سَيُثِيْبُنِي أُخْرَى سِوَاكِ وَتلْكَ لِي مِنْهُ يَسِيْرَه
وَسَرَقَ مِنْ ذِي الرُّمَّةِ ابْنُ أَبِي عَاصِيَةَ السُّلَمِي فَقَالَ: [من الكامل]
إِنْ زَالَ مَعْنُ بَنِي شَرِيْكٍ لَمْ يَزَلْ يُدْنِي إِلَى سَفَرٍ لِعَيْنِ مُسَافِرِ
نَذْرٌ عَلَيَّ لَئِنْ لَقِيْتُكَ سَالِمًا أَنْ تَسْتَمِرَّ بِهَا شفَارُ الجَازِرِ
ثُمَّ نَحَرَهَا عِنْدَ وُصولهَا إِلَيْهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَعَنْا، فَتَطَيَّرَ، وَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ، فَقَالَ: نَذْرٌ كَانَ عَلَيَّ وَأَنْشَدَهُ الشِّعْرَ، فَقَالَ مَعْنٌ: أطْعِمُوْنَا مِن كَبِدِ هَذِهِ المَظْلُوْمَةِ.
وَبَاقِي المَجَازَاتِ الَّتِي اعْتَمَدَتْهَا العَرَبُ فِي أَشْعَارِهَا لِضَرُوْرَةِ الشِّعْرِ، وَإقَامَةِ وَزْنِهِ تَجَوُّزًا وَاتِّسَاعًا، إِذْ كَانَ مِنْ عَادَاتِهَا الاخْتِصارُ وَالحَذْفُ، وَالإِيْجَازُ وَالإِيْمَاءُ، وَالاكْتِفَاءُ بِاللَّمْحَةِ الدَّالَّةِ، وَالإِشَارَةِ إِلَى المَقْصدِ، وَالاسْتِغْنَاءُ بِالقَلِيْلِ عَنْ الكَثِيْرِ. وَأَقَرُّوْهُ شِعْرًا لَمْ يَتَعَذَّرْ فَهْمُ المَعْنَى المَطْلُوْبِ مِنَ اللَّفْظِ المَذْكُورِ. وَهِيَ أَنْوَاعٌ مُتَعَدِّدَة قَدْ أَوْرَدْنَا مِنْهَا مَا اتَّفَقَ إيْرَادُهُ بَيَانًا وَإيْضَاحًا لِلجِّنْسِ. فَمِنْ ذَلِكَ (١):
_________________
(١) وَمِنَ المَجَازَاتِ أَيْضًا أَنَّ الشُّعَرَاءَ اسْتَجَازَتْ أَنْ تَجْمَعَ النُّوْنَ وَالمِيْمَ فِي القَوَافِي لاجْتِمَاعِ النُّوْنِ وَالمِيْمِ فِي لُغَتِهِ كَمَا يقال أيّنٌ وَأَيُمٌ قَالَ الرَّاجِزُ: بُنَيَّ إِنَّ البَرَّ شَيْءٌ هَيِّنُ المَنْطِقُ اللَّيِّنُ وَالطَّعِيْم وَقَالَ الآخَرُ (١): مَا تنْقِمُ الحَرْبُ العَوَانُ مِنِّي بَازِلُ عَامَيْنِ حَدِيْثُ السِّنَنِ لِمِثْلِ هَذَا وَلدَتْنِي أُمِّي وَإِنَّمَا القَافِيَةُ النُّوْنُ وَذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اجْتِمَاعِ الحَرْفَيْنِ فِي لُغَتِهِ.
(٢) لأبي جهل في لسان العرب (عون).
