غير أن صورة الأندلس لا وجود لها، ومثل هذا الاحتجاب للدور الأندلسي- في القرن السادس الهجري- يعدّ مستغربا.
وفي هذا الجزء تزحزح ابن حمدون قيد فتر عن مجال الاعتماد الكلي على النقل إلى شيء من تسجيل تجاربه الذاتية، فهو يعرف الشيخ الزاهد أبا عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي ويروي عنه (الفقرة ١٦٧)، ويحدثنا عن بعض رجالات عصره حديث العارف بهم المتتبع لأخبارهم مثل وزير الموصل الملقب بالجواد ويوسف بن أحمد الحرزي ومجاهد الدين قايماز صاحب إربل؛ وهو لسبب يصعب الكشف عنه أو الاهتداء إليه شديد التحامل على زنكي بن آق سنقر، من بين معاصريه، وينسب إليه أعمالا منكرة، تجعل منه جبّارا عتيّا، وينسى دوره في جهاد الصليبيين، ونشر العدل والأمن في ربوع بلاده.
ولعلّ من الإنصاف أن نقول إن ابن حمدون ناقل تعجبه الحكاية ويهمّه منها مدى انطباقها على موضوع الباب، وانه لا يحكمه في نقله ميل أو هوى- مذهبي أو سياسيّ- وان كتابه سيظلّ «أدبيّا» في المنزع العامّ، يرجح فيه جانب العبرة أو التسلية على موثوقية الخبر؛ ومن المغالاة أن نتطلب منه شيئا أبعد من ذلك.
(٢) وقد اعتمدت في تحقيق هذا الجزء على النسخ الآتية:
[ ٢ / ٧ ]
١- نسخة مكتبة عمومية رقم: ٥٣٦٣ (ورمزها: ع) ورقمها المتسلسل في معهد المخطوطات التابع للجامعة العربية (١٢٠) حسبما جاء في فهرس المخطوطات المصورة (ص: ٤٣٥) وهي تشتمل على الأبواب ١- ١٤ وقد تمّ وصفها في الجزء الأول (انظر ص: ١٥) .
٢- نسخة رئيس الكتاب رقم: ٧٦٧ (ورمزها: ر) وتشمل الأبواب:
الثالث والرابع والخامس من هذا الجزء، وتعدّ من أقدم النسخ من حيث تاريخها، إذ تم نسخها سنة ٦٤٦، وعلى الورقة الأولى منها انها تمثل «الجزء الثاني من كتاب التذكرة» وتقع في ١٦٣ ورقة، وعدد السطور في كل صفحة من صفحاتها ١٧ سطرا، ومعدل الكلمات في كل سطر ١٢ كلمة، وفي السطور فجوات بعضها يفيد أن الناسخ يعني بداية فقرة جديدة، وبعضها محض بياض دون أي حذف؛ وهي على وجه العموم حسنة الضبط قليلة الخطأ.
٣- نسخة أحمد الثالث رقم: ٢٩٤٨ (ورمزها: ح) وتحمل الرقم:
١٢٢ في مصورات معهد المخطوطات (ص: ٤٣٦) وتقع في ١٧٥ ورقة، وتبدأ بالباب السادس وتنتهي بالباب الرابع عشر، وخطها نسخي جميل، وفي الصفحة الواحدة منها ١٧ سطرا، ومعدل الكلمات في السطر الواحد ١٢ كلمة، وقد اقتصرت الإفادة منها في هذا الجزء على تحقيق الباب السادس وحده، وسيكون دورها أهم في تحقيق الجزء الثالث.
٤- نسخة المتحف البريطاني رقم: ٣١٧٩: وتقع في قسمين يضم الأول منهما الأبواب ١- ٣١ ويضم الثاني الأبواب ٣٢- ٤٧ وينقصها حتى تشمل كل التذكرة الأبواب الثلاثة الأخيرة، والقسم الأول منها يجيء في ٤٥٢ ورقة والثاني في ٢٧٢ ورقة، وهي مكتوبة بخط نسخي أقرب إلى الدقة، ولهذا تتسع الصفحة منها لثلاثة وثلاثين سطرا في كل سطر ما معدله ١٥ كلمة. وأقدم تملك عليها مؤرّخ بالعام ١٠٠٤ وهو عام انتساخها أيضا، ومع انها حديثة نسبيّا فإنها هامة لضبط الترتيب وإبراز بعض الفروق المهمة، وقد انفردت- في هذا الجزء- بفقرة طويلة لم ترد في سائر النسخ وهي الفقرة ٩٣٤ ب التي يتحدث فيها المؤلف
[ ٢ / ٨ ]
بإعجاب عن معاصره مجاهد الدين قايماز صاحب مدينة إربل.
