رسالة في صناعات القواد
[ ١ / ٣٧٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
أرشدك الله للصواب، وعرَّفك فضل أولي الألباب، ووهب لك جميل الآداب، وجعلك ممن يعرف عزّ الأدب كما تعرف زوائد الغنى.
قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ: دخلت على أمير المؤمنين المعتصم بالله فقلت له: يا أمير المؤمنين، في اللسان عشر خصال: أداة يظهر بها البيان، وشاهد يُخبر عن الضمير، وحاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يُرَدُّ به الجواب، وشافع تُدرك به الحاجة، وواصف تُعرف به الأشياء، وواعظ يُعرف به القبيح، ومُعزٍّ يُردُّ به الأحزان، وخاصَّةٌ يُزهى بالصَّنيعة، ومُلْةٍ يونق الأسماع.
وقال الحسن البصري: إنّ الله تعالى رفع درجة اللسان، فليس من الأعضاء شيء ينطق بذكره غيره.
وقال بعض العلماء: أفضل شيء للرجل عقلٌ يولد معه، فإنْ فاته ذلك
[ ١ / ٣٧٩ ]
فمالٌ يُعظَّم به، فإنْ فاته ذلك فعلمٌ يعيش به، فإن فاته ذلك فموتٌ يجتثُّ أصله.
وقال خالد بن صفوان: ما الإنسان لولا اللِّسان إلا ضالّة، أو بهيمةٌ مرسلة، أو صورة ممثَّلة.
وذُكر الصَّمت والنطق عند الأحنف فقال رجلٌ: الصَّمت أفضل وأحمد. فقال: صاحب الصمت لا يتعداه نفعه، وصاحب المنطق ينتفع به غيره. والمنطق الصَّواب أفضل.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " رحم الله امرأً أصلح من لسانه ".
قال: وسمع عمر بن عبد العزيز ﵁ رجلًا يتكلَّم فأبلغ في حاجته، فقال عمر: هذا والله السِّحر الحلال.
وقال مسلمة بن عبد الملك: إنّ الرجل ليسألني الحاجة فتستجيب نفسي له بها، فإذا لحن انصرفت نفسي عنها.
وتقدم رجلٌ إلى زياد فقال: أصلح الله الأمير، إنَّ أبينا هلك، وإن أخونا غصبنا ميراثه. فقال زياد: الذي ضيعت من لسانك أكثر مما ضيَّعت من مالك.
[ ١ / ٣٨٠ ]
وقال بعض الحكماء لأولاده: يا بني أصلحوا من ألسنتكم، فإنَّ الرجل لتنوبه النائبة فيستعير الدابة والثياب، ولا يقدر أن يستعير اللِّسان.
وقال شبيب بن شيبة ورأى رجلًا يتكلم فأساء القول، فقال: يا ابن أخي، الأدب الصالح خيرٌ من المال المضاعف.
وقال الشاعر:
وكائن ترى من صامتٍ لك مُعجبٍ زيادته أو نقصُه في التكلُّم
لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدَّم
فخذْ يا أمير المؤمنين أولادك بأن يتعلموا من كلِّ الأدب؛ فإنَّك إن أفردتهم بشيءٍ واحد ثم سئلوا عن غيره لم يحسنوه.
وذلك أنيّ لقيت حِزامًا حين قدم أمير المؤمنين من بلاد الرُّوم، فسألته عن الحرب كيف كانت هناك؟ فقال: لقيناهم في مقدار صحْن الإصطبل، فما كان بقدر ما يُحسُّ الرجل دابته حتى تركناهم في أضيق من ممْرغة. وقتلناهم فجعلناهم كأنهم أنابير سرجين،
[ ١ / ٣٨١ ]
فلو طُرحتْ روثةٌ ما سقطتْ إلا على ذنب دابّة.
وعمل أبياتًا في الغزل فكانت:
إن يهدم الصدُّ من جسمي معالفه فإن قلبي بقتِّ الوجد معمور
إنيّ امرؤ في وثاق الحبّ يكبحه لجام هجرٍ على الأسقام معذور
علِّلْ بِجُلٍّ نبيلٍ من وصالك أو حُسْنِ الرُّقاد فإنَّ النَّوم مأسور
أصاب حبل شكال الوَصْل حين بدا ومبضع الصدِّ في كفيه مشهور
لبست برقع هجر بعد ذلك في إصطبل وُدٍّ فروث الحُبِّ منثور
[ ١ / ٣٨٢ ]
قال: وسألت بَخْتِيَشُوع الطبيب عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار صحْن البيمارستان، فما كان بقدر ما يختلف الرجل مقعدين حتى تركناهم في أضيق من مِحْقَنة، فقتلناهم فلو طرحت مبضعًا ما سقط إلا على أكحل رجل.