[ ١ / ٤٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = وَمِنَ المَجَازَاتِ أَنَّهُمْ يقْلِبُوْنَ الهَمْزَةَ فِي مِثْلِ رَآنِي فَيُؤَخِّرُوْنَهَا كَمَا قَالَ كُثَيِّرٌ (١): وَكُلُّ خَلِيْلٍ رَآنِي فَهُوَ قَائِلٌ مِنْ أَجْلِكَ هَذَا هَامَهُ اليَوْمَ أَوْ غَدِ وَمِنَ المَجَازَاتِ القَلْبُ كَمَا قَالَ العُجَيْرُ (٢): إِذَا مَا مَشَتْ نَادَى بِمَا فِي ثِيَابِهَا ذَكِيُّ الشَّذَا وَالمَنْدَلِيُّ المطَيَّرُ قَوْلُهُ المطَيَّرُ مَقْلُوْبٌ أَرَادَ المُطَرّي فَقَدَّمَ اليَّاءَ. وَمِن ذَلِكَ إِشْبَاعُ الحَرَكَةِ وَالإِبْدَالُ مِنْهَا حَرْفًا كَمَا قَالَ ابن هَرمَةَ (٣): وَكُنتَ مِنَ المَعَايِبِ حِيْنَ تَرْمِي وَمِنْ ذَمِّ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ وَأَرَادَ بِمُنْتَزِحِ فَأَشْبَعَ الفَتْحَةَ فَجَعَلَهَا أَلِفًا. وَيُشْبِعُوْنَ الضَّمَّةَ فَيَجْعَلُوْنَهَا وَاوًا وَأَنْشَدَ (٤): وَإِنَّنِي حَوْثُمَا يَثْنِي الهَوَى بَصَرِي مِنْ حَوْثُمَا سَلَكُوا أَدْنُو فَأَنْظُوْرُ وَيَشْبِعُوْنَ الكَسْرَةَ فَيَجْعَلُوْنَهَا يَاءً وَأَنْشَدَ (٥): لَمَّا نَزَلْنَا نَصَبْنَا ظِلَّ أَخْبِيَةٍ وَفَارَ لِلْقَوْمِ بِاللَّحْمِ المَرَاجِيْلُ وَمِنْ ذَلِكَ تَكْرِيْرُ اللَّفْظِ كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ (٦): لَمْ يُعْطِ نَازِلَةَ الهَوَى حَقَّ الهَوَى دَنِفٌ أَطَالَ بِهِ الهَوَى فَتَجَلَّدَا وَيُكَرّرُ القَافِيَةِ أَيْضًا لِتَغْيِيْرِ مَعَانِيْهَا كَقَوْلِ أَبِي تَمَّامٍ أَيْضًا (٧):
(٢) ديوانه ص ٨٨.
(٣) مجموع شعره ص ٢٢١.
(٤) ديوانه ص ٩٢.
(٥) ديوان ابن هرمة ص ١١٨.
(٦) لعبدة بن الطبيب في المفضليات ص ١٤١، وبدون عزو في البديع لأسامة ص ٢١٥.
(٧) ديوانه ص ١١١.
(٨) ديوانه ص ٢٥٠.