وقد اتبعت في تحقيق هذا الجزء الخطة التي سرت عليها في تحقيق الجزء الأول، فقمت بإثبات الفروق بين النسخ (وهي نسبيّا غير كثيرة) وتتبعت النصوص المنقولة في أماكنها الأصلية، وأثبت أحيانا بعض الفروق الضرورية لدى مقارنة التذكرة بالمصادر التي ثبت لديّ اعتماد المؤلف- دون ريب- عليها. ومما تجدر ملاحظته في هذا الجزء ان المواد التي سقطت من هذه المخطوطة أو تلك أقلّ بكثير من المواد التي كانت تخلّ بها إحدى المخطوطات في الجزء الأول، وان الاضطراب في ترتيب النصوص قليل كذلك.
ولقد كان المرجو أن يظهر هذا الجزء في وقت قريب من ظهور الأول، ولكن الأحداث الأليمة والكوارث المريرة التي تعرضت لها بيروت، قد عطّلت هذا العمل كثيرا تارة على مستوى التحقيق وتارة على مستوى الإخراج الطباعي، وإني لأرجو أن تكون الأجزاء اللاحقة أسرع تتابعا، دون إهدار لمستوى الضبط والإتقان.
٣ ويقتضيني واجب الإقرار بالفضل توجيه الشكر إلى عدد من الأصدقاء، وفي مقدمتهم الدكتورة وداد القاضي التي أذنت لي بالاطلاع على نسختها المحققة تحقيقا جديدا دقيقا لكتابي البصائر (بأجزائه التسعة) والأجوبة المسكتة، فالأرقام التي أعتمدها عند الإحالة على هذين الكتابين إنما تمثل الأرقام التي أثبتتها المحققة لفقرات الكتابين المذكورين اللذين سيظهران وشيكا.
وما يزال أخي الدكتور رضوان السيد مدير معهد الإنماء العربي ببيروت بالوكالة، صاحب الفضل الكبير في رعاية هذا الكتاب والحرص على إخراجه فله وللمعهد أجزل الشكر وأصدقه.
أما صديقي العلّامة زهير الشاويش فإنه- حفظه الله- قدّم إليّ من بين هداياه المتواترة من مطبوعات المكتب الإسلامي، صحيح الجامع الصغير
[ ٢ / ٩ ]
وضعيف الجامع الصغير (مرتبين مرقمين بعناية المحدث الكبير الشيخ محمد ناصر الألباني) وأشار عليّ باعتمادهما في تخريج الأحاديث، في ما يلي من أجزاء التذكرة، ففعلت ما أشار به شاكرا له فضله العميم ومقدّرا نصحه الكريم.
وللصديق الدكتور طريف الخالدي أتمّ التقدير لاهتمامه بالكتاب وبشخص محققه. لقد لامني محقّا من أجل جملة وردت في مقدّمة الجزء الأول (ص:
١٩) إذ وجدها تتنافي- حسب قوله- والخلق والمنهج العلميين اللذين حرصت عليهما دائما. فأنا أرجو أن يقبل اعتذاري عن هفوة جرّتني إليها تهجمات ظالمة.
وأخيرا لا آخرا أشكر اثنين من طلابي أسهما بالعون المشكور في إخراج هذا الكتاب وهما: الآنسة ناهد جعفر والسيد جمال خطاب، أسأل الله لهما التوفيق والرعاية، وأدعوه جلّ وعلا أن يسدّد الخطى وأن يلهم الصواب.
بيروت في تموز (يوليه) ١٩٨٤ إحسان عباس.
[ ٢ / ١٠ ]