ومن التشبيهات الحسان في الخمر قول العكوك وهو علي بن جبلة
وصافيةٍ لها في الكاسِ لينٌ ولنْ في النفوسِ لها شماسُ
كأنّ يدَ النديمِ تديرُ منها شعاعًا لا تحيطُ عليه كاسُ
وقال ابن المعتز
معتقةٌ صاغ المزاجُ لرأسها أكاليلَ درٍ ما لمنظومهِ سلكُ
فقدْ خفيتْ حتى كأنَّ ضياءها يقينُ ضميرٍ كاد يدخلهُ الشكُّ
وقال أبو عون الكاتب
واسقنيها سقيتها يابنَ عمرو من كميت لماعةٍ كالشعاعِ
بنتِ عشرٍ كخاطرِ الوهمِ أو خا طفِ برقٍ أو مثلِ حسِّ السماعِ
وقال ابن أبي كريمة
كأنها عرضٌ في كفِ شاربها تخالها فارغًا والكأسُ ملأنُ
وقال البحتري
فاشربْ على زهرِ الرياضِ يشوبهُ زهرُ الخدودِ وزهرةُ الصهباء
من قهوةٍ تنسى الهمومَ وتبعثُ الش وقَ الذي قد ضلَّ في الأحشاءِ
يخفي الزجاجةَ لونها فكأنها في الكأسِ قائمةٌ بغير إناءِ
وقال ابن الرومي في هذا المعنى
ويتيمةٍ من كرمها ونديها لم تبقِ منها الشمس غيرَ صميمها
لطفتْ فقد كادتْ تكونُ مشاعةً في الجوِّ مثلَ شعاعها ونسيمها
وقال ابن المعتز
وكرخيةُ الأنسابِ أو بابليةٌ ثوتْ حقبًا في ظلمةِ الغارِ لا تسري
أرقتْ صفاءَ الماءِ فوقَ صفائها فحلتهما سلاَّ من الشمسِ والبدرِ
وقال آخر
ماءُ الكرومِ وماءُ النيلِ في قدحٍ والماء ماآنِ في ما شبهَ الماءُ
كأسٌ صفتْ وصفتْ منها زجاجتها كأنها لاشتباهِ اللونِ جوفاءُ
وقال ابن أبي أمية
سقياني بسرَّ منْ را إلى الدي رِ فأعلى الوادي إلى أحنائهْ
من شرابٍ كأنهُ ليس في الكأ سِ إذا ما صببتهُ من صفائه
وقال آخر في رقتها وصفائها
وكأسٍ سباها التجر من أرضِ بابلٍ كرقةِ ماء الشوقِ في الأعينِ النجلِ
إذا شجها الساقي حسبتَ حبابها عيونَ الدبَى من تحتِ أجنحةِ النملِ
وقال أبو نواس
وليس لللهوِ إلا كل صافيةٍ كأنها دمعةٌ في عينِ مهجورِ
وقال آخر المنسرح
وقهوةٍ كالدموعِ صافيةٍ من عينِ صبٍّ أذابهُ الحزنُ
وقال عبد الصمد بن المعذل
ونازعني كأسًا كأن رضابها دموعي لما صدَّ عن مقلتي غمضِي
وقال ابن الرومي
فاسقنا من شرابك الرائق العذ بِ ولا تحمنا سقتك السماءُ
[ ٣٧ ]
من عيونٍ كأنها دمعةُ المه جورِ يبكي وعينهُ مرهاء
وقال الأعشى في صفائها
تريكَ القذى من دونها وهي دونهُ إذا ذاقها من ذاقها يتمطقُ
وسئل النظام عن الزجاج فقال لا يخفى القذى ولا يسترُ وجه النديم وعيبه أنه يسرع إليه الكسر ولا يقبل الجبر. ومن حسن ما شبهتْ به قول أبي نواس المنسرح
ثمَّ توجأتُ رأسها بشبا ال اشفى فجاءت كأنها لهب
أقولُ لما حكتهما شبهًا أيهما للتشابه الذهب
هما سواءٌ والفرقُ بينهما أنهما جامدٌ ومنسكبُ
وقال ابن المعتز
يا نديميَّ أسقياني فقد لا حَ صباحٌ وأذنَ الناقوسُ
من كميتٍ كأنها أرضُ تبرٍ في نواحيه لؤلؤٌ مغروسُ
وقال أبو نواس
عتقتْ في الدنّ حتى هيَ في رقةِ ديني
ثم شجتْ فأدارتْ حولها مثل العيونِ
حدقًا ترنوا إلينا لمْ تحجرْ بجفونِ
