لقد أرحت سن القلم من كدم اسم الفارياق قليلًا بعد أن تركته مع القسيس الربيط وتلهيت بالكلام على الثلج لما داخلني من فرط الحدة عليهما معًا. أما على القسيس فلكونه خان صديقه الذي أواه إلى منزله في حرمته. وكان ينبغي له أن يذهب إلى مواجرة أو يفعل كسائر القسيسين من أهل حرفته. إذ لو كان الله تعالى رزق ذلك التاجر ولدًا على نيته أي فتح له رحم امرأته كما تقول التوراة لكان أربعة أرباع هذا الولد من القسيس والباقي وهو اسمه من التاجر. فيكون قد أقام نفسه مقام من يربي النغول. مع أن أول ذكر فاتح رحم كما تقول التوراة مبارك ومعظم عند جميع الأمم. ولهذا كان حق الوراثة عند الإنكليز للبكر أي لفاتح الرحم. فكيف يحاول القسيس هنا جمع اللعنة والبركة على رأس مخلوق واحد. إن ذلك إلا محال. وأما على الفارياق فلأنه هو الذي كان السبب في إفشاء هذا السر بما أبداه من العناد والتصلُّف في حفظ أبياته التي لا أشك في أنه أرتكب فيها المين والغلو والمبالغة والمردودة لغير نفع. وهو مع ذك يحسب أنه يحسن صنعًا. فأما مشابهة الولد أباه في الخلق هل دلالة قطيعة على كونه ابنه فغير متفق عليها. فذهب بعض إلى إنها ليست علامة كافية. لأن الأم قد يحتمل في حاله كونها مسافحة أن تكون مفكرة في زوجها ومتصورة له فيأتي توزيع الجنين بحسب هذا التصور. وذهب بعض الأولاد إلى أن الأم وحدها لا فاعلية لها في التوزيع فقد يأتي بعض الأولاد مشابهًا لعمه أو خاله أو لآخر ممن لم تكن أمه قد رأته قط.
[ ٥٣ ]
والآن ينبغي لي أن أستمر في القصة. وأن أعرضها على مسامع القارئ من دون اجراض أحدنا بغصة. فأقول قد تقدم في أول هذا الكتاب أن الفارياق ولد والطالع نحس النحوس والعقرب شائلة بذنبها إلى التيس. والسرطان واقف على قرن الثور. فأعلم هنا أن النحس على قسمين نحس ملازم ونحس مفارق. فالنحس الملازم ما لزم الإنسان في يقظته ومنامه وأكله وشربه وغدوه ورواحه وفي كل ما يأتيه. والنحس المفارق ما خالف ذلك أعني ما لزم الإنسان في حال دون حال. وأعرف ما يكون لزومه في الأحوال الخطيرة الشأن كالزواج والسفر وتأليف كتاب ونحو ذلك. ثم أن ماهيات النحس الملازم مختلفة أيضًا. فمنه ما يكون كالعقدة المحكاة. ومنه كالربقة ومنه كالمسمار. ومنه كالوتد ومنه كالمشبك. ومنه كالقفل بلا مفتاح ومنه كالغِراء ومنه كالغمجار. ومنه كاللجاذ ومنه كالشراس. ومنه كالدبق والطِبق. أو كالرومة أو الثرْط واللزاق. ومنه كالجلد ومنه كالدم الساري في جميع أوصال الجسد ومفاصله. وجناجنه وسلائله. وسنانه وشلاشله. وترائبه وتراقيه. وشراسيفه وبوانيه. وغضاريفه وحوانيه. وربلاته ومذاخره. وعضلاته ونواشره. وعصبه وبوادره. وأعصاله ومرادغه وسافينه وناعوره. ووريده ووتينه. وأسهريه وأخدعيه. ومريئه وفليقه. وحلقومه وبخاعه. ونائطه ونخاعه. وأوداجه وذفراه. وثقنته وشظاه. ورواهشه وشرايينه. ونسيسيه وأشلائه. وغموده وأشوائه. فنحس الفارياق كان من هذا النوع، غير أنه لا ينبغي ان يفهم هنا أنه كان دمويًا أي كثير الدم أو محبًا لسفكه أو ولاّجًا