وعمل أبياتًا في الغزل فكانت:
شرب الوصل دَسْتَج الهجر فاسْتَط لق بطن الوصال بالإسهال
ورماني حبِّي بقُولَنجِ بينٍ مُذهلٍ عن ملامة العُذَّال
ففؤاد الحبيب ينحله السُّ لُّ وقلبي معذَّبٌ بالملال
وفؤادي مُبرسم ذو سقامٍ يا بن ما سُوه ضلَّ عنِّي احتيالي
لو ببقراط كان مابي وجالي نوس باتا منه بأكسفِ بال
[ ١ / ٣٨٣ ]
قال: وسألت جعفرًا الخياط عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار سُوق الخُلقان، فما كان بقدر ما يخيط الرجل درْزًا حتى قتلناهم وتركناهم في أضيق من جربَّانٍ، فلو طرحتْ إبرةً ما سقطت إلا على رأس رجل.
وعمل أبياتًا في الغزل فكانت:
فتقت بالهجر دُروز الهوى إذْ وخزتني إبرةُ الصّدِّ
فالقلب من ضيق سراويله يعثر في بايكة الجهد
جشَّمتني يا طيلسان النوى منك على شوزكتي وجدي
أزرار عيني فيك موصولة بُعروة الدمع على خدِّي
يا كستبان القلب يا زيقه عذَّبني التَّذكار بالوعد
قد قصَّ ما يعهد من وصله مقراضُ بينٍ مُرهفُ الحدِّ
[ ١ / ٣٨٤ ]
يا حُجزة النَّفس ويا ذيلها مالي من وصلك من بُدِّ
ويا جربَّان سُروري ويا جيب حياتي حُلْت عن عهدي
قال: وسألت إسحاق بن إبراهيم عن مثل ذلك - وكان زارّاعًا - فقال: لقيناهم في مقدار جريبين من الأرض، فما كان بقدر ما يسقى الرجل مشارةً حتى قتلناهم، فتركناهم في أضيق من باب، وكأنهم أنابير سنبل، فلو طرح فدّانٌ ما سقط إلا على ظهر رجل.
وعمل أبياتًا في الغزل فكانت:
زرعت هواه في كراب من الصفا وأسقيته ماء الدوام على العهد
[ ١ / ٣٨٥ ]
وسرجنته بالوصل لم آل جاهدًا ليحرزه السرجين من آفة الصدِّ
فلمَّا تعالى النبت واخضرَّ يانعًا جرى يرقان البين في سنبل الودِّ
وقال: وسألت فرجًا الرخَّجيَّ عن مثل ذلك - وكان خبَّازًا - فقال: لقيناهم في مقدار بيت التنور، فما كان بقدر ما يخبز الرجل خمسة أرغفة حتى تركناهم في أضيق من حجر تنّور، فلو سقطت جمرة ما وقعت إلا في جفنة خبَّاز.
وعمل أبياتًا في الغزل فكانت:
قد عجن الهجر دقيق الهوى في جفنةٍ من خشب الصدِّ
واختمر البين فنار الهوى تذكى بسرجينٍ من البعد
وأقبل الهجر بمحراكه يفحص عن أرغفة الوجد
[ ١ / ٣٨٦ ]
جرداق الموعد مسومة مثرودة في قصعة الجهد
قال: وسألت عبد الله بن عبد الصمد بن أبي داود عن مثل ذلك - وكان مؤدَّبا - فقال: لقيناهم في مقدار صحن الكتَّاب، فما كان بقدر ما يقرأ الصبيُّ إمامه حتى ألجأناهم إلى أضيق من رقم فقتلناهم، فلو سقطت دواةٌ ما وقعت إلا في حجر صبيّ.
وعمل أبياتًا في الغزل فكانت:
قد أمات الهجران صبيان قلبي ففؤادي معذَّب في خبال
كسر البين لوح كبدي فما أط مع ممن هويته في وصال
رفع الرقم من حياتي وقد أط لق مولاي حبلهمن حبالي
مشق الحبُّ في فؤادي لوحي ن فأغرى جوانحي بالسلال
[ ١ / ٣٨٧ ]
لاق قلبي بنانه فمداد ال عين من هجر مالكي في انهمال
كرسف البين سوَّد الوجه من وص لي فقلبي بالبين في إشعال
وقال: وسألت عليّ بن الجهم بن يزيد - وكان صاحب حمام - عن مثل ذلك فقال:
لقيناهم في مثل بيت الأنبار، فما كان إلا بقدر ما يغسل الرجل رأسه حتى تركناهم في أضيق من باب الأتّون، فلو طرحت ليفةً ما وقعت إلا على رأس رجل.
