١٣٩* هو امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندىّ، وهو من أهل نجد، من الطبقة الأولى. وهذه الديار التى وصفها فى شعره كلّها ديار بنى أسد.
١٤٠* قال لبيد بن ربيعة: أشعر الناس ذو القروح، يعنى امرأ القيس.
١٤١* وملّك حجر على بنى أسد، فكان يأخذ منهم شيئا معلوما، فامتنعوا منه، فسار إليهم فأخذ سرواتهم فقتلهم بالعصىّ، فسمّوا «عبيد العصا» وأسر منهم طائفة، فيهم عبيد بن الأبرص، فقام بين يدى الملك فقال:
يا عين ما فابكى بنى أسد هم أهل النّدامة [٢]
أهل القباب الحمر وال نّعم المؤبّل والمدامه [٣]
مهلا أبيت اللّعن مهّلا إنّ فيما قلت آمه [٤]
فى كلّ واد بين يث رب والقصور إلى اليمامه [٥]
تطريب عان أو صيا ح محرّق وزقاء هامه [٦]
أنت المليك عليهم وهم العبيد إلى القيامه
_________________
(١) العنوان من ب. والترجمة الآتية هى نص ب س. ثم الترجمة التالية (٤٢ ل) هى النص الذى فى ب د هـ.
(٢) الأبيات فى ١٢ بيتا فى الأغانى ٨: ٦٣ ونقلها عنه جامع ديوان عبيد ٧٧، ٧٨.
(٣) فى الأغانى «المؤمل» وهو خطأ. والإبل المؤبلة: الكثيرة المجتمعة التى جعلت للقنية لا يمسها أحد.
(٤) الآمة: العيب. والبيت فى اللسان ١٤: ٣٠٤.
(٥) هكذا فى الأصول والأغانى، وفى ياقوت ٨: ٤٩٧ «يترب» بسكون التاء المثناة وفتح الراء، وقال: «قيل قرية باليمامة عند جبل وشم، وقيل موضع فى بلاد بنى سعد بالسودة» وقال الهمدانى فى صفة الجزيرة ٨٧: «يترب مدينة بحضر موت نزلتها كندة» .
(٦) هذا البيت فى ياقوت أيضا.
(٧) البيت فى الخزانة ١: ١٦٠ فى ترجمة امرئ القيس.
[ ١ / ١٠٧ ]
فرحمهم الملك وعفا عنهم وردّهم إلى بلادهم، حتّى إذا كانوا على مسيرة يوم من تهامة، تكهنّ كاهنهم عوف بن ربيعة الأسدىّ، فقال: يا عباد [١] قالوا: لبّيك ربّنا! فقال: والغلّاب غير المغلّب [٢]، فى الإبل كأنها الرّبرب [٣]، لا يقلق [٤] رأسه الصّخب، هذا دمه يثعب، وهو غدا أول من يسلب. قالوا:
من هو ربّنا؟ قال: لولا تجيش نفس جايشه [٥] أنباتكم أنّه حجر ضاحيه.
فركبت بنو أسد كلّ صعب وذلول، فما أشرق لهم الضّحى حتّى انتهوا إلى حجر، فوجدوه نائما فذبحوه، وشدّوا على هجائنه فاستاقوها.
١٤٢* وكان امرؤ القيس طرده [٦] أبوه لمّا صنع فى الشعر بفاطمة ما صنع، وكان لها عاشقا، فطلبها زمانا فلم يصل إليها، وكان يطلب منها غرّة، حتّى كان منها يوم الغدير بدارة جلجل ما كان، فقال:
قفا نبك منّ ذكرى حبيب ومنزل [٧]
فلمّا بلغ ذلك حجرا أباه دعا مولى له يقال له ربيعة، فقال له: اقتل امرأ القيس وأتنى بعينيه، فذبح جوذرا فأتاه بعينيه، فندم حجر على ذلك، فقال:
أبيت اللّعن! إنى لم أقتله، قال: فأتنى به، فانطلق فإذا هو قد قال شعرا فى
_________________
(١) فى الأغانى والخزانة «يا عبادى» .
(٢) فى الأغانى: «فقال: من الملك الأصهب، الغلاب غير المغلب» .
(٣) الربرب: القطيع من بقر الوحش، لا واحد له من لفظه.
(٤) ف س «لا يفلق» والأغانى «لا يعلق» .
(٥) جاشت النفس: فاظت، وجاشت القدر: غلت. وجشأت النفس: ارتفعت ونهضت من حزن أو فزع. وهما متقاربا المعنى وكأنهما من المقلوب بتقديم حرف وتأخيره. وفى الأغانى «جاشيه» . وأثبت مصحح ل رواية الأغانى فى صلب الكتاب بدل رواية الأصلين. وهو تصرف غير جيد، لأن المعنى مقارب، فما فى الأصلين صحيح.
(٦) س ب «اطرده» .
(٧) هو صدر المعلقة المشهورة.
[ ١ / ١٠٨ ]
رأس جبل، وهو قوله [١]:
فلا تتركنّى يا ربيع لهذه وكنت أرانى قبلها بك واثقا
فردّه إلى أبيه، فنهاه عن قول الشعر، ثم إنّه قال:
ألا انعم صباحا أيّها الطّلل البالى
فبلغ ذلك أباه فطرده، فبلغه مقتل أبيه وهو بدمّون، فقال:
تطاول اللّيل علينا دمّون دمّون إنّا معشر يمانون
وإنّنا لأهلنا محبّون
ثم قال: ضيّعنى صغيرا، وحمّلنى دمه كبيرا، لا صحو اليوم، ولا سكر غدا، اليوم خمر، وغدا أمر، ثم قال:
خليلىّ ما فى اليوم مصحى لشارب ولا فى غد إذ كان ما كان مشرب
ثم آلى لا يأكل لحما ولا يشرب خمرا حتّى يثأر بأبيه، فلما كان الليل لاح له برق فقال:
أرقت لبرق بليل أهل يضىء سناه بأعلى الجبل
بقتل بنى أسد ربّهم ألا كلّ شىء سواه جلل
ثم استجاش بكر بن وائل [٢]، فسار إليهم وقد لجؤوا إلى كنانة، فأوقع بهم، ونجت بنو كاهل من بنى أسد، فقال:
يا لهّف نفسى إذ خطئن كاهلا القاتلين الملك الحلاحلا
تالله لا يذهب شيخى باطلا
_________________
(١) من أبيات فى ديوانه بشرح السندوبى ١٢٢- ١٢٣.
(٢) استجاشهم: أى طلب منهم جيشا، يريد أن يستعين بهم على بنى أسد قاتلى أبيه. والذين أجابوه إلى ثأره أولاهم بنو بكر وبنو تغلب ابنى وائل.
(٣) البيتان الأولان فى اللسان ١٣: ١٨٤ الحلاحل، بضم الحاء الأولى: السيد فى عشيرته الشجاع الركين فى مجلسه، والجمع «حلاحل» بفتح الحاء الأولى.
[ ١ / ١٠٩ ]
١٤٣* وقد ذكر امرؤ القيس فى شعره أنه ظفر بهم، فتأبّى عليه ذلك الشعراء، قال عبيد [١]:
يا ذا المخوّفنا بقت ل أبيه إذلالا وحينا
أزعمت أنّك قد قتل ت سراتنا كذبا ومينا
١٤٤* ولم يزل يسير فى العرب يطلب النصر، حتّى خرج إلى قيصر، فدخل معه الحمّام، فإذا قيصر أقلف، فقال [٢]:
إنّى حلفت يمينا غير كاذبة أنّك أقلف إلّا ما جنى القمر
إذا طعنت به مالت عمامته كما تجمّع تحت الفلكة الوبر
ونظرت إليه ابنة قيصر فعشقته، فكان يأتيها وتأتيه، وطبن [٣] الطّمّاح بن قيس الأسدىّ لهما، وكان حجر قتل أباه، فوشى به إلى الملك، فخرج امرؤ القيس متسرّعا، فبعث قيصر فى طلبه رسولا، فأدركه دون أنقرة بيوم، ومعه حلّة مسمومة، فلبسها فى يوم صائف، فتناثر لحمه وتفطّر جسده. وكان يحمله جابر بن حنىّ التغلبىّ، فذلك قوله:
فإمّا ترينى فى رحالة جابر على حرج كالقرّ تخفق أكفانى [٤]
فياربّ مكروب كررت وراءه عان فككت الغلّ عنه ففدّانى [٥]
إذا المرء لم يخزن عليه لسانه فليس على شىء سواه بخزّان
_________________
(١) هو عبيد بن الأبرص، من قصيدة فى ديوانه ٢٧- ٢٩ فى ٢٥ بيتا وكذلك فى ابن الشجرى ٢: ٣٩ والبيتان فى الخزانة ١: ١٦١ وهما فيها أيضا مع أبيات ١: ٣٢٢ وسيأتيان مع ٥ أبيات ١٤٣- ١٤٤ ل.
