«١٩» - ومن وفاء العرب ما فعله هانىء بن مسعود الشيبانيّ حتى جرّ ذلك يوم ذي قار. وكان من خبره أنّ النعمان بن المنذر حيث خاف كسرى وعلم أنه لا ملجأ له منه رأى أن يضع يده في يده، فأودع ماله وأهله وحلقته في بكر بن وائل عند هانىء بن مسعود، فلما أتى كسرى حبسه بساباط المدائن ثم قتله. ثم إنّ كسرى أرسل إلى هانىء بن مسعود يطالبه بوديعة النعمان، فقال له: إنّ النعمان كان عاملي فابعث إليّ بوديعته ولا تكلّفني أن أبعث إليك بالجنود تقتل المقاتلة وتسبي الذرية. فبعث إليه هانىء: إنّ الذي بلغك باطل، وما عندي قليل ولا كثير، وإن يكن الأمر كما قيل فأنا أحد رجلين: إمّا رجل استودع أمانة فهو حقيق أن يردّها على من استودعه إيّاها، ولن يسلم الحرّ أمانته، أو رجل مكذوب عليه فليس ينبغي للملك أن يأخذه بقيل عدوّ وحاسد؛ فبعث كسرى إليهم
[ ٣ / ١٥ ]
الجيوش: عقد للنعمان بن زرعة التغلبيّ على تغلب والنمر، وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وإياد، وعقد لإياس بن قبيصة الطائي على جميع العرب ومعه كتيبتاه الشهباء والدّوسر، فكانت العرب ثلاثة آلاف، وعقد للهامرز على ألف من الأساورة، وعقد لخنابزين على ألف، وبعث معهم باللّطيمة، وهي عير كانت تخرج من العراق فيها البزّ والعطر والألطاف توصل إلى باذام عامله على اليمن. وعهد إليهم كسرى إذا شارفوا بلاد بكر بن وائل أن يبعثوا إليهم النعمان بن زرعة، فإن اتقوكم بالحلقة ومائة غلام منهم يكونون رهنا بما أحدث سفهاؤكم فاقبلوا منهم وإلا قاتلوهم. وكان كسرى قبل ذلك قد أوقع بيني تميم يوم الصّفقة، فالعرب منه خائفة وجلة. فلما بلغ هانىء بن مسعود الخبر جاء حتى نزل بذي قار، وجاءهم النعمان بن زرعة، وكانت جدّته عجليّة، فحمد الله وأثنى عليه وقال: إنكم أخوالي وأحد طرفيّ، وإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد أتاكم ما لا قبل لكم به من أحرار فارس وفرسان العرب، والكتيبتان: الشّهباء والدوسر، وإنّ في الشرّ خيارا، ولأن يفتدي بعضكم بعضا خير من أن تصطلموا، فانظروا هذه الحلقة فادفعوها، وادفعوا رهنا من أبنائكم. فقال له القوم: ننظر في أمرنا، ونبعث إلى من يلينا من بكر بن وائل. وبرزوا ببطحاء ذي قار بين الجلهتين. (قال الأثرم: جلهة الوادي ما استقبلك منه واتسع، وقال ابن الأعرابيّ: جلهة الوادي مقدّمه مثل جلهة الرأس إذا ذهب شعره، يقال رأس أجله) . ثم انتظروا أصحابهم، كلّما جاء سيّد انتظروا الآخر حتى جاء ثعلبة بن حنظلة بن سيّار العجليّ فقالوا له: يا أبا معدان، قد طال انتظارنا، وقد كرهنا أن نقطع أمرا دونك، وهذا ابن أختك النعمان بن زرعة قد جاءنا، والرائد لا يكذب أهله، قال: فما الذي أجمع عليه رأيكم واتفق عليه ملؤكم؟ قالوا: قلنا إنّ في الشرّ خيارا، ولأن يفتدي بعضنا بعضا خير من أن نصطلم جميعا. فقال حنظلة: قبّح الله هذا رأيا، ثم نزل ونزل الناس. ثم قال لهانىء بن مسعود: يا أبا أمامة، إنّ ذمّتكم ذمّتنا عامّة، وإنه لن يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا، فأخرج
[ ٣ / ١٦ ]
هذه الحلقة ففرّقها بين قومك، فإن تظفر فستردّ عليك، وإن تهلك فأيسر مفقود. فأمر بها فأخرجت ففرّقها بينهم، ثم قال حنظلة للنعمان: لولا أنك رسول لما أبت إلى قومك سالما، فرجع النعمان، وبات الفريقان يتأهبون للحرب. وأمر حنظلة بالظّعن جميعا فوقفها خلف الناس ثم قال: يا معشر بكر ابن وائل قاتلوا عن ظعنكم أو دعوا؛ وانصرفت بنو قيس بن ثعلبة فلم يشهدوها.
