(الشعر والشعراء لابن قتيبة (الجزء الثانى» وأخيرا- وبعد ترقب وانتظار طال أمده حتى أربى على أربع سنين- أخرج القاضى الفاضل الشيخ «أحمد محمد شاكر» الجزء الثانى من كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة.
وقد سبق أن تناولت الجزء الأول بالنقد فى هذه المجلة (مجلة الكتاب) (يونية ٤٦ ص ٢٩٥- ٣٠٩) وقد قرأه الشيخ إذا ذاك وأعجب به وسلم بما فيه [١]، ووعدنى بنشره فى آخر الجزء الثانى لينتفع به قراء الكتاب فى تصحيح تلك الأخطاء، ولعل مشاغل الشيخ قد حالت بينه وبين الوفاء به [٢]، كما حالت بينه وبين إتمام تحقيق الكتاب، فعهد فى إكماله إلى الأستاذ عبد السلام هارون، وذلك من صفحة ٨٠٣ إلى آخر الكتاب.
وقد تصفحت هذا الجزء، وألفيت فيه كسابقه كثيرا من الملاحظات ولكن ضيق نطاق المجلة يعوق عن ذكر أكثرها، ولا يسمح إلا بإيراد أقلها. ومن ثم نكتفى بذكر النماذج التالية، مرتبة وفق ترتيب صفحات الكتاب.
١- (الفقرة ٩٧٨):
«وكان الأقيشر صاحب شراب، فأخذه الأعوان بالكوفة وقالوا: شارب خمر، فقال: لست شارب خمر ولكنى أكلت سفرجلا، وأنشأ يقول:
يقولون لى: إنكه شربت مدامة فقلت لهم: لا بل أكلت سفرجلا»
علق الشيخ على هذا البيت بقوله:
_________________
(١) أما التسليم بما فيه- بإطلاق- فإنه لم يكن. ولكنى وافقت عليه إجمالا، مع احتفاظ- كل منا برأيه فى مواضع النظر واختلاف الرأي. (أحمد محمد شاكر) .
(٢) ليست المشاغل وحدها هى التى تحول بينى وبين الوفاء. ولكنى كنت مسافرا عند تمام الكتاب (أحمد محمد شاكر) .
[ ١ / ٢٧ ]
«انكه: أصلها «إنك» فخفف «إن» المشددة وفى اللسان ١٦/١٧١ عن الليث: وللعرب لغتان فى إن المشددة: إحداهما التثقيل. والأخرى التخفيف. فأما من خفف فإنه يرفع بها، إلا أن ناسا من أهل الحجاز يخففون وينصبون، على توهم الثقيلة» وفيه «عن الفراء: لم نسمع العرب تخفف إن وتعملها إلا مع المكنى، لأنه لا يتبين فيه إعراب، فأما فى الظاهر فلا، ولكن إذا خففوها رفعوا وهنا خففها مع الضمير ثم ألحق به هاء السكت» .
حسب الشيخ أن فعل الأمر الذى هو «إنكه» مكون من «إنّ» والضمير، وهاء السكت، وذهب يتحمل العلل لإعمالها، فنقل عن اللسان، وليس الأمر كما حسب، فإن «انكه» فعل أمر من نكه ينكه، أى أخرج نفسه، جاء فى اللسان ١٧/٤٤٨ «ونكه هو ينكه وينكه» أخرج نفسه إلى أنفى، ونكهته: شممت ريحه، واستنكهت الرجل فنكه فى وجهى ينكه وينكه نكها: إذا أمره بأن ينكه، ليعلم أشارب هو أم غير شارب، قال ابن برى: شاهده قول الأقشير:
يقولون لى إنكه شربت مدامة فقلت لهم: لا بل أكلت سفرجلا»
٢- (الفقرة ١٠٢٤) من شعر الطرماح «وقال يهجو بنى تميم:
أفخرا تميما إذ فتيّة خبّت ولؤما إذا ما المشرفيّة سلّت»
قال الشيخ فى شرحه لهذا البيت: «فتية بالتصغير وبالتكبير: يريد الحرب، سماها بذلك كأنه علم لها، أخذه من الحديث، قال فى النهاية: وفى حديث البخاري: الحرب أول ما تكون فتية. هكذا جاء على التصغير، أى: شابة، ورواه بعضهم فتية بالفتح» .