(٢) الديوان ٩٣ وهما فى اللسان ١١: ١٩٩.
(٣) طبن الشىء وطبن له: فطن له.
(٤) أراد بالرحالة الخشب الذى يحمل عليه فى مرضه. الحرج: سرير يحمل عليه المريض أو الميت. القر، بفتح القاف: الهودج. وأراد بالأكفان ثيابه التى عليه، لأنه قدر أنها ثيابه التى يموت فيها فيكفن. والبيت فى اللسان ٣: ٥٩ و٦: ٣٩٨.
(٥) العانى: الأسير.
[ ١ / ١١٠ ]
١٤٥* وقال حين حضرته الوفاة [١]:
وطعنة مسحنفره [٢] وجفنة مثعنجره [٣]
تبقى غدا بأنقره
قال ابن الكلبىّ: هذا آخر شىء تكلّم به، ثم مات.
١٤٦* قال أبو عبد الله الجمحىّ: كان امرؤ القيس ممّن يتعهّر فى شعره [٤]، وذلك قوله:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
وقال:
سموت إليها بعد ما نان أهلها
١٤٧* وقد سبق امرؤ القيس إلى أشياء ابتدعها، واستحسنها العرب، واتّبعته عليها الشعراء، من استيقافه صحبه فى الديار، ورقّة النسيب، وقرب المأخذ.
١٤٨* ويستجاد من تشبيهه قوله:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
وقوله:
كأنّ عيون الوحش حول قبابنا وأرحلنا الجزع الّذى لم يثقّب [٥]
وقوله [٦]:
كأنى غداة البين لمّا تحمّلوا لدى سمرات الحىّ ناقف حنظل
_________________
(١) الأبيات فى المعرب للجواليقى ٢٦ واللسان ٥: ١٧١ وستأتى أيضا (٤٧ ل)
(٢) مسحنفرة: واسعة.
(٣) مثعنجرة: سائلة منسكبة.
(٤) الجمحى ١٤.
(٥) الجزع: خرز فيه بياض وسواد، تشبه به الأعين. وهو بفتح الجيم، وحكى فيه كراع كسرها أيضا. والبيت فى اللسان ٩: ٣٩٨.
(٦) من المعلقة وسيأتى ٧٧.
[ ١ / ١١١ ]
١٤٩* وقد أجاد فى صفة الفرس:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطّه السّيل من عل
له أيطلا ظبى وساقا نعامة وإرخاء سرحان وتقريب تتفل [١]
١٥٠* وممّا يعاب عليه من شعره قوله:
إذا ما الثّريّا فى السّماء تعرّضت تعرّض أثناء الوشاح المفصّل
وقالوا: الثريّا لا تعرّض لها، وإنّما أراه أراد الجوزاء، فذكر الثريّا على الغلط، كما قال الاخر كأحمر عاد وإنّما هو كأحمر ثمود، وهو عاقر الناقة [٢] .
١٥١* قال يونس النحوىّ: قدم علينا ذو الرّمّة من سفر، وكان أحسن الناس وصفا للمطر، فذكرنا له قول عبيد وأوس وعبد بنى الحسحاس فى المطر، فاختار قول امرئ القيس [٣]:
ديمة هطلاء فيها وطف طبق الأرض تحرّى وتدر [٤]
١٥٢* أقبل قوم من اليمن يريدون النبىّ ﷺ، فضلّوا الطريق ومكثوا ثلاثا
_________________
(١) الأيطل: الخاصرة، يريد أن خاصرتيه لضمورهما كخاصرتى الظبى. السرحان: الذئب، وإرخاؤه: سرعته، وليس دابة أحسن إرخاء من الذئب. التقريب: أن يرفع يديه معا ويضعهما معا. التتفل: ولد الثعلب، وهو أحسن الدواب تقريبا، وهو بتاءين مثناتين، وكذلك أثبت فى س، وأثبت فى ل «تنقل» بنون بدل التاء الثانية، وهو خطأ. وسيأتى البيت (٥٥) ل.
(٢) الذى قال كأحمر عاد هو زهير فى معلقته، وقد اعتذر عنه المبرد بأن ثمود يقال لها «عاد الأخيرة» وقوم هود هم «عاد الأولى» وانظر شرح ديوان زهير طبعة دار الكتب ٢٠ وشرح التبريزى على القصائد العشر ١١٣ والخزانة ١: ١٦٢ والأصمعية ٥٥: ١٥ بشرحنا مع الأستاذ عبد السلام هارون.
(٣) الديوان ٨٩- ٩٠ والبيت فى اللسان ١٤: ٧٩، ٢٢٣.
(٤) الديمة: المطر الدائم فى سكون. الهطلاء: الدائمة أيضا فوق الديمة أو نحوها. الوطف: الغزارة مع الاسترخاء. طبق الأرض: غشاء لها، تطبق الأرض وتعمها. تحرى: تتحرى أى تتوخى وتعمد. تدر: تصب الماء. والبيت فى اللسان ١٨: ١٨٩.
[ ١ / ١١٢ ]
لا يقدرون على الماء إذ أقبل راكب على بعير، وأنشد بعض القوم [١]:
لمّا رأت أنّ الشّريعة همّها وأنّ البياض من فرائصها دامى [٢]
تيمّمت العين التى عند ضارج يفىء عليها الظّلّ عرمضها طامى [٣]
فقال الراكب: من يقول هذا؟ قالوا: امرؤ القيس، فقال: والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار إليه، فمشوا على الرّكب، فإذا ماء غدق، وإذا عليه العرمض والظلّ يفىء عليه، فشربوا وحملوا، ولولا ذلك لهلكوا [٤] .
١٥٣* وممّا يتمثّل به من شعره قوله [٥]:
وقاهم جدّهم ببنى أبيهم وبالأشقين ما كان العقاب
_________________
(١) الديوان ١٨٢.
(٢) الشريعة: مشرعة الماء، وهى مورد الشاربة التى يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عدا لا انقطاع له ويكون ظاهرا معينا لا يسقى بالرشاء. الفرائص: جمع فريصة، وهى لحمة عند نغض الكتف فى وسط الجنب عند منبض القلب، وهما فريصتان، ترتعدان عند الفزع.
(٣) ضارج: جبل، كما يفهم ذلك من كتاب صفة جزيرة العرب ص ١٧٨ س ٢ بمقارنته بشعر امرئ القيس فيه ص ٢٣٩ س ٦، ١٥. وذهب صاحب اللسان وغيره إلى أنه موضع ببلاد عبس. العرمض، بفتح العين والميم: الطحلب. قال فى اللسان ٣: ١٣٩: «همها: طلبها، والضمير فى رأت للحمر، يريد أن الحمر لما أرادت شريعة الماء خافت على أنفسها من الرماة وأن تدمى فرائصها من سهامهم عدلت إلى ضارج لعدم الرماة على العين التى فيه وطامى: مرتفع» . والبيت الثانى فيه أيضا ٩: ٥٠.
(٤) القصة فى اللسان ٣: ١٣٩ نقلها عن ابن برى عن النحاس أنه «روى بإسناد ذكره» . ونقلها ياقوت فى البلدان ٥: ٤٢١- ٤٢٢ قال: «حدث إسحق بن إبراهيم الموصلى على أشياخه» . وسيذكرها المؤلف مرة أخرى مطولة ٥١ ل وسيأتى لنا بحث فيها إن شاء الله.
(٥) البيت من أبيات ثلاثة فى ديوانه ٥٠- ٥١ وهى الأصمعية ٤١ وستأتى ٤٤ ل.
(٦) جدهم: حظهم. ببنى أبيهم: يريد بنى كنانة الذين حاربهم يحسبهم بنى أسد، ثم كف عنهم حين تبين خطأه، وأسد وكنانة أخوان، هما ابنا خزيمة.
[ ١ / ١١٣ ]
وقوله:
صبّت عليه ولم تنصبّ من كثب إنّ الشّقاء على الأشقين مصبوب [١]
وقوله:
وقد طوّفت فى الآفاق حتّى رضيت من الغنيمة بالإياب
١٥٤* وممّا يتغنّى به من شعره:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل [٢]
:
قوله:
تقول وقد مال الغبيط بنا معا عقرت بعيرى يا امرأ القيس فانزل [٣]
وقال أبو النّجم يصف قينة:
تغنّى، فإنّ اليوم يوم من الصّبى ببعض الذى غنّى امرؤ القيس أو عمرو
فظلّت تغنّى بالغبيط وميله وترفع صوتا فى أواخره كسر
وقوله [٤]:
كأنّ المدام وصوب الغمام وريح الخزامى ونشر القطر
يعلّ به برد أنيابها إذا طرّب الطائر المستحر [٥]
وكلّ ما قيل فى هذا المعنى فمنه أخذ.
