لا غرو أن يجد بعض القارئين كلامي في هذا الفصل باردًا لأني كتبته في يوم عبوس قمطرير. ذي زمهرير. والثلج إذ ذاك ساقط على السطوح. وقد سدّ الطرق ودخل في البيوت والصروح. وكاد يطفئ النار ويذهب بالاصطبار. ويمني بالقمر والقمار. غير أنه لا ينكر أحد أن شارب الثلج أو آكلة أو اللاعب به يحس منه بحرارة وكذلك قارئ كلامي فإنه وأن وجده باردًا فلا بدّ وأن يحتمي عليَّ من هذه البرودة فيكون قد حصل الغرض وهو تسخين دماغه. ولا سيما إذ كان قد بقيت فيه بقية غيظ وحدّة من الفصل المتقدم. ولكني لم أقصد فيما حكيته إلا الصدق. ولو خطر ببالي أن آتي إفكا وعضيهة لا وعيت ذلك في قصيدة وختمتها بدعاء ومدح لأحد البخلاء. ومن ماراني في ذلك فليسأل القسيس نفسه. إلا أن الثلج يخالف كلامي من جهة أنه يسقط على الأسود فيبيضه وكلامي قد سقط على القرطاس فسوّده. وكلاهما في ظني يروق العين وكلاهما يجتمعان في هذه الجهة. وهي أن الثلج لا تطلع عليه الشمس أيامًا إلا ويذوب. وكذا كلامي فإنه لا يكاد يبقى منه شيء في رأس القارئ بعد تقمّره أو عند ظهور بوح عليه. وهناك جهة أخرى تضمّهما. وهو أن الثلج بعد سقوطه ينشأ عنه الصحو وانجلاء الجو. وكذلك كلامي فإنه بعد تساقطه من رأسي ينشأ عنه انجلاء جوّ فكري وصحو بالي واستعداده إلى ما يروق ويروع. فعلى كل حال تجد المشابهة هنا في موقعها وعذري في محله. وبعد فأني أرى الأغنياء المثرين يتخذون في ديارهم الفسيحة مساكن للصيف وأخرى للشتاء وكنّا للمبيت وآخر للاستحمام. ومن لم يكن له من غيرهم إلا بيت واحد فغير جدير بأن يزار فيه إلا حين يكون بيته موافقا لوقت الزيارة. أو يكون وقت الزيارة موفقا لبيته. فبناء على ذلك ينبغي للعلماء اقتداء بأكابرهم الأغنياء أن يتخذوا لهم في رؤوسهم الفيحاء مواطن متعددة مختلفة لما يأتي عليهم من الكلام البارد والفاتر والحميم. ففي وقت ثوران الدم وهيجان الطبع يقرءون البارد تقليلًا مما حركهم من بواعث الحرارة. وفي وقت السكون يتلون الحميم. أو بالعكس على مذهب من يداوي الشيء بجنسه لا بضده.
[ ٥١ ]
لا يقال أن القارئ يضيع وقته في تمييز البارد والحميم من هذه الفصول. إذ لا يستوعب مضمونها إلا إذا أتى على آخرها. بخلاف سائر الكتب فإنه لا يتعمّد فيها الكلام البارد فهي على منهاج واحد. فإني أقول أن كل فصل من تلك الفصول له عنوان يدل عليه دلالة قطعية كدلالة الدخان على النار. فمن درى العنوان فقد درى الفصل كله. مثال ذلك إذا مرّ بك في أحد الفصول ترجمة البالوعة أو البلوعة أو البلاعة أو البربخ أو الاردبة فلا بدّ لك من أن تفطن إلى أن حمارًا من حُمَر الدير قد غطس فيها للتعريب أو الترجمة. إلا أنه لا ينبغي للقارئ إذا درى مَغْزَى الفصل من العنوان أن يضرب عن قراءته. ثم يقول متبجحا بين أقرانه وإخوانه قد قرأت كتاب الساق على الساق وفهمت معانيه كلها. فإن ذلك يكون كقول مقنس قد رأيت اليوم الأمير أعزه الله وكلمته مع أنه لم يكن رأى منه إلا قذاله عن بعد. ولم يتح له يده الشريفة. أو كان ذلك الأمير قد سأله عن شيء فتلعثم في الجواب أو تروي فيه فسب أباه وأجداده ولعنه وتهدده بالصلب أو بسمل عينيه. أو كقول هبنقع المزهو الأحمق المحب لمحادثة النساء قد رأيت اليوم فلانة. ولما أن واجهتني وقفت وتنفست الصعداء. مع أنها تكون قد وقفت لتبصق أو أنها تنفست الصعداء بهرًا. بل الأولى أن ينوي القارئ عند افتتاحه هذا الكتاب أن يتصفحه كله من أوله إلى آخره حتى حواشيه وعدد صفحاته. ويعتقد أن لكل مؤلف أسلوبًا. وأنه لا يمكن لأحد أن يعجب الناس كلهم. إذ الأهواء متفاوتة والآراء مختلفة. ومن الأسرار التي بقيت مكتومة عني إنك تجد بعض المؤلفين فاتر الحركة غير ذي نشاط ولا مرح. قليل الارتياح إلى ما يبعث على التهاوش والتناوش. متقاعس الهمة عن السبح والحركة. ناظر إلى الحوادث كلها نظر المتوقع لها. وهو مع ذلك إذا أخذ القلم أنبض كل عرق في القارئ وحرك كل ساكن. ومنهم من تراه نزقًا حركا ذا تترع وتسرع وحفد وصميان وأقبال وأديار وسعي وتهافت. ومعاجلة ومبادرة ومزاحمة