[ ١ / ٤٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = كُلُّ قَدمِ أَخَافُ حِيْنَ أَرَاهُ مُقْبِلًا أَنْ يَشْجُّنِي بِالسَّلِامِ فبحقّي إِلَّا خَصَصتَ أَبَا الطَّيِّبِ مِنِّي بِطِيْبٍ مِنْ سَلَامِي وَثنَائى مِنْ قَبْلُ هَذَا وَمِنْ بَعْدُ وَشُكْرِي غَضٌّ لِعَبْدِ السَّلَامِ وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: اجْتِمَاعُ القَافِيَتَيْنِ فِي القَصيْدَةِ الوَاحِدَةِ شَرْط أَنْ يَكوْنَ إِحْدَاهُمَا نَكِرَةً وَالأُخْرَى مَعْرِفَةً قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن طَاهِرٍ (١): وَأُغْضي لِلصَّدِيْقِ عَلَى المَسَاوِي مَخَافَةَ أَنْ أَعِيْشَ بِلَا صَدِيْقِ وَإِنْ أَلْفَيْتَنِي حُرًّا طَلِيْقًا فَإِنَّكَ وَاجِدِي عَبْدَ الصَّدِيْقِ وَقَالَ بَشَّارٌ (٢): يُعَنِّفُنِي فِي حُث عَبْدَةَ معْشَرٌ قُلُوْبُهُمُ فِيْهَا مُخَالِفَةٌ قَلْبي وَمَا تُبْصِرُ العَيْنَانِ فِي مَوْضِعِ الهَوَى وَلَا تَسْمَعُ الأُذْنَانِ إِلَّا مِنَ القَلبِ * * * فَمِنَ المَجَازَاتِ الَّتِي لَا تُسْتَعْمِلُ إِلَّا لِضُرُوْرَةٍ فِي الشِّعْرِ قَوْلُ الفَرَزْدَقُ يَمْدَحُ يَزِيْدُ بن المُهَلَّبِ (٣): وَإِذَا الرِّجَالُ رَأوا يَزيْدَ رَأيَتهمْ خُضعَ الرِّقَابِ نَوَاكِسَ الأَبْصارِ فَقَوْلهُ: نَوَاكِسُ الأَبْصَارِ يَسْتَظْرِفهُ النَّحوِيُّوْنَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَجْمَعُوْنَ مَا كَانَ مِنْ فَاعِلٍ نَعْتًا عَلَى فَوَاعِلَ لِئَلَّا يَلتبِسُ بِالمُؤَنَّثِ لَا يَقُوْلُونَ ضارِبٌ وَضَوَارِبُ وَقَاتِلٌ وَقَوَاتِلُ لأَنَّهُمْ يَقُوْلُوْنَ فِي جَمْعِ "ضارِبَةٍ" "ضَوَارِبَ" وَ"قَاتِلَةٍ" "قَوَاتِلَ" وَلَمْ يَأْتِ ذَا إِلَّا فِي
(٢) الأغاني ١/ ٤٧.
(٣) ديوانه ٤/ ١٧.
(٤) ديوان الفرزدق ١/ ٣٠٤.
[ ١ / ٤٢٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = حَرْفَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي جَمْعِ "فَارِسٌ" "فَوَارِسُ" لأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُسْتَعْمَلُ فِي النِّسَاءِ (١) فَأَمِنُوا الالْتِبَاسَ وَيَقُوْلُوْنَ فِي المَثَلِ "هَالِكٌ فِي الهَوَالِكِ (٢) " فَأَجْرُوْهُ عَلَى أَصلِهِ لِكَثْرَةِ الاسْتِعْمَالِ لأَنَّهُ مَثَلٌ فَلَمَّا احْتَاجَ الفَرَزْدَقُ لِضُرُوْرَةِ الشِّعْرِ أَجْرَاهُ عَلَى أَصْلِهِ فَقَالَ نَوَاكِسَ الأَبْصَارِ وَلَا يَكُوْنُ مِثْلُ هَذَا إِلَّا فِي ضُرُوْرَةِ الشِّعْرِ (٣). * * * وَمِنْ المَجَازَاتِ قَصْرُ المَمْدُوْدِ وَهُوَ فَاشٍ فِي أَشْعَارِهِمْ وَمدُّ المَقْصُوْرِ وَهُوَ قَبِيْحٌ عِنْدَهُمْ وَقَدْ يُسْتَجَازُ فِي الشِّعْرِ عَلَى قبْحِهِ كَقَوْلِ حَسَّانَ بن ثَابِتٍ (٤): قَفَاؤُكَ أحْسَنُ من وَجْهِهِ وَأمُّكَ خَيْرٌ مِنَ المُنْذِرِ وَأنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ (٥): أَلَذُّ مِنْ تَمْرٍ وَمِنْ شَنْشَاءِ يَنْصَبُّ فِي الحَلْقِ وَفِي اللهَاءِ فَمَدَّ الهَاءَ وَهُوَ جَمْعُ لَهَاةٍ كَمَا قَالُوا قطَاهٌ وَقطًّا وَنَوَاةٌ وَنَوًى. * * * إِنَّمَا كَانَ قَصْرُ المَمْدُوْدِ فَاشٍ فِي الشِّعرِ وَمَدُّ المَقْصوْرِ قَبِيْحٌ لأنَّ المَمْدُوْدَ قَبْلَ آخِرِهِ ألِفٌ زَائِدَةٌ فَإِذَا اضْطَرَّ الشَّاعِرُ حَذْفَهَا لأَنَّهَا زَائِدَةٌ فَإِذَا حَذَفَهَا رَدَّ الشَّيْءَ إِلَى أَصْلِهِ وَلَوْ مَدَّ المَقْصُوْرَ لَكَانَ زَائِدًا فِي الشَّيْءِ مَا لَيْسَ مِنْهُ (٦). وَكَذَلِكَ صَرْفُ مَا لَا يَنْصَرِفُ فَصَرْفُهُ فِي الشِّعْرِ جَائِزٌ لأنَّ أَصْلَهُ كَانَ الصَّرْفُ فَلَمَّا
(٢) انظر: لسان العرب (فرس).