_________________
(١) الكثب: القرب. وفى الديوان ٥٣ «وما تنصب من أمم» .
(٢) يعنى: المعلقة.
(٣) الغبيط: هودج يقبب بشجار، يكون للحرائر.
(٤) من قصيدة فى ديوانه ٧٧- ٨٣.
(٥) صوب الغمام: ماء السحاب. الخزامى: قال أبو حنيفة: عشبة طويلة العيدان صغيرة الورق حمراء الزهرة طيبة الريح لها نور كنور البنفسج، قال: ولم نجد من الزهر زهرة أطيب نفحة من نفحة الخزامى. القطر، بضم الطاء وبسكونها: العود الذى يتبخر به. قال فى اللسان: «شبه ماء فيها فى طيبه عند السحر بالمدام وهى الخمر وصوب الغمام الذى يمزج به الخمر وريح الخزامى ونشر القطر وهو رائحة العود. والطائر المستحر وهو المصوت عند السحر» . والبيتان فيه ٦: ١٤، ٤١٩ والبيت الأول فيه ٧: ٦١ و١٥: ٦٦.
[ ١ / ١١٤ ]
١٥٥* واجتمع عند عبد الملك أشراف من الناس والشعراء، فسألهم عن أرقّ بيت قالته العرب، فاجتمعوا على بيت امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلّا لتضربى بسهميك فى أعشار قلب مقتّل [١]
وقال [٢]:
والله أنجح ما طلبت به والبرّ خير حقيبة الرّحل
وقال [٣]:
من آل ليلى وأين ليلى وخير ما رمت ما ينال
١٥٦* هو [٤] امرؤ القيس بن حجر بن الحرث بن عمرو بن حجر آكل المرار [٥] بن معاوية بن ثور، وهو كندة. وأمّه فاطمة بنت ربيعة بن الحرث بن
_________________
(١) من المعلقة. الأعشار: أعشار الجزور، تقسم فى الميسر إلى عشرة أنصباء ثم يجال عليها بالسهام، وهذا مثل. قال ثعلب: أراد بقوله بسهميك هنا سهمى قداح الميسر، وهما المعلى والرقيب، فللمعلى سبعة أنصباء وللرقيب ثلاثة، فإذا فاز الرجل بهما غلب على جزور الميسر كلها، ولم يطمع غيره فى شىء منها، وهى تقسم على عشرة أجزاء. فالمعنى أنها ضربت بسهامها على قلبه فخرج لها السهمان فغلبته على قلبه كله وفتنته فملكته» قال فى اللسان بعد ذلك: «وجعل أبو الهيثم السهم الذى له ثلاثة أنصباء الضريب، وهو الذى سماه ثعلب الرقيب. وقال اللحيانى: بعض العرب يسميه الضريب وبعضهم يسميه الرقيب. قال: وهذا التفسير فى البيت هو الصحيح» ونقل عن الأزهرى أيضا اختياره. وانظر اللسان ٦: ٢٤٩ وشرح التبريزى ٢٣- ٢٤.
(٢) من قصيدة فى الديوان ١٤٦- ١٤٩.
(٣) من قصيدة فى الديوان ١٦١- ١٦٣.
(٤) ترجمة أخرى لامرئ القيس، هى النص الثابت فى ب د هـ كما ذكر مصحح ل.
(٥) المرار، بضم الميم وتخفيف الراء، وفى د بتشديدها وهو خطأ، والمرار: شجر مر، قال فى اللسان: «قال أبو عبيد: أخبرنى ابن الكلبى أن حجرا إنما سمى آكل المرار أن ابنة كانت له سباها ملك من ملوك سليح يقال له ابن هبولة، فقالت له ابنة حجر: كأنك بأبى قد جاء كأنه جمل آكل المرار، يعنى كاشرا عن أنيابه، فسمى بذلك. وقيل أنه كان فى نفر من أصحابه فى سفر فأصابهم الجوع، فأما هو فأكل من المرار حتى شبع ونجا، وأما أصحابه فلم يطيقوا ذلك حتى هلك أكثرهم، ففضل عليهم بصبره على أكله المرار» .
[ ١ / ١١٥ ]
زهير، أخت كليب ومهلهل ابنى ربيعة التّغلبيّين. وكليب هو الذى تقول فيه العرب: «أعزّ من كليب وائل» وبمقتله هاجت حرب بكر وتغلب [١] .
١٥٧* وكان قباذ ملك فارس ملّك الحرث بن عمرو جدّ امرئ القيس على العرب، ويقول أهل اليمن: أن تبّعا الأخير ملّكه، وكان الحرث ابن أخته، فلمّا هلك قباذ وملك أنوشروان ملّك على الحيرة المنذر بن ماء السماء، وكانت عنده هند بنت الحرث بن عمرو بن حجر، فولدت له عمرو بن المنذر وقابوس ابن المنذر. وهند عمّة امرئ القيس، وابنها عمرو هو محرّق.
١٥٨* ثم ملّكت بنو أسد حجرا عليها، فساءت سيرته، فجمّعت له بنو أسد، واستعان حجر ببنى حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، فقال امرؤ القيس [٢]:
تميم بن مرّ وأشياعها وكندة حولى جميعا صبر
فبعثت بنو أسد إلى بنى حنظلة تستكفّها وتسألها أن تخلى بينها وبين كندة، فاعتزلت بنو حنظلة، والتقت كندة وأسد، فانهزمت كندة وقتل حجر، وغنمت بنو أسد أموالهم. وفى ذلك يقول عبيد بن الأبرص الأسدى:
هلّا سألت جموع كن دة يوم ولّوا هاربينا [٣]
وكان قاتل حجر علباء بن الحرث الأسدىّ، وأفلت امرؤ القيس يومئذ، وحلف لا يغسل رأسه ولا يشرب خمرا حتّى يدرك ثأره ببنى أسد، فأتى ذا جدن الحميرىّ فاستمدّه فأمدّه، وبلغ الخبر بنى أسد فانتقلوا عن منازلهم، فنزلوا على
_________________
(١) انظر مجمع الأمثال ١: ٤٢٧، ٣٣٠- ٣٣٢ وأيام العرب ١٤٢ وما بعدها.
(٢) من قصيدة فى الديوان ٧٧- ٨٣.
(٣) من قصيدة فى ديوانه ٢٧- ٢٩ وقد سبقت الإشارة إليها (١١٠) ومنها أبيات فى الخزانة: ٣٢٢ ورواية الديوان والخزانة «يوم ولو أين أينا» .
[ ١ / ١١٦ ]
قوم من بنى كنانة بن خزيمة، والكنانيّون لا يعلمون بمسير امرئ القيس إليهم، فطرقهم فى جند عظيم، فأغار على الكنانييّن وقتل منهم، وهو يظنّ أنهم بنو أسد، ثم تبيّن أنهم ليسوا هم، فقال [١]:
ألا يا لهف نفسى إثر قوم هم كانوا الشّفاء فلم يصابوا [٢]
وقاهم جدّهم ببنى أبيهم وبالأشقين ما كان العقاب
وأفلتهنّ علباء جريضا ولو أدركنه صفر الوطاب [٣]
ثم تبع بنى أسد فأدركهم وقتل فيهم قتلا ذريعا، وقال [٤]:
قولا لدودان: عبيد العصا ما غرّكم بالأسد الباسل
قد قرّت العينان من وائل ومن بنى عمرو ومن كاهل
نطعنهم سلكى ومخلوجة كرّك لأمين على نابل [٥]
حلّت لى الخمر وكنت امرءا عن شربها فى شغل شاغل
فاليوم أشرب غير مستحقب إثما من الله ولا واغل [٦]
١٥٩* ثم إنّ المنذر بن ماء السماء غزا كندة فأصاب منهم، وأسر اثنى
_________________
(١) فى ديوانه ٥٠- ٥١ وهى الأصمعية ٤١. ومضى البيت الثانى منها (١١٣) .
(٢) أراد بالشفاء أنهم كانوا شفاء نفسه لو أصابهم، إذ هم قتلة أبيه.
(٣) أفلتهن: يعنى الخيل التى كانت تطلبه فلم تدركه. الجرض والجريض: غصص الموت. يريد أفلتهن مجهودا يكاد يقضى. صفر: خلا. الوطاب: جمع وطب وهو سقاء اللبن. يريد أنه مات فلم تملأ وطابه، أو بقى جسمه صفرا من حياته كما يخلو الوطب من اللبن.
(٤) من قصيدة فى ديوانه ١٥١- ١٥٢ والأبيات ٣- ٥ من الأصمعية ٤٠.
(٥) السلكى: الطعنة المستقيمة تلقاء الوجه. المخلوجة: غير المستقيمة. كرك لأمين: مثنى «لأم» يقال «سهم لأم» أى: عليه ريش لؤام يلائم بعضه بعضا. النابل: الرامى بالنبل. يريد: يذهب الطعن فيهم ويرجع كما ترد سهمين على رام رمى بهما.
