موضوع هذه الرسالة هو انواع النبيذ، وهل هو محلل او محرم. وهو يدعي في المقدمة كعادته ان شخصا سأله عن انواع النبيذ والفوارق بينها، وعما اذا احلها الشرع او حرمها رغم الفوائد العديدة التي يجنيها الشارب منها، ثم ان هذا السائل يسرد له تلك الفوائد التي ذكرها الجاحظ في رسالة أخرى عنوانها «مدح النبيذ وصفة اصحابه» مما يدل على أن هذا السائل هو الجاحظ نفسه الذي يتساءل وليس شخصا آخر كما يدعي. ومما يؤكد ما نذهب اليه هو اعتراف الجاحظ في آخر الرسالة بانه هو الذي وضع اجناس الاشربة وبلدانها في صدرها تمهيدا لمعالجة الموضوع الاساسي وهو تحليل النبيذ وتحريمه كما يتضح في قوله التالي: «والذي دعاني الى وضع جميع هذه الاشربة والوقوف على اجناسها وبلدانها، مخافة ان يقع هذا الكتاب عند بعض من عساه لا يعرف جميعها ولم يسمع بذكرها فيتوهم اني في ذكر اجناسها المستشنعة وانواعها المبتدعة كالهاذي برقية العقرب، وان كان قصدي لذكرها في صدر الكتاب لاقف على حلالها وحرامها وكيف اختلفت الأمة فيها، وما سبب اعتراض الشك واستمكان الشبهة، ولأن احتج للمباح واعطيه حقه، واكشف ايضا عن المحظور فاقيم له قسطه، فاكون قد سلكت بالحرام سبيله
[ ٤٩ ]
وبالحلال منهجه، اقتداء مني بقول الله ﷿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
ولن نطيل في وصف النبيذ وذكر فوائده فهي تكرار لما ورد في رسالة مدح النبيذ ووصف اهله ولكننا نتوقف عند مسألتين لم تردا هنا هما انواع النبيذ، وتحليله. وبذلك تكون الرسالتان متممتين بعضهما البعض، ويكون الجاحظ كما عهدناه في جميع آثاره جامعا بين علم الكلام والأدب. ان الموضوع في الرسالتين واحد وهو النبيذ، وقد طرقه الجاحظ من الناحية الكلامية في رسالة الشارب والمشروب وطرقه من الناحية الأدبية في رسالة مدح النبيذ وصفة اهله.
.. ان انواع النبيذ كثيرة اهمها الترش شيرين، والسكر، والمسجور والبتي، وهي انواع رديئة لأن الاول يسبب الريح والحموضة، والثاني مر، والثالث والرابع كدران يسببان الحكة.
اما الانواع الحسنة فهي تفتح العروق، وتلذ القلب وتساعد المعدة على الهضم وتغسلها، وتعين الكبد، وتحمر الجلد وتولد الشجاعة والسخاء وتمنع القر. اهمها نبيذ الزبيب الحمصي والعسل الماذي، ونبيذ العنب المعصور، والنبيذ المصري، ونبيذ الاهواز، والدوشاب البستاني، والمعتق، ونبيذ الجزر، ونبيذ المشمش، ونبيذ التين، والنبيذ المروق والغربي والفضيخ.
قلنا ان موضوع الرسالة الاساسي هو مسألة تحليل النبيذ. والجاحظ يذهب الى ان الشرع لم يحرمه ويقدم على ذلك الحجج التالية:
اولا: ان النبيذ غير الخمر. والشارع حرم الخمر فقط ولم يحرم النبيذ. والادعاء ان جميع الاشربة خمر يدل على الجهل والخلاعة. «وقد يكون الشيء من جنس الحرام، فيعالج بضرب من العلاج حتى يتغير بلون
[ ٥٠ ]
يحدث له ورائحة وطعم ونحو ذلك، فيتغير لذلك اسمه ويصير حلالا بعد ان كان حراما» .
ثانيا: ان الصحابة والتابعين لم يختلفوا في الفرائض وحدودها ولكنهم اختلفوا في الاشربة التي تسكر مما يدل على ان المسألة بحاجة الى نظر وتأويل.
ثالثا: ان الله حرم على الناس كثيرا من الاشياء واباح لهم اجناسها الأخرى بما يناظرها او يعمل عملها او ما يقرب منه ليغنيهم بالحلال عن الحرام «قد حرم من الدم المسفوح واباح غير المسفوح» كدم الطحال والكبد. وحرم الميتة واباح ميتة البحر وغير البحر كالجراد وشبهه، وحرم الربا واباح البيع الخ..
رابعا: ان اهل المدينة الذين حرموا النبيذ ليسوا حجة على غيرهم.
لانهم ليسوا ملائكة لا يخطئون؛ وعظم حق بلدتهم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، وانما المرجع الوحيد هو الكتاب والسنة المجمع عليهما والعقول الصحيحة. واهل المدينة الذين احلوا الغناء لم يجلدوا مغنيهم الذين كانوا يتغنون وقد ثملوا.
[ ٥١ ]