ذكروا أنَّ مجنون بني عامر رقد ليلةً تحت شجرةٍ فانتبه بتغريد طائرٍ فأنشأ:
لقدْ هتفتْ في جنحِ ليلٍ حمامةٌ علَى فننٍ تدعُو وإنِّي لنائمُ
فقلتُ اعتذارًا عندَ ذاكَ وإنَّني لنفسِي فيما قدْ رأيتُ للائمُ
أأزعمُ أنِّي عاشقٌ ذو صبابةٍ بليلَى ولا أبكِي وتبكِي الحمائمُ
كذبتُ وبيتِ اللهِ لوْ كنتُ عاشقًا لمَا سبقَني بالبكاءِ الحمائمُ
وقال شقيق بن سليك الأسدي:
ولمْ أبكِ حتَّى هيَّجتْني حمامةٌ بعَبْنِ الحمامِ الوُرقِ فاستخرجتُ وجدِي
فقد هيَّجتْ منِّي حمامةُ أيكةٍ منَ الوجدِ شوقًا كنتُ أكتمهُ جُهدِي
[ ٩٢ ]
تُنادِي هُذيلًا فوقَ أخضرَ ناعمٍ غذاهُ ربيعٌ باكرٌ في ثرًى جعدِ
فقلتُ تعالَيْ نبكِ مِنْ ذكرِ ما خَلا ونذكرُ منهُ ما نُسرُّ وما نُبدِي
فإنْ تُسعدِيني نبكِ عبرتَنا معًا وإلاَّ فإنَّي سوفَ أسفحُها وحدِي
وهذه حال ناقصة منها في المحبَّة من ليست له حال تبة جحدر الفقعسي حيث يقول:
وكنتُ قدِ اندملتُ فهاجَ شوقِي بُكاءَ حمامتينِ تَجاوبانِ
تَجاوبَتَا بلحنٍ أعجميٍّ علَى غُصنينِ مِنْ غرَبٍ وبانِ
افتراه إن سلا عمَّن يهواه لم يبق له في قلبه أثر من حبِّه ولا خاطر شارد من ذكره يعيد هواه على فكره فيعطف قلبه عليه إذ لم يستطع أن يردَّ وجده إليه حتَّى يكون نوح الحمام أقوى شيئًا في ردِّ قلبه إلى أحبابه مَن كان السبب في تعذيبه نوح الحمام كان السبب في تبعيده أضعف نوائب الأيَّام ولكنَّ أبا صخر الهذلي قال قولًا لا يهجَّن من ابتدعه ولا يقال على من انتخبه وهو:
وليسَ المعنَّى بالَّذي لا يهجنهُ إلى الشَّوقِ إلاَّ الهاتفاتُ السَّواجعُ
ولا بالَّذي إنْ صدَّ يومَّ خليلهُ يقولُ ويُبدي الصَّبرَ إنِّي لجازعُ
ولكنَّهُ سقمُ الجوَى ومطالهُ وموتُ الجفا ثمَّ الشُّؤونُ الدَّوامعُ
رشَاشًا وتَهتانًا ووبلًا وديمةً كذلك تُبدي ما تجنُّ الأضالعُ
وقال آخر:
ألا يا حماماتِ اللِّوَى عُدنَ عودةً فإنِّي إلى أصواتكنَّ حزينُ
فعُدنَ فلمَّا عدنَ كدنَ يُمتنَنِي وكدتُ بأسرارِي لهنَّ أُبينُ
ولمْ ترَ عيني قبلهنَّ حمائمًا بَكينَ ولمْ تدمعْ لهنَّ عيونُ
وقال آخر:
يا طائرينَ علَى غُصنٍ أنا لكُما مِنْ أنصحِ النَّاسِ لا أبغِي بهِ ثمنَا
كونا إذا طرتُما زوجًا إخالكُما لا تأمنانِ إذا أُفردتُما حزَنا
هذا أنا لا علَى غيري أدلُّكما لاقيتُ جهدًا بتركي الإلفَ والوطنا
وقال آخر:
ألا يا حمامَ الأيكِ إلفُكَ حاضرٌ وعودكَ ميَّادٌ ففيمَ تنوحُ
أفقْ لا تنحْ من غيرِ شيءٍ فإنَّني بكيتُ زمانًا والفؤادُ صحيحُ
وقال آخر:
دعاني الهوَى والشَّوقُ لمَّا ترنَّمتْ علَى الأيكِ من بينِ الغصونِ طروبُ
