ومن جيد ما قيل في النرجس ما أنشدناه المبرد
نرجسةٌ لا حظني طرفها يشبهُ دينارًا على درهمِ
وقال عبيد الله بن عبد الله فيه المنسرح
ترنو بأبصارها إليك كما ترنو إذا خافت اليعافيرُ
مثلَ اليواقيتِ قد نظمنَ على زمردٍ فوقهنَّ كافورُ
كأنها والعيونُ ترمقها دراهمٌ وسطها دنانيرُ
وقال أبو نواس
لدي نرجسٍ غضِّ القطافِ كأنه إذا ما منحناهُ العيونَ عيونُ
مخالفةٌ في شكلهنَّ فصفرةٌ مكانَ سوادٍ والبياضُ جفونُ
وقال وذكر العلةَ في أنه كعينٍ لا تطرفُ فصار التشبيه تامًا وهو
كأنما النرجسُ يحكي لنا عينَ محبٍّ أبدًا تنظرُ
لا تطرفُ الدهرَ لإشفاقها تخوفًا من نظرةٍ تقصرُ
وقال آخر
وكأنّ العيونَ في النرجسِ الغضِّ عيونٌ قد وكلتْ بالسهودِ
وقال ابن الرومي يفضل النرجس على الورد
خجلتْ خدودُ الوردِ من تفضيلهِ خجلًا توردها عليه شاهدُ
لم يخجل الوردُ الموردُ لونهُ إلا وناحلهُ الفضيلةَ عاندُ
للنرجسِ الفضلُ المبينُ وإنْ أبى آبٍ وحادَ عن الطريقةِ حائدُ
فصلُ القضيةِ إنَّ هذا قائدٌ زهرَ الربيعِ وإنَّ هذا طاردُ
شتانَ بينَ اثنينِ هذا موعدٌ بتسلبِ الدنيا وهذا واعدُ
وإذا احتفظتَ به فأمتعُ صاحبٍ بحياتهِ لو أن حيًا خالدُ
ينهي النديمَ عن القبيحِ بلحظةٍ وعلى المدامةِ والسماعِ مساعدُ
أطلبْ بعقلكَ في الملاحِ سميهُ يومًا فإنكَ لا محالةَ واجدُ
[ ٤١ ]
والوردُ لو فتشتَ فردًا في اسمهِ ما في الملاحِ له سميٌّ واحدُ
هذي النجومُ هي التي ربتهما بحيا السحابِ كما يربي الوالدُ
فانظرْ إلى الأخوينِ من أدناهما شبهًا بوالدهِ فذاك الماجدُ
أين الخدودُ من العيونِ نفاسةً ورئاسةً لولا القياسُ الفاسدُ
وقال الناشي المتقارب
أخص الصفات التي تناولها من كثبْ
عيونٌ بلا أوجهٍ لها حدقٌ من ذهبْ
وقال ابن المعتز
كأنَّ عيونَ النرجسِ الغضِ بيننا مداهنُ درٍّ بينهنَّ عقيقُ
إذا بلهنَّ القطرُ خلتَ دموعها بكاءَ عيونٍ كحلهنَّ خلوقُ
وقال ابن الرومي يستهدي نبيذًا
أدركْ ثقاتكَ أنهمْ وقعوا في نرجسٍ معه ابنةُ العنبِ
فهمُ بحالٍ لو بصرتَ بها سبحتَ من عجبٍ ومن طربِ
ريحانهمْ ذهبٌ على دررٍ وشرابهمْ دررٌ على ذهبِ
يا نرجسَ الدنيا أقمْ أبدًا للاقتراحِ ودائرِ النخبِ
هذبَ العيونُ إذا مثلنَ بها دررُ الجفونِ زبرجدُ القضبِ
وأنشدنا زبير بن بكار
شموسٌ وأقمارٌ من الزهرِ طلعُ لذي اللهوِ في أكنافها متمتعُ
نشاوَى تثنيها الرياحُ فتنثني ويلثمُ بعضٌ بعضها ثمَّ يرجعُ
كانَّ عليها من مجاجةِ طلها لآلئ إلا أنها هي ألمعُ
ويحدرُها عنها الصبا فكأنها دموعٌ مراها البينُ والبين يفجعُ
