[ ٢٥٥ ]
ثم لما يكن بدَّ للفارياق من السكنى بالقرب من تلك القرية المشؤومة سافر بأهله إلى كامبردج. وبقوا مدة طويلة يمشون وجفوفهم ما بين منطبقة ومنفتحة. لأن شدة الحزن تصرف القلب عن الشهوات أو بالعكس. ثم تراخت عقدة الحزن قليلًا عن العيون لا عن القلوب. لأن العينين لا تطاوعان القلب دائما. كيف وقد قيل وضعيفان يغلبان قويا. فاستحلّ كل منهما أولًا الصأصأة والوصوصة والتيصيص والتيضيض والتجصيص والتبصيص والوبص والتبصير والتفقيح. ثم اللوح واللمح والنقد والخزر والتخازر والشُّطور والمخاوتة والمخاوصة والملاوصة والتحشيف والعرضنة والرَّمْق والحَدَل والزَّر والايماض واللحظ والالتفات والدنفسة والتشاوس والمغاضنة والمخاوتة. ثم الايشام والنظر والبغو والصَرو والاجتلاء والتجلية والرَّنء والبصر والمعاينة والمشاهدة والرؤية والبغي والبقاوة والبقي. ثم الرأرأة والالأة والتبريق والبشق والتحديج والتحديق والتجحيظ والتبجيم والتحجيم والتجحيم والتحميج والحملقة والعسحرة واللتء والضبَّز والتبخُّص والاسفاف والارغاف والورورة والحتر والطنفشة والاتْآر والحدقلة والطرفسة والزنهرة والبندقة والبنق والتجنيص والتفصيص والتهصيص والارشاق والرعام والبرشمة والبرهمة والجرسمة. ثم الشخوص والطمس والجحم والاشصاء والتطاول والتطالل والاشرئباب والاسلطاء والاشتياف والاستيضاح والاستشراف والاهطاع والتدنيق والترنيق والحتء والحتش والصدء والاسجاد والتأمل والتكلئة والتفرس والتطلع والرنوَّ والترني. ثم تصالحت العيون والقلوب، فغدت تلك تترجم عن هذه والكمد مع ذلك مخيم في اطرافها.
[ ٢٥٦ ]
غير إن الإنسان خلق من نطفة أمشاج وركب من عدة أخلاط وجواهر وأعراض مختلفة. فهو لا يزال ابد الدهر ماشجًا هذا في ذاك وخالطًا جدًا بهزل وفرحًا بترح. فتراه ساعة قانطًا وأخرى كأشعب. وآونة مفراحًا وأخرى مبتئسًا. ويومًا طربًا شنقًا ويومًا أو بعض يوم عزها. فهو بشر خَلقًا وغول خُلقًا. وأكثر ما ترى منه غملجيته هذه في أمر النساء. فإنه أن تزوج بمليحة قال ليتني كنت تزوجت بقبيحة وسلمت من ضيزنية معارفي وجيراني. وأن تزوج قبيحة قال ليتني تملّحت بمليحة لأكون ذا وجاهة ونباهة. وإن كانت امرأته بيضاء قال ليتها كانت سمراء. فإن السمر أخف حركة واسخن في الشتاء. وإن كانت سمراء قال ليتها بيضاء فإن البيض ارطب أبدانًا في الصيف. وإن كانت كمكامة مكتنزة قال ليتها كانت ممشوقة هيفاء. فإن الهيف أقل مؤونة. وإن سافر عنها قال ليتها هي التي سافرت وبالعكس. إلا في مدة وضعها فإنه لا يتمنى أن يكون في موضعها وقس على ذلك من الأحوال النسائية ما لا يمكن حصره. إذ أخفى شيء من المرأة إنما هو بحر لا يمكن البلوغ إلى قعره. والحاصل إن القلب شؤونًا كثيرة وأحوالًا متباينة لا يزال يتقلب بها. أو لا تزال هي