كتاب مُفاخرة الجواري والغلمان
بسم الله الرحمن الرحيم
بالله نستعين، وإياه نستهدي، وعليه نتوكل.
إنّ لكل نوعٍ من العلم أهلًا يقصدونه ويُؤْثرونه، وأصناف العلم لا تُحصى، منها الجزلُ ومنها السَّخيف. وإذا كان موضع الحديث على أنّه مُضحكٌ ومُلهٍ، وداخلٌ في باب حدّ المزج، فأُبدلت السَّخافة بالجزالة انقلب عن جهته، وصار الحديث الذي وُضع على أن يَسُرَّ النفوس يكرُبُها ويغُمّها.
ومن كان صاحب علم ممرَّنًا موقَّحا، إلف تفكير وتنقيب ودراسة، وحلف تبيُّن، وكان ذلك عادةً له، لم يضره النَّظرُ في كلِّ فنٍّ من الجدّ والهزل؛ ليخرج بذلك من شكل إلى شكل. فإنَّ الأسماع قد تملُّ الأصوات المطربة، والأوتار الفصيحة، والأغانيَّ الحسنة، إذا طال ذلك عليها.
وقد رُوي عن أبي الدّرداء ﵁ أنه قال: " إنِّي لأستجمُّ نفسي ببعض الباطل مخافة أن أحمل عليها من الحقّ ما يُملُّها ".
وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: " العلم أكثر من أن يُحصى، فخذوا من كلِّ شيءٍ أحسنه ".
[ ٢ / ٩١ ]
ورُوي عن الشَّعبي أنه قال: " إنّ القلوب تملُّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة ".
وبعض من يُظهر النسك والتقشُّفإذاذُكر الحر والأير والنَّيك تقزَّز وانقبض. وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجلٌ ليس معه من المعرفة والكرم، والنُّبل والوقار، إلاَّ بقدر هذا التصنُّع.
ولو علم أنَّ عبد الله بن عباسٍ أنشد في المسجد الحرام وهو مُحرمٌ:
وهُنَّ يمشين بنا هميسا إنْ تصدُقِ الطَّيْرُ ننكْ لميسا
فقيل له: إنَّ هذا من الرَّفث! فقال: إنما الرَّفث ما كان عند النساء.
وقول عليٍّ رضوان الله عليه ودخل على بعض أهل البصرة، ولم يكن في حسبه بذاك، فقال: من في هذه البيوت؟ فقال: عقائل من عقائل العرب. فقال: " من يَطُلْ أيرُ أبيه ينتطْق به ".
فعلى عليٍّ في التَّنزُّه يُعَوَّل.
[ ٢ / ٩٢ ]
وقول أبي بكرٍ الصديق ﵁ لبُديل بن ورقاء يوم الحُديبية، وقد تهدَّد رسول الله ﷺ: " عضضت ببظْر اللات، أنحنُ نخذُله؟! ".
وقول حمزة بن عبد المطّلب ﵁: " وأنت يا ابن مقطِّعة البُظور ممن يكثِّر علينا! ".
وحديثٌ مرفوع: " من عذيري من ابن أمِّ سباع مقطَّعة البُظور ".
ولو تتبَّعت هذا وشبهه وجدته كثيرا.
وإنما وُضعت هذه الألفاظ ليستعملها أهل اللغة، ولو كان الرأي ألاّ يُلفظ بها ما كان لأوّلِ كونها معنىً، ولكان في التَّحريم والصَّون للُغة العرب أن تُرفع هذه الأسماء والألفاظ منها.
وقد أصاب كلَّ الصَّواب من قال: " لكلِّ مقامٍ مقال ".
ولو كان ممّن يتصوَّف ويتقشَّف، علم قول امرأة رفاعة القّرظيّ تَجْبَهه عند رسول الله ﷺ غير محتشمة: إنّي تزوّجت عبد الرحمن
[ ٢ / ٩٣ ]
بن الزبير، وإنّما معه مثل هُدبة الثَّواب، وكنت عند رفاعة فطلَّقني - ورسول الله ﷺ ما يزيد على التبسُّم حتى قضتْ كلامها - فقال: " تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتَّى تذوقي من عُسيلته ويذوق من عُسيلتك ". ورواه ابن المبارك عن معمر عن الزُّهري عن عروة عن عائشة ﵂ لعلم أنّه على سبيل التَّصنُّع والرِّياء.
ولو سمعوا حديث ابن حازمٍ حين زعم أنَّه يُقيم ذكره ويصعد السُّلَّم وامرأته متعلقة بذكره حتَّى يصعد.
وحديث ابن أخي أبي الزِّناد إذْ يقول لعمِّه: أنْخَرُ عند الجماع؟ قال: يا بُنيَّ إذا خلوت فاصنع ما أحببت. قال: يا عمِّ، أتنخرُ أنت؟ قال: يا بنيّ، لو رأيت عمَّك يجامع لظننت أنّه لا يؤمن بالله العظيم!.
[ ٢ / ٩٤ ]
وهذان من ألفاظ المُجان.
ورُوي عن بعض الصَّالحين من التابعين ﵀، أنه كان يقول في دعائه: اللهمَّ قوِّ ذكري على نكاح ما أحللت لي.
ونحن لم نقصد في ذكرنا هذه الأخبار الردَّ على من أنكر هذهذ الأمور، ولكنَّا لما ذكرنا اختصام الشِّتاء والصيف، واحتجاج أحدهما على صاحبه، واحتجاج صاحب المعز والضَّأن بمثل ذلك، أحببنا أن نذكر ما جرى بين اللاَّطة والزُّناة، وذكرنا ما نقل حُمَّال الآثار وروتْه الرُّواة، من الأشعار والأمثال، وإن كان في بعض البطالات، فأردنا أن نقدِّم الحُجَّة لمذهبنا في صدر كتابنا هذا.
ونعوذ بالله أن نقول ما يُوتغ ويُردي، وإليه نرغب في التأييد والعصمة، ونسأله السلامة في الدِّين والدُّنيا برحمته.
قال (صاحب الغلمان): إن من فضل الغلام على الجارية أن الجارية إذا وُصفت بكمال الحسن قيل: كأنَّها غلام، ووصيفةٌ غلامية.
قال الشاعر يصف جارية:
لها قدُّ الغلام وعارضاه وتفتير المبتَّلة اللَّعوبِ
[ ٢ / ٩٥ ]
وقال:
فطِبْ لحديثٍ من نديم موافقٍ وساقيةٍ بَيْنَ المُراهقِ والحُلْمِ
إذا هي قامت والسُّداسيَّ طالها وبين النَّحيف الجسم والحسن الجسم
وقال والبة بن الحُباب:
وميراثيَّة تمشي اختيالًا من التكريه قاتلة الكلام
لها زيُّ الغلام ولم أقسْها إليه ولم أُقصِّر بالغلامِ
وقال عُكاشة:
مطمومة الشَّعْر في قُمصٍ مزرَّرةٍ في زيّ ذي ذكرٍ سيماهُ سيماها
وأكثر من قول الشاعر قول الله ﷿: " يطوف عليهمْ غلمانٌ لهمْ كأنهم لؤلؤ مكنونٌ " وقال ﵎: " يطوف عليهم ولْدانٌ مُخلَّدون. بأكوابٍ وأباريق ". فوصفهم في غير موضعٍ من كتابه، وشوَّق إليهم أوْلياءه.
قال (صاحب الجواري): قد ذكر الله جلَّ اسمه الحور العين أكثر مما ذكر الولدان، فما حجَّتك في هذا إلا كحجَّتنا عليك.
[ ٢ / ٩٦ ]
ومما صان الله به النِّساء أنَّه جعل في جميع الأحكام شاهدين: منها الإشراك بالله، وقتل النَّفْس التي حرم الله تعالى؛ وجعل الشهادة على المرأة إذا رُميت بالزِّنى أربعةً مجتمعين غير مفترقين في موضعٍ، يشهدون أنَّهم رأوه مثل الميل في المُكحُلة. وهذا شيءٌ عسير؛ لما إراد الله من إغماض هذا الحد إذ جعل فيه الشَّدخ بالحجارة.
وإنما خلق الله الرِّجال بالنساء.