(٦) مضى فى (٩٩) .
[ ١ / ١١٧ ]
عشر فتى من ملوكهم، فأمر بهم فقتلوا بمكان بين الحيرة والكوفة، يقال له جفر الأملاك [١]، وكان امرؤ القيس يومئذ معهم، فهرب حتى لجأ إلى سعد بن الضّباب الإيادىّ، سيّد إياد، فأجاره.
١٦٠* وكان ابن الكلبّى يذكر أن أمّ سعد كانت عند حجر أبى امرئ القيس، فتزوّجها الضّباب فولدت سعدا على فراشه، واستشهد على ذلك قول امرئ القيس [٢]:
يفكّهنا سعد وينعم بالنا ويغدو علينا بالجفان وبالجزر
ونعرف فيه من أبيه شمائلا ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
وهذا الشعر يدلّ على أن العرب كانت فى الجاهلية ترى الولد للفراش [٣] .
١٦١* ثم تحوّل إلى جبلى طيىء [٤]، فنزل على قوم، منهم عامر بن جوين الطائىّ، فقالت له ابنته: إن الرجل مأكول فكله، فأتى عامر أجأ وصاح: ألا إنّ عامر بن جوين غدر، فلم يجبه الصّدى، ثم صاح: ألا إن عامر بن جوين وفى، فأجابه الصدى، فقال: ما أحسن هذه وما أقبح تلك! ثم خرج امرؤ القيس من عنده، فشيّعه، فرأت ابنته ساقيه وهو مدبر، وكانتا حمشتين [٥]، فقالت: ما رأيت كاليوم ساقى واف، فقال: هما ساقا غادر أقبح.
ويقال: إن صاحب هذا القول أبو حنبل بن مرّ مجير الجراد.
ويقال: إن ابنته لمّا أشارت عليه بأخذ ماله دعا بجذعة من غنم، فحلبها فى قدح ثم شرب فروى، ثم استلقى وقال: والله لا أغدر ما أجزأتنى جذعة، ثم
_________________
(١) أصل «الجفر» البئر الواسعة القعر لم تطو، أى لم تبن. وجفر الأملاك: فى أرض الحيرة، سمى بذلك لقتل هؤلاء الفتيان عنده. وانظر ياقوت ٤: ١٢٧- ١٢٨.
(٢) من قصيدة فى الديوان ٨٣- ٨٦.
(٣) هذا استنباط بعيد، لا يدل عليه الشعر الذى استنبط منه.
(٤) هما أجأ وسلمى.
(٥) حمشتين: أى: دقيقتين.
[ ١ / ١١٨ ]
قام فمشى، وكان أعور سناطا [١] قصيرا حمش الساقين، فقالت ابنته: ما رأيت كاليوم ساقى واف؟ فقال لابنته: يا بنيّة، هما ساقا غادر شرّ، وقال:
لقد آليت أغدر فى جداع ولو منّيت أمّات الرّباع [٢]
لأنّ الغدر فى الأقوام عار وإنّ الحرّ يجزأ بالكراع
١٦٢* ولم يزل ينتقل من قوم إلى قوم بجبلى طيئ، ثم سمت به نفسه إلى ملك الروم. فأتى السمّوأل بن عادياء اليهودىّ، ملك تيماء، وهى مدينة بين الشأم والحجاز، فاستودعه مائة درع وسلاحا كثيرا، ثم سار ومعه عمرو بن قميئة، أحد بنى قيس بن ثعلبة، وكان من خدم أبيه [٣]، فبكى ابن قميئة، وقال له: غرّرت بنا، فأنشأ امرؤ القيس يقول [٤]:
بكى صاحبى لمّا رأى الدّرب دونه وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنما نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
وإنى أذين إن رجعت مملكا بسير ترى منه الفرانق أزورا [٥]
على ظهر عادىّ تحاربه القطا إذا سافه العود الدّيافىّ جرجرا
_________________
(١) السناط، بكسر السين وضمها: الذى لا لحية له.
(٢) الجداع: السنة الشديدة تذهب بكل شىء. وفى ل «جذاع» وهو خطأ. والبيت فى اللسان ١: ٣٨ و٩: ٣٩١، ١٤: ٢٩٥.
(٣) ستأتى ترجمة عمرو بن قميئة (٢٢٢- ٢٢٣ ل) .
(٤) من قصيدة طويلة فى الديوان ٦٦- ٧٦.
(٥) الأذين: الزعيم والكفيل. وهذه رواية أبى عبيدة، كما فى اللسان ١٦: ١٤٧ والبيت فيه أيضا ١٢: ١٨٢ ورواية الديوان «وإنى زعيم» . الفرانق: سبع يصيح بين يدى الأسد كأنه ينذر الناس به، ويقال إنه شبيه بابن آوى، وانظر المعرب للجواليقى طبعة دار الكتب بتحقيقنا ٢٣٨. أزور: مائل العنق.
(٦) العادى: الطريق القديم. ورواية الديوان واللسان ١١: ٦٦ على لا حب لا يهتدى بمناره سافه: شمه. العود: الجمل المسن وفيه بقية. الديافى: نسبة إلى دياف، وهى قرية بالشأم تنسب إليها النجائب. يريد: إذا ساف الجمل تربة هذا الطريق جرجر جزعا من بعده وقلة مائه.
[ ١ / ١١٩ ]
١٦٣* وبلغ الحارث بن أبى شمر الغسّانّى، وهو الحارث الأكبر، ما خلّف امرؤ القيس عند السموأل، فبعث إليه رجلا من أهل بيته، يقال له الحارث بن مالك [١]، وأمره أن يأخذ منه سلاح امرئ القيس وودائعه، فلمّا انتهى إلى حصن السموأل أغلقه دونه، وكان للسموأل ابن خارج الحصن يتصيّد، فأخذه الحارث، وقال للسموأل: إن أنت دفعت إلّى السلاح وإلّا قتلته، فأبى أن يدفع إليه ذلك، وقال له: اقتل أسيرك فإنى لا أدفع إليك شيئا، فقتله. وضربت العرب المثل بالسموأل فى الوفاء وقد ذكره الأعشى فى قصّة له قد ذكرتها فى أخباره.
١٦٤* وصار امرؤ القيس إلى ملك الروم، فأكرمه ونادمه، واستمدّه فوعده ذلك، وفى هذه القصّة يقول [٢]:
ونادمت قيصر فى ملكه فأوجهنى وركبت البريدا
إذا ما ازدحمنا على سكّة سبقت الفرانق سبقا بعيدا
ثم بعث معه جيشا فيهم أبناء ملوك الروم، فلمّا فصل قيل لقيصر: إنّك أمددت بأبناء ملوك أرضك رجلا من العرب، وهم أهل غدر، فإذا استمكن ممّا أراد وقهر بهم عدوّه غزاك. فبعث إليه قيصر مع رجل من العرب كان معه يقال له الطّمّاح [٣] بحلّة منسوجة بالذهب مسمومة، وكتب إليه: إنى قد بعثت إليك بحلّتى التى كنت ألبسها يوم الزينة، ليعرف فضل منزلتك عندى، فإذا وصلت
_________________
(١) هكذا فى هذا الكتاب، ولم أعرف «الحرث بن مالك» هذا. والذى فى الأغانى ١٩: ٩٩: «ونزل الحرث بن ظالم فى بعض غاراته بالأبلق، ويقال بل الحرث بن أبى شمر الغسانى، ويقال بل كان المنذر وجه بالحرث بن ظالم فى خيل وأمره بأخذ مال امرئ القيس من السموأل» إلخ. وانظر ما يأتى (١٣٩- ١٤٠ ل) والأصمعتين ٢٢، ٢٣.
(٢) من أربعة أبيات فى الديوان ٦٤.
(٣) هو الطماح بن قيس الأسدى، وقد مضى ذكره (١١٠) .
[ ١ / ١٢٠ ]
إليك فالبسها على اليمن والبركة، واكتب إلّى من كلّ منزل بخبرك. فلمّا وصلت إليه الحلّة اشتدّ سروره بها، ولبسها، فأسرع فيه السمّ وتنفّط جلده.
والعرب تدعوه ذا القروح لذلك، ولقوله [١]:
وبدّلت قرحا داميا بعد صحّة فيالك نعّمى قد تحوّل أبؤسا
وقال الفرزدق:
وهب القصائد لى النّوابغ إذ مضوا وأبو يزيد وذو القروح وجرول [٢]
قال أبو محمد: أبو يزيد هو المخبّل السعدىّ، وذو القروح امرؤ القيس، وجرول الحطيئة.