تتقلب به. وعلى كل فتسميته قلبًا دالّة عليه. ويستثنى من هذه القاعدة شيء واحد وهو ثبات الإنسان في كل حال وشان. وإصراره في كل زمان ومكان على تفضيل نفسه على غيره. فلو كان فاجرًا حسب أن لا بره عند الله إلا بره. وإن كان فظًَّا غليظًا رأى كل كيس ربيز دونه. وإن كان بخيلًا ظن إن كل حرف يفوه به هو منَّة كبرى. وإن كان دميمًا ذميمًا لم ير اللوم إلا على نظر الناظرين له. وكما أن عين الإنسان تنظر كل ما واجهها ولا ترى نفسها كذلك كانت بصيرته مبصرة بعيوب الخلق كافة إلا عيب نفسه. ولو طاف الدنيا بأسرها لما رأى فيها من المحاسن ما في مدينته أو قريته. ثم ليس من المحاسن في بلدته ما في بيته. ولكن ليست هي أحد من أهله كما هي فيه. فتحصل من ذلك إنه أفضل من في العالم كله. ولو أنه كان شاعرًا أو بالحري شعورًا لا يحسن إلا الإطراء على بخيل أو التغزل بهند ودعد. ثم رأى علماء الرياضة والهندسة يخترعون من الأدوات مثلًا ما يطوي شقة خمسمائة فرسخ في يوم واحد. لحسب أن شعره أنفع من ذلك وألزم. ولو كان مغنيًا أو لاعبًا بآلة من آلات الطرب ورأى جارًا له طبيبًا نطاسيًا يداوي في كل يوم خمسين عليلًا ويبرئهم بإذن الله لاعتقد أن صنعته أشفى وأنفع. ولم يخطر بباله قط أن الإنسان يمكنه أن يعمر في الأرض دهرًا طويلًا من دون سماع غناء أو عزف بآلة. فمتى يتعلم الإنسان أن يعرف نفسه. وإن يفرق بين الحق والباطل وأن لا يخلط الحزن الكامن في القلب بالتحديق والحملقة.
[ ٢٥٧ ]
وأقبح من ذلك أن كل واحد من الناس يظن أن غيره أيضًا يفعل كذلك فهو معذور عند نفسه بكونه حاذيًا حذو غيره. ومثله قباحة شأن من تلبس الحداد على ميَّت لها وهي في خلال ذلك يزدهيها الرناء ويستخفها ذكر الذكران. وترتاح إلى رؤية اللون الأسود وتطربها نغمة القائل لها أن فلانا مشغوف بحبك. وأنك جديرة بأن تقعدي على منصبة وتأمري وتنهي الوصائف من حولك أو بالحري الوصفاء. وإن لا تتناولي شيئًا بيدك هذه الرخصة. وأن لا تخرجي من دارك ماشية على رجلك هذه اللطيفة. وأن لك في كل مكان عشاقًا كثيرين بحيث لا تعدمين في كل وقت من يحوطك ويخدمك ويلاطفك وينسيك حزنك. وغير ذلك من الكلام الذي هو انتهاك لحرمة كل من الموت والميّت. قال الفارياق قد رأيت كثيرًا من النساء الحوادَّ في بلاد الإنكليز وغيرها وهن اكثر خفة وطربًا وازدهاء وضحكًا من العروس وأمها ولم أرَ بينهن من كانت تنظر إلى ثيابها السوداء إذا ضحكت لتتذكر أن كركرتها في غير محلها. أما في أمر الزواج فربما يطلب لهن الحليم عذرًا بأن يقول مثلًا: لعل زوجها كان يخونها في الليالي الحالكة فترديها السواد إنما هو لتتذكر سوء أفعاله معها في سواد تلك الليالي. أو أن أيامها معه كانت كلها سودًا كالليالي. فأما في أمر الولد والأب وغيره فلا عذر لمن أحدت وهي مرارئة