فيه. فإنه كان منزهًا عن هذه الصفات كلها. وإنما كان نحسه كالدم من جهة أنه كان ملازمًا له في جميع أحواله. فقد حكي وأن يكن كاذبًا فعليه كذبه إنه بات ليلة وقد رأى في المنام أنه شرب مثلوجًا عقبه سخينًا فأصبح يشكو من وجع أضراسه شديد ومن بحح في حلقه. وكان يحلم إنه يتهور من قنة جبل أو يسقط عن ظهر جمل فيغدو وظهره متقوّس. وكان إذا حلم أنه أكل الكامخ مغسه في ليلته. أو شرب أجاجًا أو زعاقا قاء. أو أشتم روائح كريهة غثت نفسه. وكان إذا حدثه أحد بأنه رأى في حديقته ربَحْلة رأى هو في المنام ليلته تلك إنه في ويل واد في جهنم أو بئر أو باب لها أو في الموبق واد فيها أو في الفلق جهنم أو جب فيها أوفي بولس سجن فيها أوفي سجين واد فيها أو في أثام واد فيها أو في الحطمة باب لها أو في غي واد فيها أونهر أو في الصعود جبل فيها. وحوله لبيني اسم بنت أبليس اوزلنبور أحد أولاد أبليس الخمسة اومسوط ولد لأبليس يغري على الغضب أو السرحوب شيطان أعمى يسكن البحر أو خنزب شيطان أو السرفح اسم شيطان أو الجم الشيطان أو الشياطين أو نهم شبطان أو هياه من أسماء الشياطين أوالحباب اسم شيطان أو الأزب اسم شيطان أو أزب العقبة اسم شيطان أو الهِراء اسم شيطان موكلّ بقبيح الاحلام أو الولهْان شيطان يغري بكثرة صب الماء في الوضوء أو الخبث والخبائث ذكور الشياطين وإناثها أو السفيف إبليس ويسمى أيضًا المبطل وكنيته أبو مرّة وأبو قترة أو عمرو اسم شيطان الفرزدق أو الفلوط من أولاد الجن والشياطين أو الشيطان والبلأز والقاز والخابل والخناس والوسواس والفتان والأجدع وكان إذا بصر من كوة بيته بكمكامة مكماكة خيّل له في المنام أنه في خافية بها جن أو في البراص منازل الجن أو في البلوقة موضع بناحية فوق كاظمة يزعمون أنه من مساكن الجن أو في البقَّار موضع برمل عالج كثير الجن أو العازف ع سمَّي لأنه تعزف به الجن أو في الحوش بلاد الجن أو في وبار وبار كقطام وقد يصرف أرض بين اليمن ورمال يبرين سميت بوبار بن إرم لما اهلك الله تعالى عادًا ورَّث محلهم الجن فلا ينزلها أحد منا أو في عبقر ع كثير الجن أو في جيهم ع كثير الجن. ولديه الشيصبان قبيلة من الجن أو بنو هنام قبيلة من الجن أو بنو غزوان حي من الجن أو دهرش اسم أبي قبيلة من الجن أو أحقب اسم جني من الذين استمعوا القرآن أو زمزمة قطعة من الجن أو الشق جنس من الجن أو شنقناق رئيس للجن أو العسل قبيلة من الجن أو العسر قبيلة من الجن وهو أيضًا أسم أرض للجن أو السعلاة والعيسجور والشهام ساحرة الجن
[ ٥٤ ]
أو السعسلق أم السَّعالي أو العضرفوط من دواب الجن أو النظرة الطائف من الجن أو الزوبعة رئيس للجن أو الخافي والخافية والخافيا الجن وكذا الخبل أو التابع والتابعة الجني أو الجنية يكونان مع الانسان يتبعانه حيث ذهب أو العكنكع والكعنكع الغول الذكر أو الخيدع الغول الخداعة أو السلتم والصيدانة والخيعل والخولع والخيتعور والسمرمرة والسَّمع والعولق والعلوق والهيرعة والملد والعفرناة كلها من أسماء الغول أو العتريس الغول الذكر أو التمسح