وحضرتُ الأستاذ أبا محمد - أيَّده الله تعالى - في منظرةٍ له على دجلة تنفتح منها أبوابٌ إلى بساتين، فعمل بيتين صُنعا في الوقت وغُنِّيَ بهما، وهما:
لئن عرفت جريرًا أو اعتمدت قطيعًا
فلا ظفرتُ بعاصٍ ولا أطعتُ المطيعا
والبيت الأول يحتاج إلى تفسير، فالمراد بالجرير: جريرة، وبالقطيع: قطيعة. وأنفذ الأستاذ أبو محمد - أيده الله - ليلةً وقد مضى الثلث منها فاستدعاني، وقاد دابة نوبته كي لا أتأخر انتظارًا لدابتي، فمضيتُ وألفَيتْهُ قد انتهى من بستانه الكبيرة إلى مصبِّها من دجلة على ميادين ريحان نضرةٍ، فاستحسن الموضع، وقعد فيه. . . مع خدمه: أبي الكأس، وسلاف، وأبي المدام، وشراب،
[ ١٠٦ ]
وخندريس، وشمول، وراح. وأمر فَنُصبتْ نحو مائة شمعة في أصول تلك الميادين، صغيرة. وقعدتُ، فغنّى سلاف:
يا شقيقَ النفس من حكمِ نمتَ عن ليلي ولم أنَمِ
فقال الأستاذ: بل غنِّ:
يا شقيق النفس من خدمي لم يَنَمْ ليلي ولم أنَمِ
غنِّني من شعر ذي حكم يا شقيقَ النفس من حكمِ
ولم نزلْ. . . إلى أن باح الصباح بسرِّه، وقام كلٌّ منّا يتعثَّر في سكره.
يقول الثعالبي في ترجمة الأحنف العكبري: قرأتُ للصاحب فصلًا في ذكره فأورَدْتُه، وهو: لو أنشدتُك ما أنشدنيه الأحنف العكبري لنفسه، وهو
[ ١٠٧ ]
فرد بني ساسانَ اليوم بمدينة السلام، وحَسَنُ الطريقة في الشعر، لامتلأتَ عجبًا من ظرفه، وإعجابًا بنظمه، ولا أقل من إيراد موضع افتخاره، فإنه يقول:
على أنّي بحمد الل هِ في بيتٍ من المجدِ
بإخواني بني ساسا نَ أهلِ الجِدِّ والجَدِّ
لهم أرض خراسانَ فقاشان إلى الهندِ
إلى الروم إلى الزنج إلى البلغار والسندِ
إذا ما أعوز الطَرْق على الطُّرّاقِ والجندِ
حذارًا من أعاديهِمْ من الأعراب والكردِ
قطعنا ذلك النهج بلا سيفٍ ولا غمدِ
ومَنْ خاف أعاديهِ بنا في الروع يستعدي
ولهذا البيت الأخير معنىً بديع، وتفسيره: يريد أن ذوي الثروة وأهل الفضل والمروءة إذا
وقع أحدهم في أيدي قُطاع الطريق وأحبَّ التخلص قال: أنا مكدّي. فانظر كيف غاص، وأبرز هذا المعنى المعتاص.
[ ١٠٨ ]
يقول الثعالبي في ترجمة المتنبي: وقوله:
تألم درزه والدرزُ لينٌ كما يتألَّم العضب الصنيعا
وعلى ذكر الدرز فقد حكى الصاحب في كتاب الروزنامجة من حديث لحظة الطولونية المغنية ما يشبه معنى هذا البيت، وهو أنه قال: سمعتُها تقول: يا جارية عليَّ بالقميص المعمول في النسج فقد آذاني ثقل الدروز.
[ ١٠٩ ]