وليس في الأرض أمّة بها طرق «١» أو لها مسكة، ولا جيل لهم قبض وبسط، إلّا ولهم خطّ. فأمّا أصحاب الملك والمملكة، والسلطان والجباية، والدّيانة والعبادة، فهناك الكتاب المتقن، والحساب المحكم، ولا يخرج الخطّ من الجزم والمسند المنمنم والسمون كيف كان، قال ذلك الهيثم بن عدي، وابن الكلبي.
قال: فكلّ أمّة تعتمد في استبقاء مآثرها، وتحصين مناقبها، على ضرب من الضروب، وشكل من الأشكال.
وكانت العرب في جاهليّتها تحتال في تخليدها، بأن تعتمد في ذلك على الشعر الموزون، والكلام المقفّى، وكان ذلك هو ديوانها. وعلى أنّ الشعر يفيد فضيلة البيان، على الشاعر الراغب، والمادح، وفضيلة المأثرة، على السيّد المرغوب إليه، والممدوح به. وذهبت العجم على أن تقيّد مآثرها بالبنيان، فبنوا مثل كرد بيداد، وبنى أردشير بيضاء إصطخر «٢» . وبيضاء المدائن، والحضر، والمدن والحصون، والقناطر والجسور، والنواويس «٣»، قال: ثمّ إنّ العرب أحبّت أن تشارك العجم في البناء، وتنفرد بالشعر، فبنوا غمدان، وكعبة نجران «٤»، وقصر مارد، وقصر مأرب، وقصر شعوب «٥» والأبلق الفرد، وفيه وفي مارد، قالوا «تمرّد مارد وعزّ الأبلق» «٦» وغير ذلك من البنيان، قال: ولذلك لم تكن الفرس تبيح شريف البنيان، كما لا تبيح شريف الأسماء، إلّا لأهل البيوتات، كصنيعهم في النواويس والحمّامات
[ ١ / ٥١ ]
والقباب الخضر، والشّرف على حيطان الدار، وكالعقد على الدّهليز وما أشبه ذلك، فقال بعض من حضر: «كتب الحكماء وما دوّنت العلماء من صنوف البلاغات والصّناعات، والآداب والإرفاق «١»، من القرون السابقة والأمم الخالية، ومن له بقيّة ومن لا بقيّة له، أبقى ذكرا وأرفع قدرا وأكثر ردّا، لأنّ الحكمة أنفع لمن ورثها، من جهة الانتفاع بها، وأحسن في الأحدوثة، لمن أحبّ الذكر الجميل» .