١٦٥* ولما صار إلى مدينة بالروم تدعى أنقرة ثقل، فأقام بها حتّى مات، وقبر هناك، وقال قبل موته [٣]:
ربّ خطبة مسحنفره وطعنة مثعنجره
وجعبة متحيّره تدفن غدا بأنقره
ورأى قبرا لامرأة من بنات ملوك الروم هلكت بأنقرة، فسأل عن صاحبه فخبّر بخبرها، فقال [٤]:
أجارتنا إنّ المزار قريب وإنى مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنّا غريبان ههنا وكلّ غريب للغريب نسيب
وعسيب: جبل هناك.
ولما بلغ السموأل موت امرئ القيس دفع ما خلّف عنده من السلاح وغيره إلى عصبته.
_________________
(١) من قصيدة فى الديوان ٩٧- ٩٩.
(٢) البيت فى الأغانى ١٢: ٣٨.
(٣) مضت برواية أخرى (١١١) .
(٤) من خمسة أبيات فى الديوان ٥٥- ٥٦.
[ ١ / ١٢١ ]
١٦٦* وكان امرؤ القيس مئناثا لا ذكر له، وغيورا شديد الغيرة، فإذا ولدت له بنت وأدها، فلمّا رأى ذلك نساؤه غيّبن أولادهنّ فى أحياء العرب، وبلغه ذلك فتتبّعهنّ حتّى قتلهنّ.
١٦٧* وكان امرؤ القيس جميلا وسيما، ومع جماله وحسنه مفرّكا [١] لا تريده النساء إذا جرّبنه. وقال لامرأة تزوجها: ما يكره النساء منّى؟ قالت:
يكرهن منك أنّك ثقيل الصدر، خفيف العجز، سريع الإراقة، بطىء الإفاقة.
وسأل أخرى عن مثل ذلك فقالت: يكرهن منك أنّك إذا عرقت فحت بريح كلب! فقال: أنت صدقتنى، إنّ أهلى أرضعونى بلبن كلبة. ولم تصبر عليه إلا امرأة من كندة يقال لها هند، وكان أكثر ولده منها.
١٦٨* وكان يعدّ من عشّاق العرب والزّناة. وكان يشبّب بنساء: منهنّ فاطمة بنت العبيد بن ثعلبة بن عامر العذرية، وهى التى يقول لها:
أفاطم مهّلا بعض هذا التّدلّل [٢]
ويقول لها [٣]:
لا وأبيك ابنة العامر ىّ لا يدّعى القوم أنى أفرّ
ومنهنّ أمّ الحارث الكلبيّة، وهى التى يقول فيها [٤]:
كدأبك من أمّ الحويرث قبلها وجارتها أمّ الرّباب بمأسل
ومنهنّ، عنيزة، وهى صاحبة يوم دارة جلجل [٥] .
_________________
(١) المفرك: الذى لا يحظى عند النساء ويبغضنه. ووصف امرىء القيس بهذا ثابت فى اللسان أيضا ١٢: ٣٦٢.
(٢) من المعلقة.
(٣) من قصيدة فى الديوان ٧٧- ٨٣.
(٤) من المعلقة. و«مأسل»: اسم ماء بعينه.
(٥) أشار إليه فى المعلقة أيضا.
[ ١ / ١٢٢ ]
١٦٩* قال محمّد بن سلّام: حدّثنى راوية للفرزدق أنّه لم ير رجلا كان أروى لأحاديث امرئ القيس وأشعاره من الفرزدق، هو وأبو شفقل [١]، لأنّ امرأ القيس كان صحب عمّه شرحبيل قبل الكلاب [٢]، حتّى قتل شرحبيل بن الحارث، وكان قاتله أخاه معدى كرب بن الحارث، وكان شرحبيل بن الحارث مسترضعا فى بنى دارم رهط الفرزدق، وكان امرؤ القيس رأى من أبيه جفوة، فلحق بعمه، فأقام فى بنى دارم حينا، قال [٣]: قال الفرزدق: أصابنا بالبصرة مطر جود، فلما أصبحت ركبت بغلة وصرت إلى المربد، فإذا آثار دوابّ قد خرجت إلى ناحية البريّة، فظننت أنهم قوم قد خرجوا إلى النزهة، وهم خلقاء أن يكون معهم سفرة. فاتّبعت آثارهم حتى انتهيت إلى بغال عليها رحائل موقوفة على غدير، فأسرعت إلى الغدير فإذا نسوة مستنقعات فى الماء، فقلت:
لم أر كاليوم قطّ ولا يوم دارة جلجل! وانصرفت مستحييا، فناديننى: يا صاحب البغلة ارجع نسألك عن شىء، فانصرفت إليهنّ، فقعدن إلى حلوقهنّ فى الماء، ثم قلن: بالله لمّا أخبرتنا ما كان حديث يوم دارة جلجل؟ قال: حدثّنى جدى،
_________________
(١) أبو شفقل: وصفه مصحح ل فى فهرسها بأنه «راوى امرئ القيس» وهو خطأ، ففى اللسان والقاموس أنه راوية الفرزدق، وفى اللسان أيضا: «قال ابن خالويه: اسم راوية الفرزدق شفقل، قال: ولا نظير لهذا الاسم» .
(٢) بضم الكاف، وهو ماء للعرب، كان به يومان مشهوران لهم، يوم الكلاب الأول ويوم الكلاب الثانى. والإشارة هنا إلى الأول، انظر أيام العرب ٤٦- ٥٠ وما أشير إليه هناك من المصادر.
(٣) قال: يعنى أبا شفقل راوية الفرزدق، كما هو ظاهر من السياق. والقصة الآتية رواها صاحب الأغانى بنحوها ١٩: ٢٦- ٢٨ بإسناده عن عبد الله بن زالان التميمى راوية الفرزدق ورواها صاحب الخزانة ٢: ٦٨- ٦٩ نقلا عن ابن الأنبارى فى شرح المعلقة. ولكن فيها «على ما حدث ابن وألان عن أبى سقنقل راوية أبى فراس همام ابن غالب الفرزدق» وهذا الاسم «ابن زالان» أو «ابن وألان» يبدو لى أنه محرف، وأظن أنه هو «أبو شفقل» هذه كنيته، وذاك اسمه ونسبه.
[ ١ / ١٢٣ ]
وأنا يومئذ غلام حافظ: أنّ امرأ القيس كان عاشقا لابنة عمّ له يقال لها عنيزة، وأنّه طلبها زمانا فلم يصل إليها، حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل.
وذلك أنّ الحىّ احتملوا، فتقدّم الرجال وتخلّف النساء والخدم والثقل [١]، فلمّا رأى ذلك امرؤ القيس تخلّف بعد ما سار مع رجّالة [٢] قومه غلوة [٣]، فكمن فى غيابة [٤] من الأرض حتّى مرّ به النساء وفيهنّ عنيزة، فلما وردن الغدير قلن:
لو نزلنا فاغتسلنا فى هذا الغدير فذهب عنّا بعض الكلال، فنزلن فى الغدير ونحّين العبيد، ثم تجرّدن فوقعن فيه، فأتاهنّ امرؤ القيس وهنّ غوافل، فأخذ ثيابهنّ فجمعها وقعد عليها، وقال: والله لا أعطى جارية منكنّ ثوبها ولو ظلّت فى الغدير يومها حتّى تخرج متجّردة فتأخذ ثوبها! فأبين ذلك عليه، حتّى تعالى النهار، وخشين أن يقصّرن عن المنزل الذى يردنه، فخرجن جميعا غير عنيزة، فناشدته الله أن يطرح إليها ثوبها، فأبى، فخرجت، فنظر إليها مقبلة ومدبرة، وأقبلن عليه فقلت له: إنّك قد عذّبتنا وحبستنا وأجعتنا! قال: فإن نحرت لكنّ ناقتى تأكلن منها؟ قلن: نعم فخرط سيفه فعرقبها ونحرها ثم كشطها، وجمع الخدم حطبا كثيرا فأجّجن نارا عظيمة، فجعل يقطع لهنّ من أطيبها ويلقيه على الجمر، ويأكلن ويأكل معهنّ، ويشرب من فضلة خمر كانت معه ويغنيهنّ، وينبذ إلى العبيد من الكباب، فلما أرادوا الرحيل قالت إحداهن: أنا أحمل طنفسته، وقالت الأخرى: أنا أحمل رحله وأنساعه، فتقسّمن متاع راحلته وزاده، وبقيت عنيزة لم يحمّلها شيئا، فقال لها: يا ابنة الكرام! لابدّ أن
_________________
(١) الثقل، بفتحتين: متاع المسافر وحشمه.
(٢) الرجالة: الذين ليس لهم ظهر يركبونه فى السفر.
(٣) الغلوة: قدر رمية بسهم، والفرسخ التام خمس وعشرون غلوة.
(٤) الغيابة من الأرض: المنهبط منها، وغيابة كل شىء قعره، كالجب والوادى وغيرهما. وفى الأغانى «غابة» ولعله تحريف.