وقال لهم ربيعة بن عراك السكونيّ ثم التجيبي، وكان نازلا في بني شيبان: أما إني لو كنت منكم لأشرت عليكم برأي مثل عروة العكم، فقالوا: فأنت والله من أوسطنا فأشر علينا، فقال: لا تستهدفوا لهذه الأعاجم فتهلككم بنشابها، ولكن تكردسوا لهم كراديس يشدّ عليهم كردوس كردوس، فإذا أقبلوا عليه شدّ الآخر، فقالوا إنك قد رأيت رأيا، ففعلوا. وقام هانىء بن مسعود وقال [١]: يا قوم مهلك معذور خير من منجى مغرور، إنّ الحذر لا يدفع القدر، وإنّ الصبر من أسباب الظفر، المنيّة ولا الدنيّة، واستقبال الموت خير من استدباره، والطعن في الثغر أكرم منه في الدبر؛ يا آل بكر شدّوا واستعدّوا، وإلا تشدّوا تردّوا. ثم قام حنظلة بن ثعلبة إلى وضين راحلة امرأته فقطعه، ثم تتبّع النساء فقطع وضينهنّ لئلّا يفزعهنّ الرجال، فسمّي يومئذ مقطّع الوضين- والوضين بطان الناقة- ثم إنّ القوم اقتتلوا صدر نهارهم أشدّ قتال رآه الناس إلى أن زالت الشمس، فشدّ الحوفزان، واسمه الحارث بن شريك، على الهامرز فقتله، وقتلت بنو عجل خنابزين، وضرب الله وجوه الفرس فانهزموا، وتبعتهم بكر بن وائل، وقتل خالد بن يزيد البهرانيّ، قتله الأسود بن شريك بن عمرو، وقتل عمرو بن عدي ابن زيد العبادي الشاعر، ولحق أسود بن بحتر بن عائد بن شريك العجلي النعمان ابن زرعة فقال له: يا نعمان هلمّ إليّ فأنا خير آسر، أنا خير لك من العطش.
قال: ومن أنت؟ قال: الأسود بن بحتر، فوضع يده في يده فجزّ ناصيته وخلّى
_________________
(١) قد مرّت هذه الخطبة في التذكرة ٢: (رقم: ١٠١٠) ونسبت لقبيصة بن مسعود وانظر التعليق عليها وتخريجها، ونهاية الأرب ٣: ٣٤٧.
[ ٣ / ١٧ ]
سبيله، وحمله الأسود على فرس له وقال له: انج على هذه فإنها أجود من فرسك، وجاء الأسود بن بحتر على فرس النعمان، وأفلت إياس بن قبيصة، وتبعتهم بكر بن وائل حتى شارفوا السواد فلم يفلت منهم كبير أحد، وكان أول من انصرف إلى كسرى بالهزيمة إياس بن قبيصة، وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش إلا نزع كتفيه، فلما أتاه إياس سأله عن الخبر فقال: قد هزمنا بكر بن وائل وأتيناك بنسائهم، فأعجب ذلك كسرى وأمر له بكسوة. ثم إنّ إياسا استأذنه عند ذلك وقال: إنّ أخي مريض بعين التمر، وإنما أراد أن ينتحي عنه، فأذن له كسرى، فترك فرسه الحمامة وهي التي نجا عليها، وركب نجيبة له فلحق بأخيه، ثم أتى كسرى رجل من أهل الحيرة فسأل: هل دخل على الملك أحد؟ قالوا: نعم، إياس، قال: ثكلت إياسا أمّه، وظنّ أنه قد حدثه بالخبر، فدخل عليه فحدثه بهزيمة القوم، فأمر به فنزعت كتفاه. وكانت وقعة ذي قار بعد وقعة بدر بأشهر ورسول الله ﷺ بالمدينة، وكان شعارهم: يا محمد.
وروي أنه ﷺ تمثلت له الوقعة وهو بالمدينة، فرفع يديه ودعا لبني شيبان، ولما بلغته الوقعة قال: هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم وبي نصروا. وفي وفائهم بالأمانة والوديعة يقول الأعشى: [١] [من المنسرح]
آليت بالملح والرماد وباك عزى وباللات تسلم الحلقه
حتى يظلّ الهمام منجدلا ويقرع النبل طرّة الدّرقه