«٣٤٦» - كان عقيل بن علّفة من الغيرة والأنفة على ما ليس عليه [١] أحد، فخطب إليه عبد الملك بن مروان ابنته على أحد بنيه، وكانت لعقيل إليه حاجات، فقال له: إما إذ كنت فاعلا فجنبني هجناءك.
وخطب إليه ابنته إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة، وهو خال هشام بن عبد الملك ووالي المدينة، وكان أبيض شديد البياض، فردّه عقيل وقال: [من الوافر]
رددت صحيفة القرشيّ لما أبت أعراقه إلّا احمرارا
٣٤٧- قدّم أعرابيّ رجلا إلى القاضي واستعدى عليه، وتقدم شاهدان فقالا: نشهد أنه قد ظلم الأعرابيّ، فقال الأعرابيّ: كذبا ما ظلمني ولكنّه لوى حقي، (كأنه أنف أن يكون مظلوما) .
«٣٤٨» - ومثل هذا أن أعرابيا من بني سليم قيل له: أيما أحبّ إليك:
أن تلقى الله ظالما أو مظلوما؟ فقال: بل ظالما، قالوا: سبحان الله أتحبّ الظلم؟ قال: فما عندي إذا أتيته مظلوما يقول لي: خلقتك مثل البعير
_________________
(١) م: مثله.
[ ٢ / ١٥٨ ]
الصّمحمح ثم أتيتني تعصر عينيك وتشتكي؟! «٣٤٩» - قيل لأعرابي اشتدّ به الوجع: لو تبت؟ فقال: لست ممن يعطي على الضيم، إن عوفيت تبت.
«٣٥٠» - قال أعرابيّ لرفيقه: أترى هذه الأعاجم تنكح نساءنا في الجنة؟ قال له: نعم أرى ذلك بأعمالهم الصالحة، فقال: توطأ إذن والله رقابنا قبل ذلك.
«٣٥١» - نزل عطّار يهوديّ بعض أحياء العرب ومات، فأتوا شيخا لهم لم يكن يقطع في الحيّ أمر دونه، فأعلموه خبر اليهودي، فجاء فغسله وكفّنه وتقدّم وأقام الناس خلفه وقال: اللهمّ إن هذا اليهوديّ جار وله ذمام، فأمهلنا حتى نقضي ذمامه، فإذا صار في لحده فشأنك والعلج.
«٣٥٢» - كان خالد بن صفوان أحد من إذا عرض له القول قال، فيقال إن سليمان بن عليّ سأله عن ابنيه جعفر ومحمد، فقال له: كيف إحمادك جوارهما يا أبا صفوان؟ فقال: [من الطويل]
أبو مالك جار لها وابن برثن فيا لك جاري ذلّة وصغار
والشعر ليزيد بن مفرغ الحميري، فأعرض عنه سليمان، وكان سليمان من أجمل الناس وأكرمهم، وهو في الوقت الذي أعرض فيه عنه والي البصرة وعمّ الخليفة المنصور.
[ ٢ / ١٥٩ ]
«٣٥٣» - خرج زياد الأعجم إلى المهلب ومدحه وهو بخراسان [١]، فأمر له بجائزة، وأقام عنده أياما، قال: فإنه لعشية يشرب مع حبيب بن المهلب في دار فيها دلبة وفيها حمامة، فسجعت الحمامة فقال زياد: [من الوافر]
تغنّي أنت في ذممي وعهدي وذمة والدي ألّا تضاري
وبيتك أصلحيه ولا تخافي على صفر مزغّبة صغار
فإنك كلّما غنيت صوتا ذكرت أحبتي وذكرت داري
فاما يقتلوك طلبت ثأرا له نبأ لأنك في جواري
فقال حبيب: يا غلام هلمّ القوس، فأتي به، فنزع لها بسهم فقتلها، فوثب زياد فدخل على المهلب، فحدّثه الحديث وأنشده الشعر، فقال المهلب: عليّ بأبي بسطام فأتي بحبيب، فقال: أعط أبا أمامة دية جاره ألف دينار، فقال: أطال الله بقاء الأمير إنما كنت ألعب، فقال أعطه كما آمرك، فأعطاه، فأنشأ زياد يقول: [من الطويل]
فلله [٢] عينا من رأى كقضيّة قضى لي بها قرم العراق المهلّب
قضى ألف دينار لجار أجرته من الطير حضّان على السقب ينعب
رماها حبيب بن المهلب رمية فأثبتها بالسهم والشمس تغرب
فألزمه عقل القتيل ابن حرّة وقال حبيب إنما كنت ألعب
فقال زياد لا يروّع جاره وجارة جاري مثل جاري وأقرب [٣]
قال: فإنه لبعد هذا يشرب مع حبيب، وفي قلب حبيب عليه الألف،
_________________
(١) م: وهو بخراسان ومدحه.