[ ١ / ١٢٤ ]
تحملينى معك فإنى لا أطيق المشى، فحملته على غارب بعيرها، وكان يجنح إليها فيدخل رأسه فى خدرها فيقبّلها، فإذا امتنعت مال حدجها، فتقول:
عقرت بعيرى فانزل، ففى ذلك يقول [١]:
ويوم عقرت للعذارى مطيّتى فيا عجبا من رحلها المتحمّل
يظلّ العذارى يرتمين بلحمها وشحم كهدّاب الدّمقس المفتّل [٢]
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة فقالت: لك الويلات إنّك مرجلى
تقول وقد مال الغبيط بنا معا: عقرت بعيرى يا امرأ القيّس فانزل
فقلت لها: سيرى وأرخى زمامه ولا تبعدينا من جناك المعلّل [٣]
١٧٠* وكان امرؤ القيس فى زمان أنو شروان ملك العجم. لأنى وجدت الباعث فى طلب سلاحه الحارث بن أبى شمر الغسانىّ، وهو الحارث الأكبر، والحارث هو قاتل المنذر بن امرئ القيس الذى نصبه أنوشروان بالحيرة. ووجدت بين أوّل ولاية أنوشروان وبين مولد النبى ﷺ أربعين سنة، كأنّه ولد لثلاث سنين خلت من ولاية هرمز بن كسرى.
١٧١* ومما يشهد لهذا أنّ عمرو بن المسبّح الطائىّ [٤] وفد على النبى ﷺ
_________________
(١) من المعلقة.
(٢) يرتمين: يرمى بعضهن بعضا. الهداب: طرف الثوب، وهو الهدب أيضا. الدمقس: الحرير الأبيض. المفتل: المفتول.
(٣) جناها: ما اجتنى منها من القبل. المعلل: الذى علل بالطيب، أى طيب مرة بعد مرة ويروى «المعلل» اسم فاعل، وهو الذى يعلله ويتشفى به.
(٤) انظر ابن سعد ١/٢/٥٩- ٦٠ والمسبح: بضم الميم وفتح السين وتشديد الموحدة المكسورة، كما ضبطه صاحب القاموس والحافظ فى الإصابة ٥: ١٦ ونقل عن ابن دريد الاشتقاق أنه ضبطه بفتح الميم وكسر السين وبالياء التحتية، ولم نجد هذا الضبط فى الاشتقاق ٢٣٢ بل وجدناه مرسوما كما هنا من غير تقييد فى الضبط. وعمرو هذا فارس مشهور مات فى خلافة عثمان، وله ترجمة أيضا فى تاريخ الطبرى ١٣: ٣٣- ٣٤ وأخبار المعمرين لأبى حاتم ٧٧- ٧٨.
[ ١ / ١٢٥ ]
إلى المدينة فى وفود العرب، وهو ابن مائة وخمسين سنة، وأسلم، وعمرو يومئذ أرمى العرب، وهو الذى ذكره امرؤ القيس فقال:
ربّ رام من بنى ثعل مخرج كفّيه من ستره [١]
وله يقول الآخر [٢]:
نعب الغراب وليته لم ينعب بالبين من سلمى وأمّ الحوشب
ليت الغراب رمى حماطة قلبه عمرو بأسهمه الّتى لم تلغب [٣]
١٧٢* وقد ذكره النبىّ ﷺ فقال: «هو قائد الشعراء إلى النار» وفى خبر آخر: «معه لواء الشعراء إلى النار» .
قال ابن الكبىّ [٤]: أقبل قوم من اليمن يريدون النّبى ﷺ، فضلّوا ووقعوا على غير ماء، فمكثوا ثلاثا لا يقدرون على الماء، فجعل الرجل منهم يستذرى [٥] بفىء السّمر والطّلح، فبينا هم كذلك أقبل راكب على بعير، فأنشد بعض القوم
_________________
(١) صدر قصيدة فى الديوان ٨٦- ٨٧. وهو أيضا فى الطبرى والمعمرين والاشتقاق. بنو ثعل: من طيئ، منهم عمرو بن المسبح. «مخرج» كذا فى هـ وهو يوافق رواية الطبرى والاشتقاق. وفى سائر الأصول «متلج» أى مدخل، وهى تنافى حرف «من» والذى فى الديوان «متلج كفيه فى قتره» والقتر: جمع قترة، وهى بيت الصائد الذى يكمن فيه.
(٢) هو وبرة بن الجحدر المعنى من بنى دغش، كما فى الطبرى.
(٣) حماطة القلب: سواده. لم تغلب: بالبناء للمجهول، يقال «ألغب السهم» أى: جعل ريشه لغابا، والسهم اللغاب، بضم اللام: الفاسد الذى لم يحسن عمله، وقيل اللغاب: ريش السهم إذا لم يعتدل. والبيت فى اللسان ٢: ٢٣٩ و٩: ١٤٦ غير منسوب.
(٤) سبقت هذه القصة مختصرة (١١١، ١١٢) ورواية ابن الكلبى أشار إليها الحافظ فى الإصابة ٤: ٢٤٩ مختصرة نقلا عن البغوى والطبرانى وأبى زرعة أحمد بن الحسين الرازى فى كتاب الشعراء من طريق ابن هشام بن الكلبى من حديث عفيف بن معدى كرب الكندى.
(٥) الذرى: ما كنك من الريح الباردة من حائط أو شجر، يقال «تذرى» بالحائط وغيره من البرد والريح و«استذرى» كلاهما: اكتن.
[ ١ / ١٢٦ ]
بيتين من شعر امرئ القيس: لمّا رأت البيتين، فقال الراكب: من يقول هذا الشعر؟ قال: امرؤ القيس، قال والله ما كذب، هذا ضارج عندكم، وأشار لهم إليه، فأتوه فإذا ماء غدق، وإذا عليه العرمض والظلّ يفىء عليه، فشربوا منه وارتووا، حتّى بلغوا النبىّ ﷺ فأخبروه، وقالوا: أحيانا بيتان من شعر امرئ القيس، فقال النبى ﷺ: «ذاك رجل مذكور فى الدنيا شريف فيها، منسىّ فى الآخرة خامل فيها، يجىء يوم القيمة معه لواء الشعراء إلى النار» [١] .
_________________
(١) هذه القصة نقلها المؤلف أيضا فى عيون الأخبار ١: ١٤٣: ١٤٤ عن ابن الكلبى. ورواها صاحب الأغانى ٧: ١٢٣ فى قصة أخرى بإسناده عن عبد الله بن جعفر، ونقلها ياقوت فى البلدان ٥: ٤٢١- ٤٢٢ ثم قال: «هذا من أشهر الأخبار» . وهى مشهورة عند الإخباريين والأدباء ولكنها غير معروفة عند المحدثين، وهم الحجة فيما ينسب إلى رسول الله ﷺ من الأخبار، فإنى لم أجد أحدا منهم رواها أو أشار إليها. إلا حديث «امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار» فقد رواه أحمد فى المسند ٢: ٢٢٨ من حديث أبى هريرة مرفوعا إلى النبى ﷺ، وهو حديث ضعيف جدا، ذكره ابن كثير فى التاريخ ٢: ٢١٨ عن المسند، وقال: «هذا منقطع، وورد من وجه آخر عن أبى هريرة، ولا يصح من غير هذا الوجه» . ورواه أيضا البزار، كما فى مجمع الزوائد ٨: ١١٩ وجمع الفوائد ٢: ١٦٨. وإسناده عند أحمد «ثنا هشيم ثنا أبو الجهم الواسطى عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة» وأبو الجهيم هذا يذكر فى بعض كتب الرجال باسم «أبو الجهم الإيادى» وهو مجهول، وضعفه أبو زرعة الرازى، وقال ابن عدى: «شيخ مجهول لا يعرف له اسم، وخبره منكر، ولا أعرف غيره» . وقال ابن عبد البر: «لا يصح حديثه» . وفيه علة أخرى أنه موقوف على أبى هريرة، فقد رواه البخارى فى كتاب الكنى المطبوع فى حيدر آباد سنة ١٣٦٠ هـ ص ٢٠ برقم ١٥٤ قال: «أبو الجهم الإيادى، قال مسدد: نا هشيم قال: نا شيخ يكنى أبا الجهم عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: صاحب لواء الشعراء إلى النار امرؤ القيس، لأنه أول من أحكم الشعر» . وفى مجمع الزوائد ١: ١١٩: «عن عفيف الكندى قال: بينا نحن عند النبى ﷺ إذ أقبل وفد من اليمن فذكروا امرؤ القيس بن حجر الكندى، وذكروا بيتين من شعره فيهما ذكر ضارج- ماء من مياه العرب- فقال رسول الله ﷺ: «ذاك رجل مذكور فى الدنيا منسى فى الآخرة يجىء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار» . رواه الطبرانى فى الكبير من طريق سعد بن
[ ١ / ١٢٧ ]
١٧٣* وذكره عمر بن الخطّاب رضى الله عليه فقال: سابق الشعراء، خسف لهم عين الشعر [١] .
