ومن التشبيهات القديمة في الوجه وضيائه قول طرفة
ووجهٌ كأنَّ الشمسَ حلتْ رداءها عليه نقيًّ اللونِ لم يتخددِ
حلت بسطتْ وأحلهُ من الحل ضدَّ العقد وقال ابن الرومي
كأنما غنتْ لشمسِ الضحى فألبستها حسنها خلعهْ
وقال زهير في هرم
لو كنتَ من شيءٍ سوى بشرٍ كنتَ المنورَ ليلةَ البدرِ
وقال قيس بن الخطيم
كان المنى بلقائها فلقيتها فلهوتُ من لهوِ امرئٍ مكذوبِ
فرأيتُ مثل الشمسِ عندَ طلوعها في الحسنِ أو كدنوها لغروبِ
أي في وقتين يمكن النظر إلى الشمس فيهما وقال النمر بن تولب
فصدت كأنَّ الشمس تحتَ قناعها بدا حاجبٌ منها وضنتْ بحاجبِ
أراد أنها أعرضت بوجهها للغضب وقال أبو نواس نحوه
يا قمرًا للنصفِ من شهرهِ أبدى ضياءً لثمانٍ بقين
وقال بشار في امرأةٍ أعرضتْ
ضنت بخدٍ وجلتْ عن خدِ ثمَّ انثنتْ كالنفسِ المرتدِ
ومن أحسن ما قيل في حمد الإعراض قول ابن الرومي
ما ساءني إعراضهُ عني ولكنْ سرني
سالفتاهُ عوضٌ من كلِّ شيءٍ حسنِ
ما قلتُ إنْ قدْ عقني بالصدِّ إلا برني
بدلني من حسنٍ حسنًا فماذا ضرني
وقال أبو نواس
تتيهُ الشمسُ والقمرُ المنيرُ إذا قلنا كأنهما الأميرُ
فإنْ يك أشبها منه قليلًا فقد أخطاهما شبهٌ كثيرُ
لأن الشمسَ تغربُ حين تمسي وأنَّ البدرَ ينقصهُ المسيرُ
ونورُ محمدٍ أبدًا تمامٌ على وضحِ الطريقةِ لا يحورُ
وقال علي بن الجهم
يا بدرُ كيفَ صنعتَ بالبدرِ أفضحتهُ من حيث لا يدري
الدهرُ أنتَ بأسرهِ قمرهْ ولذاكَ ليلتهُ من الشهرِ
وقال آخر
إذا أعتُبها شبهتها البدرَ طالعًا وحسبك من عيبٍ لها شبهُ البدرِ
وقال علي بن الجهم وذكر نساء
وقلنَ لنا نحنُ الأهلةُ إنما نضيءُ لمن يسري بليلٍ ولا نقري
لا بذلَ إلا ما تزودَ ناظرٌ ولا وصلَ إلا بالخيالِ الذي يسري
وقال أبو عثمان الناجم نحو ذلك
طالبتُ من شردَ نومي وذعرْ وكحلَ العينَ بملمولِ السهر
بقبلةٍ تحسنُ في القلب الأثر فقال لي مستعجلًا وما انتظرْ
ليس لغيرِ العينِ حظٌّ في القمر
وقال ابن المسيب الكاتب
ومعذرًا أبصرتهُ يهتزُّ كالغصنِ الرطيبِ
ضاهى بنبتِ الشعرِ ما في البدرِ منْ تلكَ الندوبِ
للهِ ما أهدتهُ أع ينُ ناظريهِ إلى القلوبِ
منْ ذي دلالٍ ناعمٍ ما شئتَ من حسنٍ وطيبِ
نهبتهُ أبصارُ الرجا لِ فلم يكنْ نزرًا نصيبِ
لكنْ دفعتُ إلى التل ذذ حين أسرعَ للمغيبِ
وكأنه بدر الدج نةِ حين أصغى للغروبِ
شبهتهُ بالبدرِ في ال حالينِ تشبيهَ المصيبِ
أعجبْ بذلك لو أطا عَ الغمز باللحظ المريبِ
فظفرت بالقمر الني رِ على قضيبٍ في كثيبِ
وعلوتُ منبرةً بره زٍ مثل ترجيع الخطيبِ
وأضفتُ ذاك إلى نخيرٍ مثل تشقيقِ الجيوبِ
قد كان ذلك ممكنًا لكن دفعتُ إلى الكروبِ
ومما يدخل في هذه الجملة من صفات النساء قول امرئ القيس
يضيءُ الفراشَ وجهها لضجيعها كمصباحِ زيتٍ في قناديلِ ذبالِ
كأنّ على لباتها جمرَ مصطلٍ أصابَ غضى جزلًا وكفَّ بأجذالِ
ضوء الزيت أنورُ من غيره وأقل دخانًا وعلى ذلك قول النابغة الجعدي في امرأة المتقارب
أضاءتْ لنا النارُ وجهًا أغ رَّ ملتبسًا بالفؤادِ التباسا
تضيءُ كمثلِ سراجِ السلي طِ لم يجعلِ الله فيه نحاسا
وقال عبد بني الحسحاس
كأنَّ الثريا علقتْ فوق َ نحرها وجمرَ غضًى هبتْ له الريحُ ذاكيا