المارد الخبيث أو الدرقم اسم الدجال وهو أيضًا المسيح كسكين أو الغموس المارد من الشيطان والخبيث من الغيلان أو الزبانية جمع زبنية وهو متمرد الأنس والجن ومثله العكبّ أو الحيزبون وكان صاحبنا وهم في هذه فإني لم أجدها في القاموس فكيف يمكن رؤيتها في المنام. واسمها غير موجود في قاموس الكلام. مع أن المص رحمه وزن عليها الحيزبور والخيتعور والقيدحور والعيجلوف والعيطبول والهيجبوس والجيهبوق والزيزفون والجيثلوط والعيضفوط. ثم أنه كان إذا سمع نخبة تكلم رجلا بمنطق رخيم سمع في الليل عزيفًا وهساهس وتهويدًا وزيزمًا وهدهدًا وزهزجًا وزي زي. كلها من أصوات الجن وإذا رأى جارية تردي نصف النهار جاءه في نصف الليل الكابوس والجاثوم والدوفان والنيدل والباروك والدئثان والديثاني. ورأى ليلة ما أن قد زفت إليه عروس فأتاه تجعل تيس وجعل ينطحه بقرنيه فاستيقظ فإذا بقرن رأسه مرضوض. ورأى ليلة أخرى أن قد وجد على شاطئ نهر دنانير ودراهم فمدّ يده وأخذ منها خمسة عشر درهما لا غير. فلما عبر الشط الثاني رأى شيخًا بيده كرة يديرها. فكان كلما أدارها أخذ الفارياق في ظهره وجع شديد كوجع الداء المعروف في بلاد الشام بالوثَّاب. فلما رمى الدراهم من يده من شدة ما أصابه سكن عنه الوجع ورأى ليلة أخرى أن رجلًا مغربيًا أتحفه بشيء فتلقفه في الحال مشرقي وذهب به. قال والي الآن لم يرجع به مع انتظاري له كل ليلة. وقس علي ذلك سائر أحلامه. ومما قاله في الحلم نظمًا
كأن همومي وهي تحت مخدَّتي إذا بتُّ تغري بي الهراء لتُذرئة
تقول عليّ اليوم كان بُواله وإنّ عليك الليل ذا أن تخرّئه
وقال
أسرّ إذا انقضى يومي لأني أرجّي فيه أحلامًا تسرّ
فأحلم أنني أسعى وأشقى فليلي مثل يومي أو أشرّ
وقال أيضًا
ويا رب حتى في المنام تروعني بأضغاث أحلام تسوء وتزعج
فيا ليتني أشقى نهاري وفي الكرى أسرُّ برؤيا من أحبّ وأبهجُ
[ ٥٥ ]
وعنّ له يوما أن يمدح بعض ذوي السيادة والسعادة. فلما حظي بلثم أعتابه الشريفة وأنشده القصيدة رجع القهقري على عادة أهل بلاده من أن الصغير لا يري الكبير قفاه. إشارة إلى أنه لا قذال إلا قذال الكبير. ثم جاءه الحاجب يقول أن الأمير أدام الله دولته. وخلد صولته. وجعل الشمس والقمر نعلا لفرسه. وجعل يومه خيرًا من أمسه. وجعل ظله ممدودًا على الأرض ظليلًا. وجعل طرف الكون بتراب نعله مكحولا. وجعل الثريا مقرًا لرجليه والعيوق شراكًا لنعليه. وجعل الوجود باسمه مبتهجًا وبابه لكل لائذ رتجًا مرتجى. وجعل- فلم يتمالك الفارياق أن بادرهُ وقال دعني من جَعَل يا جُعل. ماذا يقول الأمير. قال يقول الأمير المعظم. الخطير المكرم. ذو الآلاء الغامرة. والنعم الوافرة. من إذا قال فعل وإذا سئل أعطى فأجذل وأذ تنحنح ألقى الرعب في قلوب أعاديه. وإذا سعل خفقت فرقا أفئدة شانئيه. وإذا مخط ارتج المكان لهيبته. وإذا حبق تزلزل المجلس لحبقته. فقال الفارياق أف لهذه الرائحة الخبيثة ياخبيث قل ما يقوله الأمير. وأرحني من هذا التقعير. لقد برزت على الشعراء بهذا الغلو والإطراء. قال أنه يقول لك