وقال ابن المعتز في قصيدة له يصف فيها جملة الأنوار
أما ترى البستانَ كيفَ نورا ونشرَ المنشورَ بردًا أصفرا
وضحكَ الوردُ على الشقائقِ واعتنقَ الغصنَ اعتناقَ وامقِ
في روضةٍ كحللِ العروسِ وخرمٌ كهامةِ الطاؤوسِ
وياسمين في ذرى الأغصانِ منتظمٌ كقطعِ العقيانِ
والسروُ مثلُ قضبِ الزبرجدِ قد استمدّ الماء من تربٍ ندِي
على رياضٍ وثرًى ثريِّ وجدولٍ كالمبردِ المجلي
وفرخَ الخشخاشُ حينًا وفتقْ كأنه مصحفةٌ بيضُ الورقْ
أو مثلُ أقداحِ من البلورِ تخالها تجسمتْ من نورِ
تبصرهُ بعدَ انتشارِ الوردِ مثلَ الدبابيسِ بأيدي الجندِ
والسوسنُ الآزاذُ منشورُ الحللْ كقطنٍ قد مسهُ بعضُ البللْ
وقد بدتْ فيه ثمارُ الكسبرِ كأنها جماجمٌ من عنبرِ
وحلقُ البهارِ حولَ الآسِ جمجمةٌ كهامةِ الشماسِ
وجلنارٌ كاحمرارِ الوردِ أو مثلُ أعرافِ ديوكِ الهندِ
والأقحوانُ كالثنايا الغرِّ قد فصلتْ أنوارها بالقطرِ
ومن جيد التشبيه فيها في ذم الشتاء
وقد نسيتُ شررَ الكانونِ كأنه نثارُ ياسمينِ
وتركَ البساطُ بعد الخمدِ ذا نقطٍ سودٍ كجلدِ الفهدِ
وتشبيه البهار بهامة الشماس مأخوذ من قول ابن الرومي في صفة روضة
وروضةٍ عذراء غيرِ عانسهْ جادتْ لها كلُّ سماءٍ راجسهْ
كأنما الألسنُ عنها لاحسهْ فيها شموسٌ للبهارِ وارسهْ
كأنها جماجمُ الشمامسهْ تروقكَ النورةُ منها الناكسهْ
بعينِ يقظَى وبجيدِ ناعسهْ لؤلؤةُ الطلِّ عليها فارسهْ
وقال ابن المعتز
يا ربما نازعتهُ روح دنانٍ صافيه
في روضةٍ كأنها جلدُ سماءٍ عاريهْ
وقال الأخيطل الواسطي
سقيًا لأرضٍ إذا ما نمتُ ينبهني بعد الهدوءِ بها قرعُ النواقيسِ
كأنه سوسنها في كل شارفةٍ على الميادين أذنابُ الطواويسِ
وقال ابن المعتز
ظللتُ بملهى خيرَ يومٍ وملعبِ تدور علينا الكأسُ في فتيةٍ زهرِ
لدي نرجسٍ غضٍ وسرو كأنهُ قدودُ جوارٍ ملنَ في أزرٍ خضرِ
وقال سعيد بن حميد يذكر روضةً
حفتْ بسروٍ كالقيانِ تلبسْ خضرَ الحريرِ على قوامٍ معتدلْ
فكأنها والريحُ تخطرُ بينها تنوي التعانقَ ثم يمنعها الخجلْ
وله
وترى الغصونَ إذا الرياحُ تنفستْ ملتفةً كتعانقِ الأحبابِ
وقال ابن الرومي
ورياضٍ تخايلُ الأرضُ فيها خيلاء الفتاةِ في الأبرادِ
[ ٤٢ ]
ذاتِ وشيٍ تكلفتهُ سوراٍ لبقاتٌ تحوكهُ وغوادِ
شكرتْ نعمةَ الوليِّ على الوس ميِّ ثمَّ العهدَ بعدَ العهدِ
هي تثنِي على السماءِ ثناءً طيبَ النشرِ شائعًا في البلادِ
من نسيمٍ كأنَّ مسراهُ في الأر واحِ مسرى الأرواحِ في الأجسادِ
منظرٌ معجبٌ تحيةُ إلفٍ ريحها ريحُ طيبِ الأولادِ