إذا اندفعتْ في ريطةٍ وخميصةٍ ولاثتْ بأعلى الرأس بردًا يمانيا
[ ٢٠ ]
أرتك غداةَ البينِ كفًا ومعصمًا ووجهًا كدينارِ الأغرةِ صافيا
وقال قيس بن الخطيم
وجيدٍ كجيد الرئمِ صافٍ يزينهُ توقدُ ياقوتٍ وفصلُ زبرجد
كأنَّ الثريا فوق ثغرةِ نحرها توقدُ في الظلماءِ أيَّ توقدِ
ومثل ذلك كثير في كلامهم ويكفي هذا الأنموذج منه وقال عبد الصمد بن المعذل في النساء
وهتكنَ ثنيَ الليلِ عن بيضِ السوالفِ والصفاحِ
فكأنما ضحكتْ سجو فُ الليل عن بيضِ الأداحي
وقال امرؤ القيس
إذا ما استحمتْ كان فضلُ حميمها على متنتيها كالجمانِ لدى الجاني
وقال آخر نحوه المتقارب
كأنَّ الحميم على متنها إذا اغترفتهُ باطاسها
جمانُ يجولُ على فضةٍ جلتهُ حدائدُ دواسها
وقال آخر
جردهُ الحمامُ عن فضهْ كشفَ منه عكنًا بضهْ
كأنما الماءُ على جسمهِ نملٌ على سوسنةٍ غضهْ
وقال النابغة
سقط النصيفُ ولم تردْ إسقاطهُ فتناولتهُ واتقتنا باليدِ
بمخضبٍ رخصٍ كأنّ بنانهُ عنمٌ على أغصانهِ لم يعقدِ
نظرت إليك بحاجةٍ لم تقضها نظرَ السقيمِ إلى وجوهِ العودِ
زعمَ الهمامُ بأنّ فاها باردٌ عذبٌ إذا قبلتهُ قلتَ ازددِ
وإذا طعنتَ طعنتَ في مستهدفٍ رابى المجسةِ بالعبير مقرمدِ
وإذا نزعتَ نزعتَ عن مستحصفٍ نزعَ الحزورِ بالرشاءِ المحصدِ
وفي هذا المعنى ما ذكر في القصيدة التي لم ينسج على منوالها المشهورة بأنها يتيمة وقيل هي لزوبعة الملحى التي أولها
هل بالطولِ لسائلٍ ردُّ أم هل لها بتكلمٍ عهدُ
إلى أن قال
ولها هنٌ رابٍ مجستهُ ضيقٌ مسالكهُ به وقدُ
وإذا طعنتَ طعنتَ في لبدٍ وإذا نزعتَ يكادُ ينسدُّ
وأخذ ابن الرومي هذا المعنى فقال حيث وصف جارية الهاشمي بطيب الريق وضيق الفرج المنسرح
وصفتُ فاها الذي هويتُ على ال رغمِ ولم يختبرْ ولم يذقِ
إلا بأخبارك التي وقعت منك إلينا عن ظبية البرقِ
يفترُّ ذاك السوادُ عن يققٍ من ثغرها كاللآلئ القلقِ
كأنها والمزاحُ يضحكها ليلٌ تفرى دجاه فلقِ
لها حرٌ تستعيرُ وقدتهُ من قلبِ صبٍ وصدرِ ذي حنقِ
كأنما حرهُ لخابره ما ألهبتْ في حشاهُ من حرقِ
يزدادُ ضيقاُ على المراسِ كما تزدادُ ضيقًا أنشوطةُ الوهقِ
وقال أيضًا
يا شبيهَ البدرِ في الحس نِ وفي بعدِ المثالِ
جدْ فقد تنفجرُ الصخ رةُ بالماء الزلالِ
وفي هذا المعنى لما فيه للرومي من أولِ قصيدة
صادَ القلوبَ بمقلةٍ وسنا وسبى العقول هلعةً وسنا
وأتى بأزرق ثوبهِ متوشحًا فكأنه بدرٌ بدا بسما
وقال ابن المعتز في غلام عليه ديباجٌ جرميٌّ
وبنفسجيُّ الثوبِ قت لُ محبهِ من دائهِ
الآنَ صرتَ البدْرَ إذْ ألبستَ لونَ سمائهِ
وقال أبو عثمان الناجم في هذا المعنى
ما تعدتْ قتولُ إنْ ألفتْ زي ًا شبيهًا بوجهها ذي البهاء
لبستْ أزرقًا فجاءتْ بوجهٍ يشبهُ البدرَ في أديمِ السماء
وقال جرير
ما استوصفتَ الناسُ من شيءٍ يروقهمُ إلا رأوا أم نوحٍ فوقَ ما وصفوا
وقال
كأنها مزنةٌ غراءُ لائحةٌ أو درةٌ ما يوارِي لونها الصدفُ
وقال ابن الرومي في نساءٍ
تواضعَ البدرُ إذْ ألبسنَ فاخرةً فكنَّ درًا وكان الدرُّ أصدافا
وقال البحتري في نساء
إذا نضونَ شفوفَ الريطِ آونةً قشرنَ عن لؤلؤِ البحرينِ أصدافا