هو فلك الدين، أبو نصر، محمد بن سيف الدين أيدمر بن عبد اللَّه المستعصي.
الأمير، الكاتب، الأديب من أبناء الأمراء، الأعيان العظماء (٣).
_________________
(١) ينظر مؤيد الدين بن العلقمي: ١٠٤ طبعة النجف الأشرف.
(٢) من هنا إضافة من قبل محقق الدر الفريد.
(٣) ذكره ابن القطقطي في عرض حكاية نقلها عنه يذكر فيها أنه كان في جيش مجاهد الدين إيبك الدويدار الصغير في وقعة نهر بشير من دجيل سنة "٦٥٦ هـ" ص ٥٧ وكتابه الذي سيأتي ذكره -أعني الجوهر الفريد وبيت القصيد- جمع فيه على حروف =
[ ١ / ٢٥ ]
قال مترجمًا نفسه:
"مَوْلدِي بِبَغْدادَ بِالمَحَلَّةِ الَّتِي تُسَمَّى دَرْبَ حَبِيْبٍ في سُخرَةِ صبْيَحَةِ يَوْمِ الجُّمْعَةِ رابِعَةَ شَهْرِ اللَّهِ الأَصَمِّ رَجَبَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَسِتِّمِائَةَ لِتارِيْخِ الهجْرَةِ الشَّرِيْفَةِ، وَبِبَغْدادَ نَشَأَتُ وَأُخْرِجْتُ مِنْها ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْها بَعْدَ سِنِيْنَ.
وَوالِدِي أَحَدُ خَواصِّ الإِمَامِ الشَّهِيْدِ أَبي أحمَد عَبْدِ اللَّهِ المُسْتَعْصمِ بِاللَّهِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ ﵄، وَهُوَ أَبُو مَنْصُوْر أَيْدَمِرَ بنُ سَّكِزَبِرُ كَوَنْجَكَ أَحَدُ أُمَراءِ طَوائِفَ القُبْجاقَ، وَكانُوا ذَوِي ثَراءٍ وَأَنْعامٍ كَتيْرَةٍ وَمُلُوْكًا، لا يَدِيْنُوْنَ بِطاعَةٍ لأَحَدٍ وبلادهم. . . باب الأَبْوابِ الَّذِي صنَعَهُ كِسْرَى حَتَّى ظَهَرَ جَنْكِيْزُ خانُ وَسَباهُمْ لَمّا لَمْ
_________________
(١) = المعجم البيوت الشعرية المشهورة الجارية مجرى الأمثال السائرة، منه مجلد كبير في خزانة كتب الإمام علي الرضا بطوس وقد سقط شيء من أوله في قطع من الورق كبير جدًا وخط فائق، وعدة أوراقه "٢٦٧" ورقة على شكل سفينة رآه محسن الأمين العاملي وذكره في كشكوله الموسوم بأعيان الشيعة ووصفه ولم يعرف اسمه ولا مؤلفه فتأمل ذلك، ومما نقل عنه: "قال كاتبه -عفا اللَّه عنه-: كان لي على المرحوم علاء الدين عطا ملك بن محمد الجويني إطلاق فاشتغل عنه فكتب إليه والشعر لي: ما لي ظمئت وبحر جودك مُترع وعلام أطوي والقِرى مبذول؟ في كل عام لي ببابك منهل عذب وأنت القصد والمأمول فأنعم باطلاق ما سألته وزاد تغمده اللَّه". وظنّ العاملي لبعض الشبه أن اسمه سعيد ثم قال: "ولكن في بعض الحواشي (قال كاتبه محمد بن أيدمر) وقال في موضع آخر: إقبال الشرابي النبوي المستنصري هو الذي رباني صغيرًا وجعلني في جملة من يدخل عليه كل يوم وكان ذلك ممنوعًا ممن عن غيرنا". ومع أنّ العاملي ذكر في مراجع كتابه هذا الكتاب أعني مجمع الألقاب وادّعى الاطلاع عليه لم يستطع معرفة مألفه لما أومأنا إليه. "أعيان الشيعة ج ٢ ص ٤١٠ من الطبعة الثانية سنة ١٩٤٤ هـ".