١٧٤* قال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: يقول من فضّله: إنه أوّل من فتح الشعر واستوقف، وبكى فى الدّمن، ووصف ما فيها. ثم قال: دع ذا رغبة عن المنسبة، فتبعوا أثره. وهو أوّل من شبّه الخيل بالعصا واللّقوة والسّباع والظّباء والطير، فتبعه الشعراء على تشبيهها بهذه الأوصاف.
١٧٥* قال ابن الكلبى [٢]: أوّل من بكى فى الديار امرؤ القيس بن حارثة ابن الحمام بن معاوية [٣]، وإياه عنى امرؤ القيس بقوله:
_________________
(١) فروة بن عفيف عن أبيه عن جده. ولم أر من ترجمهم» . وانظر تعجيل المنفعة ٤٧٢- ٤٧٣ ولسان الميزان ٣: ١٨١ و٦: ٣٥٩ والكنى والأسماء للدولابى ١: ١٣٧ والمناوى على الجامع الصغير ٢: ١٨٦ رقم ١٦٢٤ و١٦٢٥. ورواه الخطيب فى تاريخ بغداد ٩: ٣٧ بإسناده عن أبى هفان المهزمى عبد الله بن أحمد بن حرب الشاعر عن الأصمعى عن ابن عون عن محمد- يعنى ابن سيرين- عن أبى هريرة عن النبى ﷺ: «امرؤ القيس قائد الشعراء إلى النار» وهو خبر باطل، كما قال الحافظ ابن حجر فى لسان الميزان ٣: ٢٤٩- ٢٥٠ و٦: ٤٤٩.
(٢) الكلمة فى الأغانى ٧: ١٢٣ والنهاية ١: ٢٩٤ واللسان ١٠: ٤١٥ ولفظ النهاية: «وفى حديث عمر أن العباس سأله عن الشعراء فقال: امرؤ القيس سابقهم، خسف لهم عين الشعر، فافتقر عن معان عور أصح بصرا. أى أنبطها وأغزرها لهم، من قولهم خسف البئر، إذا حفرها فى حجارة فنبعت بماء كثير، يريد أنه ذلل لهم الطريق إليه، وبصرهم بمعانيه، وفنن أنواعه وقصده، فاحتذى الشعراء على مثاله، فاستعار العين لذلك» .
(٣) انظر جمهرة الأنساب لابن حزم ص ٤٢٥- ٤٢٦.
(٤) نسبه فى المؤتلف للآمدى ١٠ هكذا «امرؤ القيس بن حمام بن مالك بن عبيدة بن هبل ابن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد بن عبد الله بن رفيدة بن ثور ابن كلب بن وبرة» ثم أعاده فى ٩٢ وذكر «عبدة» بدل «عبيدة» وقال فى شأنه ص ١١: «والذى أدركه الرواة من شعره قليل جدا» وقال فى ص ٩٢: «درس شعره وذهب إلا اليسير» .
[ ١ / ١٢٨ ]
يا صاحبىّ قفا النّواعج ساعة نبكى الدّيار كما بكى ابن حمام [١]
وقال أبو عبيدة: هو ابن خذام، وأنشد:
عوجا على الطّلل المحيل لعلّنا نبكى الدّيار كما بكى ابن خذام [٢]
١٧٦* قال: وهو القائل [٣]:
كأنّى غداة البين يوم تحمّلوا لدى سمرات الدار ناقف حنظل
أراد أنّه بكى فى الدار عند تحمّلهم، فكأنّه ناقف حنظل، وناقف الحنظلة ينقفها بظفره، فإن صوّتت علم أنّها مدركة فاجتناها، فعينه تدمع لحدّة الحنظل وشدّة رائحته، كما تدمع عينا من يدوف الخردل، فشبّه نفسه حين بكى بناقف الحنظل.
١٧٧* فممّا أخذه الشعراء من شعر امرئ القيس [٤]:
قال امرؤ القيس:
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم يقولون: لا تهلك أسى وتجمّل
أخذه طرفة فقال:
وقوفا بها صحبى علىّ مطيّهم يقولون: لا تهلك أسى وتجلّد
_________________
(١) من المعلقة، وفى رواية البيت خلاف كثير. النواعج والناعجات من الإبل: البيض الكريمة.
(٢) المحيل: الذى أتت عليه أحوال وغيرته. وقد اختلف فى ابن حمام هذا، فقيل أيضا «ابن خدام» بالخاء المعجمة والدال المهملة، وقيل غير ذلك. وانظر تفصيل القول فيه فى الخزانة ٢: ٢٣٤- ٢٣٥. والأستاذ السندوبى لم يجزم بأن ابن خذام هو ابن حمام، لعله ظنهما اثنين، فقد ترجم لابن حمام فى أخبار المراقسة ٨٢ ولم يوضح فى شرح الديوان ١٧٦.
(٣) يريد أن أبا عبيدة يذهب إلى أن البيت الآتى، وهو من المعلقة، أصله لامرئ القيس ابن خذام، فأخذه امرؤ القيس بن حجر. وقد صرح بذلك صاحب الخزانة. ومضى البيت (٥٧) .
(٤) من المعلقة.
[ ١ / ١٢٩ ]
١٧٨* وقال امرؤ القيس يصف فرسا:
ويخطو على صمّ صلاب كأنّها حجارة غيل وارسات بطحلب [١]
أخذه النابغة الجعدىّ فقال:
كأنّ حواميه [٢] مدبرا خضبن وإن كان لم يخضب
حجارة غيل برضراضة كسين طلاء من الطّحلب
١٧٩* وقال امرؤ القيس يصف الناقة:
كأنّ الحصى من خلفها وأمامها إذا نجلته رجلها خذف أعسرا [٣]
أخذه الشمّاخ فقال:
لها منسم مثل المحارة خفّة كأنّ الحصى من خلفه حذف أعسرا [٤]
وقال امرؤ القيس يصف فرسا:
كميت يزلّ اللبد عن حال متنه كما زلّت الصّفواء بالمتنزّل [٥]
أخذه أوس بن حجر فقال:
_________________
(١) من قصيدة فى الديوان ٣١- ٤١. الصم الصلاب: حوافر الفرس، شبهها بالصخور الصم. الغيل: الماء الجارى. الوارسات: المصفرات من الطحلب، لونها كلون الورس. والبيت فى اللسان ٨: ١٤١ وعجزه فيه ١٤: ٢٥ محرفا غير منسوب.
(٢) الحوامى: حروف الحوافر من عن يمين وشمال.
(٣) من قصيدة فى الديوان ٦٦- ٧٦. نجلته: رمته بمناسمها. الخذف: رمى الحصا بالأصابع. الأعسر: الذى يعمل بيسراه، فإذا خذف بها فقلما أصاب. والبيت فى اللسان ١٠: ٤٠٧.
(٤) المحارة: الصدفة، شبه بها منسم الناقة. وفى اللسان عن أبى العميثل الأعرابى: «المحارة منسم البعير» فهذا على التشبيه، أخذوه كأنه معنى وضعى، ولم يشيروا إلى أصل التشبيه وأنه استعمال شاعر كالشماخ.
(٥) من المعلقة. يزل اللبد عن وسط ظهره. الصفواء: الصخرة الملساء. والبيت فى اللسان ١٩: ١٩٧.
[ ١ / ١٣٠ ]
يزلّ قتود الرّحل عن دأياتها كما زلّ عن عظم الشّجيج المحارف [١]
١٨١* وقال امرؤ القيس يصف فرسا:
سليم الشّظا عبل الشّوى شنج النّسا له حجبات مشرفات على الفال [٢]
فأخذه كعب بن زهير [٣] فقال:
سليم الشّظا عبل الشّوى شنج النّسا كأنّ مكان الرّدف من ظهره قصر
وأخذه النّجاشىّ فقال:
أمين الشظا عارى الشوى شنج النّسا أقبّ الحشا مستذرع النّدفان [٤]
١٨٢* وقال امرؤ القيس:
فلأيا بلأى مّا حملنا غلامنا على ظهر محبوك السّراة محنّب [٥]
فأخذه زهير فقال:
_________________
(١) قتود: جمع قتد، وهو خشب الرحل. الدأيات: فقار الكاهل فى مجتمع ما بين الكتفين من كاهل البعير. الشجيج: المشجوج. المحارف: جمع محراف، وهو الميل الذى تسبر به الجراحات وعجز البيت فى اللسان ١٠: ٣٩٠ غير منسوب.