وريح الجارية أطيب، وثيابها أعطر، ومشيتها أحسن، ونغْمتها أرق، والقلوب إليها أمْيل. ومتى أردتها من قُدَّامٍ أو خَلْفٍ من حيث يحسن ويحلّ وجدت ذلك كما قال الشاعر:
وصيفةٌ كالغلامِ تصلح لل أمرين كالغُصن في تثنِّيها
أكملها اللهُ ثم قال لها لما استتمَّت في حُسنها: إيها
قال: ونظر بعض الحاجِّ إلى جاريةٍ كأنها دمية في محراب، قد أبْدت عن ذراعٍ كأنه جُمارة، وهي تكلَّمُ بالرَّفث، فقال: يا هذه، تكلَّمين بمثل هذا وأنت حاجَّة! قالت: لست حاجّة، وإنما يحجُّ الجمل، ألست تراني
[ ٢ / ٩٧ ]
جالسةً وهو يمشي! قال: ويحك، لم أر مثلك فمن أنت؟ قالت: أنا من اللواتي وصفهنَّ الشَّاعر فقال:
ودَقّت وجَلَّت واسبكرّت وأُكملتْ فلو جُنَّ إنسانٌ من الحسن جُنَّتِ
قال (صاحب الغلمان): إنّ أحدًا لا يدخل الجنّة إلا أمرد، كما جاء في الحديث: " إن أهل الجنّة يدخلونها جُرْدًا مكحَّلين ". والنِّساء إلى المُرْدِ أمْيل، وله أشهى، كما قال الأعشى:
وأرى الغواني لا يواصلن امرأً فقد الشَّباب وقد يصلْن الأمردا
وقال امرؤ القيس:
فيا رُبَّ يومٍ قد أروحُ مرجَّلًا حبيبًا إلى البيض الأوانسِ أملسا
أراهن لا يُحببن من قلَّ ماله ولا من رأين الشَّيب فيه وقوَّسا
[ ٢ / ٩٨ ]
وقال عَلْقمة بن عبدة:
فإنْ تسألوني بالنِّساء فإنّني بصيرٌ بأدواء النِّساء طبيبُ
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله فليس له في ودِّهنَّ نصيبُ
يُردْن ثراء المال حيث علمنه وشرخُ الشَّباب عندهنَّ عجيبُ
قال (صاحب الجواري): فإن الحديث قد جاء عن الرسول ﷺ: " حُبِّبت إليَّ النِّساء والطِّيب، وجعل قُرَّة عيني في الصلاة ". ولم يأت للغلمان مثل هذه الفضيلة. وقد فُتن بالنساء الأنبياء ﵈، منهم داود، ويُوسف، ﵉.
قال (صاحب الغلمان): لو لم يكن من بليّة النساء إلاّ أنّ الزِّنى لا يكون إلاّ بهنّ، وقد جاء في ذلك من التغليظ ما لم يأتِ في غيره في الكتاب نصًّا، وفي الروايات الصحيحة. قال الله ﵎: " ولا تقْربوا الزِّنى إنَّه كان فاحشةً وساء سبيلًا "، وقال: " ولا يزْنون ومنْ يفعلْ ذلك
[ ٢ / ٩٩ ]
يًلْقَ أثامًا. يُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخْلُدْ فيه مُهانًا "، وقال: " الزَّانية والزَّاني فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما مائة جلدةٍ ولا تأخذْكم بهما رأفةٌ ". وقد جعل بينهما إذا لم يكن شهودٌ التلاعن والفرقة في عاجل الدُّنيا، إلى ما أعدَّ للكاذب منهما من اللَّعن والغضب في الآخرة.
قال (صاحب الجواري): ما جعل الله من الحدّ على الزَّاني إلاّ ما جعل على اللَّوطيّ مثله. وقد رُوي عن علي بن أبي طالبٍ ﵁؟، أنّه أُتي بلُطيٍّ، فأُصعد المئذنة ثم رُمي منكِّسًا على رأسه، وقال: " هكذا يُرمى به في نار جهنَّم ".
وحُدِّث عن أبي بكر، ﵁، أنّه أُتي بلوطيٍّ فعرقب عليه حائطًا.
وحديث أبي بكر أيضًا ﵁، أنَّ خالد بن الوليد كتب إليه في قومٍ لاطُوا فأمر بإحراقهم.
وأحرقهم هشام بن عبد الملك، وأحرقهم خالد بن عبد الله بأمر هشام.
وفي الحديث مجاهد أنَّ الذي يعمل عمل قوم لُوطٍ لو اغتسل بكلِّ قطرةٍ من السَّماء وكلِّ قطرة في الأرض لم يزلْ نجسًا.
[ ٢ / ١٠٠ ]
وحديث الزُّهريّ: " اللُّوطيّ يُرجم، أُحصن أو لم يُحصنْ؛ سُنّةٌ ماضيةٌ ".
ورُوي عن الحكم بن عُتَيْبَة أن عليًّا ﵀ رجم لوطيًّا وقال: " لعن رسول الله ﷺ الذَّكرين يلعب أحدهما بالآخر ".
وحديث أنسٍ قال: " لعن رسول الله ﷺ المؤنَّثين من الرجال، والمذكَّرات من النساء ".
وقد نفى رسول الله ﷺ مخنَّثًا من المدينة يقال له " هيتٌ " وسمعه يقول لأمِّ سلمة زوج النبي ﷺ: " إذا فتحتم الطَّائف فعليك بادية بنت غيْلان، فإنها هيفاءُ شموع، إذا
[ ٢ / ١٠١ ]
قامت تثنَّت، وإذا تكلَّمت تغنَّتْ، تُقبل بأربعٍ وتُدبرُ بثمانٍ، وبين رجليها كالإناء المكفوء، فزوِّجيها عُمر ابنك ". فقال رسول الله ﷺ: " لقد تغلغلت في النظر يا عدوَّ الله، وما ظننتك من ذوي الإربة! ". فنفاه عن المدينة.
قال (صاحب الغلمان): من عيوب المرأة أنّ الرجل إذا صاحبها شيَّبتْ رأسه، وسهَّكت ريحه، وسوَّدت لونه، وكثر بوله. وهنَّ مصايد إبليس وحبائل الشيطان، يُتعبن الغنيَّ، ويكلِّفن الفقير ما لا يجد. وكم من رجلٍ تاجرٍ مستورٍ قد فلَّسته امرأته حتَّى هام على وجهه، أو جلس في بيته، أو أقامته من سوقه ومعاشه.
وقال النبي ﷺ: " ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النِّساء ".
قال (صاحب الجواري): قد جاء الحديث عن رسول الله ﷺ قال: " تزوَّجوا فإنِّي مُكاثرٌ بكم الأمم ".
وجاء عنه: " إذا قضيتُم غزوكم فالكيْس الكيْس ". يعني النكاح.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وقال النبي ﷺ: " مسكينٌ رجلٌ لا زوجة له. مسكينةٌ مسكينةٌ امرأةٌ لا بعل لها ".
وجاء عنه ﷺ: " تزوّجوا والتمسوا الولد؛ فإنَّهم ثمراتُ القلوب. وإيّاكم والعُجُز العُقر ".
وكان رسول الله ﷺ أكثر أهل عصره نساء، وكذلك كانت الأنبياء ﵈ قبله.
وقد أنبأك الله ﷿ بخير داود ﵇ في القرآن، وما روي أنه كان لسليمان ﵇.
وقد تزوج ابن مسعودٍ في مرضه الذي مات فيه.
وقال مُعاذ: زوِّجوني لا ألقى الله تعالى وأنا عزب.
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: إني لأُجْهد نفسي في النِّكاح حتّى يُخرج الله منيّ نسمةً تسبِّحه.
وروي أنه قال: عليكم بالأبكار الشَّواب؛ فإنهنَّ أطيب أفواهًا، وأنتق أرحامًا.
والحديث في هذا أكثر من أن نأتي عليه.