أنك قد أحسنت في أبيات القصيدة وأبدعت ما شئت. لأنك شبهته بالقمر والبحر والأسد والسيف الماضي والطود الراسخ والسيل المنهمر مما هو خليق بالاتصاف به. إلاّ في بيت واحد جعلته فيه قوادًا. قال كيف ذلك جلّ الأمير عن القيادة. قال نعم انك قلت أنه يجود بالمال والنفائس ويولي الأبكار. وقلت في بيت آخر أنه محمَّد الذكر محمود المناقب وهو غير محمد ولا محمود. وبسبب هذا الخطأ الفاحش حرمك من رؤيته. قال هذه عادة الشعراء انهم لا يزالون يتلمظون بذكر الخرائد والمحامد. وليس المقصود بذلك نسبة القيادة إلى الممدوح. قال هذا غاية ما عندي فلا تطمع بعد في المثول بحضرة أميرنا المبجل. فمن ثم رجع الفارياق محرومًا من هذا المغنم الهنيء. وبلغ منه الغيظ أن أضله عن الطريق المستقيم. فسار في طريق آخر وما وصل إلى منزله إلاّ بعد اللتيَّا والتي. وأخذ يفكر في نحس طالعه وشؤم قلمه. فظهر لهوسه أن القلم أنحس شيء يتخذه الإنسان سببًا لمصالحه. وإن أشفى الاسكاف أنفع منه. وأن تقديم النون عليه في قوله تعالى ن والقلم وما يسطرون إن هو إلا إشارة إلى النحس. وإن ما قاله المنجم في طالعه صحيح. فأنه أوَّل المرأة التي زفّت إليه في المنام بالعقرب. والجدي بالتيس الذي كان ينطحه. والسرطان بنفسه إذ رجع القهقري من عند الأمير فكاد أن يعثر بحصير مجلسه السامي لولا أن تمسك ببعض أوتاده الشريفة. وأول الثور بالأمير الممدوح. إلا أن العبارة الأولى وهي قول المنجم نحس المنحوس غير محصورة في حادث واحد. إذ هي تستغرق جميع الأحوال والحوادث كما سيرد بيانه. وذلك أن الفارياق لما سمع من نجيه الذي قايضه على الاعتراف أن المساومة في قيل وقال هي من البياعات الرابحة، والأسباب الناجحة خلج في صدره أن يجرب تنفيق ما عنده من البضاعة المزجاة. إلا أنه لم يعرضها من أولَّ وهلة على أحد المشترين من الجثالقة كما فعل صاحبه. بل أخذ في تقليبها وتفليتها وتمشيطها وتنسيلها من جهة واستشفافها من أخرى. فظهر له أنها قديمة قد ركت بحيث لا يكاد أحد أن يرغب فيها.
[ ٥٦ ]
واتفق وقتئذ أن قدم عنقاش يفدد على شراء السلع القديمة وعلى إصلاحها أو على مقايضتها أو على صبغها. وأدعى أنه يقدر أن يعيدها إلى لونها الأول وأنه لا يعجزه شيء من أحوالها بحيث أن صاحب السلعة نفسه إذ رآها بعد صبغها وتصليحها يتعجب منها غاية العجب ولا يعود يعرفها. وإنه أي العنقاش لما بلغه في بلاده فساد تلك السلع أقبل حفدًا إلى تلك البلاد وهو يحمل خرجًا كبيرًا فيه من الأصباغ والأدوات ما يرفأ كل خرق ويعيد كل لون نافض. فسار إليه الفارياق عجلًا إلى المقايضة وواطأه على إبدال ما عنده من السلعة القديمة بأخرى جديدة راقت لعينه. فقد يقال لكل جديد بهجة. ثم قفل إلى منزله مسرورًا بصفقته. فلما علم أهله وجيرانه بذلك استشاطوا عليه غيظًا وقالوا. لعمر ربّ الجنود ما جرت العادة في بلادنا بتغيير البياعات ولا بمقايضتها ولا بإصلاحها ولا بصبغها. ثم لم يلبث الخبر أن بلغ مطران الصقع وكان من الضواطرة الكبار. فكأنما كان سكينًا سقط على حلقومه. أو