موضوعان يدور عليهما الكلام في هذا الكتاب هما النبل والتنبل، والكبر.
ويزعم الجاحظ انه تلقى كتابا من شخص لم يذكر إسمه يشكو فيه من تكبر بعض الناس عليه. واعتقد انه محمد بن احمد بن ابي دؤاد. والدليل هو قوله: «وقد اصبح شيخك، وليس يملك من عقابهم الا التوقيف، ولا من تأديبهم الا التعريف، ولو ملكناهم ملك السلطان، وقهرناهم قهر الولاة، «لنهكناهم عقوبة بالضرب، ولقمعناهم بالحصر» . فهذا الشخص من العلية وذوي السلطان، وشيخه أو أبوه مثله في المرتبة والسؤدد ولا ينطبق ذلك الا على محمد بن أحمد بن أبي دؤاد ووالده اللذين توليا على التوالي منصب القضاء في عصر الجاحظ وكان الجاحظ مقربا منهما وتجمعه بهما نحلة الاعتزال. وقد وجه اليه اكثر من رسالة واستعمل العبارة ذاتها: شيخك. الخ..
وحاول ان يرشده الى بعض الامور السياسيه والمذهبيه ويحرضه على أعدائه المتهاونين به (انظر رسالة المعاش والمعباد، ورسالة في نفي التشبيه) ضمن رسائل الجاحظ الكلاميه، ورسائل الجاحظ السياسيه)
[ ١٧ ]
ان النبل هو الفضل وكرم النفس (وهو خصلة يفطر عليها بعض الناس ولا يمكن اكتسابها او تكلفها: «ومتى كنت من اهل النبل لم يضرك التبذل، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التنبل» . ان النبل لا يكون بالتنبل ولا العظم بالتعظم، هذا ما يقرره الجاحظ عملا بمبدئه الفلسفي القائل إن الاخلاق طباع وليست نتيجة الاكتساب والتربية.
وصفات النبل هي المروءة، وبعد الهمة، وبهاء المنظر، وجزالة اللفظ، والمقامات الكريمة. ولا يكون المرء نبيلا «حتى يكون نبيل الرأي، نبيل اللفظ، نبيل العقل، نبيل الخلق، نبيل المنظر، بعيد المذهب في التنزه، طاهر الثوب من الفحش، ان وافق ذلك عرقا صالحا ومجدا تالدا» .
أضف الى ذلك التواضع والانصاف والصبر والحلم. وهكذا غدا النبيل مجمعا لجميع الفضائل الخلقية والجسمية والاجتماعية.
اما التكبر فقد عالجه الجاحظ في القسم الثاني من الكتاب، واعتبره صفة قبيحة في الانسان ولا يستحسن الا في ثلاثة مواضع: اذا كان المتكبر بدويا غير متحضر، فيكون كبره من بقايا الجاهلية والعنجهية الاعرابية. واذا كان انتقاما من عدو متجبر. واذا كان معارضة للملوك الجبابرة.
ومن صفات المتكبر التعظم على الصديق، والتغافل عن الضيف والمن على الضعيف، واحتقار من هو دونه والخضوع لمن فوقه. انه لئيم يظلم الضعيف ويطلب الهارب، ويهرب من الطالب ويستخف بالأديب، ويكذب وينم ويخون، ويبذخ، وينفج، ويصلف.
اما عواقبه فوخيمة: انه يسبب لصاحبه مقت الناس وسخط الله، ويبعده عن العلم والفلاح والحقيقة، ويزين له الشر والمعصية وقد عبر الجاحظ عن ذلك بقوله الجامع المانع البليغ «ما رأيت أوبأ مغبة وانكر عاقبة واوخم مرعى
[ ١٨ ]
وأبعد هوى واضر على دين، وافسد لعرض واوجب لسخط الله، وادعى الى مقت الناس، وابعد عن الفلاح واظهر نفورا من التوبة، واقل دركا عند الحقيقة، وانقص للطبيعة واضيع من العلم، واشد خلافا على الحلم، من التكبر في غير موضعه، والتنبل في غير كنهه» .
والكبر يعتري مختلف طبقات الناس من سفلة وعلية واجواد ونجلاء، وشجعان وجبناء، وكذابين وصدوقين واحرار وعبيد وجاهلين ومسلمين، وعرب وفرس وسند.
والكبر من اعظم مساوىء السلطان ولم يعرف به سوى الملوك الجبابرة امثال فرعون وآل ساسان، والولاة القساة امثال يوسف بن عمر ووكيع بن ابي سود.
[ ١٩ ]