[ ٢ / ١٠٣ ]
قال (صاحب الغلمان): إن من عيوب الجواري أنَّ الرجل إذا اشترى الوصيفة إلى أن يستبرئها محرَّمٌ عليه أن يستمتع بشيءٍ منها قبل ذلك والوصيف لا يحتاج إلى ذلك. وقد قال الشاعر:
فديتك إنمّا اخترناك عَمْدًا لأنك لا تحيض ولا تبيض
وقد جاء في الحديث أنَّ الزِّنى فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة. فأما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء، ويعجّل الفناء، ويقطع الرِّزق من السماء. وأمّا اللواتي في الآخرة فالحساب، والعذاب، ودخول النار.
وروي عن مجاهدٍ، قال: إنَّ لأهل النار صرخةً من ريح الزُّناة.
وقالوا: إن أهل النار ليتأذَّون بريح الزُّناة.
قال (صاحب الجواري): لم نسمع بعاشقٍ قتله حبُّ غلام. ونحن نعدُّ من الشعراء خاصةً الإسلاميِّين جماعةً، منهم جميل بن مَعمَر قتله حبُّ بُثينة، وكثيِّر قتله حبُّ عزّة، وعروة قتله حبُّ عفراء، ومجنون بني عامر هيَّمته ليلى، وقيس بن ذريح قتلتْه لُبْنى، وعبد الله بن عجلان
[ ٢ / ١٠٤ ]
قتلته هند، والغمر بن ضرار قتلتْه جُمْل. هؤلاء من أحصينا، ومن لم نذكر أكثر.
قال (صاحب الغلمان): لو نظر كثيِّر وجميلٌ وعروة، ومن سميِّت من نظرائهم، إلى بعض خدم أهل عصرنا ممن قد اشتُرى بالمال العظيم فراهة وشطاطًا ونقاء لون، وحُسن اعتدالٍ، وجودة قدٍّ وقوام، لنبذوا بُثينة وعزّة وعفْراء من حالقٍ، وتركوهُنَّ بمزجر الكلاب. ولكنك احتججت علينا بأعرابٍ أجلافٍ جُفاة، غُذُوا بالبؤس والشَّقاء ونشؤوا فيه، لا يعرفون من رفاعة العيش ولذَّات الدنيا شيئًا، إنّما يسكنون القفار، وينفرون من الناس كنفور الوحش، ويقتاتون القنافذ والضِّباب، وينقُفُون الحنظل، وإذا بلغ أحدهم جُهده بكى على الدِّمنة ونعت المرأة، ويشبّهها بالبقرة والظَّبية، والمرأة أحسن منهما. نعم حتَّى يشبِّهها بالحيّة، ويسِّميها شوهاء وجرباء، مخافة العين عليها بزعمه.
فأمّا الأدباء والظرفاء فقد قالوا في الغلمان فأحسنوا، ووصفوهم فأجادوا، وقدّموهم على الجواري، في الجدّ منهم والهزل.
[ ٢ / ١٠٥ ]
وقال الشاعر يصف الغلام:
شبيهٌ بالقضيب وبالكثيب غريبُ الحسن في قدٍّ غريبِ
براه الله بدرًا فوق غصنٍ ونيط بحقوه دعص الكثيبِ
أغنُّ تولَّدُ الشَّهوات منه فما تعدوه أهواء القلوبِ
وما اكتحلت به عينٌ ففاتت مسلَّمة الضَّمير من الذُّنوبِ
شغلت به الهوى ونزعْت عنه ولم أدنس به دنس المُريبِ
وقال آخر:
كلفتُ بظبيٍ له سوالفُ أُدمانْه
قضيبٌ على رَمْلةٍ على شُعبتيْ بانه
له لحظ وحشيّةٍ وألفاظُ إنسانه
وقال أبو نواس:
سَقْيا لغير العلياء والسَّند وغير أطلال ميَّ بالجردِ
ويا صبيب السَّحاب إن كنت قد جُدت اللِّوى مرةً فلا تعدِ
لا تسقينْ بلدةً إذا عُدَّت ال بلدان كانت زيادة الكبدِ
[ ٢ / ١٠٦ ]
إنْ أتحرزْ من الغراب بها يكن مفرِّى منه إلى الصُّردِ
بحيثث لا تجلب الفجاجُ إلى أذنيك إلاَّ تصايح النَّقدِ
أحسن عندي من انكبابك بال فهْر مُلحًّا به على وتدِ
وقوفُ ريحانةٍ على أُذْنٍ وسير كأس إلى فمٍ بيدِ
يسقيكها من بني العباد رشًا منتسبٌ عيدُه إلى الأحدِ
إذا بنى الماء فوقها حببًا صلَّب فوق الجبين بالزَّبدِ
أشرب من كفِّه الشمول ومن فيه رُضابًا يجري على بردِ
فذاك خيرٌ من البكاء على ال رَّبع وأنمى في الرُّوح والجسدِ
قال (صاحب الجواري): فقد قال أبو نواسٍ الحكميُّ شاعركم أيضًا:
لا تبكِ ليلى ولا تطربْ إلى هندِ واشربْ على الورد من حمراء كالوردِ
[ ٢ / ١٠٧ ]
كأسًا إذا انحدرتْ في حلْقِ شاربها رأيت حمرتها في العين والخدِّ
فالخمر ياقوتةٌ والكأس لؤلؤةٌ من كفِّ لؤلؤةٍ ممشوقة القدِّ
تسقيك من عينها سحرًا ومن يدها خمرًا فما لك من سكرين من بُدِّ
لي نشوتان وللنَّدمان واحدةٌ شيءٌ خصصت به من بينهم وحدي
وقال أيضًا:
دع عنك لومي فإنَّ اللوم إغراءُ وداوني بالتي كانتْ هي الداءُ
صفراءُ لا تنزل الأحزان ساحتها لو مسَّها حجرٌ مسَّته سرَّاءُ
من كفِّ ذات حرٍ في ذي ذكر لها مُحبّان: لوطيٌّ وزنّاءُ
قامت بإبريقها واللَّيل معتكرٌ فظلَّ من وجهها في البيت لألاءُ
[ ٢ / ١٠٨ ]
فأرسلتْ من فم الإبريق صافيةً كأنَّما أخذها بالعين إغفاءُ
في فتيةٍ زُهُرٍ ذلَّ الزمان لهم فما يصيبهم إلاَّ بما شاءوا
لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلةٍ كانت تكون بها هندٌ وأسماءُ
قال صاحب الغلمانوقال النظام:
بان بك الشَّكل والنَّظيرُ وجلَّ عن وصفك الضَّميرُ
فليس يُخطيك في امتحانٍ صغيرُ أمرٍ ولا كبيرُ
خُلقت من مثل لا عيانٍ جسمًا على أنّه منيرُ
فأنت عند المجسِّ نارٌ وأنت عند اللِّحاظ نورُ
وقال أبو هشامٍ الخرَّاز:
يا من تعدَّى العباد من شبهه لمَّا قصُرن الصِّفات عن كُنُههِ
ويا غزالًا يسبي بلحظته مكتحلًا راح أو على مرههِ
يجعل قتل النُّفوس نزهته يوشك يُفني النُّفوس في نُزههِ
لبَّيك داعٍ دعا فقلتُ له والقلب في كربه وفي ولههِ
[ ٢ / ١٠٩ ]
هذا فؤادي أتاك مبتدعًا طوعًا ولم يأتكمْ على كُرُههِ
يشرهُ منكم إلى مواصلةٍ يا بُوس قلبٍ يذوبُ من شرههِ
فالآن قل للخيال يطرقُ منْ أعيا عليه وصالُ منتبههِ
وقال الحكميّ:
رسْمُ الكرى بين الجفون مُحيلُ عفَّى عليه بُكًا عليك طويلُ
يا ناظرًا ما أقلعتْ نظراته حتّى تشحَّط بينهنَّ قتيلُ
أحللت من قلبي هواك محلَّة ما حلَّها المشروب والمأكولُ
وقال أيضًا:
لي حبيبٌ كلَّما زاد في جفوته لي كان أشْهى
هو وجهٌ كلُّه في كلِّ ما نظرتْ عيناك منه كان وجها
وكذا الدُّرّة لا يدري الفتى أيُّها من أيِّها في العين أبهى
وقال أيضًا:
أفنيت فيك معاني الشكوى وصفاتِ ما ألقى من البلوى
قلَّبتُ آفاق الكلام فما أبصرتني أغفلت عن معنى
وأعُدُّ ما لا أشتكي غبنًا فأعود فيه مرّةً أخرى
[ ٢ / ١١٠ ]
فلو أنَّ ما أشكو إلى بشرٍ لأراحني ظنِّي من الشَّكوى
لكنّني أشكو إلى حجرٍ تنبو المعاول عنه بل أقْسى
فهذا وشبهه من الشعر كثير.
