فَقَالَ: يا شيخ! (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) (١١ سورة هود الآية"٧٩) .
قَالَ: فضحك الرجل، وَقَالَ لَهُ: انزل فَكُل. فَقَالَ لَهُ بنان: يا هَذَا لا تسيء بالمشايخ الظن، واستغفر اللَّه مِمَّا كَانَ.
١٣٠- وَقَدْ حكي عَن أشعب بْن جُبَيْر صاحب الملح بالمدينة نَحْو هذه الحكاية.
أَخْبَرَنَا عَلِي ابْن أَبِي عَلِي، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد المعدل، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر ابْن الأنباري، قَالَ: قَالَ مُصْعَب الزبيري: خرج سالم بْن عَبْد اللَّهِ متنزهًا إِلَى ناحية من نواحي الْمَدِينَة هُوَ وحرمه وجواريه. وبلغ أشعب الْخَبَر، فوافى الموضع الَّذِي هُمْ بِهِ يريد التطفيل، فصادف الباب مغلقًا، فتسور الحائط، فَقَالَ لَهُ سالم: ويلك يا أشعب! معي بناتي وحرمي، فَقَالَ: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ) (١١ سورة هود الآية:٧٩)، فوجه إِلَيْهِ سالم من الطعام مَا أكل وحمل إِلَى منزله.
[ ١١٧ ]
١٣١- حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَلِي الجلاب قَالَ: جاء طفيلي إِلَى عرس؛ فمنع من الدخول، وَكَانَ يعرف أَن أَخَا للعروس غائب، فَذَهَبَ، فأخذ ورقة كاغد وطواها وسحاها وختمها، وليس فِي بطنها شَيْء، وجعل العنوان من الأخ إِلَى العروس؛ وجاء، فَقَالَ: معي كتاب من أَخِي العروس إِلَيْهَا؛ فأذن لَهُ، فدخل، ودفع إليهم الكتاب، فَقَالُوا: مَا رأينا مثل هَذَا العنوان، لَيْسَ عَلَيْهِ اسم أحد! فَقَالَ: وأعجب من هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي بطن الكتاب ولا حرف واحد، لأنه كَانَ مستعجلًا؛ فضحكوا منه، وعرفوا أَنَّهُ احتال لدخوله، فقبلوه.
[ ١١٨ ]
١٣٢- قَالَ لي مُحَمَّد بْن عَلِي: وقيل لنوح الطفيلي: كَيْفَ تصنع إِذَا لَمْ يتركوك تدخل إِلَى عرس؟ قَالَ: أنوح عَلَى الباب حَتَّى يتطيروا مني فيدعوني.
١٣٣- حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَلِي بْن عبيد اللَّه الكرخي، قَالَ: منع طفيلي عَن عرس، فَذَهَبَ فأخذ إحدى نعليه فِي كمه، وعلق الأخرى بيده، وأخذ خلالا طويلًا، فقطعه، وأخذ محلبًا من عطار، فلطخ بِهِ أَصَابِعه، وجعل يتخلل بِذَلِكَ الخلال الطويل، ودنا من البواب كالمستعجل، فَقَالَ لَهُ: إني أكلت فِي الفوج الأَوَّل لشغل كَانَ عَلِي، ولاستعجالي أخذت فرد نعل ونسيت الآخر، فتفضل بإخراجه لي، فَقَالَ البواب: أنا مشغول، أدخل فاطلبه لنفسك؛ فدخل فأكل وخرج.
١٣٤- ذكر بَعْض الرواة أَن أبا الْعَبَّاس المبرد أنشد للحمدوني فِي طفيلي:
أراك الدهر تطرق كُل عرس كأمر اللَّه يطرق كُل ليله
فَإِن غلظ الحجاب وَكَانَ صعبًا وَلَمْ تقدر هناك عَلَى دخيله
أخذت لكي تخاطبهم خلالا وقلت: نسيت عندكم نعيله
[ ١١٩ ]
فتلتهم الخوان بِمَا عَلَيْهِ وتبدرهم إِلَى بيض البقيله
وتأكل أكل ميسرة وأيضًا فلا بد لعرسك من زليله
وأنت بفضل حذقك ذا طفيل وتلك بِمَا تزل لَهَا طفيله
١٣٥- أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّد الحسن بن عيسى المقتدر بالله، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مَنْصُور اليشكري، أَخْبَرَنَا ابْن الأنباري، حَدَّثَنِي أَبِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عبيد، عَن أَبِي عُبَيْدَة، قَالَ: أتينا رجلًا من بَنِي مخزوم، وَكَانَ ينزل ضاحية بَنِي تميم، فوافى دكين الراجز، فَقَالَ للبواب: إني ألاع إِلَى السخن، فأدخلني؛ فأبى البواب أَن يدخله، فوقف دكين عَلَى دكان وَقَدِ انصرف بَعْض الْقَوْم، فأنشأ يَقُول:
اجتمع النَّاس وَقَالُوا: عرس إِذَا قصاع كالأكف خمس
زلجلجات قد جمعن ملس ففقت عين وفاضت نفس
فَقَالَ لَهُ البواب: من أَنْتَ لا حياك اللَّه؟ فَقَالَ: أنا دكين الراجز؛ فأدخله.