خردلًا دخل خرطومه. فهاج وأزبد. وأبرق وأرعد. وماج واضطرب. وضج وصخب. وألبّ وحزب. وبربر وثرثر. وأقبل وأدبر. وزجر ونهر. ووثب وطفر. وفتل لحيته من الغيظ حتى صارت كالمقرعة. وأغرى كل حنتوف مثله بأن يهيج معه. ونادى يا خيل الله على الكفار. أنهم صالوا النار. كيف تجرأ هذا الشقي المنحوس. المعتوه المهلوس. على أن يذهب مذهبًا غير ما نهجه له جاثليقه. وسلكه فيه بطريقة. وكيف أقدم بوقاحته. وصفاقة وجهه وقباحته. على معاملة ذلك العنقاش اللئيم. ومبايعته ما ورثه من آبائه من الزمن القديم. أليس في بلادنا صلب. وادهاق ويلب. هلموا به مُهانًا. اجلدوه عريانًا. اطرحوه نيرانًا. ألقموه حيتانا. أطعموه دمانا. اقطعوا منه لسانا. اسقوه الزناني. عليّ به الآن الآن. فابتدر بعض الحاضرين وقال انا آتيك بهذا الجعشوش بأسرع من رد طرفك إليك. ثم وليّ حفدًا إلى الفارياق فوجده مكبّا على قراءة الدفتر الذي فيه أثمان السلعة. فتناوله بالسيف فأصاب فروته. ثم سيق الفارياق إلى الجزار المشار إليه. فلما بصر به انتفخت أوداجه واتسع منخراه وتعقدت أسرة جبينه واصفرت شفتاه. ورقص شارباه واحمرت حدقتاه. واحترقت أسنانه ودارت بينهما هذه المحاورة: قال الضوطار ويلك يا مغبون، ما دعاك إلى المساومة في سلعتك؟ الفارياق إذا كانت هي سلعتي كما أقررت فما الذي يمنعني من ذلك؟ الضوطار ضللت. هي سلعتك من حيث أنك ورثتها من آبائك لا من حيث أن لك حق التصرف فيها.
الفارياق هذا خلاف العادة والحق فإن ما يرثه الإنسان يحق له التصرف فيه الضوطار كذبت. إنك إنما ورثتها لتحفظها لا لتضيعها ولا لتبادل بها الفارياق هي ميراثي أفعل به ما أشاء الضوطار قبحت إني أنا القيّم عليه الصائن له من الشوائب الفارياق ما بلغنا عن أحد أنه تولى ميراث غيره إلا كان الوارث غير راشد الضوطار غويت. أنك أنت غير رشيد وأنا وليُّك ووصيك وكفيلك ووكيلك وحسيبك الفارياق ما الدليل على أني لست من الراشدين ومن ذا الذي جعلك وصيا ووليًا الضوطار زغت. إنما الدليل على غوايتك وضلالك هو أنك تبدلت به متاعا غيره وإما كوني وصيا فإن جميع أمثالي يشهدون لي به كما أني أنا أيضًا أشهد لهم بأنهم أولياء غيرك الفارياق ليس تبديل شيء بآخر دليلًا على الضلال والزيغ إذا كان المبدل والمبدل منه من جنس واحد. ولا سيما أني رأيت لون القديم يوشك أن ينصل وقد ركت رقعته فتبدلته بما هو أزمى وأقوى الضوطار كفرت. إنه غشي على بصرك فما تستطيع أن تفرق بين الألوان الفارياق كيف ذلكولي عينان ناظرتان ويدان لامستان الضوطار عميت. فإن الحواس قد تغش ولا سيما حاسة البصر الفارياق إذا كانت حواسي قد غشت فكيف سلمت حواسك من الغش وأنت بشر مثلي الضوطار حِنت. إني وأن كنت بشرًا مثلك لكني وكيل من طرف شيخ السوق. وقد أفادني مما أودع الله فيه من الأسوار العجيبة أن لا يطرأ عليّ غبن ولا إلا وتبينته لأنه هو منزه عن الغش فقال القارياق وكان به فأفأة. وأين شيخ الفسوق هذا ثم إستدرك كلامه وقال إنما أردت شيخ السوق. فلا تكن زيادة هذه الثمانين موجبة لحد الثمانين.