وإذا جئت إلى أصحاب الهزْل كقول بعضهم ممَّن ذمَّ النساء:
هذه الخمر فاشرب واسقني يا ابن مصعبِ
اسقنيها وغنِّني: من لقبٍ معذَّبِ
طمعتْ فيّ طَفْلةٌ ربَّ راج مجنَّبِ
قلت لمّا رأيتها أسفرتْ لي: تنقَّبي
لست والله مُدخلًا إصبعي جُحْرَ عقربِ
وقال آخر:
لا أبتغي بالمُرد مطمومةً ولا أبيع الظّبي بالأرنبِ
لا أُدخل الجُحْرَ يدي طائعًا أخشى من الحيَّة واالعقربِ
وقال آخر:
ليس لي في الحرِّ حاجة نيكه عندي سماجة
[ ٢ / ١١١ ]
ما ينيك الرَّ إلاّ كلُّ ذي فقرٍ وحاجة
فإذا نكتم فنيكوا أمردًا في لون عاجة
وقال يوسف لقْوه:
ما يساوي نيكُ أنثى عند أيري بعرتينِ
إنّما نيك الجواري حلُّ ديْنٍ بعد دينِ
ليس للأير حياةٌ غير ريح الخُصيتينِ
وهو الذي يقول:
وعلى اللُّواط فلا تلُمنْ كاتبًا إنّ اللِّواطِ سجيَّةٌ في الكاتبِ
ولقد يتُوب من المحارم كلِّها، وعن الخُصى ما عاش ليس بتائبِ
وقال الحكميّ:
للطمةٌ يلطمني أمردٌ تأخذ منّي العين والفكَّا
أطيب من تُفاحةٍ في يدي معضوضةٍ قد ملئتْ مسْكا
وقال آخر:
إنْ تزن محصنةٌ تُرجم علانيةً وإن يلُطْ عزبٌ لا يرجم العزبُ
[ ٢ / ١١٢ ]
وقال آخر:
أيسر ما فيه من مفاضلةٍ أمْنُكَ من طمثه ومن حبلهِ
وهذا قليلٌ من كثير ما قالوا، فقد قالت الشعراء في الغلام في الجدّ والهزل فأحسنوا، كما قالت الشعراء في الغزل والنَّسيب، ولا يضير المحسن منهم أقديمًا كان أو محدثًا.
قال (صاحب الجواري): أمّا أنت فحيث اجتهدت واحتفلت جئت بالحكميّ، والرَّقاشيّ، ووالبة، ونظرائهم من الفُسَّاق والمرغوب عن مذهبهم، الذين نبغوا في آخر الزمان، سُقّاطٌ عند أهل المروءات، أوضاعٌ عند أهل الفضل؛ لأنّهم وإن أسهبوا في وصف الغلمان، فإنما يمدحون اللِّواط ويشيدون بذكره.
وقد علمت ما قال الله ﵎ في قوم لوطٍ، وما عجَّل لهم من الخزي والقذف بالحجارة، إلى ما أعدَّ لهم من العذاب الأليم. فمن أسوأُ حالًا ممن مدح ما ذمَّه الله، وحسَّن ما قبَّح! وأين قول من سمَّيت من قول الأوائل في الغزل والنَّسيب والنساء! وهل كان البكاء والتشبيب والعويل إلا فيهنَّ وعليهنّ، ومن أجلهنّ! وهل ذمَّت العرب الشَّيب مع الخصال المحمودة التي فيه
[ ٢ / ١١٣ ]
إلا لكراهتهنَّ له. قال شاعر الشعراء من الأوّلين والآخرين، امرؤ القيس:
أراهُنَّ لا يُحببن من قلَّ ماله ولا من رأين الشَّيب فيه وقوَّسا
وقال علقمة بن عبدة الفحل، وكان نظير امرؤ القيس في عصره:
إذا شاب رأسُ المرء أو قلَّ ماله فليس له في ودِّهنَّ نصيبُ
يُردْن ثراء المال حيث علمْنه وشرخ الشَّباب عندهُنّ عجيبُ
وما قالت القدماء في النسيب أكثر من أن نأتي عليه. وأين قول من ذكرت في صفات الغلمان من قول امرؤ القيس في التشبيب حيث يقول:
وما ذرفتْ عيناك إلاّ لتضربي بسهميك في أعشارِ قلبٍ مقتَّلِ
أغرَّك منّي أنَّ حُبَّكِ قاتلي وأنَّك مهما تأمري القلب يفعلِ
وقول الأعشى:
لو أسندتْ ميتًا إلى نحرها عاش ولم يُنقل إلى قابرِ
[ ٢ / ١١٤ ]
حتّى يقولُ الناس مما رأوا يا عجبًّا للقاتل الناشرِ
وقال جرير:
إنّ الذين غدوْا بلبِّك غادروا وشلًا بعينك لا يزالُ معينا
غيَّضْنَ من عبراتهنَّ وقلن لي ماذا لقيت من الهوى ولقينا
وقال جميل:
خليليّ فيما عشتما هل رأيتما قتيلًا بكى من حبِّ قاتله قبلي
وقال القُطاميّ:
يقتُلننا بحديثٍ ليس يعلمُه من يتَّقين ولا مكنونه بادي
فهنّ ينبذن من قولٍ يُصبْن به مواقع الماء من ذي الغُلَّة الصادي
فهؤلاء القدماء في الجاهلية والإسلام، فأين قول من احتججت به من قولهم!.
ولا نعلم أحدًا قال في الغلام ما قال الحكميّ وهو من المحدثين. وأين يقع قوله من قول الأوائل الذين شبَّبوا بالنساء! فدعْ عنك الرَّقاشيّ ووالبة والخرَّاز ومن أشبههم؛ فليست لك علينا حجّة في الشعراء.
[ ٢ / ١١٥ ]
وأُخرى: ليس من قال الشعر بقريحته وطبعه واستغنى بنفسه، كمن احتاج إلى غيره يطردُ شعره، ويحتذي مثاله، ولا يبلُغ معشاره.
قال (صاحب الغلمان): ظلمت في المناظرة ولم تُنصف في الحجَّة؛ لأن لم ندفع فضل الأوائل من الشعراء، إنّما قلنا إنهم كانوا أعرابًا أجلافًا جُفاةً، لا يعرفون رقيق العيش ولا لذَّات الدنيا؛ لأنَّ أحدهم إذا اجتهد عند نفسه شبَّه المرأة بالبقرة، والظبية، والحيّة. فإنْ وصفها بالاعتدال في الخلقة شبّهها بالقضيب، وشبَّه ساقها بالبَرْدية؛ لأنّهم مع الوحوش والأحناش نشؤوا، فلا يعرفون غيرها.
وقد نعلم أنّ الجارية الفائقة الحُسن أحسنُ من البقرة، وأحسنُ من الظَّبية، وأحسن من كلِّ شيءٍ شُبِّهَتْ به.
وكذلك قولهم: كأنَّها القمر؛ وكأنّها الشمس؛ فالشَّمس وإن كانت حسنةً فإنما هي شيء واحد، وفي وجه الإنسان الجميل وفي خلقه ضروبٌ من الحُسن الغريب، والتركيب العجيب. ومن يشكُّ أنّ عين الإنسان أحسن من عين الظَّبي والبقرة، وأن الأمر بينهما متفاوت!.
وهذه أشياءُ يشترك فيها الغلمان والجواري، والحجَّة عليك مثلُ الحجّة لك في هذه الصفات.