وعمل أبياتًا في الغزل فكانت:
يا نورة الهجر حلقت الصَّفا لما بدت لي ليفة الصَّدِّ
يا مئزر الأسقام حتَّى متى تُنفع في حوض من الجهْد
أوقدْ أتون الوصل لي مرّةً منك بزنبيلٍ من الودِّ
[ ١ / ٣٨٨ ]
فالبينُ مُذْ أوقد حمامه قد هاج قلبي مسلخ الوجد
أفسد خِطميَّ الصفا والهوى نُخالة النَّاقض للعهد
قال: وسألت الحسن بن أبي قماشة عن مثل ذلك - وكان كنَّاسًا - فقال: لقيناهم في مقدار سطح الإيران، فما كان إلا بقدر ما يكنس الرجل زبيلًا حتَّى تركناهم في أضيق من جُحر المخرج، ثم قتلناهم بقدر ما يشارط الرجل على كنْس كنيف، فلو رميت بابنة وردانةٍ ما سقطت إلا على فم بالوعة.
وعمل أبياتًا فكانت:
أصبح قلبي بَرْبخًا للهوى تسلح فيه فقحة الهجر
بنات وردان الهوى للبلى أصبرُ من ذا الوجد في صدري
[ ١ / ٣٨٩ ]
خنافس الهجران أثكلنني يوم تولَّى مُعرِضًا صبري
أسقم ديدان الهوى مُهجتي إذْ سلح البين على عُمري
قال: وسألت أحمد الشَّرابيَّ عن مثل ذلك فقال: لقيناهم في مقدار صحن بيت الشَّراب، فما كان بقدر ما يصفِّي الرجل دنًّا حتى تركناهم في أضيق من رطليّة فقتلناهم، فلو رميت تفاحةً ما وقعت إلا على أنف سكران.
وعمل أبياتًا في الغزل فكانت:
شربت بكأس للهوى نبذة معًا ورقرقت خمر الوصل في قدح الهجْر
فمالت دنان البين يدفعها الصِّبا فكسَّرن قرَّابات حُزني على صدري
وكان مزاج الكأس غُلَّة لوعةٍ ودورق هجرانٍ وقنِّينتيْ غدرٍ
قال: وسألت عبد الله بن طاهر عن مثل ذلك - وكان طبّاخا - فقال: لقيناهم في مقدار صَحْن المطبخ، فما كان بقدر ما يشوي الرجل حملًا حتى
[ ١ / ٣٩٠ ]
تركناهم في أضيق من موقد نار، فقتلناهم فلو سقطت مغرفةٌ ما وقعت إلا في قدر.
وعمل أبياتًا في الغزل فكانت:
يا شبيه الفالوذ في حمرة الخ دِّ ولوزينج النُّفوس الظِّماء
أنت جوزينج القلوب وفي اللّي ن كلين الخبيصة البيضاء
عُدْت مُستهترًا بسكباج ودٍّ بعد جوذابةٍ بجنب شواء
يا نسيم القدور في يوم عُرسٍ وشبيهًا بشهدةٍ صفراء
أنت أشهى إلى القلوب من الزُّبْ د مع النِّرسيان بعد الغذاء
أُطعم الحاسدون ألوان غمٍ في قصاع الأحزان والأدواء
[ ١ / ٣٩١ ]
قد غلا القلب مذ نأتْ عنك داري غليان القدور عند الصِّلاءِ
هام قلبي لَّما كسرن غضارا ت سروري مغارفُ الشَّحناء
فتفضل على العميد بيومٍ جُد بوصلٍ يُكبتْ به أعدائي
وتفضَّلْ على الكئيب ببزْما ورد وصلٍ يشفي من الأدواء
قال: وسألت - أطال الله بقاءك - محمد بن داود الطوسيَّ عن مثل ذلك - وكان فرّاشا - فقال: لقيناهم في مقدار صحن بساط، فما كان إلا بقدر ما يفرش الرجل بيتًا حتى تركناهم في أضيق من منصة فقتلناهم، فلو سقطت مخدَّة ما وقعتْ إلا على رأس رجل.
ثم عمل أبياتًا في الغزل فكانت:
كسح الهجر ساحة الوصل لمَّا غبَّر البين في وجوه الصَّفاءِ
وجرى البين في مرافق ريشٍ هي مذخورةٌ ليوم اللقاءِ
[ ١ / ٣٩٢ ]
فرش الهجر في بيوت همومٍ تحت رأسي وسادة البُرحاءِ
حين هيأت بيت خيشٍ من الوص ل لأبوابه ستور البهاءِ
فرش البحر لي بيوت مُسموحٍ مُتَّكاها مطارح الحصباءِ
رِقَّ للصبِّ من براغيث وجدٍ تعتري جلده صباح مساء
قال: فضحك المعتصم حتى استلقى، ثم دعا مؤدِّب ولده فأمره أن يأخذهم بتعليم جميع العلوم.
[ ١ / ٣٩٣ ]
الجزء الثاني