تُجاوبها وُرقُ يُرعْنَ لصوتها وكلٌّ لكلٍّ مسعدٍ ومُجيبُ
ألا يا حمامَ الأيكِ ما لك باكيًا أفارقتَ إلفًا أمْ جفاكَ حبيبُ
وقال آخر:
أُلامُ علَى فيضِ الدُّموعِ وإنَّني بفيضِ الدُّموعِ الجارياتِ جديرُ
أيبكي حمامُ الأيكِ من فقدِ إلفهِ وأحبسُ دمعي إنَّني لصبورُ
وقال بعض الأعراب:
ألا قاتل الله الحماماتِ غُدوةً علَى الفرعِ ماذا هيَّجتْ حينَ غنَّتِ
تغنَّتْ غناءً أعجميًّا فهيَّجتْ هوايَ الَّذي كانت ضلوعي أجنَّتِ
نظرتُ بصحراءِ البريدَيْنِ نظرةً حجازيَّةً لو جُنَّ طرفٌ لجنَّتِ
ولو هملتْ عينٌ دمًا من صبابةٍ إذًا هملتْ عيني دمًا وأهمَّتِ
وقال ابن الدمينة:
ألا يا صَبا نجدٍ متى هجتِ من نجدِ لقد زادني مسراكِ وجدًا علَى جدِ
أإنْ هتفتْ ورقاءُ في رونقِ الضُّحى علَى غصنٍ غضِّ النَّباتِ منَ الرَّندِ
بكيتَ كما يبكي الوليدُ ولم يكنْ جليدًا وأبديتَ الَّذي كنتَ لا تُبدي
وقال ناقد بن عطارد العبشمي:
ويثني الشَّوقَ حينَ أقولُ يخبو بكاءُ حمامةٍ فيلجُّ حينا
مطوَّقةُ الجناحِ إذا استقلَّتْ علَى فننٍ سمعتُ لها رنينا
يميلُ بها ويرفعُها مرارًا ويسعفُ صوتها قلبًا حزينا
كأنَّ بنحرها والجيدِ منها إذا ما أُمكنتْ للنَّاظرينا
مخطًّا كان من قلمٍ لطيفٍ فخطَّ بجيدها والنَّحرِ نوتا
وقال نبهان العبشمي:
أحقًّا يا حمامةَ بطنِ قَوٍّ بهذا الوجدِ أنَّكِ تصدُقينا
غلبتكِ يا حمامةَ بطنِ قوٍّ وقبلكِ ما غلبتُ الهائمينا
غلبتكِ في البكاءِ بأنَّ ليلِي أُواصلهُ وأنَّكِ تهجَعينا
وأنِّي أشتكِي فأُقولُ حقًّا وأنَّكِ تشتكينَ فتكذِبينا
[ ٩٣ ]
وأنَّكِ أجرأُ الأحياءِ طرًّا علَى سفكِ الدِّماءِ وتسلَمينا
وقال أبو تمام الطائي:
أتَضعضعتْ عبراتُ عينكَ إذْ دعتْ ورقاءُ حينَ تضعضعَ الإظلامُ
لا تنشِجنَّ لها فإنَّ بُكاءهَا ضحكٌ وإنَّ بكاءكَ استغرامُ
هنَّ الحَمامُ فإنْ كسرتَ عَيافةً مِنْ حائهِنَّ فإنَّهنَّ حِمامُ
وقال البحتري:
ما لخُضرٍ ينُحْنَ في القضُبِ الخُضْ رِ علَى كلِّ صاحبٍ مفقودِ
عاطلاتٌ بلْ حالياتٌ يُردِّدْ نَ الشَّجى في قلائدٍ وعقودِ
زِذْنَني صبوةً وذكَّرنني عهْ دًا قديمًا مِنْ ناقضٍ للعهودِ
ما يريدُ الحَمامُ في كلِّ وادٍ مِنْ عميدٍ صبٍّ بغيرِ عميدِ
كلَّما أُخمدتْ لهُ نارُ شوقٍ هِجنَها بالبكاءِ والتغريدِ
وقال بعض الأعراب:
إلى اللهِ أشكو مقلةً أريحيَّةً وقلبًا متى يعرِض لهُ الشَّوقُ يرجفُ
ونفسًا تمنَّى مخرجًا مِنْ وِعائها إذا سمعتْ صوتَ الحمامةِ تهتفُ
وقال يزيد بن الطثرية:
وأسلمَني الباكونَ إلاَّ حمامةً مطوَّقةً قدْ صانعتْ ما أُصانعُ