وأمّا احتجاجُك علينا بالقرآن والآثار والفقهاء، فقد قرأنا مثل ما قرأت، وسمعْنا من الآثار مثل ما سمعت. فإن كنت إلى سرور الدُّنيا تذهب، ولذّاتها تريد، فالقول قولنا. كما قال الشاعر:
[ ٢ / ١١٦ ]
ما العيش إلاَّ في جنون الصِّبا فإنْ تولَّى فزمانُ المُدامْ
كأسًا إذا ما الشيخُ والى بها خمسًا تردَّى برداء الغلامْ
وإن كنت إلى التقشُّف والتزهيد في اللَّذَّات تعمد فترك جميع الشَّهوات من النساء وغيرهنّ أفضل. فإنْ أنصفت فأْتنا بمثل حجّتنا. فأمّا أن تتلو علينا القرآن وتأتينا بأحاديث ألَّفتها فهذا منك انقطاع. ومثلنا ومثلك في ذلك مثل بصريٍّ وكوفيٍّ تفاخرا بعدد أشراف أهل البصرة وأشراف أهل الكوفة، فقال البصريّ للكوفيّ:
هات في أربع قبائل الكوفة مثل أربعة رجالٍ بالبصرة في أربع قبائل: في تميم الكوفة مثل الأحنف، وفي بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع، وفي قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم، وفي أزد الكوفة مثل المهلب.
فقال الكوفيّ: مخنف بن سُليم من أزد السَّراة، وهم أشرف من أزد عُمان.
فقال البصريّ: إنا لم نكن في شرف القبائل وفرق ما بينهما، فإنما ذكرنا المهلب بنفسه، وما علمت أن أحدًا يبلغ من جهله أن يفخر بمخنف بن سليم فيفضّله على المهلب. وأخْمل رجل من ولد المهلّب أشهر في الولايات وفي الفرسان وفي الناس من مخنف. والمهلّب رجلٌ ليس له بالعراق نظيرٌ يقاومه، ومناقبه وأيّامه وفتُوحُه أكثر وأشهر من أن يجوز لنا أن نجعله إزاء مخْنف. وما زالوا يقولون: " بصرة المهلّب ". ولو لم يكن للمهلّب إلاَّ أنه
[ ٢ / ١١٧ ]
ولد يزيد بن المهلّب كان كافيا. ونحن إذا قلنا: ليس في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم، قال قائل: فزارة أشرف من باهلة. قلنا: ليس هذه معارضة؛ فإنّما المعارضة أن تذكر أسماء بن خارجة ثم تقول ونقول، فنذكر فتوح قتيبة العظام، والشَّهامة والنفس الأبية، والشَّجاعة والحزم والرأي، والوفاء، وشرف الولاية، ونذكر سُودد أسماء، وجوده ونواله. فأمّا أن نتخطّى أنفسهما إلى قبائلهما كما تخطَّيت بدن المهلَّب وبدن مخنف إلى أزْدِ عمان وأزدِ السَّراة، فهذا ليس من معارضة العلماء.
وكذلك إذا ذكرنا عُبّاد البصرة وزُهّادها ونُسَّاكها فقلنا: لنا مثل عامر بن عبد قيس، وهرم بن حيَّان، وصلة بن أشْيم. قلت: فعُبَّاد
[ ٢ / ١١٨ ]
الكوفة: أُويسٌ القرنيّ، والرَّبيع بن خُثيم، والأسود بن يزيد النَّخعي. وهذا جواب.
فأمّا أن تذكر طيب الدُّنيا والتمتُّع من لذّاتها وصفات محاسنها، وتذكر ظرفاءها وأربابها، وتجيئنا بأحاديث الزهّاد والفقهاء، فقد انقطع الحجاج بيننا وبينك.
وقد قلنا في صدر كتابنا: إن الكلام إذا وُضع على المزْح والهزل، ثم أخرجته عن ذلك إلى غيره من الجدّ، تغيّر معناه وبطل.
وقد رُوي أنَّ معاوية سأل عمرو بن العاص يومًا - وعنده شبابٌ من قريش - فقال له: يا أبا عبد الله، ما اللذّة؟ فقال: مُر شباب قريشٍ فليقوموا. فلما قاموا قال: " إسقاط المروءة ".
[ ٢ / ١١٩ ]
قال الشاعر في مثل ذلك:
من راقب الناس مات غمًّا وفاز باللّذةِ الجسور
وقال الحكميّ:
تجاسرت فكاشفةُ ك لمّا غُلب الصَّبرُ
وما أحسن في مثل ك أن ينهْتك السِّتْرُ
قال (صاحب الجواري): فنحن نترك ما أنكرت علينا ونقول: لو لم يكن حلال ولا حرام، ولا ثواب ولا عقاب، لكان الذي يُحصِّله المعقول ويدركه الحسُّ والوجدان، دالًا على أنَّ الاستمتاع بالجارية أكثر وأطول مدّة؛ لأنه أقل ما يكون التمتُّع بها أربعون عامًا، وليس تجد في الغلام معنىً إلاَّ وجدته في الجارية وأضعافه. فإن أردت التفخيذ فأردافٌ وثيرة، وأعجاز بارزة لا تجدها عند الغلام. وإن أردت العناق فالثُّديُّ النواهد، وذلك معدومٌ في الغلام. وإن أردت طيب المأتى فناهيك، ولا تجد ذلك عند الغلام. فإن أتوه في محاشِّه حدث هناك من الطَّفاسة والقذر ما يكدِّر كلَّ عيش، وينغص كلَّ لذّة.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وفي الجارية من نعمة البشرة ولدونة المفاصل، ولطافة الكفَّين والقدمين، ولين الأعطاف، والتثنِّي وقلّة الحشن وطيب العرق ما ليس للغلام، مع خصالٍ لا تحصى، كما قال الشاعر:
يصف جودة القدّ وحُسن الخرط، ويفرق بين المجدولة والسمينة.
وقولهم " مجدولة " يريدون جودة العصب وقلّة الاسترخاء، ولذلك قالوا: خُمصانة وسيفانة، وكأنها جانٌّ، وكأنَّها جدْل عنان، وكأنَّها قضيب خيزران. والتثني في مشية الجارية أحسن ما فيها، وذلك في الغلام عيبٌ؛ لأنه بنسب إلى التخنيث والتأنيث وقد وصفت الشعراء المجدولة في أشعارها، فقال بعضهم:
لها قسمةٌ من خوط بانٍ ومن نقًا ومن رشأ الأقواز جيدٌ ومَذْرِفُ
[ ٢ / ١٢١ ]
وقال آخر:
مجدولة الأعلى كثيبٌ نصفها إذا مشت أقعدها ما خلفها
وقال آخر:
ومجدولةٍ جدل العنان إذا مشتْ ينوء بخصريها ثقالُ الرَّوادف
وقال الأحوص:
من المدمجات اللحم جَدْلًا كأنّها عنان صناعٍ أنعمت أن تخوَّدا
وقالوا في ذلك أكثر من ان نأتي عليه.
والغلام أكثر ما تبقي بهجته ونقاء خدّيه عشرة أعوام، إلى أن تتَّصل لحيته ويخرج من حدّ المرودة، ثم هو وقاخٌ طورًا ينتف لحيته، وتارة يهْلُبُها ليستدعي شهوة الرِّجال. وقد أغنى الله الجارية عن ذلك، لما وهب لها من الجمال الفائق، والحسن الرائق.
فإن قلت: إنّ من النساء من يتحسَّن ويستر عيبه بخضاب الشعر وغيره، كما قال الشاعر:
عجوزٌ ترجَّى أن تكون فتيَّةً وقد لحب الجنبان واحدوْدبَ الظُّهرُ
[ ٢ / ١٢٢ ]
تدسُّ إلى العطّار ميرة أهلها ولن يصلح العطّارُ ما أفسد الدَّهرُ
قلنا: قد يفعل ذلك بعض النساء إذا شُيِّبتْ وليس كالغلام، لعموم هَلْب اللِّحى في الغلمان.
وذكرت الخصْيان وحُسن قدودهم، ونعمة أبشارهم، والتلذُّذ بهم، وأنَّ ذلك شيءٌ لا تعرفه الأوائل، فألجأْتنا إلى نصف ما في الخصيان وإن لم يكن لذلك معنىً في كتابنا، إذ كنّا إنمّا نقول في الجواري والغلمان.