مهزقة. ثم أن المحدّ عند الإفرنج مطلوبة للرجال مرغوب فيها بمنزلة العروس. إذ الفحول يتزاحمون على تسليتها وتلهيتها لعلمهم بما تحت ذلك السواد. وبأن هذه العادة هي من جملة العادات التي خالف استعمالها وضعها. والظاهر أن لفظة المُحدّ في لغتنا هذه الشريفة مشتقة من حدّ السكين وأحدّها وحددها أي مسحها بحجر أو مبرد فحدّت تحدّ. فكأن لابسة الحداد تحدّ شهوة الناظر إليها إذ يرى عليها آثار الحزن والكآبة والانكسار وهو أشوق ما يكون في النساء. ويؤيده إن صنفًا من الثياب السود يسمى إِسبادًا. وهذا الحرف يجيء أيضًا بمعنى حلق الشعر كالسبد وأنت بتمام المعنى أدرى. وتسمى أيضًا سلابًا والسليب هو المستلب العقل. فكأن المرأة إذا تسلبّت أي أحدَّت ولبست السَّلابا سلبت عقل ناظرها. فأول ما يقع نظره عليها يقع قلبه معه فيقول لها أو في نفسه. فديتك بأبي أنت وأمي. لله أنت. وقاك الله. وهبني الله فداك. إن شئت أن أكون أول من توسل لمحو هذا الحزن من صدرك فعلت فإني أنا أقْدر منك على تحمل المكاره. فالق عليَّ هذا الهمّ القادح وكوني أنت مهْنأة مسرورة. أن لدى آلة طرب عظيمة وخزعبيلات كثيرة تفرّج عنك الكرب. فلو زرتني مرة أو سمحت لي بأن أزورك لم يعد يخطر ببالك شيء من الأشجان. إنك رخصة رعبوبة وأرى هذا الخطب قاسحًا عليك فلا يزول إِلا بقاسح مثله. ليتك تعلمين ما عندي من الأسى والوجد لأجلك. وإني عتيد لأن أحرم نفسي من جميع المسّرات بحيث أراك تفترين عن ذلك الشنب الأشهى. وتبدين في خديك عند الضحك تلك النقرة التي طالما نقرت قلوب العشاق. أي قلب لا يذوب لهذا الانكسار. وأية عين لا تنزف الدمع على هذا الإزار. قدني حزنًا لحزنك وحسبي أن أجلو عنك صدأ هذا الهم.
وكذلك المرأة المحدّ فإنها تعلم وهي ماشية ما يخطر ببال ذلك المشفق عليها فتقول له أو في نفسها. نعم والله إني محتاجة إليك لتخفف عني ما أجده اليوم من الوحشة والسدم. وقد بت البارحة وأنا غريقة في غريقة في بحر الأفكار والأكدار. واراك جديرًا بأن تعاقرني وتسامرني وتعاشرني وتبادرني وتباكرني وتجاورني وتحاضرني وتخاصرني وتذاكرني وتساورني وتسايرني وتداورني وتشاعرني. فالحمد لله الذي هداني اليوم إليك وهداك إليّ وقيضك لي. لأني امرأة منكسرة الخاطر ولابدّ لي مَّمن ينفس عني ويؤنسني. حتى إذا نسيت ما أكابده وألمّ بك كرب كان عليّ أن افرج عنك فإن عندي مصدر اشتقاق الفرج. ومني تنال أتمّ الحبور، واعمّ السرور. فهلمّ إذا إلى المخالطة والمراوحة. والمساجلة والمكافحة. فهذا ما ينشأ عن لبس الحداد. ولذلك كان كثيرًا من النساء يؤثرون الثياب السود ثقة بأنها تقوم في تشويق من يلاقينه من الرجال مقام الحداد. ولذلك كانت الإفرنج أيضًا يحبون اللون الأسود في الملابس ولا يتجاوزونه. ولذلك كان لباس القسيسين والأئمة أسود.