ذهبًا يثمرُ درًا كلَّ إبانٍ وحينِ
وله أيضًا المنسرح
وخندريسٍ باكرتُ حانتها فودجوا خصرها بمبزالِ
فسالَ عرقٌ على ترائبها كأنَّ مجراهُ فتلُ خلخالِ
وقال ابن المعتز المنسرح
تخرج من دنها وقد حدبتْ مثل هلالٍ بدا بتقويسِ
من لامني في المدام فهو كمنْ يمشقُ بالماءِ في القراطيسِ
وقال أوس بن حجر
سأرقمُ في الماءِ القراحِ إليكمُ على نأيكمْ إنْ كان للماءِ راقمُ
وقال أبو نواس
فإذا ما اجتليتها فهباءٌ تمنعُ الكفَّ ما تبيحُ العيونا
ثمَّ شجتْ فاستضحكتْ عن لآلٍ لوْ تجمعنَ في يدٍ لاقتنينا
في كؤوسٍ كأنهنَّ نجومٌ جارياتٌ بروجها أيدينا
طالعاتٌ مع السقاةِ علينا فإذا ما غربنَ يغربنَ فينا
لو ترى الشربَ حولها من بعيدٍ قلتَ قومًا من قرةٍ يصطلونا
وقال ابن المعتز
ظبيٌ خليٌّ من الأحزانِ أودعني ما يعلمُ اللهُ من حزنٍ ومن قلقِ
كأنه وكأنَّ الكأسَ في يدهِ هلالُ أولِ شهرٍ عبَّ في شفقِ
وقال ابن الرومي
ومهفهفٍ تمت محاسنه حتى تجاوز منية النفسِ
تصبو الكؤوس إلى مراشفهِ وتهشُّ في يدهِ من الحبسِ
وكأنه والكأسُ في يدهِ قمرٌ يقبلُ عارضَ الشمسِ
وقال أبو نواس
إذا عبَّ فيها شاربُ القومِ خلتهُ يقبلُ في داجٍ من الليلِ كوكبا
وله أيضًا
وكأنّ شاربها لفرطِ شعاعها بالليلِ يكرعُ في سنى مقباسِ
وقال ابن المعتز
يا حسنَ أحمدَ غاديًا أمسِ بمدامةٍ صفراء كالورسِ
وكأنّ كفيهِ تقسمُ في أقداحنا قطعًا من الشمسِ
وقال ابن الرومي المنسرح
ونحن نسقَى شرابَ ذي أدبٍ ثناءُهُ من فواكهِ الرفقِ
يلقاك في رقةِ الشرابِ وفي نشرِ الخزامى وصفرةِ الشفقِ
له صريحٌ كأنه ذهبٌ ورغوةٌ كاللآلئ القلقِ
وتشبيه الحباب بأنصاف اللؤلؤ أحسن من تشبيهه بجميعه وقال ابن المعتز
أسقَى مخدرةَ الدنا نِ سلافَ خمرٍ قرقفا
راحًا كأنَّ حبابها درٌ يجولُ مجوفا
وقال أبو نواس
كأنّ صغرَى وكبرَى من فواقعِها حصباءُ درٍّ على أرضٍ من الذهبِ
وله
ثمَّ شجتْ فأدارتْ فوقها طوقًا فدارا
كاقترانِ الدرِّ بالدُّ رِ صغارًا وكبارا
فإذا ما اعترضتهُ ال عينُ منْ حيثُ استدارا
خلتهُ في جنباتِ ال كأسِ واواتٍ صغارا
وقال آخر
فجاء بها كالشمسِ يحكي حبابها نجومَ الثريا في الزجاجِ لنا حسنا
وقال أبو نواس المنسرح
تلعبُ لعبَ السرابِ في قدحِ ال قومِ إذا ما حبابُها اتصلا
وقال ابن المعتز
وكأسٍ تحجبُ الأبصارُ عنها فليسَ لناظرٍ فيها طريقُ
كأنّ غمامةً بيضاءَ بيني وبينَ الريحِ تخرقُها البروقُ
وقال أبو نواس
صرفٍ إذا استنبطتَ سورتها أدتْ إلى معقولكَ الفرحا
وكأنّ فيها من جنادبها فرسًا إذا سكنتهُ جمحا
وأخذ من قول حسان في كلمته
[ ٣٨ ]
بزجاجةٍ رقصتْ بما في جوفها رقص القلوص براكبٍ مستعجلِ
وقال آخر
نورٍ تحدرَ من فمِ الإبريقِ في ريحِ كافورٍ ولونِ خلوقِ
فكأنّها وشرارها متطائرٌ والماءُ يطفئُها لهيبُ حريقِ
وقال ابن أبي عون الكاتب
وللشمسِ في ضمنِ الدهورِ وديعةٌ تقومُ مقامَ الشمسِ إنْ غابتِ الشمسُ
