ومن حسن التشبيه في قينةٍ قول بعضهم وهون عكاشة
من كفِّ جاريةٍ كأنَّ بنانها من فضةٍ قد طرفتْ عنابا
وكأنّ يمناها إذا نطقتْ بها تلقى على يدها الشمالِ حسابا
ومثل البيت الأول لأبي نواس
يا قمرًا أبررهُ مأتمٌ يندبُ شجوًا بين أترابِ
يبكي فيذرِي الدرَ من عينهِ ويلطمُ الوردَ بعنابِ
ومما يجمع حسن التشبيه وقرب الاستعارة قول ابن الرومي يصف مغنيات
وقيانٍ كأنها أمهاتٌ عاطفاتٌ على بنيها حواني
مطفلاتٌ وما حملنَ جنينًا مرضعاتٌ ولسن ذاتَ لبانِ
ملقماتٌ أطفالهنَّ ثديًا ناهداتٍ كأحسنِ الرمانِ
مفعماتٌ كأنها حافلاتٌ وهيَ صفرٌ من درةِ الألبانِ
كل طفلٍ يدعَى بأسماء شتى بينَ عودٍ ومزهرٍ وكرانِ
أمه دهرها تترجمُ عنه وهوَ بادي الغنى عن الترجمانِ
أوتِي الحكمَ والبيانَ صبيًا مثل عيسى بن مريم ذي الجنان
وأنشد الطائي
فكأنه في حجرها ولدٌ لها ضمتهُ بين ترائبٍ ولبانِ
طورًا تدغدغُ بطنهُ فإذا هفا عركتْ له أذنًا من الآذانِ
وقال الناجم في قينةٍ المتقارب
إذا احتضنتْ عودها عاتب وناغتهُ أحسنَ أن يعربا
تدغدغُ في مهلٍ بطنهُ فيحضرنا ضحكًا معجبا
وتعرك من أذنهِ إن هفا وفي الحقِ تأديبُ من أذنبا
وقد أدبَ الناسُ أمثالهُ ولكنه رأس من أدبا
وقال الحمدوني في تشبيه العود
وناطقٍ بلسانٍ لا ضمير له كأنه فخذ نيطتْ إلى قدمِ
يبدي ضميرَ سواهُ في الحديثِ كما يبدي ضميرَ سواه الخطُّ بالقلبِ
وقال آخر
كأنّ تمثالهُ ساقٌ على قدمٍ نيطتْ إلى فخذٍ بانت عن الكفلِ
آذانهُ منه قد جمعنَ أربعةً تجيبُ أربعةً في كفِ معتملِ
فذا أغنُّ وهذا فيه زمزمةٌ وذاك صافٍ وهذا فيه كالصحلِ
وقال أبو ملك الأعرج في صفة العود
ومعملةٍ نواطق من كرانِ بمشقوقٍ من البيضِ الرقاقِ
له عينانِ تحتَ النحرِ منه حكتْ إحداهما قمرَ المحاقِ
إذا غنتْ قديمًا أو حديثًا فما للجيبِ من كفيكَ واقِ
وقال أحمد بن يوسف المتقارب
دَعِ العودَ عنا فما أصلقهْ وعدِّ إلى القصفِ والزفزفةْ
بأبلجَ كالبدرِ في خدهِ إذا كان في مجلسٍ أرجفهْ
فعارضهُ ابن أبي عون الكاتب فقال المتقارب
ألا قبحَ الدفُّ ما أسخفهْ وواهًا على العودِ ما أشرفهْ
مرابضهُ من نحورِ القيانِ إلى حدِّ أفخاذها المترفهْ
وتلعبُ في عقد أوتارهِ أناملُ مصقولةٌ مرهفهْ
كجسِ النطاسي نبضَ العروقِ لعلمِ الصحيحة والمدنفه
تناجيك بالصوتِ أوتارهُ فتوفيكَ ألسنها أحرفهْ
ومثل ذلك قول الناجم في قينةٍ المتقارب
لقد جادَ من عاتبٍ ضربها وزادَ كما جاء تغريدها
إذا نوتِ الصوتَ قبلَ الغنا ءِ أنشدنا شعرها عودها
وقال في زامرة
ما حضرتنا قتولُ غلا أذكتْ بتطرابها جوانا
تصدحُ بالصوتِ قيل يأتي كأنّ في نايها لسانا
ومن حسن الاستعارة قوله في قينةٍ
تأتي أغاني عاتب أبدًا بإفراحِ النفوسِ
[ ٢٥ ]
تشدو فنرقصُ بالرؤو سِ لها ونزمر بالكؤوسِ
ومثله قوله المجتث
سلامةُ بن سعيدٍ يجيدُ حثَّ الراحِ
إذا تغنى زمرنا عليه بالأقداحِ
ومن حسن التشبيه في هذا الباب قول ابن الرومي
بدعةُ عندي كاسمها بدعهْ لا شكَّ في ذاك ولا خدعهْ
كأنما رقةُ مسموعها رقةُ شكوَى سبقتْ دمعهْ
غنتْ فلم تحتجْ إلى زامرٍ هل يحوجُ الصبحُ إلى شمعهْ
وشيعَ الزمرُ أعاجيبها كظبيةٍ أوفتْ على تلعهْ
كأنَّ تاجًا زادَ في بهجةٍ لا عمةً غطتْ ولا صلعهْ
وقال الناجم في قوله رقةُ شكوى سبقت دمعه
لقد خلقتْ فينا بفتنتها حزوى غناءً ملوكيًا أرق من الشكوى
وقال الطائي
مدتْ إليك بنانةً أسروعا تشكو الفراق ومقلةً ينبوعا
كادت لعرفانِ النوى ألفاظها من رقةِ الشكوى تكونُ دموعا