والخصيُّ - رحمك الله - في الجملة ممثَّل به، ليس برجل ولا امرأة، وأخلاقه مُقسَّمة بين أخلاق النساء وأخلاق الصِّبيان، وفيه من العيوب التي لو كانت في حوْراء كان حقيقًا أن يُزهد فيها منه؛ لأن الخصيَّ سريع التبدُّل والتنقُّل من حدّ البضاضة وملاسة الجلد، وصفاء اللَّون ورقَّته، وكثرة الماء وبريقه، إلى التكسُّر والجمود والكمود، والتقبُّض والتجمُّد والتحدُّب، وإلى الهزال وسوء الحال. لأنّك ترى الخصيَّ وكأنَّ السيوف تلمع في وجهه، وكأنه مرآةٌ صينيَّة، وكأنّه جُمارة، وكأنّه قضيب فضّةٍ قد مسَّه ذهب، وكأنّ في وجناته الورد. فإن مرض مرْضةً، أو طعن في السنِّ ذهب ذهابًا لا يعود.
[ ٢ / ١٢٣ ]
وقال بعض العلماء: إنّ الخصيَّ إذا قُطع ذلك العضو منه قويتْ شهوته، وقويتْ معدته، ولانت جلدته، وانجردت شعرته، وكثرتْ دمعته، واتَّسعت فقْحته، ويصير كالبغل الذي ليس هو جمارًا ولا فرسًا؛ لأنّه ليس برجلٍ ولا امرأة. فهو مذبذبٌ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
ويعرض للخصيّ سُرعة الدَّمعة والغضب، وذلك من أخلاق النساء والصِّبيان. ويعرض له حبُّ النميمة وضيقُ الصَّدر بما أُودع من السِّرِّ.
ويعرض لهم البول في الفراش ولا سيَّما إذا بات أحدهم ممتلئًا من النَّبيذ.
ومما ناله من الحسرة والأسف لما فاتهم من النّكاح مع شدّة حبِّهم للنساء، أبغضوا الفحول أشدَّ من تباغض الأعداء، فأبغضوا الفحول بُغض الحاسد لذوي النِّعمة.
وزعم بعض أهل التجربة من الشُّيوخ المعَّمرين أنَّهم اعتبروا أعمار ضروب الناس فوجدوا طول أعمار الخصيان أعمَّ من جميع أجناس الرجال، وأنهم لم يجدوا لذلك عِلّةً إلاَّ عدم النّكاح. وكذلك طول أعمار البغال لقلة النَّزْو. ووجدوا أقل الأعمار أعمار العصافير؛ لكثرة سفادها.
ثم الخصيُّ مع الرِّجال امرأة، ومع النِّساء رجل. وهو من النمائم والتحريش والإفساد بين المرء وزوْجه، على ما ليس عليه أحد. وهذا من النَّفاسة والحسد للفحول على النساء. ويعتريه إذا طعن في السنِّ اعوجاج في أصابع اليد، والتواءٌ في أصابع الرِّجل.
[ ٢ / ١٢٤ ]
ودخل بعض الملوك على أهله ومعه خصيٌّ فاستترت منه، فقال لها: تستترين منه وإنما هو بمنزلة المرأة! فقالت: ألموضع المُثْلة به يحلُّ له ما حرَّم الله عليه.
مع أنَّ في الخصيِّ عيوبًا يطول ذكرها.
ولولا خوف الملال والسآمة على الناظر في هذا الكتاب، لقلْنا في الاحتجاج عليك بما لا يدفعه من كانت به مُسكة عقل، أوْ له معرفة. وفيما قُلنا ما أقنع وكفى. وبالله الثِّقة.
وقد ذكرنا في آخر كتابنا هذا مقطَّعاتٍ من أحاديث البطَّالين والظُّرفاء، ليزيد القارئ لهذا الكتاب نشاطا، ويذهب عنه الفتور والكلال، ولا قوَّة إلا بالله.
١ - قال: مرض رجلٌ من عُتاة اللاَّطة مرضًا شديدا، فأيسوا منه، فلما أفاق وأبلَّ من مرضه، دخل عليه جيرانه فقالوا له: احمد الله الذي أقالك، ودعْ ما كنت فيه من طلب الغلمان والانهماك فيهم، مع هذه السنِّ التي قد بلغتها. قال: جزاكم الله خيرًا؛ فقد علمت أنّ فرط العناية والمدَّة دعاكم إلى عظتي. ولكنّي اعتدت هذه الصناعة وأنا صغير، وقد علمتم ما قال بعض الحكماء: ما أشدَّ فطام الكبير!.
[ ٢ / ١٢٥ ]
قال الشاعر:
والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يُواري في ثرى رمسهِ
فقاموا من عنده آيسين من فلاحه.
٢ - قال: كان رجلٌ من اللاَّطة وله بنون لهم أقدارٌ ومروءات، فشانهمْ بمشيته مع الغلمان وطلبه لهم، فعاتبوه وقالوا: نحن نشتري لك من الوصائف على ما تشتهي، تشتغل بهنَّ، فقد فضحتنا في الناس. فقال: هبكم تشترون لي ما ذكرتم فكيف لشيخكم بحرارة الجُلجُلتين! فتركوا عتابه وعلموا أنّه لا حيلة فيه.
٢ - وقال بعض اللُّوطيين: إنَّما خُلق الأير للفَقْحة، مدوّرٌ لمدوَّرة؛ ولو كان للحر كان على صيغة الطَّبرْزين.
وقال شاعرهم:
إذا وجدت صغيرًا وجأتأصل الحمارة
وإن أصبت كبيرا قصدت قصد الحرارة
فما أبالي كبيرًا قصدت أو ذا غرارة
٤ - وقيل لامرأة من الأشراف كانت من المتزوِّجات: ما بالك مع
[ ٢ / ١٢٦ ]
جمالك وشرفك لا تمكثين مع زوجك إلاّ يسيرًا حتى يطلِّقك؟ قالت: يريدون الضِّيق، ضيَّق الله عليهم.
٥ - قال: طلَّق رجلٌ امرأته، فمرَّ رجلٌ في بعض الطُّرقات فسمع امرأةً تسأل أخرى عنها فقالت: البائسة طلَّقها زوجها! فقالت: أحسن بارك الله عليه. فقال لها: يا أمة الله، من شأن النِّساء التعصُّب بعضهن لبعض، وأسمعك تقولين ما قلت. قالت: يا هذا، لو رأيتها لعلمت أن الله تعالى قد أحلَّ لزوجها الزِّنى، من قُبح وجهها.
٦ - وقال مخنَّثٌ لامرأة: يا معشر النِّساء، مالكنَّ همَّةٌ إلاّ طلب النَّيك، لا تُؤْثرون عليه شيئًا. فقالت: إن أمْرًا انتقلت من شهوته من طبْع الرِّجال إلى النساء حتَّى عقرت لحيتك له، لحقيق ألا تُلام عليه.
٧ - قال إسحاق الموصلي: نظرت إلى شابٍّ مخنَّثٍ حسن الوجه جدًا قد هلب لحيته فشان وجهه، فقلت له: لم تفعل هذا بلحيتك، وقد علمت أنّ جمال الرجال في اللِّحى؟ فقال: يا أبا محمد، أيسرُّك بالله أنّها في استك؟ قلت: لا والله! فقال: ما أنصفتني، أتكره أن يكون في استك شيءٌ وتأمرني أن أدعه في وجهي!.
[ ٢ / ١٢٧ ]
٨ - وقال: اشترى بعض ولاة العراق قينةً بمالٍ كثير، فجلس يومًا يشرب وأمرها أن تغنِّيه، فكان أوّل صوتٍ تغنَّت به:
أروح إلى القصَّاص كلَّ عشيَّةٍ أرجِّي ثواب الله في عدد الخُطى
فقال للخادم: يا غلام، خذْ بيد هذه الزَّانية فادفعْها إلى أبي حزْرة القاصّ. فمضى بها إليه فلقيه بعد ذلك، فقال: كيف رأيت تلك الجارية؟ فقال: ما شئت أصلحك الله، غير أنّ فيها خصلتين من صفات الجنة! قال: ويلك ما هما؟ قال: البرد، والسِّعة.
٩ - قال: علق رجلٌ من أهل المدينة امرأةً فطال عناؤه بها حتّى ظفر بها، فصار بها إلى منزل صديقٍ له مغنٍّ، ثم خرج يشتري ما يحتاج إليه، فقالت له: لو غنَّيت لي صوتًا إلى وقت مجي صديقك!.