يحققُها المستودعونَ فانجلتْ فلم يبقَ إلا الحسُّ منها أو الدسُ
وليس لها حد تحيطُ بوصفهِ الل غاتُ ولا جسم يباشره اللمس
تلاعبها كفُّ المزاجِ محبةً لها وليجري ذات بينهما الأنس
فتزبد من تيهٍ عليه كأنها عزيزةُ خدرٍ قد تخبطها اللمسُ
وقال أبو نواس
ثمَّ لما مزجوها وثبتْ وثبَ الجرادِ
ثمَّ لما شربوها أخذتْ أخذَ الرقادِ
ونحوه قوله
ولها دبيبٌ في العظامِ كأنه قبضُ النعاسِ وأخذهُ بالمفصلِ
عبقتْ أكفهمُ بها فكأنما يتنازعونَ بها سخابَ قرنفلِ
ومثله له
فأرسلتْ من فمِ الإبريقِ صافيةً مثلَ اللسانِ جرى واستمسك الجسدُ
وقال الطائي
وكأسٍ كمعسولِ الأماني شربتُها ولكنها أجلتْ وقد شربتْ عقلي
إذا عوتبت بالماء كان اعتذارها لهيبًا كوقعِ النارِ في الحطبِ الجزل
إذا اليدُ نالتها بوترٍ توقرتْ على ضغنها ثمَّ استقادتْ من الرجلِ
وقال ديك الجن
وقم أنتَ فاحثنثْ كأسنا غيرَ صاغرٍ ولا تسقِ مطبوخًا وأسقِ عقارها
فقامَ تكادُ الكأسُ تخضبُ كفهُ وتحسبهُ من وجنتيهِ استعارها
موردةٌ في كفِّ ظبيٍ كأنما تناولها من خدهِ فأدارها
فظلنا بأيدينا نتعتعُ روحها وتأخذُ من أقدامنا الراحُ ثارها
وأخذ ابن المعتز قوله: كأنما تناولها من خده فأدارها وزاد عليه فقال
تدورُ علينا الكأسُ من كفِّ شادنٍ له لحظُ عينٍ تشتكي السقم مدنفُ
كأنَّ سلافَ الخمرِ من ماءِ خدهِ وعنقودها من شعرهِ الجعدِ يقطفُ
وقال الطائي
وقهوةٍ كوكبُها يزهرُ يسطعُ منها المسكُ والعنبرُ
ورديةٍ يحثها شادنٌ كأنها من خدهِ تعصرُ
مهفهفٌ لم يبتسم ضاحكًا مذ كان إلا كسد الجوهرُ
وقال ابن المعتز
ونارٍ قدحناها سراعًا بسحرةٍ متى ما يرقْ ماءٌ عليها توقدِ
يجولُ حبابُ الماءِ في جنباتها كما جالَ دمعٌ فوقَ خدٍ موردِ
وقال أبو نواس
فإذا علاها الماء ألبسها نمشًا شبيهَ جلاجلِ الحجلِ
حتى إذا سكنتْ جوانحها كتبتْ بمثلِ أكارِعِ النمل
وقال ابن المعتز
كأنَّ في كأسِها والماءُ يقرعها أكارعَ النملِ أو نقشَ الخواتيمِ
وقال المنسرح
للماء فيها كتابةٌ عجبٌ كمثلِ نقشٍ في فصِّ ياقوتِ
وقال مسلم
إذا مسها الساقي أعارتْ بنانه جلابيبَ كالجاديّ من لونها صفر
أناخَ عليها أغبرُ اللون أجوفٌ فصارتْ له قلبًا وصارَ لها صدرا
أبتْ أن ينالَ الدنُّ مسَّ أديمها فحاكَ لها الإزبادُ من دونها سترا
وقال البحتري
ألا ربما كأسٍ سقاني سلافها رهيفُ التثني واضحُ الثغرِ أشنبُ
إذا أخذت أطرافهُ من فتورها رأيتَ اللجينَ بالمدامةِ يذهبُ
كأنَّ بعينيهِ الذي جاء حاملًا بكفيهِ من ناجودِها حين يقطبُ
وله
صافحتْ في وداعِنا فأرتنا ذهبًا من خضابها في لجينِ
وقال أبو الشيص
سقاني بها والليلُ قد شابَ رأسهُ غزال بحناءِ الزجاجةِ مختضبْ
وله أيضًا المتقارب
يدور علينا بها شادنٌ يداهُ من الكأسِ مخضوبتانِ
وقال أبو نواس
شمولْ إذا شجتْ تقولُ عقيقةٌ تنافسَ فيها السومُ بين تجارِ