(٢) م: ولله.
(٣) في الأصول: بل من الجار اقرب.
[ ٢ / ١٦٠ ]
إذ عربد عليه فشق قباء ديباج عليه فقام وقال: [من الطويل]
لعمرك ما الديباج خرّقت وحده ولكنّما خرّقت جلد المهلب
فبعث المهلب إلى حبيب فأحضره وقال: صدق زياد ما خرّقت إلا جلدي، تبعث عليّ هذا [١] يهجوني؟! ثم أحضره وتسلّل سخيمته وأمر له بمال وصرفه.
«٣٥٤» - قيل لأعرابيّ ما يمنعك أن تمنع جارتك فإنه يتحدّث إليها فتيان الحيّ، قال: وهي طائعة أو كارهة؟ قالوا: طائعة، قال: إنما أمنع جاري مما يكره.
«٣٥٥» - قدم الحكم بن عبدل الأسديّ على ابن هبيرة واسطا، فأقبل حتى وقف بين يديه ثم قال: [من الطويل]
اتيتك في أمر من آمر عشيرتي وأعيا الأمور المفظعات جسيمها
فإن قلت لي في حاجة أنا فاعل فقد ثلجت نفسي وولّت همومها
فقال ابن هبيرة: أنا فاعل إن اقتصدت، فما حاجتك؟ قال: غرم لزمنا في حمالة، قال: وكم هي؟ قال: أربعة آلاف، قال: نحن مناصفكوها، قال: أصلح الله الأمير، أتخاف عليّ التخمة إن أتممتها؟ قال: أكره أن أعوّد الناس هذه العادة، قال: فأعطني جميعها سرّا وامنعني جميعها ظاهرا حتى تعوّد الناس المنع، وإلا فالضرر عليك واقع إن عوّدتهم نصف ما يطلبون، فضحك ابن هبيرة وقال: ما عندنا غير ما بذلنا لك، فجثا بين يديه وقال:
_________________
(١) م: هذا عليّ.
[ ٢ / ١٦١ ]
امرأته طالق لا أخذت أقلّ من أربعة آلاف أو أنصرف وأنا غضبان، قال:
أعطوه إياها قبّحه الله فإنه ما علمت حلّاف مهين، فأخذها وانصرف.
«٣٥٦» - قال الأصمعي: دخلت خضراء [روح] فإذا أنا برجل من ولده على فاحشة يؤتى، فقلت: قبحك الله، هذا موضع كان أبوك يضرب فيه الأعناق ويعطي فيه اللهى، وأنت تفعل فيه ما أرى؟! فالتفت إليّ من غير أن يزول عنها وقال: (الشعر لمعن بن أوس المزني) [١] [من الوافر]
ورثنا المجد عن آباء صدق أسأنا في ديارهم الصنيعا
إذا الحسب الرفيع تواكلته بناة السوء أوشك أن يضيعا
٣٥٧- حضر يوما بشر بن هارون وجماعة من الكتاب في دار أبي محمد المهلبي الوزير، وكان المهلبيّ بحيث يراهم ويسمع كلامهم، وهم لا يشاهدونه، فأنشأ أحدهم يقول: [من المتقارب]
سبال الوزير سبال كبير
فقال الآخر:
وعقل الوزير فعقل صغير
فقال بشر بن هارون:
زيادة هذا بنقصان ذا كما طال ليل النهار القصير
فخرج إليهم المهلبيّ وشاتمهم وجلس معهم ومازحهم وأجاز كل واحد
_________________
(١) الشعر المزني: جاء في م بعد البيتين.
