وممّا يدلّ على نفع الكتاب، أنّه لولا الكتاب لم يجز أن يعلم أهل الرّقّة والموصل وبغداد وواسط، ما كان بالبصرة، وما يحدث بالكوفة في بياض يوم، حتّى تكون الحادثة بالكوفة غدوة، فتعلم بها أهل البصرة قبل المساء.
وذلك مشهور في الحمام الهدّى، إذا جعلت بردا، قال الله جلّ وعزّ- وذكر سليمان وملكه الذي لم يؤت أحدا مثله- فقال وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ
«٣» إلى قوله: أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
«٤» فلم يلبث أن قال الهدهد جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ. إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ، وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ
«٥»
قال سليمان اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ
«٦» وقد
[ ١ / ٦٥ ]
كان عنده من يبلّغ الرسالة على تمامها، من عفريت، ومن بعض من عنده علم من الكتاب، فرأى أنّ الكتاب أبهى وأنبل، وأكرم وأفخم من الرسالة عن ظهر لسان، وإن أحاط بجميع ما في الكتاب. وقالت ملكة سبأ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
«١» . فهذا مما يدل على قدر اختيار الكتب.