وقال أبو عثمان في قينةٍ المنسرح
ما صدحتْ عاتبٌ ومزهرها إلا وثقنا باللهوِ والفرحِ
لها غناءٌ كالبرءِ في جسدٍ أضناهُ طولُ السقامِ والترحِ
تعبدهُ الراحُ فهيَ ما صدحتْ إبريقنا ساجدٌ على القدحِ
وقال آخر
إذا ما حنَّ مزهرها إليها وحنَّ لصوته الشربُ الكرامُ
وأصغوا نحوها الآذانَ حتى كأنهمُ وما ناموا نيامُ
وفي حسن الإصغاء إلى الغناء يقول الناجم
نسكتُ إن همتْ بتغريدها سكوتنا إنْ نطق الخاطبُ
وقال أعرابي
قد ركدَ الهواءُ حتى كأنهُ أذنٌ تسمعْ
وقال ابن المعتز
ونداماىَ في شبابٍ وشيبٍ أتلفتْ مالهمْ نفوسٌ كرمُ
بينَ أقداحهمْ حديثٌ قصيرٌ هو سحرٌ وما سواهُ كلامُ
وغناءٍ يستعجلُ الراحَ بالرا حِ كما ناحَ في الغضونِ الحمامُ
وكأنّ السقاةَ بينَ الندامَى ألفاتٌ بينَ السطورِ قيامُ
وتشبيه الغناء بهديل الحمام معنى قديمٌ متداول والشرط إحضار النادر قال الناجم المتقارب
إذا أنتَ ميزتَ أهلَ الغنا ميزتَها الأحذَقَ الأطيبا
تهزُّ القريضَ بألحانها كما هزتِ الغصنَ ريحُ الصبا
وله أيضًا
ما أشبهتْ نغماتُ حبهْ إلا معانقةَ الأحبهْ
أحببْ بحبةَ إنها لسرورنا أبدًا محبهْ
وقال أيضًا
ما تغنتْ إلا تكشفَ همٌ عن فؤادٍ وأقشعتْ أحزانُ
تفضلُ المسمعينَ طيبًا وحذقًا مثل ما يفضلُ السماعَ العيانُ
وقال أيضًا في قينةٍ
أحيا أبا يحيى الإلهُ فإنه بأسماعنا من عاتبٍ يحيينا
طفقت تغنينا فخلنا أنها لسرورها بغناءها تغنينا
ومن حسن الاستعارة في هذا المعنى قوله المنسرح
ما نطقتْ عاتبٌ ومزهرها إلا ظللنا للراحِ نعملها
تطلبُ أوتارها الهمومَ بأو تارٍ فما تستفيقُ تقتلها
وقال ابن الرومي يرثي جاريةَ أم علي بنت الراسبي التي تسمى بستان المنسرح
واهًا لذاك الفناءَ من طبقٍ على جميعِ القلوبِ مقتدرِ
أضحتْ من الساكني حفائرهم سكنى الغوالي مداهنَ السررِ
يا مشربًا كان لي بلا كدرٍ يا سمرًا كانَ لي بلا سهرِ
أصبحتِ في التربِ غيرَ راجحةٍ بهِ وقد ترجحين بالبدرِ
وقال الناجم يرثي عجائب جاريةَ ابن مروان
أضحى الثرى بجوارها عطرَ المسالكِ والمشاربْ
حلتْ حفيرتها حلو لَ الملكِ من سررِ المواكبْ
يا درةً كانتْ تضي ءُ لناظرٍ من كلِّ جانبْ
ومثل ذلك قول إبراهيم بن العباس
درةٌ حيثُ ما أديرتْ أضاءت ومشم من حيثُ ما شم فاحا
وقال الناجم في قينةٍ
شدوٌ ألذُّ من ابتدا ءِ العين في إغفائها
أحلى وأشهى من منى نفسٍ بصدقٍ رجائها
وقال أيضًا
لها غناءٌ معجبٌ مطربٌ يفعلُ ما تفعلهُ الخمرهْ
يشوقُ الأذنَ إلى شدوها تشوقَ العين إلى الخضرهْ
كأنما فرحةُ من زارها فرحةُ من طارتْ له القمرهْ
لو أنَّ إسحاقَ شدا بعدَها لخلتَ من يسمعُ في سخرهْ
[ ٢٦ ]
مندرةٌ في كل ألحانها لا كالتي تندرُ في الندرهْ
وله يهجو قينةً في مقلوب هذا المعنى
عجبتُ منها ويحها كيف لا تحظى بالإحسانِ في الندره
وهو مأخوذ من قول ابن مناذر يهجو قاضيًا
يا عجبًا من خالدٍ كيف يخطئ فينا مرةً بالصوابْ
وقال أبو عثمان في قينة المتقارب
لقد برعت عاتبٌ في الغناءِ وزادتْ وأربتْ على البارعِ
يسبحُ سامعها إنْ شدتْ فأصواتها سبحةُ السامعِ
ومما يدخل في هذا الباب وإن لم يكن فيه تشبيه ما كتب به يحيى بن علي إلى ابن المعتز
سيدي إن عندنا زريابا ملأتنا روايةً وصوابا
أخلقتْ سيئها وإحسانها في الس معِ يردادُ جدةً وشبابا
وقال ابن الجهم في نباتةَ جارية ابن حماد
أقفر إلا من نباتٍ منزله ودرستْ آياتهُ وطللهْ
قد بانَ منها كلُّ شيءٍ تفعلهْ إلا الغناءُ نصبهُ ورملهْ
فهيَ كما أرسلَ حقًا مثلهْ ما لكِ من شيخكِ إلا عملهْ