تتداعى بها حمائمُ مشتى كالبواكي وكالقيانِ الشوادِ
وقال آخر
إلى الروضِ الذي قد أضحكتهُ شآبيبُ السحائبِ بالبكاءِ
كأنَّ شقائقَ النعمانِ فيه ثيابٌ قد روينَ من الدماءِ
وقال الأخيطل
هذي الشقائق قد أبصرتُ حمرتها مستشرفاتٌ على عيدانها الذللِ
كأنها دمعةٌ قد مسحتْ كحلًا فاضتْ بها غبرةٌ في وجنتي خجلِ
وقال ابن المعتز
فطافَ بها ساقٍ أريبٌ بمبزلٍ كخنجرِ عيارٍ صناعتهُ الفتك
وحملَ آذريونةً فوقَ أذنهِ ككأسِ عقيقٍ في قرارتها مسكُ
وقال آخر في البنفسج
وكأنّ البنفسجَ الغضَّ يحكي أثر اللطمِ في خدودِ الغيدِ
وقال العلوي الكوفي
دمنٌ كأنَّ رياضها يكسينَ أعلامَ المطارفْ
وكأنما غدرانها فيها عشورٌ في مصاحفْ
وكأنما أنوارها تهتزَّ بالريحِ العواصفْ
طررُ الوصائفِ يلتقينَ بها إلى طررِ الوصائفْ
باتتْ سواريها تم خضُ في رواعدها القواصفْ
وكأنَّ لمعَ بروقها في الجوِ أسيافُ المثاقفْ
ثم انبرتْ سحًا كبا كيةٍ بأربعةٍ ذوارفْ
وقال البحتري
أتاكَ الربيعُ الطلقُ يختالُ ضاحكًا من الحسنِ حتى كاد أن يتكلما
وقد نبهَ النوروزُ في غلسِ الدجى أوائلَ وردٍ كنَّ بالأمسِ نوما
يفتحهُ بردُ الندى فكأنما يبثُّ حديثًا كان قبلُ مكتما
ومن شجرٍ ردَّ الربيعُ لباسهُ عليه كما نشرتَ وشيًا منمنما
أحلَّ فأبدَى للعيونِ بشاشةً وكان قذًى للعينِ إذ كان محرما
وقال ابن الرومي
أصبحتِ الدنيا تروقُ من نظرْ بمنظرٍ فيه جلاءٌ للبصرْ
واهًا لها مصطنعًا لقد شكرْ أثنتْ على اللهِ بالآلاءِ المطرْ
فالأرضُ في روضٍ كأفوافِ الحبرْ تبرجتْ بعدَ حياءٍ وخفرْ
تبرجَ الأنثى تصدتْ للذكرْ
وقال ابن المعتز في روضةٍ
جلا لنا وجهُ الثرى عن منظرِ كالعصبِ أو كالوشيِ أو كالجوهرِ
من أبيضٍ وأصفرٍ وأحمرِ وطارِفٍ أجفانهُ لم تنظرِ
تخالهُ العينُ فمًا لم يفغرِ وفاتقٍ كادَ ولم ينورِ
كأنه مبتسمٌ لم يكشرِ وأدمعُ الغدرانِ لم تكدرِ
كأنها دراهمٌ في منشرِ أو كعشورِ المصحفِ المنشرِ
فيه الندى مستوقفًا لم يقطرِ كدمعةٍ حائرةٍ في محجرِ
وقال عبد الصمد بن المعذلِ وينسب بعضهم هذه الأبيات إلى خالد الكاتب
رأتْ منه عيني منظرينِ كما رأتْ من الشمسِ والبدرِ المنيرِ على الأرضِ
عشيةَ حياني بوردٍ كأنه خدودٌ أضيفتْ بعضهنَّ إلى بعضِ
ونازعني كأسًا كأنَّ رضابها دموعِيَ لما صدَّ عن مقلتِي غمضي
وولَّى وفعلُ السكرِ في حركاتهِ من الراحِ فعلُ الريحِ بالغصنِ الغض
وقال علي بن الجهم
ما أخطأ الوردُ منك شيئًا طيبًا وحسنًا ولا ملالا
أقام حتى إذا أنسنا بقربهِ أسرعَ انتقالا