فأخذ العود وتغنَّى:
من الخفرات لم تفضحْ أخاها ولم ترفعْ لوالدها شنارا
قال: فأخذت المرأة خُفَّها ولبستْ إزارها وقالت: ويلي ويلي، لا والله لا جلست! فجهد بها فأبتْ وصاحت، فخشي الفضيحة فأطلقها. وجاء الرجل فلم يجدْها، فسأله عنها فقال: جئتني بمجنونة؛ قال: ما لها ويلك؟ قال: سألتْني أن أغنِّيها صوتًا ففعلت، فضربت بيدها إلى خفِّها وثيابها فلبستْ وقامت تولول، فجهَدْتُ أن أحبسها فصاحت فخَّليتها. قال: وأيِّ شيء غنَّيتها؟ فأخبره، فقال: لعنك الله! حُقَّ لها أن تهرب!.
[ ٢ / ١٢٨ ]
قال: تواصف قومٌ الجماع، وأفاضوا في ذكر النساء، وإلى جانبهم مخنَّث فقال: بالله عليكم دعوا ذكر الحر لعنه الله! فقال له بعضهم: متى عهدك به؟ قال: مُذْ خرجت منه! ١٠ - قال: تزوّج رجلٌ امرأةٌ، فمكثت عنده غير بعيد، ثم أتى الرجل بالذي زوّجه فقدَّمه إلى القاضي فقال: أصلحك الله، إنّ هذا زوّجني امرأةً مجنونة. قال: وأيَّ شيءٍ رأيت من جنونها؟ قال: إذا جامعتها غُشي عليها حتَّى أحسبها قد ماتت. فقال له القاضي: قم قبحك الله فما أنت لمثل هذه بأهل. وكانت ربوخًا.
١١ - قال: كانت عائشة بنت طلحة من المتزوّجات، فتزوّجها عُمر بن عبيد الله بن مَعمر التَّيميّ، فبينا هي عنده تحدَّث مع امرأةٍ من زوَّارها إذْ دخل عُمر فدعا بها فواقعها، فسمعت المرأة من النَّخير والشَّهيق أمرًا عجيبًا، فلمَّا خرجت قالت لها: أنت في شرفك وقدْرك تفعلين مثل هذا! قالت: إنّ الددوابَّ لا تُجيد الشُّرب إلاَّ على الصَّفير!.
١٢ - قال: وكانت حُبَّي المدينيّة من المغتلمات، فدخل عليها نسوةٌ من المدينة فقلن لها: يا خالة، أتيناك نسألك عن القبْع عند الجماع يفعله النِّساء، أهو شيءٌ قديم أم شيءٌ أحدثه النِّساء؟ قالت: يا بناتي، خرجت
[ ٢ / ١٢٩ ]
للعمرة مع أمير المؤمنين عثمان ﵁، فلمَّا رجعنا فكُنَّا بالعرْج نظر إليّ زوجي ونظرت إليه، فأعجبه منيّ ما أعجبني منه فواثبني، ومرَّت بنا عيرُ عثمان فقبعت قبعةً وأدركني ما يصيب بنات آدم، فنفرت العير - وكانت خمس مائة - فما التقى منها بعيران إلى الساعة.
والقبْع: النَّخير عند الجماع. والغربلة: الرَّهز. كذاك تسمِّيه أهل المدينة.
ويقال إن حُبَّي علَّمت نساء المدينة القبْع والغربلة.
١٣ - قال: وكانت خُليدة امرأةً سوداء ذات خَلْق عجيب، وكان لها دارٌ بمكة تكريها أيام الحاجّ، فحجَّ فتىً من أهل العراق فاكترى منزلها، فانصرف ليلةً من المسجد وقد طاف فأعيا، فلما صعد السَّطح نظر إلى خليدة نائمة في القمر، فرأى أهيأ النّاس وأحسنه خَلْقًا، فدعتْه نفسه إليها فدنا منها، فتركته حتى رفع برجليها فتابعتْه وأرتْه أنها نائمة، فناكها، فلمَّا فرغ ندم فجعل يبكي ويلطم وجهه، فتعاربت وقالت: ما شأنك؟ لسعتك حيّة؟ لدغتْك عقرب؟ ما بالك تبْكي؟ قال: لا والله ولكنِّي نكتك وأنا محرم. قال: فتنيكني وتبكي؟ أنا والله أحقُّ بالبكاء منك. قمْ يا أرعن!.
[ ٢ / ١٣٠ ]
١٤ - وقال ابن حُبَّي لأمِّه: يا أُمَّه، أيُّ الحالات أعجب إلى النِّساء من أخْذ الرجال إيّاهنّ؟ قالت: يا بنيّ، إذا كانت مُسنَّة مثلي فأبركْها وألصقْ خدَّها بالأرض ثم أوعبْه فيها. وإذا كانت شابّةً فاجمع فخذيْها إلى صدرها فأنت تدرك بذلك ما تريد منها وتبلغ حاجتك منها.
١٥ - وقال: اشترى قومٌ بعيرًا وكان صعبًا، فأرادوا إدخاله الدار فامتنع، فجعلوا يضربونه وهو يأبى، فأشرفتْ عليهم امرأةٌ كأنّها شقَّة قمر، فبُهتوا ينظرون إليها، فقالت: ما شأنه؟ فقال لها بعضهم: نربده على الدُّخول فليس يدخل. قالت: بُلَّ رأسه حتَّى يدخل.
١٦ - قال: نظر رجلٌ بالمدينة إلى جاريةٍ سريّة ترتفع عن الخدمة، فقال: يا جارية، في يدك عمل؟ قالت: لا، ولكنْ في رجلي.
١٧ - قال بعضهم: كنا في مجلس رجلٍ من الفقهاء فقال لي رجل: عندك حُرّةٌ أو مملوكة؟ قلت: عندي أمُّ ولدٍ، ولم سألتني عن ذلك؟ قال: إنّ الحرّة لها قدرها فأردت أن أعلّمك ضربًا من النَّيك طريفًا. قلت: قل لي. قال: إذا صرت إلى منزلك فنم على قفاك، واجعل مخدّةً بين رجليك وركبك ليكون وطاءً لك، ثم ادعُ الجارية وأقم أيرك وأقعدها عليه، وتحوَّل ظهرها إلى وجهك، وارفع رجليك ومرها أن تأخذ بإبهامك كما يفعل الخطيب على المنبر، ومرها تصعد وتنزل عليه؛ فأنَّه شيء عجيب.
[ ٢ / ١٣١ ]
فلمَّا صار الرجل إلى منزله فعل ما أمره به، وجعلت الجارية تعلو وتستفل، فقالت: يا مولاي، من علَّمك هذا النَّيك؟ قال: فلانٌ المكفوف. قالت: يا مولاي، ردّ الله عليه بصره!.
١٨ - قال: كانت امرأة من قريش شريفةً ذات جمال رائعٍ ومال كثير، فخطبها جماعةٌ وخطبها رجلٌ شريفٌ له مالٌ كثير، فردّته وأجابت غيره، وعزموا على الغدُوِّ إلى وليّها ليخطبوها، فاغتمَّ الرجل غمًّا شديدًا، فدخلت عليه عجوزٌ من الحيّ فرأتْ ما به وسألته عن حاله فأخبرها، وقالت: ما تجعل لي إنْ زوّجتُك بها؟ قال: ألف درهم. فخرجتْ من عنده ودخلت عليها، فتحدَّثتْ عندها مليًّا وجعلتْ تنظر في وجهها وتتنفَّس الصُّعداء، ففعلت ذلك غير مرَّة، فقالت الجارية: ما شأنك يا خالة، تنظرين في وجهي وتنفَّسين؟ قالت: يا بُنيّة، أرى شبابك، وما أنعم الله عليك به من هذا الجمال، وليس يتمُّ أمر المرأة إلاَّ بالزَّوْج، وأراك أيِّمًا لا زوج لك. قالت: فلا يغُمَّك الله، قد خطبني غير واحدٍ وقد عزمت على تزويج بعضهم. قالت: فاذكري لي من خطبك. قالت: فلان. قالت: شريفٌ، ومن؟ قالت: فلان. قالت: شريف، فما يمنعك منه؟ قالت: وفلانٌ - لصاحبها - قالت: أُفٍّ أفّ، لا تريدينه. قالت: وماله أليس هو شريفًا كثير المال؟ قالت: بلى، ولكن فيه خصلةً أكرهها لك. قالت: وما هي؟
[ ٢ / ١٣٢ ]
قالت: دعي عنك ذكرها. قالت: أخبريني على كلِّ حال. قالت: رأيته يبول يومًا فرأيت بين رجليه رجلًا ثالثة. وخرجت من عندها فأتته، فقالت: أعدْ إليها رسولك. وأتاها الرجل الذي كانت أجابته - بعد مجيء الرسول - فردّتْه وبعثت إلى صاحب المرأة: أن اغد بأصحابك. فتزوّجها فلما بنى بها إذا معه مثل الزِّرّ، فلمَّا أتتْها العجوز فقالت: بكم بعتيني يا لخناء؟ قالت: بألف درهم. قالت: لا أكلتيها إلاّفي المرض!.