[ ١ / ٢٦ ]
يَطِيْعُوْهُ فاتَّفَقَ مَجِيْءُ والِدِي مِنْ بِلَادِهِ صِحْبَةَ التُّجَّارِ صَغِيْرًا يَرْضَعُ اللَّبَنَ إِلَى مِصْرَ، وَأَهْدَاهُ عَزِيْزُ مِصرَ إِلَى الإِمَامِ أَبِي جَعْفَر المُسْتَنْصِرِ باللَّهِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ والِدِ المُسْتَعْصِمِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِيْنَ" (١).
وحول وفاة والده يقول:
"وَلَمَّا وَصَلَ هُوْلَاكُو خان مَجْمُوعُ التَّتَارُ وَغَيْرهُمْ إِلَى بَغْدادَ اسْتَشْهَدَ والِدِي ﵀ بِبزوْغَي في صَبِيْحَةِ يَوْمِ الخَمِيْسِ وَهُوَ عاشِرُ المُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّمائَةَ هِجْرِيَّةَ بَيْنَ الصَّفْينِ. حَكَى لِي مَنْ شاهَدَهُ أَنَّهُ لَمَّا انْكَسَرَ عَسْكَرُ بَغْدادَ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَلَمْ يَزَلْ يُقاتِلُهُمْ حَتَّى قُتِلَ رَحمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ما أَحِسَنَ قَوْلُ أَبِي تَمَّامِ:
فَتًى مَاتَ بَيْنَ الضَّرْبِ والطَّعْنِ مِيْتَةً تَقُوْمُ مَقامَ النَّصْرِ إِذْ فاتَهُ النَّصْرُ
وَقَدْ كَانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلًا فَرَدَّهُ إِلَيْهِ الحِفَاظُ المرُّ والخلقُ الوَعْرُ
فأَثْبَتَ فِي مُسْتَنْقَعِ المَوْتِ رِجْلَهُ وَقَالَ لَهَا مِنْ تَحْتِ أَخْمَصَكِ الحَشْرُ
تَرَدَّى ثِيابَ المَوْتِ حُمْرًا فَمَا أتَى لَهَا اللَّيْلُ إِلَّا وَهِيَ مِنْ سُنْدِسٍ خُضْرُ" (٢)
وقال عن ولد له أسماه عليًا توفي في بداية صباه:
"وُلِدَ في الثُّلْثِ الأَوَّلِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ صَفَرَ سَنَة ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ وسميته الهِلَالِيّةَ وُلَد سَمَّيْتهُ عَلِيًّا وكان في الخَلقِ والخُلقِ كامِلًا مَرْضِيًّا فَعَاشَ حَتَّى بَرَعَ وَحَدَقَ في كِتابَةِ الدُّسْتُوْرِ وَروايَةِ الأَشْعَارِ وَحُسْنِ الأَدَبِ فَلَمَّا بَلَغَتْ سنّهُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَةً وَسِتَّةَ شُهُوْرٍ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِيْنَ يَوْمًا تَوَفَّى لَيْلَةَ الأَرْبِعَاءِ في الثُّلْثِ الأَوَّلِ مِنَ اللَّيْلِ مِثْلِ وَقْتِ وِلَادَتِهِ سَوَاءً فَكَانَ في حَالِ حَياتِهِ لا يُجَرِّبُ قَلَمًا لَمَّا يبْرِيْهِ إِلَّا وَيَكْتُبُ:
إِنَّ الزَّمانَ الَّذِي مَا زالَ يُضْحِكُنَا أُنسًا بقربكُم قَدْ عَادَ يُبكينَا
وَلا أَمكنَ أَنْ يُنْشِدَ بَيْتًا عَلَى سَبِيْلِ التَّرْنِيْمِ إِلَّا أَنْشَدَهُ وَلا بَدَأَ بِكَلَامٍ إِلَّا بِهِ حَتَّى اعْتُبطَ
_________________
(١) الدر الفريد ١/ ٩ (خ).
(٢) م. ن، ديوان أبي تمام ٨٠ - ٨١.