لم يقل الطرماح «فتية» لا بالتصغير ولا بالتكبير، ولم يسم الحرب بذلك، ولم يأخذه من هذا الحديث، ولو قال ذلك وأخذه من الحديث لكان عازبا عن الصواب، وإنما قال «أفخرا تميما إذا فتنة خبت» كما جاء فى ديوانه ص ١٣١، وقال شارحه: يقول: «أتفخر فخرا تميما يا فرزدق عند سكون الفتنة، وتأتى باللؤم عند
[ ١ / ٢٨ ]
المسابقة [١] فتفر أنت وقومك؟» .
٣- (الفقرة ١٠٢٥) من شعر الكميت:
وكلّ لؤم أبان الدهر أثلته ولؤم ضبّة لم ينقص ولم يبد
والصواب «أباد» كما فى الديوان. وقد أشار المستشرق «دى غوية» إلى أنها كذلك فى بعض النسخ. وقد أهمل الشيخ الإشارة إلى هذه الرواية الصحيحة.
٤- (الفقرة ١٠٨٠) «ودكين هو القائل:
إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يضرع عن اللؤم نفسه فليس إلى حسن الثناء سبيل»
قال الشيخ فى شرحه: «أصل الضرع- بفتح الراء- الذل والتخشع، يقال ضرع له وإليه: استكان وخشع، فالمراد هنا: إن لم يمنع نفسه عن اللؤم ويغلبها» .
قلت: والصواب «إن هو لم يضرح عن اللؤم نفسه»، جاء فى اللسان ٣/٣٥٧ «الضرح: التنحية، وقد ضرحه: أى نحاه ودفعه» .
٥- (الفقرة ١٢٣٦) من شعر المرار الفقعسى يرثى أخاه بدرا:
تذكرنى بدرا زعازع حجرة إذا عصفت إحدى عشيّاتها الغبر
لم يشرح الشيخ كلمة زعازع، ولم ينظر فى معناها، ومن أجل ذلك شرح كلمة: «حجرة» شرحا يجافى الصواب، فقال: «حجرة- بفتح الحاء وسكون الجيم: بلد باليمن» . و«الزعازع»: الشدائد، جاء فى اللسان ١٠/٤ «يقال: كيف أنت فى هذه الزعازع: إذا أصابته شدائد الدهر» . و«الحجرة» بالفتح كما فى اللسان ٥/١٨٧ «السنة الشديدة المجدية، القليلة المطر، قال زهير:
إذا السّنة الشبهاء بالناس أجحفت ونال كرام المال فى الحجرة الأكل
_________________
(١) لعل صوابه عند المسايفة» (أحمد محمد شاكر) .
[ ١ / ٢٩ ]
الحجرة: السنة الشديدة، لأنها تحجر الناس فى البيوت» .
٦- (الفقرة ١٢٧٥) من قصيدة الرحال فى هجاء زوجه:
فلا بارك الرحمن فى عود أهلها عشية زفّوها ولا فيك من بكر
شرح الشيخ البيت بقوله «يقول: يا عجوز أهلها، يريد أنه تزوج اثنتين ثيبا وبكرا» وليس فى هذا البيت ولا فى أبيات القصيدة كلها ما يشير إلى أن الشاعر تزوج اثنتين ثيبا وبكرا، ولا يعطى البيت أكثر من أن الشاعر يدعو على الفتاة البكر التى زفت إليه، كما يدعو على «العوّد» الذى حملها إليه، والعود: هو الجمل المسنّ وفيه بقية. وقد أكمل الدعاء فى البيت الذى يليه حيث يقول:
ولا بارك الرحمن فى الرّقم فوقه ولا بارك الرحمن فى القطف الحمر
وواضح جدّا أن الضمير فى قوله: «فوقه» يعود على العود، الذى هو الجمل.