ومزاهمة ومسابقة ومحاشرة ثم هو أن قال شيئًا سقط من رأسه على ذهن القارئ سقوط الثلج حتى يكاد أن يخمد منه ذكاه. فلما تأملت في ذلك وتحققته ارتبت في كون سقط الثلج ناشئًا عن فرط برودة متكونة في الهواء وقلت بل لعل سببه فرط حرارة حزت في صدر الجو على سكان هذه الأرض. ووافر وغر تكون في حشاه فلفظه عليهم ثلجًا انتقامًا منهم عما يأتونه في الليالي الباردة من المنكرات وذلك أن بعضهم يحاول عكس الطبيعة فيسخن فراشه بأداة فيها نار. وبعضهم بأداة فيها ماء حميم. وبعضهم بأداة فيها ماء شراب. فمن أجل ذلك أسقط الجوّ عليهم الثلج المتراكم منعًا لهم من الخروج من ديارهم لاستعمال هذه الأدوات لكي يستريح من فسادهم ولو يومين. إلا أنه قد أن كثيرًا من هؤلاء الناس يتخذون أداة للأداة أو أداة للأداة الأدوات. مثال الأول ما إذا تربع الغني في دسته وتدثر بفروته وقال لغلامه سرْ يا غلام إلى محل كذا وائتني منه بأداة لتسخين فراشي هذه الليلة. فيذهب الغلام يطأ الوحول والثلوج ورجل سيده نظيفة. ومثال الثاني ما إذا كان السيد جوادًا سخيًا فيبعث غلامه في موكب له أو في آخر مما يستأجر من الطرق. أو إذا كان ذا سيادة وإمارة ويريد أن يكتم سره عن غلامه. لأن لذة الخادم إنما هي القلب في عرض مخدومه وجعل نفسه أولى بالخدومية منه فيستعمل ذلك السيد آخر أو آخرين أو آخر في مكان غلامه. ويكون قد بعث إليهم من قبل بهدية على يد خادمه إظهارًا لمكارمه. أو إنه أعطاهم إياها من بعد. فيكون سقوط الثلج على أي حال كان سببًا في التسخين والحرارة.
[ ٥٢ ]
لأنه إذا اعتبُر في حق المخدوم كان سببًا في اتخاذه الأداة. وأن أعتبر في حق الخادم وغيره ممن سد مسده كان موجبًا للحسد. وهو من أعظم المؤثرات تسخينًا وإحماء. ومع كونه أي الثلج يرى ساقطًا على كل موضع في المدينة دون أي تمييز دار عن دار فإن لفظه في الحقيقة لا يصيب إلا رؤوس بعض الناس. وكان الأولى أن يطرد حكمه فيعمّ لا مثل أحكام اللفظ الأرضي فإنها تجري على قوم دون قوم. والفرق بين اللفظتين هو أن الثلج لما كان سقوطه أو لفظه من علو إلى سفل كان المظنون به أنه يتصوب على جميع الرؤوس بشدة. فيشمل الكبير منها والصغير والمسفط منها والمسمراط. فأما الأحكام والقوانين الأرضية فمن حيث كان لفظها من سفل إلى أي من رؤوس ناس مسودين إلى رؤوس ناس سائدين. لم يكن من المحتمل أن يكون تبعثها قويًا حتى يبلغ ذوي الرفعة والعلاء الذين يمر السحاب من تحت قذُلهم. ثم أن الثلج مع ما يتبعه في الواقع من الضنك والمشقة لمن ألفه فقد يروق لعين من لم يكن رآه.
فقد بلغنا أن بعض الصعاليك كان مرة ضيفًا عند أناس لم يكرموه ولم يحتفلوا به إذ كان دونهم في المعارف والنباهة. وكان بلدهم لا يسقط فيه الثلج البتة. فلما فصل من عندهم إلى بلاد أخرى رأى فيها الرزق وعاين بها الثلج كبر لرؤيته وهلل وأعجب به غاية الإعجاب. حتى زعم أنه منة من الله خصّ بها ذلك الصقع تمزية له على غيره. كما أنه تعالى حرم منها بلد مضيفه الأول.
وكذلك كلامي هاهنا. فإنه مع ما فيه من الاستطراد والحشر والألفاظ المضغوطة بين المعاني ومن المغازي المعقودة بالتلميح والتلويح. والتحويل والتمليح. فقد يروق لخاطر من لم يكن قد ألف هذا التخليط بل ربما يجعله الإعجاب به على تحديه ومحاكاته. ولكن هيهات فإن الباب قد أغلق في وجوه المتحدين. على إني لست أزعم إني أول كاتب في الدنيا نهج هذه الطريقة وأسعطها المتناعسين. إلا إني رأيت جميع المؤلفين في سهوة كتبي قد قيدوا أنفسهم بسلسلة نفس من التأليف واحدة. لكنني لا أعلم الآن هل غيروا أسلوبهم أولا. إذ قد مضى عليّ بعد فراقهم أكثر من خمس سنين. فكأن العارف بحلقة واحدة من تلك السلسلة قد عرف سائر الحَلَق حتى أن كل واحد منهم يصدق عليه أمن يسمى حلقيًا. بناء على إنه مشى وراء القوم وحذا حذوهم. فإذ قد قرر ذلك فاعلم إني قد خرجت من السلسة فما أنا بحلقي ولا بُسَتْيهّي ولا أكون أمام القوم فإن الثانية أنحس من الأولى. وإنما أنا مستقبل لما استحسنت. آخذ بناصية ما استظرفت. رافض مكلف العادة.