وقد حثّوا مع ذلك على المبادرةِ بالتّوبةِ والإقلاعِ عن المعاصي فرَووا أنّه قيلَ لرجلٍ: أوْصِ، فقال: أحَذِّركم سوف وقال شاعر:
والمَرْءُ مُرْتَهَنٌ بسَوْفَ ولَيْتَني وهلاكُهُ في سَوْفِهِ واللَّيْتِ
وقال آخر:
أُسَوِّفُ تَوْبَتي خَمْسينَ عامًا وظَنِّي أنَّ مِثْليَ لا يَتوبُ
[ ١ / ١٨٩ ]
ُوقال بعضهم: نحن لا نريدُ أن نموتَ حتّى نتوبَ ولا نتوبُ حتّى نموتَ. . . وقال بعضهم لرجل: عظني، فقال: قد قطعْتَ عامّةَ سَفَرِك، فإن استطعت ألا تضلَّ في آخرِه فافعل. . . وقال مصعب ابن الزبير: ادْفع سطوةَ اللهِ بسُرعةِ النزوعِ، وحسنِ الرُّجوع، فيوشكُ أنَّ المنايا تسبق الوصايا، وقالوا في قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: يكثرُ الذنوبَ ويؤخرُ التوبة أو يُسوِّف بالتوبة ويقدِّم الأعمال السيئة، وقال مؤرِّج السّدوسي: فَجَر: إذا ركب رأسَه فمضى غيرَ مكترث، وقوله: ليفجر أمامه: ليمضِ أمامه راكِبًا رأسَه. . . وقال سيدنا رسول الله لرجلٍ وهو يعظه: (اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتَك قبل موتك، وصحَّتَك قبل سَقَمك، وفراغَك قبل شغلك، وشبابَك قبل هرمك، وغناك قبْلَ فَقْرك). اغتنم حياتك قبل موتك: اغتنم ما تلقى نفعه وثوابه بعد موتك. وصحتك قبل سقمك: اغتنم العملَ حالَ الصحة فقد يمنع مانعٌ كالمرض فتُقْدِم بغير زاد. وفراغك قبل شغلك: اغتنم فراغك في هذه الدار قبل شغلك بأهوال ما بعد الموت، أي اغتنم فرصةَ الإمكان لعلّك تسلم من الهوان. وشبابك قبل هرمك: اغتنم الطاعةَ وفعلَ الخير حالَ قدرتك قبلَ هجوم عجز الكبر عليك فتندمَ على ما فرّطت في جنب الله. وغناك قبل فقرك: اغتنم الإحسانَ والتصدُّقَ بفضول مالك قبل أن تنزل جائحةٌ تفقرك. ولك أن تقول: إن هذه الوصية الكريمة مغزاها عامٌ شامل يُراد بها المبادرةُ إلى العمل وانتهازُ الفرص قبل فواتها وقال الشاعر:
إذا أنْتَ لم تَزْرَعْ وأبْصرتَ حاصِدًا نَدِمْتَ على التَّفْريطِ في زَمَنِ البَذْرِ
وقال أبو العتاهية:
فوا عجبًا كيف يُعْصى المَليكُ أَمْ كيفَ يَجْحَدُه الجاحِدُ
[ ١ / ١٩٠ ]
وللهِ في كلِّ تحْرِيكةٍ وتَسكينةٍ في الوَرَى شاهِدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدُلُّ على أنّه واحِدُ
وقال الآخر:
تَرجو النَّجاةَ ولَمْ تسلُكْ مَسالِكَها إن السَّفينةَ لا تَجْري على اليَبَسِ
وجاء حبيب بن الحارث إلى سيّدنا رسول الله فقال: إني مقارفٌ للذنوب، فقال: تُبْ، فقال: إني أتوبُ ثم أعود، فقال: كلّما أذْنَبْتَ ذنبًا فتُبْ، فعفوُ اللهِ أكبرُ من ذنوبك. وفي الحديث: (إنّ الرجل ليذنبُ الذنبَ فيدخل به الجنة، فقيل: وكيف يا رسول الله؟ قال: يكونُ نصبَ عينِه خائِفًا منه حتى يدخلَ الجنة). . . واجتمع ثلاثة من الحكماء عند كسرى فتذاكروا في شرِّ الأشياء فقال أحدهم: الهمُّ يقترن بالعُدْم - الفقر - وقال الثاني: سُقْمُ البدن ودوامُ الحزْنِ، وقال الثالث: دُنوُّ أجلٍ وسوءُ عملٍ. . . فحَكَمَ لهذا. . . ودعا بعضُ الصالحين فقال: أعوذ بالله من وقوعِ المنيّةِ ولمّا أبلغِ الأمنية. . . وقال حكيم: الأيام صحائفُ آجالِكم فأوْدِعوها أجملَ أفعالكم. . . وقال علي بن الحسين ﵄: عجبت لمن يحتمي عن الطعام لمَضرَّته ولا يحتمي عن الذَّنب لمعرَّته! وقال بعضهم حضرت مجلس الشّبلي فقام إليه رجل من أصحابه وقال له: أوصِني، فقال له: لقد أوصاك الشاعر بقوله:
قالوا توَقَّ دِيارَ الحيِّ إنَّ لَهُمْ عيْنًا عليكَ إذا ما نِمْتَ لم تنَمِ
[ ١ / ١٩١ ]
وقال يحيى بن معاذ: اجتنابُ السيئاتِ أشدُّ من اكتسابِ الحسنات. . وسمع الحسن البصري رجلًا يقول: اللَّهمَّ اجلعنا منك على حذرٍ، فقال: إنّه فعل ذلك، أليس قد سترَ عنك أجلَك، فلست من حياةِ ساعةٍ على يقين!