٧- (الفقرة ١٢٨٥) من قصيدة القطامى فى هجاء العجوز التى استضافها فأبت عليه:
إلى حيزبون توقد النار بعد ما تلفّعت الظلماء من كل جانب
ضبط الشيخ همزة «الظلماء» بالضم، والصواب فتحها، كما فى ديوان الشاعر ص ٥٠ وأمالى ابن الشجرى ٢: ٥٨.
٨- (الفقرة ١٢٨٥) من شعر القطامى:
سرى فى حليك الليل حتى كأنما يخزّم بالأطراف شوك العقارب
والصواب «فى جليد الليل» كما فى ديوانه، وقال شارحه: «يقول: أصاب أطرافه الجليد، فكأن شوك العقارب تخزمت أطرافه»، وفى اللسان ١٥: ٦٦:
«وتخزم الشوك فى رجله: شكها ودخل فيها، قال القطامى:
سرى فى جليد الليل حتى كأنما يخزم بالأطراف شوك العقارب
وكذلك روى الشطر الأول فى أمالى ابن الشجرى، وفى بعض نسخ الشعر
[ ١ / ٣٠ ]
والشعراء، كما ذكر دى غوية.
٩- (الفقرة ١٢٨٥) يقول القطامى فى القصيدة نفسها:
فلما تنازعنا الحديث سألتها من الحىّ؟ قالت: معشر من محارب
من المشترين القدّ مما تراهم جياعا وريف الناس ليس بناضب
والصواب «من المشتوين القد» جاء فى اللسان « وفى حديث عمر: كانوا يأكلون القدّ، يريد جلد السخلة فى الجدب» .
١٠- (الفقرة ١٣٥٠):
فى ترجمة العمانى «ودخل على الرشيد لينشده وعليه قلنسوة طويلة وخف ساذج، فقال له: إياك أن تنشدنى إلا وعليك عمامة عظيمة الكور، وخفّان دلقمان» .
قال الشيخ فى تعليقه: «لا أدرى ما معنى هذا الوصف؛ فإن الدلقم بكسر الدال، وسكون اللام وفتح القاف: هى المرأة الهرمة والناقة التى تكسرت أسنانها» والصواب «وخفان بلال» أى: أملسان [١] .
١١- جاء فى هامش بعض نسخ الشعر والشعراء أن ابن ميادة أخذ معنى بيت له من قول بلال بن حمامة:
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة بواد وحولى إذخر وجليل
وعلق عليه الشيخ بقوله هامش (الفقرة ١٣٨٦) ولست أدرى من بلال بن حمامة هذا» . ولعل بلال بن حمامة هو بلال بن رباح وكان اسم أمه حمامة. وقال ابن حجر فى الإصابة: «هو بلال بن حمامة وهى أمه» . وقد روى ابن إسحاق بسنده عن عائشة أنها قالت فى خبر طويل وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت؛ ثم رفع عقيرته فقال:
ألا ليت شعرى هل أبيتنّ ليلة بفخّ وحولى إذخر وجليل
_________________
(١) من أين هذا الصواب والجزم به، دون نقل عن مصدر معين؟! أحمد محمد شاكر.
[ ١ / ٣١ ]
وهل أردن يوما مياه مجنّة وهل يبدون لى شامة وطفيل
وشامة وطفيل: جبلان بمكة «راجع سيرة ابن هشام ٢/٢٣٩، وكذلك جاء فى السيرة الحلبية ٢/١١١ والروض ١/٥٣ وشرح غريب السيرة للخشنى ١/١٤٦.
١٢- (الفقرة ١٤٠٨) فى ترجمة مالك بن أسماء «وكان أخوه عيينة هوى جارية لأخته هند، فاستعان بأخيه على أخته، وشكا إليه ما به، فقال مالك:
أعييّن هلّا إذّ شغفت بها كنت استعنت بفارع العقل»
هكذا ضبط الشيخ «شغفت» بفتح الشين، والصواب ضمها، جاء فى اللسان ١١: ٨١ «وشغف بالشىء على صيغة ما لم يسم فاعله: أولع به، وشغف بالشىء شغفا على صيغة الفاعل: قلق» .
السيد أحمد صقر
[ ١ / ٣٢ ]