[ ٢ / ١٦٢ ]
منهم.
«٣٥٨» - نظر أبو الحارث جمين [١] إلى برذون يستقى عليه الماء فقال:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه
لو هملج هذا البرذون لم يجعل للرواية، والشعر لمعاوية بن فروة المنقري، وأوله: [من الطويل]
وإن خفت من أمر هوانا فولّه سواك وعن دار الأذى فتحوّل
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
«٣٥٩» - ومن الحمية المنكرة ما فعله عبد العزيز بن أبي دلف: كان له جارية يرى الدنيا بعينها فضرب عنقها وقال: خفت أن أموت من حبها فتنام هي بعدي تحت غيري.
٣٦٠- وقد ذكر أن عضد الدولة قتل جارية أحبّها لأنها ألهته عن النظر في أمور المملكة، وهذا من السياسة المذمومة.
«٣٦١» - عيّر شريف النسب سقراط بسقوط نسبه، فقال: نسبي عار عليّ، وأنت عار على نسبك.
«٣٦٢» - وقال عبد الملك لروح بن زنباع: أيّ رجل أنت لولا أنك
_________________
(١) حمير أو جميز (حيثما ورد في النسخ) وصوبته اعتمادا على ضبط المحدثين لاسمه.
[ ٢ / ١٦٣ ]
ممّن أنت منه!! قال يا أمير المؤمنين، ما يسرني أنني ممن أنت منه، قال:
كيف؟ قال: لأني لو كنت ممن أنت منه لغمرتني أنت ونظراؤك، وأنا اليوم قد سدت قومي غير مدافع، فأعجب بقوله.
٣٦٣- شاعر يذم صامتا لغير حلم ولا سيادة:
يا صنما في الصمت لا في الحسن
«٣٦٤» - ولابن حجاج [١] في معناه: [من السريع]
يا صنما يعبده شعري بلا ثواب وبلا أجر
انطق تنفّس قبل أن يحسبوا أنك من جصّ وآجرّ
«٣٦٥» - قال أعرابيّ: إذا لم يكن لك في الخير اسم فارفع لك في الشر علما.
«٣٦٦» - قال رجل لسيد: إن سوّدك القوم لجهلهم فسيد الجاهلين غير شريف، وإن سودوك للفقر إليك فأنت كما قال القائل: [من الكامل]
خلت البلاد فسدت غير مسوّد ومن العناء تفردي بالسؤدد
«٣٦٧» - شتم مجنون رجلا فقال: أتشتمني وأنا سيد قومي؟ فقال:
_________________
(١) ر: الحجاج.
[ ٢ / ١٦٤ ]
[من الطويل]
وإنّ بقوم سودوك لفاقة إلى سيّد لو يظفرون بسيّد
٣٦٨- نادرة في رياسة العلم: قال حماد بن سلمة: مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاته لا شعير فيها.
«٣٦٩» - قال حفص بن غياث [١]: خرج إلينا الأعمش يوما فقال لنا:
تدرون ما قالت الأذن؟ قلنا: وما قالت؟ قال: قالت لولا أني أخاف أن أقمع بالجواب لطلت كما طال اللسان (قال حفص: فكم من كلمة غاظني صاحبها منعني جوابها قول الأعمش) .
«٣٧٠» - قال الجاحظ: مررت بحجّام يحجم حجاما أيام قتل المخلوع وهو يقول: سقط والله المأمون من عيني مذ قتل أخاه، فقلت له: هلك والله المأمون إذ سقط من عين مثلك؛ فرفع الخبر إلى المأمون فوجّه إليه بدرة وقال:
إن رأيت أن ترضى عني فعلت، قال: قد فعلت.
تمّ الباب الثالث بحمد الله ومنّه يتلوه الباب الرابع في مكارم الأخلاق ومساوئها.
_________________
(١) م: عباد.
[ ٢ / ١٦٥ ]