١٩ - قال: كان هشام بن عبد الملك يقبض الثِّياب من عظم أيره، فكتب إلى عامله على المدينة: " أما بعد فاشتر لي عكاك النَّيك ". قال: وكان له كاتبٌ مدينيٌّ ظريف، فقال له: ويحك، ما عكاك النِّيك؟ قال: الوصائف. فوجَّه إلى النَّخَّاسين فسألهم عن ذلك. فقالوا: عكاك النِّيك الوصائف البيض الطوال. فاشتري منهنّ حاجته، ووجّه بهنَّ إليه.
قال: وكانت بالمدينة امرأةٌ جميلةٌ وضيّة، فخطبها جماعةٌ وكانت لا ترضى أحدًا، وكانت أمُّها تقول: لا أزوجها إلاَّ من ترضاه. فخطبها شابٌّ جميلُ الوجه ذو مالٍ وشرف. فذكرتْه لابنتها وذكرت حاله وقالت: يا بنيّة إن لم تزوّجي هذا فمن تزَّوَّجين؟ قالت: يا أُمَّه: هو ما تقولين، ولكنّي بلغني
[ ٢ / ١٣٣ ]
عنه شيءٌ لا أقدر عليه. قالت: يا بنيّتي لا تحتشمين من أمِّك، اذكري كلَّ شيءٍ في نفسك. قالت: بلغني أنَّ معه أيرًا عظيما وأخاف ألاَّ أقوى عليه. فأخبرت الأمُّ الفتى فقال: أنا أجعل الأمر إليك تُدخلين أنت منه ما تريد وتحبسين ما تريد. فأخبرت الابنة فقالت: نعمْ أرضى إن تكفَّلت لي بذلك. قالت: يا بنيّةُ والله إنّ هذا لشديدٌ عليّ، ولكنِّي أتكلَّفه لك. فتزوّجته. فلما كانت ليلة البناء قالت: يا أُمَّه، كوني قريبةً منّي لا يقتلْني بما معه. فجاءت الأمّ وأغلقت الباب وقالت له: أنت على ما أعطيتنا من نفسك؟ قال: نعم، هو بين يديك. فقبضت الأمّ عليه وأدنْته من ابنتها فدسَّت رأسه في حرها وقالت: أزيد؟ قالت: زيدي. فأخرجت إصبعًا من أصابعها فقالت: يا أُمَّه زيدي. قالت: نعم. فلم تزل كذلك حتَّى لم يبقِ في يدها شيءٌ منه، وأوعبه الرجل كلَّه فيها، قالت: يا أُمَّه زيدي. قالت: يا بنيّة لم يبقِ في يدي شيء. قالت بنتها: رحم الله أبي فإنّه كان أعرف الناس بك، كان يقول: إذا وقع الشيء في يديك ذهب البركةُ منه. قومي عنّي!.
٢٠ - قال: تزوّج رجلٌ امرأةً وكان معه أيرٌ عظيم جدًا، فلمَّا ناكها أدخله كلَّه في حرها، ولم تكن تقوى عليه امرأة، فلم تتكلَّم، فقال لها: أيُّ شيءٍ حالك خرج من خلفك بعد؟ قالت: بأبي أنت وهل أدخلته؟ - قال: نظر رجلٌ إلى امرأةٍ جميلة سريّة، ورجلٌ في دارها دميم مشوّهٌ يأمر وينهي، فظنَّ أنّه عبدها، فسألها عنه فقالت: زوجي. قال: يا سبحان الله، مثلك في نعمة الله عليك تتزوَّجين مثل هذا؟ فقالت:
[ ٢ / ١٣٤ ]
لو استدبرك بما يستقبلني به لعظم في عينك. ثم كشفتْ عن فخذها فإذا فيه بُقع خُضْر، فقالت: هذا خطاؤه فكيف إصابته.
٢٢ - قال: وكانت بالمدينة امرأة ماجنة يقال لها سلاَّمة الخضراء، فأُخذت مع مخنَّثٍ وهي تنيكه بكيرنْج، فرُفعت إلى الوالي فأوجعها ضربًا وطاف بها على جمل، فنظر إليها رجلٌ يعرفها فقال: ما هذا يا سلاَّمة؟ فقالت: بالله اسكُتْ، ما في الدُّنيا أظلمُ من الرجال، أنتم تنيكونا الدَّهر كلَّه فلمَّا نكنا كم مرَّة واحدة قتلتمونا.
٢٣ - قال: تزوّج رجلٌ امرأةً فقيل له: كيف وجدتها؟ قال: كأنَّ ركبها دارة القمر، وكأنّ شُفْريها أير حمارٍ مثْنيّ.
٢٤ - وقال بعض العجائز المغتلمات:
وخضبت ما صبغ الزَّمان فلم يدم صبْغي ودامت صبغة الأيامِ
أيّام أُمْسي والشَّباب غريرةً وأُناك من خلفي ومن قُدَّامي
٢٥ - وقال سياه، وكان من مردة اللاّطة، وأسمه ميمون بن زياد بن ثرْوان، وهو مولىً لخزاعة:
[ ٢ / ١٣٥ ]
أخزاعُ إنْ عدَّ القبائل فخرهم فضعوا أكفَّكم على الأفواهِ
إلاّ إذا ذُكر اللِّواط وأهله والفاتقون مشارج الأستاهِ
فهناك فافتخروا فإنّ لكم به مجدًا تليدًا طارفًا بسياهِ
٢٦ - قال: وجاء سياه إلى الكميت فقال له: يا أبا عُمارة، قد قلت على عروض قصيدتك: " أبتْ هذه النَّفسُ إلاّ ادِّكارا " فقال: هات. فقال:
أبتْ هذه النفسُ إلاّ خسارا وإلاّ ارتدادًا وإلاّ ازورارا
وحمل الدُّيوك وقود الكلاب فهذا هرشًا وهذا نقارا
وشرب الخمور بماء الغمام تنفجر الأرض عنه انفجارا
٢٧ - وقال: أُخذ " ديكٌ "، وكان من كبار اللاَّطة، وهو رجلٌ من أهل الحجاز، مع غلامٍ من قُريش كأنّه قديدة، فقيل له: عدوَّ الله هبك تُعذر في الغلمان الصِّباح فما أردت إلى هذا؟ فقال: بأبي أنتم وأمِّي، قد والله علمت أنّه كما تقولون، وإنَّما نكته لشرفه.
[ ٢ / ١٣٦ ]
٢٨ - وقد يُضرب المثل في اللِّواط بالحجاز فيقال: " ألْوطُ من ديك "، كما يقول أهل العراق: " ألْوط من سياه "، وهو كوفيّ.
وقد اختصرت كتابي هذا لئلا يملَّه القارئ. وبالله التوفيق.
تم كتاب مفاخرة الجواري والغلمان، والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا إله إلا هو.
يتلوه إن شاء اللَّه تعالى كتاب القيان من كلام أبي عثمان عمرو بن بحرٍ الجاحظ أيضًا، واللَّه الموفق للصواب. والحمد للَّه أولًا وآخرًا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه.
[ ٢ / ١٣٧ ]