[ ١ / ٢٧ ]
رضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَدَفْنتهُ في مَقَابِرِ الشُوْنيزِيّةِ إِلَى جانِبِ أُخْوَتهِ رَحَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى" (١):
ولكي نعرف قيمة شهادة ابن أيدمر ينبغي لنا أن نعرف من هو؛ فقد حان أن نعرفه، وأن نعرف قيمة شهادته، فأقول:
هو -كما وردت ترجمتُه في "تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب" (٢) الذي حقَّقه العلّامة المرحوم الدكتور مصطفى جواد: والذي بُديء بطبعه في دمشق سنة: ١٩٦٢ - أقول هو كما يقول [كمال الدين، أبو الفضل، عبد الرزاق بن أحمد المعروف بابن] الفوطي [الشيباني المتوفى عام ٧٢٣ هـ] في كتابه المذكور:
"فلك الدين، أبو نصر محمد بن سيف الدين أيدمر بن عبد اللَّه المستعصمي الأمير الكاتب، . . . الأديب.
من أبناء الأمراء، الأعيان العظماء، ذكر لي أنَّه ولد ببغداد في رابع رجب سنة تسعٍ وثلاثين وستمائة، ولما ترعرع اشتغل بالخطّ، ثم بالفروسية، وكان من أحسن الناس شكلًا، وألطفهم أخلاقًا، ولمّا أخذت بغداد حصل مع ملك الكرج، واتصل بحضرة السلطان هولاكو، وقرَّبه، وجعله شحنةً على الحكماء الذين يلوذون بحضرته لعمل الكيمياء.
ولما تُوفي السلطانُ رجع إلى بغداد، ورُتِّب خازنًا في الديوان، واشتغل في عمل كتاب (الجوهر الفريد وبيت القصيد)، وهو كتابٌ نفيسٌ لم يُؤلف مثله، واهتمَّ في ترتيبه وعمله، ثمَّ ترك العمل، وحلق رأسه، وتزهّد، وخلع القباء ولبس الفرجية، واشتغل بتنقيح كتابه إلى أن تمَّ، ونقله إلى البياض.
وكان قد علاه دَيْنٌ فخدم خزانة الوزير بالكتاب، وقضى ديْنَه واستراح خاطرُه، فجاءه ما لم يكن في حسابه، وتُوفِّي في رجب سنة عشرٍ وسبعمائة، وله شعر
_________________
(١) الدر الفريد ٢/ ٣٢٩، وإلى هنا تنتهي إضافة محقق الكتاب ويعود الحديث للدكتور الأعرجي.
(٢) مجمع الآداب ٣/ ٢٨١ - ٢٨٢.
[ ١ / ٢٨ ]
حسن، ورسائل وأخبار، ذكرت في التأريخ أكثرها، وكان بيني وبينه معرفةُ وصداقة واتحادٌ منذ سنة خمسين، ولمّا قدمتُ بغداد كنتُ أتردّد إلى خدمتِه، ويُشرّفني أيضًا بحضوره، ورثيته بأبيات أولها:
رَبع المعالي أضحى دارس الدِّمن والفضل بعدك أمسى ذاوي الغصنِ
منها:
يا أيُّها الفلك الدوار جرت ولم تعدل على فلك الدين الفتى الفطن
الفاضل الكامل المحمود سيرته العالم العامل المشكور ذي المنن" (١)
والنصُّ الذي نقلتُه -على طوله- فيه أشياء مُهمةً عن مؤلّفنا منها أنَّه لم يلتحق بخدمة هولاكو على نية الخيانة، ولكن على نية العلم كما التحق بهولاكو الفلكيُّ الكبير الخواجة نصير الدين الطوسي، ولو كان التحق به على نية الخيانة لاستوفى ثمنها منه، ولم يلحقه دَينٌ بعدَ وفاةِ هولاكو.
ومنها أنّ الرجل تزهّد بعد مفارقة هولاكو، وزهدُه ينسجم مع شيئين هما أن يُضطر إلى خدمة هولاكو طلبًا للرزق، وكتابُه ينضحُ بالوفاء للخليفة المستعصم، وأن يفقد ولديه الإثنين على غير انتظار (٢)، ولعلَّ هذا هو الذي أشار إليه صديقه ابنُ الفوطيّ في قوله: "فجاءه ما لم يكن في حسابه".