الضوطار لعنت. هو بعيد عنا بيننا وبينه أبحار وجبال. غير أن أنفاسه القدسية تسري فينا
[ ٥٧ ]
الفارياق كيف به إذا مرض أو جن مسه طائف من الجن أو أصابه برسام. فكيف يمكنه والحالة هذه تمييز المتاع الردي من الجيد الضوطار هلكت. ما هو ببلو للعوارض لإنه بواب رتاج عظيم وبيده مزلاجان عظيمان لاحكام الباب من قبل ومن دُبُر الفارياق ليس هذا بدليل فأن كل إنسان في العالم يمكنه أن يصير بوابًا ذا مزلاجين الضوطار فسقت وفجرت. إنه هو وحده مستبد بهذه الخطة إذ قد فوضت إليه من المالك الآمر الفارياق متى كان ذلك؟ الضوطار صلبت مذ ألفي سنة تقريبًا الفارياق أو عاش هذا الشيخ ألفي سنة الضوطار الحدت. إنما إنتقلت إليه بالوراثة الفارياق ممن ورثها أمن ابيه وجده الضوطار نكلت. من إنسان لايعد في أهله الفارياق هذا أمر عجيب كيف يرث الإنسان شيئا من رجل غريب فإن الغريب إذا مات عن غير وارث انتقل ماله إلى بيت المال فهو أولى به من رجل على حدته الضوطار عذبت. هذا سر ليس لك أن تبحث فيه الفارياق ما الدليل على كونه سرًا الضوطار أفحشت. هذا هو الدليل. وعند ذلك قام عجلًا وأتى بكتاب وأخذ يقلب فيه من أوله إلى آخره حتى يجد فيه مطلوبه إذ لم يكن كثير الدراسة له. إلى أن وجد عبارة مضمونها أن المالك كان احب مرة رجلًا فوهبه هبات شتى من جملتها كأس وطست وعصا في رأسها صورة ثعبان وجبة وتبان ونعلان وباب له مزلاجان. وقال له قد وهبتك هذه كلها فأستعملها واهنًا بها الفارياق لعمري ليس في هذه الهبة ما يدل على سره هذا وقت مات كل من الواهب والموهوب له وفقد الموهوب كله. فكيف لم يبق إلا المزلاجان فقط وقد ضاع الباب وهما لا ينفعان من دونه شيئا الضوطار فندّت. لم يبق لنا في غير المزلاجين من حاجة الفارياق بحق هذين المزلاجين عليك يا سيدي إلا ما أريتني الكأس مرة في العمر وحسب. ولك عليّ بعد ذلك إلا مرة التامة.
فلما ضغط الضوطار بين السلب والإيجاب استشاط وغرًا وهم أن يلحق الفارياق بالباب والكأس لولا أن دعاه داع إلى اللوس. فقام ناشطًا ووكل به الأوغاد وكان وقتئذ يتضور جوعًا فرأى أن رؤية قعر القدر في المطبخ أشهى إليه من النظر إلى وجه الفارياق. فتغافل عنه فتملص الفارياق من هذه الورطة وأقبل يهرول إلى الخرجي وقال له.. لقد خسرت تجارتي معك فإن البضاعة كادت تمنيني بمبضع. فأبتغي منك الإقالة. أولًا فإن يكن عندك في الخرج رأس يلائم جثتي حين تعدم هذا فأرني إياه ليسكن روعي. إذ لا يمكن لي أن أعيش بلا رأس. فأما أن لم يكن في الخرج غير اللسان فما لي به حاجة هذا متاعك فضمه إليك. فقال له الخرجي ما هكذا حق التعامل ينبغي أن تصبر على ما يلحقك من تبعة الصفقة كما هو دأب جميع المتابعين عندنا. وتلك من بعض خواص هذه التجارة. ولكن لا تخف فإن من خواصها أيضا أن تقي الواقي لها وتحفظ المحافظ عليها. فيكون له بها غنى عن الرأس إذا نقف وعن العينين إذا سملتا وعن اللسان إذا استل. وعن الساقين إذا غمزتا بالدهق. وعن اليدين إذ غلتا بالكبل. وعن العنق إذا وقصت. والكبد إذا فرصت. قال ما أرى ما ترى فإن الأسف لا يحي مائتا والندم لا يرد فائتًا. فإن يكن عندك مخزن آمن فيه من العدو على السلعة فآوني إليه. وإلا فهذا فراق بيني وبينك. فأطرق الخرجي ساعة ثم دخل به حجرة صغيرة وأغلق الباب. وأخذ يمتحن الفارياق كما سيرد بيانه في الفصل الآتي: