ومن حسن التشبيه في لمع البرق قول امرئ القيس
أصاحِ ترى برقًا أريكَ وميضهُ كلمعِ اليدينِ في حبيٍّ مكللِ
وقال آخر
أرقتُ لبرقٍ آخرَ الليلِ يلمعُ سرى دائبًا منها يهبُّ ويهجعُ
سرى كاحتساء الطيرِ والليلُ ضاربٌ بأرواقهِ والصبحُ قد كاد يسطعُ
وقال آخر المتقارب
أرقتُ لبرقٍ سرى موهنًا خفيٍّ كغمزكَ بالحاجبِ
كأنَّ تألقهُ في السماء يدا كاتبٍ أو يدا حاسبِ
وقال ابن المعتز يصف سحابةً
رأيتُ فيها برقها منذُ بدتْ كمثلِ طرفِ العينِ أو قلبٍ يجبْ
ثمَّ حدتْ بها الصبا حتى بدا فيها إلى البرقِ كأمثالِ الشهبْ
تحسبهُ فيها إذا ما انصدَعتْ أحشاؤها عنه شجاعًا يضطربْ
وتارةً تحسبهُ كأنهُ أبلقُ مالَ جلُّهُ حين وثبْ
حتى إذا ما رفَعَ اليومَ الضحى حسبتهُ سلاسلًا من الذهبْ
الشجاعُ هاهنا الحية وهو مأخوذ من قول دعبل في قوله
أرقتُ لبرقٍ آخر الليلِ منصبِ خفيٍ كبطنِ الحيةِ المتقلبِ
وقال للبيد بن ربيعة
تسمعُ الرعدَ في المخيلة منها كهدير القرومِ في الأشوالِ
وترى البرقَ عارضًا مستطيرًا مرح البلقِ جلنَ في الأجلالِ
وقال آخر
كأنه حين تبدَّى ساطعا هنديةٌ تهتزَّ حين تنتضي
والبرقُ في حافتهِ يفعلُ ما يفعلهُ وجدُ الحزينِ بالحشا
وقال الطائيّ يصف سحابةً
سيقتْ ببرقٍ ضارمِ الزنادِ كأنه ضمائر الأغمادِ
وقال العلوي في سحابةٍ
وكأنَّ لمعَ بروقِها في الجوِّ أسيافُ المثاقفْ
وقال دعبل
ما زلتُ أكلأُ برقًا في جوانبهِ كطرفةِ العينِ يخبو ثمَّ يختطفُ
برقٌ تجاسرَ من خفانَ لامعهُ يقضي اللبانةَ من قلبي وينصرفُ
وقال عنترة في تمكثه وضيائه
ألا يا من لذا البرقِ اليماني يلوحُ كأنه مصباحُ باني
شبهه بسراج الباني بأهله لأنه لا يطفأ في تلك الليلة من طول مكثه وقال آخر
وحتى حسبتُ البرقَ نارين شبتا ببرقةِ ساقٍ ما بنَى موقداهما
وقال الطائي
[ ١٣ ]
يا سهمُ للبرقِ الذي استطارا ثابَ على رغمِ الدجى نهارا
آض لنا ماءً وكان نارا أرضَى الثرى وأسخطَ الغبارا
وينشد أهل المعاني فيه
نارٌ تجددُ للعيدانِ تضرمها والنارُ تلفحُ عيدانًا فتحترقُ
وقال البحتري
فسقاهمْ وإنْ أطالتْ نواهُ خلفةُ الدهرِ ليلهُ ونهارهُ
كلُّ جودٍ إذا التقَى البرقُ فيه أوقدتْ للعيونِ بالماءِ نارهُ
وقال آخر
بدا البرقُ من نحوِ الحجازِ فشاقني وكلُّ حجازيٍّ له البرقُ شائقُ
سرى مثلَ نبضِ العرقِ والليلُ دونهُ وأعلامُ نجدٍ كلها والأسالقُ
وقال الطائي مثله
إليكَ سرى بالمدحِ قومٌ كأنهم على الميسِ حياتُ اللصابِ النضانضُ
تشيم بروقًا من تدارك كأنها وقد لاحَ أولاها عروقٌ نوابضُ
اللصاب الطرق في الجبال واحدها لصب والنضانض الحيات الواحد نضناض وهو الذي له حركةٌ لا تستقر، والميس خشب الرحل فخبر أنهم قد أعيوا من السير حتى صاروا في الدقة كالحيات ومثله قوله أيضًا
وركبٍ كأمثالِ الأسنةِ عرسوا على مثلها والليلُ تسطو غياهبهْ
لأمرٍ عليهمْ أنْ تتمَّ صدورهْ وليسَ عليهمْ أن تتمَّ عواقبه
وله من سفر قد أنضوا ركائبهم
فقد أكلوا منها الغواربَ بالسرى وصارتْ لها أشباحهم كالغواربِ