هذا ولم يكن ابنُ أيدمر ليخدم هولاكو بعد استيلائه على بغداد إلَّا على مضضٍ إن لم يكن يُشبه الموت فهو -دونما شكٍّ- من صنفِه، وإلّا فكيف يخدم رجلٌ قاتلَ أبيه؟
يقول المؤلف: "قال كاتبه محمد بن أيدمر عفا اللَّه عنهما: خدمتُ المستعصم ﵀، واستُشهد والدي ﵀ بين الصفَّين بِبَزوغُى وهو الموضعُ الذي قامت
_________________
(١) ٤. ق ٣: ٥١٢ - ٥١٤، نقلا عن الدر ٥، ٦.
(٢) ينظر الدر الفريد ٥: ٢٧٢، وفيه: ". . . كنتُ بجامع القصر ببغداد يوم الجمعة، وإلى جانبي ولدين (كذا) لي رحمهما اللَّه: فاتفق أن صلّى إلى جنبنا شيخٌ غريبٌ فلما سلم من الصلاة نظر في وجوهنا مليًا ثم قال: وجوهُ عليها للقبول علامةُ. . . .
[ ١ / ٢٩ ]
الحربُ فيه، وشهدتُ ذلك اليومَ وهو عاشر المحرم من سنة ستٍّ وخمسين وستمئة هلالية" (١).
وإذًا فلم يكن مؤلّفنا من أنصار المغول، وإنّما التقى بهولاكو من بابين: الباب الأول منهما هو اهتمام هولاكو بجمع العلماء العراقيين من حوله، والباب الثاني هو ما يمكن أن خطر على ذهن ابن أيدمر وهو يلتقي به من أمر المثل العربيّ القائل: "أضرعتني إليك الحُمّى".
ومن هنا كان من شأن شهادة رجلٍ بمثل حاله على حال ابن العلقميّ أن تكون صادقةً مُصدَّقةً، فإذا آمنا بهذا وجدناه يقول: إن الوزير ابن العلقمي كان يُحرِّض المدافعين عن بغداد -والخائن لا يُحرِّض- أن يستميتوا في الدفاع عنها: فقد روى من متن كتابه (٢) قول الصَّليحي قائم اليمن:
"إنَّ العُلى لا يُستطاعُ خطابُها حتّى تُطلَّق دونها الأعمارُ"
ثم عقَّب على ذلك بقوله كعادته: "حاشية: حكى لي من حضر أنَّه لمّا ركب فتح الدين بن كُرّ ﵀ في واقعة بغداد حضر بين يدي الوزير مؤيد الدين بن محمَّد العلقمي فقال له مُحرِّضًا:
إنَّ العلى لا يُستطاعُ خطابُها (البيت)
أمَّا كيف رضي هولاكو عن ابن العلقمي فسلّمه بغداد فيقول ابنُ أيدَمر على الصفحة: ١٨٣ من الجزء الخامس "لما أخذ المغول بغداد وقتلوا الخليفة أبا أحمد عبد اللَّه المستعصم باللَّه رحمة اللَّه عليه كان وزيرَه مؤيدُ الدين أبو طالب محمد بن العلقمي، وتوصَّل بحسن تدبيره، وصائب رأيه حتى سلم من القتل هو وأتباعه، فلما رحل المغول من بغداد سُلِّمت الأعمال وبغداد إليه، ثم مات عن قربٍ. واتَّفق أن ولده عز الدين كتب إلى والده الوزير يقول: ما أحسن قول القائل:
_________________
(١) الدر: ٣/ ٢٢ صد: مُرنزا، وهو الصواب.
(٢) الدر الفريد - المخطوط ٥/ ٣٣٥.