كأنّ بقايا ما عفى من حبابها تفاريق شيبٍ في سوادِ عذارِ
تعاطيكها كفٌ كأنَّ بنانها إذا اعترضتها العين صفُّ مدارِ
وقال ابن المعتز المنسرح
فاشربْ عقارًا كأنها قبسٌ قد سبكَ الدهرُ تبرها فصفا
[ ٣٩ ]
يندى لثامُ الإبريقِ من دمها كأنه راعفٌ وما رعفا
وقال أبو الشيص
من كلِّ مرتجفِ الذوائبِ أحمرٍ كسرى أبوه وأمه بلقيسُ
يسعى بإبريقٍ كأن فدامهُ من نورها في عصفرٍ مغموسُ
وقال ابن المعتز
ومعشوقُ الشمائل عسكريٌ له قتلٌ وليسَ له سلاحُ
كأنَّ الكأسَ في يدهِ عروسٌ لها من لؤلؤٍ رطبٍ وشاحُ
وقال أبو نواس
ترى كأسها عندَ المزاجِ كأنها نثرتَ عليها حلي رأسِ عروسِ
فتهتكُ أستارَ الضميرِ عن الحشا وتبدي من الأسرارِ كلَّ حبسِ
وقال البحتري
قد سقاني ولم يصردْ أبو الغو ثِ على العسكرينِ شربةَ خلسِ
من مدامٍ تخالها وهيَ نجم في دجى الليل أو مجاجةُ شمسِ
أفرغتْ في الإناءِ من كلِ قلبٍ فهي محبوبةٌ إلى كلِ نفسِ
وقال أبو نواس
نبهْ نديمكَ قد نفسْ يسقيكَ كأسًا في الغلسْ
صرفًا كأنّ شعاعها من كفِّ شارِبها قبسْ
تذرُ الفتى وكأنما بلسانهِ منها خرسْ
يدعَى فيرفعُ رأسهُ فإذا استقل به نكسْ
ونحوه قول أبي الهندي
سقيتُ أبا المطرحِ إذْ أتاني وذو الرعثاتِ منتصبٌ يصيحُ
شرابًا يهربُ الذبانُ منه ويلثغُ حينَ يشربهُ الفصيحُ
وقال أبو نواس
جاءتك من بيتِ خمارٍ بطينتها صفراءُ مثلُ شعاعِ الشمسِ تتقدُ
فابتزها من فمِ الإبريقِ فانبعثتْ مثلَ اللسانِ جرى واستمسكَ الجسدُ
وقال الأخطل
نازعتهمْ طيبَ الراحِ الشمولِ وقد صاحَ الدجاجُ وحانتْ وقعةُ الساري
لما أتوها بمصباحٍ ومبزلهمْ سمتْ إليهم سموَّ الأبجلِ الضاري
ومن حسن الاستعارة قول ابن المعتز المنسرح
قمْ فاسقنيها سلافَ ما يعصرْ مجلوةً في غلائلِ الجوهرْ
اسكنتِ الدنَّ في معصفرةٍ وأخرجتْ في متبنٍ أصفرْ
وقال الناجم
عصرتْ فألقتْ حلةً سبجيةً عنها وجرتْ للعقيقِ ذيولا
وقال ابن الرومي المنسرح
ودرةُ اللونِ في خدود الندا مَى وهيَ صفراءُ في خدودِ الكؤوس
ولابن الرومي
هيَ الورسُ في بيضِ الكؤوسِ فإنْ بدتْ لعينيكَ في بيضِ الوجوهِ فعندمُ
وقال أبو نواس
تصبحْ بوجهِ الراحِ والطائرِ السعدِ كميتًا وبعدَ المزجِ في شبهِ الوردِ
وقال الناجم المتقارب
أدرْ يا سلامةُ كأسَ العقارِ وضاهِ بشدوكَ نوحَ القمارِي
وخذها مشعشعةً قهوةً تصبُّ على الليلِ ثوبَ النهارِ
يسالبها الخدُّ جريالها وتهديهِ للعينِ يوم الخمارِ
وقال ابن المعتز
ومقتولِ سكرٍ عاش لي إنْ دعوتهُ إلي مجيبًا قد يرى غيهُ رشدا
فقام بكفيهِ بقايا خمارهِ وعيناهُ من خديهِ قد جنتا وردا
وقال الأعشى
وكريمةٍ مما يعتق بابلْ كدمِ الذبيحِ سلبتها جريالها
الرواة تفسر هذا البيت تقول شربتها حمراء وبلتها بيضاء وسئل أبو نواس عنها فقال المعنى فيه مثل قوله.
كأسًا إذا انحدرتْ في حلقِ شاربها أرتكَ حمرتها في العينِ والخدِّ