إذا نحنُ أنفدْنا الدُّموعَ عشيَّةً فموعدُنا قرنٌ منَ الشَّمسِ طالعُ
وقال بعض الأدباء:
ناحتْ مطوَّقةٌ ببابِ الطَّاقِ فجرتْ سوابقُ دمعكَ المهراقِ
حنَّتْ إلى أرضِ الحجازِ بحُرقةٍ تُشجِي فؤادَ الهائمِ المشتاقِ
إنَّ الحمائمَ لم تزلْ بحنينَها قِدمًا تُبكِّي أعينَ العشَّاقِ
كانتْ تفرِّخُ بالأراكِ وربَّما سكنتْ بنجدٍ في فروعِ السَّاقِ
فأتَى الفراقُ بها العراقَ فأصبحتْ بعدَ الأراكِ تنوحُ في الأسواقِ
فتبعتُها لمَّا سمعتُ حنينَها وعلَى الحمامةِ جُدتُ بالإطلاقِ
بي مثلُ ما بكِ يا حمامةُ فاسأَلِي مَنْ فكَّ أسركِ أنْ يفكَّ وثاقِي
وقال بعض الأعراب:
صَدوحُ الضُّحى هيَّاجةُ اللَّحنِ لم تزلْ قيودُ الهوَى تُهدَى لها وتقودُها
جزوعٌ جمودُ العينِ دائمةُ البُكا وكيفَ بُكا ذي مقلةٍ وجمودُها
مطوَّقةٌ لمْ تُطربِ العينَ فضَّةٌ عليها ولمْ يعطلْ منَ الحِليِ جيدُها
وقال آخر:
مطوَّقةٌ لا تفتحُ الفمَ بالَّذي تقولُ وقدْ هاجتْ ليَ الشَّوقَ أجمَعا
تُؤلِّفُ أحزانًا تفرَّقنَ بالهوَى إذا وافقتْ شعبَ الفؤادِ تصدَّعا
دعتْ ساقَ حرٍّ بالمراويحِ وانتحتْ لها الرِّيحُ في وادٍ فراخٌ فأسرَعَا
وحقَّ لمصبوبِ الحشَا بيدِ الهوَى إذا حنَّ باكٍ أن يحنَّ ويجزَعا
وقال آخر:
ألا هلَ إلى قمريَّةٍ في حمائمٍ بنخلةَ أوْ بالمرجتينِ سَبيلُ
فتُلبسَني قمريَّةٌ مِنْ جناحِها وذلكَ نيلٌ للمحبِّ قليلُ
مطوَّقةٌ طوقًا ترَى لفصوصِهِ روائعَ ياقوتٍ لهنَّ فصولُ
وقال آخر:
رويدكَ يا قمريُّ لستُ بمضمرٍ منَ الشَّوقِ إلاَّ دونَ ما أنا مُضمرُ
ليَكْفكَ أنَّ القلبَ منذُ تنكَّرتْ أُمامةُ مِنْ معروفِها متنكِّرُ
سقَى اللهُ أيَّامًا خلتْ وليالِيًا فلم يبقَ إلاَّ عهدُها والتَّذكُّرُ
لئنْ كانتِ الدُّنيا عنتْنَا إساءةً لمَا أحسنتْ في سالفِ الدَّهرِ أكثرُ
وقال بعض العقيليين:
لقدْ هاجَ لي شوقًا وما كنتُ ساليًا ولا كنتُ لو رُمتُ اصطبارًا لأصبِرا
حمامةُ وادٍ هيَّجتْ بعدَ هجعةٍ حمائمَ وُرقًا مُسعدًا أوْ معذِّرا
كأنَّ حمامَ الوادِيينِ ودوْمةٍ نوائحُ قامتْ إذا دجَى اللَّيلُ حسَّرا
محلاَّةُ طوقٍ ليسَ تخشَى انقضابهُ إذا همَّ أن يهوِي تبدَّلَ آخرا
دعتْ فوقَ ساقٍ دعوةً وتناولتْ بها صحرا علَى بديل لتحذَرَا
وإنَّ هذا لمن نفيس الكلام قد اشتمل على لفظ فصيح ومعنى صحيح ألا ترى إلى احترازه من أن يتوهَّم سامع كلامه أنَّ الحمام أعاد له الشوق بعد سلوته أو ردَّ عليه ما كان ذهب من صبوته ثمَّ ما عقَّب به بعد ذلك من الجزالة السَّهلة والرِّقَّة المستحسنة.