[ ١ / ٣٠ ]
شبتُ أنا والتحى حبيبي فبِنتُ عنه وبان عنّي
واسودَّ ذاك البياضُ منه وابيضَّ ذاك السوادُ منّي
فكتب إليه والدُه الوزير في الجواب: أحسن منه قولُ الآخر: وأشبَهُ بحالي وحال الخليفة رحمة اللَّه عليه:
نَمَّ في خدِّه العذار ولاح الشَّـ ـيبُ في مفرقي بغيرِ أوانِ
كسدتْ سوقُنا جميعًا على الحُـ ـبِّ وولَّى زمانُهُ وزماني"
ورجلٌ يحزن مثل هذا الحزن على مخدومه الخليفة المستعصم -حتّى بعد قتله وزوال مُلكه- لا يمكن أن يخونه.
ويزيد من قيمة شهادة صاحبنا أنَّه نشأ في حجر إقبال الشرابي كما يقول هو في ٥/ ٤٩٩، ممَّا يجعله عليمًا بما يدور في قصر الخلافة، وممّا يُبعدهُ أن يشعر بشيءٍ لابن العلقميِّ في عنقه يقتضيه أن يُجامله. فإذا علمنا أنَّه ألّف الكتاب بعد وفاته أدركنا قيمة شهادته.
ولستُ من المدافعين عن ابن العلقمي، وإنّما أريد من كلِّ ما ذكرتُ أن أنبِّه المؤرخين العرب، وأشباههم من المتطفلين على التأريخ والتأرخة أن يتنبَّهوا إلى هذا الكتاب المعاصر له.
صحيحٌ أن ابن شاكر الكتبي ألف جزءًا من كتابه "عيون التواريخ" عن سقوط بغداد حقَّقه الراحل الكبير الدكتور فيصل السامر، وشريكة له، ولكن صحيحٌ أيضًا أن ابن شاكر قد توفِّي سنة: ٧٦٤، أي بعد مُضي ما هو أكثر من قرن على سقوطها.
وعتبٌ يسيرٌ على العلّامة الجليل الدكتور فؤاد سزكين مدير "معهد تاريخ العلوم العربية والإِسلامية في إطار جامعة فرانكفورت" أن لم يتنبَّه لا إلى مثل هذه الأشياء فحسب، وإنمّا لم يتنبَّه حتّى إلى ترجمة المؤلّف لولا أن نبَّهه زميلُه الدكتور رودلف زلهايم.
[ ١ / ٣١ ]
ولهذا العتب أوجهٌ كثيرةٌ منها أنَّه كان على سزكين، وقد دلَّه زلهايم على موضع ترجمته، أن يستقريء -كما هي أصول البحث العلمي- "الدر الفريد" استقراءً مُتمعِّنًا فيزيد على الترجمة ما ذكره المؤلف نفسه عن حياته.
ولو كان فعل لكان عرف أنه -على سبيل المثال- من تلاميذ الصغاني صاحب معجم "العباب" الذي حقّقه الشيخ محمد حسن آل ياسين، ولعرف أنَّه من أصدقاء ياقوت الحموي، وشمس الدين الكوفي، وسواهم. ولعرف أنَّه فقد ولديْه وقد بلغا مبلغ الرجال، وأنّه تربّى -كما سلف- في كنف إقبال الشرابي وهكذا.
ويبقى من همي أن أُنبِّه إلى ضرورة تحقيق هذا الكتاب الجليل؛ لأنّه من دون أدنى شكٍّ يضيفُ إلى ثقافتنا الشعرية أشياء ثمينة، ولأنّ العلامة سزكين لم يطبع منه إلا مئتي نسخة خطية جمعها من مكتبات تركيا وإيران، فكان من حُسن حظي أن اقتنيتُ واحدة منها على الرغم من غلاء ثمنها غلاءً لا يكاد يحتمله من هو مثلي.
هذا ولو كنتُ إلى جوار مكتبتي التي تركتها في العراق بحيث أستطيع أن أخرِّج أقواله من مصادرها لما تركتُ أحدًا يسبقني إلى تحقيقه، وتعميم فائدته، ولكن:
ما كلُّ ما يتمنَى المرءُ يدركُه تجري الرياحُ بما لا تشتهي السُّفنُ
بوزنان - بولندة في: ٢٠/ ٥/ ٢٠٠١