(٣) أنظر: لسان العرب (هلك).
(٤) كتاب سيبويه ٢/ ٢٠٧.
(٥) ديوانه ص ١٠١.
(٦) ضرورة الشعر للسيرافي ص ٩٨، العقد الفريد ٥/ ٣٥٦.
(٧) أنظر: المصدر نفسه.
[ ١ / ٤٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = احْتِيْجَ إِلَيْهِ رُدَّ إِلَى أَصْلِهِ وَإِنَّمَا قبح ألَا تَصْرِفَ المُنْصَرِفَ لِهَذِهِ العِلَّةِ. * * * وَمِنْ ذَلِكَ تَحْرِيْكُ السَّاكِنِ وَتَسْكِيْنُ المُتَحَرِّكِ. قَالَ لَبِيْدُ ابْنُ أَبِي رَبِيْعَةَ فِي تَسْكِيْنِ المُتَحَرِّكِ (١): تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَالَمْ أَرْضَهَا أَوْ يَرْتَبطْ بَعْضَ النُّفُوْسِ حِمَامُهَا وَقَالَ امْرُؤُ القَيْسِ (٢): فَاليَوْمُ أَشْرَبْ غَيْرِ مُسْتَحْقِبٍ إِثَمًا مِنَ اللَّهِ وَلَا وَاغِلِ وَقَالَ أُمَيَّةُ بن أَبِي الصَّلْتِ فِي الشَّمِسِ (٣): تَأَبَى فَمَا تَطْلَعْ لَهُمْ فِي وَقْتِهَا إِلَّا مُعَذّبَةً وَإلَّا تُجْلَدُ وَإمَّا تَحْرِيْك السَّاكِنِ فَكَقَوْلِ طَرْفَةَ (٤): أَضْرِبَ عَنْكَ الهُمُوْمَ طَرِقَهَا ضَرْبَكَ بِالسَّوْطِ قَوْنَسَ الفَرَسِ وَمِنْ ذَلِكَ صَرْفُ مَا لَا يَنْصَرِفُ وَهُوَ كَثِيْرٌ وَإِنَّمَا الصَّحِيْحُ عِنْدَهُمْ أَلَّا تَصْرِفَ لمُنْصَرِفَ وَقَدْ يُسْتَجَازُ فِي الشِّعْرِ عَلَى قُبْحِهِ. قَالَ عَبَّاسُ بن مِرْدَاسٍ (٥): وَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمِعِ وَمِنْ ذَلِكَ تَذْكِيْرُ المُؤَنَّثِ. قَالَ زِيَادٌ الأَعْجَمُ (٦):
(٢) ديوانه ص ٢٢٧.
(٣) ديوانه ص ١٢٢.
(٤) أمية بن أبي الصلت حياته وشعره ص ١٨٦.
(٥) شرح ديوانه ص ١٦٦.
(٦) ديوانه ص ١١٢.
(٧) ديوانه ص ٥٤.
[ ١ / ٤٣٠ ]