ولقد أحسن الَّذي يقول:
[ ٩٤ ]
وقبليَ أبكَى كلَّ مَنْ كانَ ذا هوًى هتوفُ البواكِي والدِّيارُ البلاقعُ
وهنَّ علَى الأطلالِ مِنْ كلِّ جانبٍ نوائحُ ما تخضلُّ منها المدامعُ
مزَبْرَجةُ الأعناقِ نمرٌ ظهورُها مخطَّمةٌ بالدُّرِّ خضر روائعُ
ومِنْ قطعِ الياقوتِ صِيغتْ عقودُها خواضبُ بالحنَّاءِ منها الأصابعُ
وأحسن أيضًا الَّذي يقول:
وقدْ كدتُ يومَ الحزنِ لمَّا ترنَّمتْ هتوفُ الضُّحى محزونةً بالتَّرنُّمِ
أموتُ لمبْكاها أسًى إنَّ لوعَتي ووجدِي بسُعْدَى قاتلٌ لي فاعلمِ
فلوْ قبلَ مبْكَاها بكيتُ صبابةً بسُعدَى شَفيتُ النَّفسَ قبلَ التَّندُّمِ
ولكنْ بكتْ قبلِي فهيَّجَ لي البُكا هواها فقلتُ الفضلُ للمتقدِّمُ
وقال حميد بن ثور:
وما هاجَ هذا الشَّوقُ إلاَّ حمامةٌ دعتْ ساقَ حرٍّ نوحةً وترنُّما
بكتْ شجوَ ثكلَى قدْ أُصيبَ حميمُها مخافةَ بينٍ يتركُ الحبلَ أجذَما
فلمْ أرَ مثلي شاقهُ صوتُ مثلِها ولا عربيًّا شاقهُ صوتُ أعجَمَا
وقال آخر:
يهيجُ عليَّ الشَّوقَ نوْحُ حمامةٍ دعتْ شجوها في إثر إلفٍ تشوُّقا
دعتْ فبكتْ عينا محبٍّ لصوتِها وفاضَ لها ماءُ الهوَى فترقرقا
يلذُّ بها الرَّائي جناحًا مولَّجًا ومتْنًا سماويًّا من اللَّونِ أزرقا
خفضتُ إليها القلبَ حتَّى تشرَّبتْ حلاوتَها أحشاؤهُ فتشوَّقا
أقولُ لها نوحي أُعنْكِ ولم أكنْ لأُسعدَ بالأمسِ الحمامَ المطوَّقا
ولبعض أهل هذا العصر:
أرى نوحُ الحمامِ يشوقُ قومًا وفي نوحِ الحمائمِ لي عزاءُ
إذا بكتِ الحمائمُ وهيَ وحشٌ وأزعجها التفرُّقُ والجفاءُ
فما جزعَ الأنيسِ منَ التَّصابي إذا امتنعَ التَّزاوُرَ واللِّقاءُ