هذه الرسالة من روائع الأدب الصرف حيث يبتعد الجاحظ عن الفلسفة والكلام والسياسة والاخلاق. ويصف لنا النبيذ وصفا دقيقا يذكرنا بوصف ابي نواس للخمر. ولكنه مع ذلك يعترف انه سيبقى مقصرا عن ايفاء النبيذ حقه مهما اجاد في وصفه وذكر مزاياه.
إن النبيذ دواء يشفي من الامراض ويغني عن الاطباء وقد قال ابو نواس قبله:
دع عنك لومي فان اللوم اغراء وداوني بالتي كانت هي الداء
والنبيذ صديق لا يمكن الاستغناء عنه، ومن العجب انشغال الحسن بن وهب عنه بديوانه واعماله. وجدير به أن يعظمه ويتعصب لجماله للمناسبة التي بينهما والشكل الذي يجمعهما «فان كان بعضك لا يصون بعضا وانت لا تعظم شقيقا، فانت والله من حفظ العشيرة أبعد، ولمعرفة الصديق انكر» .
ويمضي الجاحظ في ذكر مزايا النبيذ فيقول انه «يطرد الهم ويمنح شاربه صدق الحس وفراغ النفس ورخاء البال، والبعد عن شواغل الدنيا وخوف الحدثان.
[ ٤٥ ]
كما انه يعيد الشباب الى الشيوخ، وينشط اجسامهم ويوقظ هممهم.
والنبيذ يبعث على الظرف والضحك، ويعفي من الجد والتعب والحشمة، ويشحذ الذهن. وهو يفعل ذلك في كل وقت ومكان، في الليل والنهار، وفي الشتاء والصيف، وفي المنازل والبساتين.
ثم ان النبيذ يحمل النفس على السرور والطرب، ويدخلها الى الجود، ويورثها الغنى، ويبعدها عن الفقر، ويملأها عزا وكرامة.
وهو جامع الخلان والظرفاء والادباء، ومصدر متعتهم. وهو افضل من سائر الاشربة لأنه كلما زدت منه ازداد طيبة. واذا اسكرك رفق بك ولم يكن اسكاره تغلبا، واخذه بالرأس تعسفا، حتى يميت الحس بحدته، ويصرع الشارب بسورته..» ولكنه على عكس ذلك «يغازل العقل ويعارضه، ويدغدغه ويخادعه، فيسره ثم يهزه. فاذا امتلأ سرورا وعاد ملكا محبورا، خاتله السكر وراوغه، وداراه وماكره، وهازله وغانجه» .
ولا اظن شاعرا من شعراء الخمر استطاع أن يبلغ شأو الجاحظ في وصف تأثير الخمر بالنفس، وتصوير مراحل السكر.
الى جانب وصف النبيذ ومحاسنه يمدح الجاحظ الحسن بن وهب الذي وجه اليه هذه الرسالة. وقد كان الحسن معاصرا للجاحظ وشاعرا وكاتبا.
ويقول في مدحه «وحسبي بصفاتك عوضا من كل حسن، وخلقا من كل صالح..» فهو يجمع الجمال الجسمي الى جودة الرأي وسعة الخلق واللسان الفخم والبلاغة ونبل المحتد.
والجاحظ يطلب اخيرا من الحسن بن وهب أن يهديه مقدارا من النبيذ لا يكثر ولا يقل عن الحاجة. وهو لا يسأله اياه لشربه او يسقيه او يهديه، ولكن ليختبر مودة الحسن واكرامه وتقديره.
[ ٤٦ ]
ان الجاحظ الأديب لا يقل اهمية عن الجاحظ المتكلم، وفنه يرتكز الى الوصف الجسمي والنفسي لا على الخيال المجنح، كما يعتمد على التلوين اللفظي والترادف المعنوي والتقطيع المتوازن للجمل.
[ ٤٧ ]