قَالَ أَبُو بَكْر ابْن الأنباري: تفسير هَذَا الْحَدِيث، قَالَ لي أَبِي: قَالَ أَحْمَد بْن عبيد: ألاع، معناه: أتوقد حرصًا عَلَيْهِ، ويحترق فؤادي طلبا لَهُ.
قل: والزلجلجات: الَّتِي تحرك وتذهب ويجاء لا تقر فِي موضع واحد.
[ ١٢٠ ]
١٣٦- أنبأنا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الرافقي، أَخْبَرَنَا عَلِي بْن مُحَمَّد بْن السري، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد المقرئ، قَالَ: عمل طفيلي وليمة، فدخل عليه طفيليان، فعرفهما، فأصعداهما إِلَى غرفة لَهُ حَتَّى أطعم من أراد، ثُمَّ نزل بهما، فَقَالَ لهما: لا أصغر اللَّه ممشاكما. فأخرجهما وَلَمْ يأكلا من الطعام شيئًا.
١٣٧- وَقَدْ كَانَ لأبي سعيد ابن دراج الطفيلي فِي مثل هَذَا المعنى خبر ظريف: أخبرنيه أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن سُلَيْمَان بْن عَلِي المقرئ الواسطي، أَخْبَرَنَا عبيد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد البزاز، أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن الْقَاسِمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس الطوسي، أَخْبَرَنَا ابْن أَبِي سَعْد، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو، حَدَّثَنِي أَبُو عَلِي القرشي: أَن ابْن دراج الطفيلي كَانَ من أهل حران، قدم بغداد، فمر بباب قوم وعندهم وليمة، فدخل، فَإِذَا صاحب الدار قَدْ وضع سلمًا، فكلما رأى إِنْسَانًا لا يعرفه قَالَ: اصعد يا أبى.
قَالَ ابْن دراج: فصعدت إِلَى غرفة مفروشة حتى وافينا فيها ثلاثة عشر طفيليا، ثُمَّ رفع السلم، ووضعت الموائد فبقي أَصْحَابي قَدْ تحيروا، وَقَالُوا: مَا مر بنا مثل ذا قط.
قَالَ: قُلْت: يا فتيان! إيش صناعتكم؟ قَالُوا: الطفيلية، قُلْت: فإيش عندكم فِي هَذَا الأمر الَّذِي وقعنا فِيهِ؟ قَالُوا: مَا عندنا فِيهِ حيلة. قُلْت: فَإِذَا احتلت لكم حَتَّى تأكلوا وتنزلوا، تقرون لي أني أعلمكم بالتطفيل؟ قَالُوا: ومن تكون بالله؟ قَالَ: أنا ابْن دراج؛ قَالُوا: قَدْ أقررنا لَك قبل أَن تحتال لنا.
[ ١٢١ ]
قَالَ: فجئت إِلَى صاحب الدار، فاطلعت عَلَيْهِ والناس يأكلون.
قَالَ: قُلْت: صاحب الدار! قَالَ: مَا لَك؟ قَالَ: قُلْت: أيما أحب إليك، تصعد إلينا بخوان كبير نأكل وننزل أَوْ أرمي بنفسي راسية فيخرج من دارك قتيل ويصير عرسك مأتما؟ قَالَ: وجعلت أجر سراويلي كأني أريد أعدو وأرمي بنفسي.
قَالَ: فجعل صاحب الدار يَقُول: اصبر ويلك لا تفعل؛ وجعل يعجلهم، وَيَقُول: هَذَا مجنون؛ فأصعدوا إلينا خوانًا، فأكلنا ونزلنا.
وابن دراج هَذَا كَانَ قديمًا من الطفيليين، وَلَهُ فِي التطفيل حكايات معروفة.
١٣٨- أخبرني أَحْمَد بْن عَلِي بْن الْحُسَيْن المحتسب، أَخْبَرَنَا عبيد اللَّه بْن مُحَمَّد المقرئ، أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن الْقَاسِمِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطوسي، أَخْبَرَنَا ابْن أَبِي سَعْد، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو، حَدَّثَنِي أَبُو عَلِي القرشي، قَالَ: سمعت عيسى بن محمد ابن أَبِي خَالِد يَقُول لابن دراج، وَكَانَ رأس ابْن دراج طويلًا: من أي شَيْء طال رأسك؟ قَالَ: من مزاحمة الأبواب؛ أي: يعصرونه مَعَ الحائط بالأبواب.
١٣٩- أنبأنا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الرافقي، أَخْبَرَنَا عَلِي بْن مُحَمَّد بْن السري، أَحْمَد بْن الْحَسَن المقرئ، حَدَّثَنِي أبو عبد الله ابن
[ ١٢٢ ]
الجهم، أَخْبَرَنَا يَحْيَى الفراء، قَالَ: كتن قاطعت ابْن دراج الطفيلي عَلَى أن يملي علي ثلاثين نادرة بدرهم، فكان إِذَا ذكر نادرة باردة لَمْ أحسبها لَهُ، فَقَالَ: إِن أردت النقاوة عشرة بدرهم.
[ ١٢٣ ]