(٢) من قصيدة فى الديوان ١٣٨- ١٥٦. الشظى: عظيم ملزق بالذراع. عبل الشوى: غليظ القوائم. النسا: قال الأصمعى: «عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين ثم يمر بالعرقوب حتى يبلغ الحافر» والشنج: المتقبض، وهو مدح له، لأنه إذا تقبض نساه وشنج له تسترخ رجلاه. الحجبات: رؤوس عظام الوركين. الفال: عرق فى الفخذين يكون فى خربة الورك ينحدر فى الرجل، وأصله «فائل» فأتى به على القلب، أو هما لغتان فيه، والبيت فى اللسان ١٤: ٥٣ و١٩: ١٦٢ وعجزه فيه ١: ٢٩١.
(٣) وأخذه أيضا دريد بن الصمة فى الأصمعية ٢٨: ٢٥.
(٤) الندفان: سرعة رجع اليدين. والبيت فى الأغانى ١٢: ٧٣ برواية أخرى مقاربة ومعه آخر سيأتى ١٧٩ ل.
(٥) من قصيدة فى الديوان ٣١- ٤١ لأيا بلأى: أى جهدا بعد جهد حملنا غلامنا على الفرس. محبوك السراة: مجدول الظهر. محنب: من التحنيب، وهو احديداب فى وظيفى يدى الفرس، وليس ذلك بالاعوجاج الشديد، وهو مما يوصف صاحبه بالشدة. والبيت فى اللسان ١: ٣٢٤، وصدره فيه ٢٠: ١٠٣ غير منسوب.
[ ١ / ١٣١ ]
فلأيّا بلأى ما حملتنا غلامنا على ظهر محبوك ظماء مفاصله [١]
١٨٣* وقال امرؤ القيس:
وعنس كألواح الإران نسأتها على لاحب كالبرد ذى الحبرات [٢]
أخذه طرفة فقال:
أمون كألواح الإران نسأتها على لاحب كأنّه ظهر برجد [٣]
١٨٤* وقال امرؤ القيس يصف امرأة:
نظرت إليك بعين جازئة حوراء حانية على طفل [٤]
أخذه المسيّب فقال:
نظرت إليك بعيّن جازئة فى ظلّ باردة من السّدر
١٨٥* وقال امرؤ القيس يصف الفرس:
يجمّ على الساقين بعد كلاله جموم عيون الحسى بعد المخيض [٥]
أخذه زيد الخيل فقال:
_________________
(١) البيت من قصيدة فى ديوانه بشرح ثعلب طبعة دار الكتب المصرية ١٣٣. ظماء مفاصله: ليست برهلة، وإذا كان المفصل ظمآن كان أيبس له.
(٢) من قصيدة فى الديوان ٥٧- ٥٩. العنس: الناقة القوية، شبهت بالصخرة لصلابتها. الإران: خشب صلب يشد بعضه إلى بعض. نسأتها: زجرتها وسقتها بالمنسأة، وهى العصا. اللاحب: الطريق الواضح. البرد ذو الحبرات: من ثياب اليمن الموشاة. وصدر هذا البيت أخذه أيضا شاعر آخر. فى اللسان ١: ١٦٤.
(٣) ناقة أمون: أمينة وثيقة الخلق قد أمنت أن تكون ضعيفة، وهى التى أمنت العثار والإعياء، البرجد: كساء مخطط ضخم. والبيت فى اللسان ١٦: ١٥٣.
(٤) من قصيدة فى الديوان ١٤٦- ١٤٩ جازئة: من «جزأ بالشىء» قنع واكتفى به، كاجتزأ. وبقرة جازئة: مكتفية بالكلأ عن الماء.
(٥) من قصيدة فى الديوان ١٠٨- ١١١. يجم على الساقين: يستريح عليهما بعد تعبه فيذهب إعياؤه. الحسى: حفيرة قريبة القعر فى الرمل ينبط ماؤه باردا عذبا. بعد المخيض: بعد أن مخض بالدلاء، أى أكثر الناس النزع بها منه. والبيت فى اللسان ١٤: ٣٧٢.
[ ١ / ١٣٢ ]
يجمّ على الساقين بعد كلاله كما جمّ جفر بالكلاب نقيب [١]
١٨٦* قال أبو عبيدة: هو أوّل منّ قيّد الأوابد. يعنى فى قوله فى وصف الفرس «قيد الأوابد [٢]» فتبعه الناس على ذلك.
١٨٧* وقال غيره: هو أوّل من شبّه الثغر فى لونه بشوك السّيال فقال:
منابته مثل السّدوس ولونه كشوّك السّيال وهو عذب يفيض [٣]
فاتّبعه الناس. وأوّل من قال «فعادى عداء» فاتّبعه الناس [٤] وأوّل من شبّه الحمار «بمقلاء الوليد»، وهو عود القلة [٥] . و«بكرّ الأندرىّ» والكرّ:
_________________
(١) نقيب: منقوب.
(٢) الأوابد: الوحوش. يريد أن هذا الفرس من سرعته يلحق الأوابد فيصير لها بمنزلة القيد. وهذا الوصف فى المعلقة، وانظر الخزانة ١: ٥٠٧- ٥٠٨.
(٣) فى الديوان ١٠٤. السدوس، بضم السين: النيلج الأسود، الذى تسميه العامة «النيلة» . السيال: شجر سبط الأغصان عليه شوك أبيض، أصوله أمثال ثنايا العذارى. يفيض: يقطر ويسيل، وقيل يبرق. والبيت فى اللسان ٧: ٤١٠ و٨: ٣٣٥. وأخطأ الأستاذ حسن السندوبى فى شرح الديوان إذ تأول البيت على أنه وصف لشعر سلمى، فإن البيت قبله صدره فى وصف شعرها، وعجزه فى وصف ثغرها، فهذا تتمة الوصف للثغر متصل به. وفى ب هـ د «يفيض» وهو تصحيف.
(٤) البيت من المعلقة: فعادى عداء بين ثور ونعجة دراكا ولم ينضح بماء فيغسل وهو فى اللسان ١٩: ٢٦٧. وذكر أيضا ١٩: ٢٦٦ بيتا بهذا الصدر وعجزه بقافية بائية ونسبه لامرئ القيس، ولم أجده فى قصيدته البائية فى ديوانه، بل هو فى قصيدة علقمة الفحل، التى أثبتها الأستاذ السندوبى للموازنة بينها وبين قصيدة امرئ القيس، والبيت فيها ٤٧. وكذلك هو مثبت فى ديوان علقمة الذى فى (مجموع خمسة دواوين من أشعار العرب) طبع المطبعة الوهبية سنة ١٢٩٣ هـ ص ١٣٤. ولكنى لم أجده فيها فى ديوانه المخطوط ولا فى منتهى الطلب المخطوط أيضا. عادى: والى، يقال «عادى بين صيدين وبين رجلين» إذ طعنهما طعنتين متواليتين.
(٥) المقلاء، والقلة، بضم القاف وفتح اللام مخففة: عودان يلعب بهما الصبيان، فالمقلاء: العود الكبير الذى يضرب به، والقلة: الخشبة الصغيرة التى تنصب، وهى قدر ذراع. وهذا التشبيه فى بيت فى الديوان ١٠٧ واللسان ٢٠: ٦١.
[ ١ / ١٣٣ ]
الحبل [١] . وشبّه الطّلل «بوحى الزّبور فى العسيب [٢]» . والفرس «بتيس الحلّب [٣]» .
١٨٨* وممّا انفرد به قوله فى العقاب [٤]:
كأنّ قلوب الطّير رطبا ويابسا لدى وكرها العنّاب والحشف البالى
شبّه شيئين بشيئين فى بيت واحد: وأحسن التشبيه.
١٨٩* وقوله:
له أيطلا ظبى وساقا نعامة وإرخاء سرحان وتقريب تتفل [٥]
وقد تبعه الناس فى هذا الوصف وأخذوه، ولم يجتمع لهم ما اجتمع له فى بيت واحد. وكان أشدّهم إخفاء لسرقة القائل، وهو المعذّل:
له قصريا رئم وشدقا حمامة وسالفتا هيق من الرّبد أربدا [٦]
١٩٠* ويستجاد من قوله [٧] .
فإنّك لم يفخر عليك كفاخر ضعيف، ولم يغلبك مثل مغلّب
_________________
(١) الأندرى: الحبل الغليظ. وهذا التشبيه لامرئ القيس لم أجده، ولكن ذكر فى اللسان ٧: ٥٤ فى شطر من شعر لبيد.
(٢) الزبور: الكتاب المزبور. العسيب: سعف النخل الذى جرد عنه خوصه. وهذه إشارة إلى مطلع قصيدة فى الديوان ١٨٦.
(٣) فى بيت فى الديوان ٤١ واللسان ١: ٣٢١ وقال: «شبه الفرس بالتيس الذى تحلب عليه صائك المطر من الشجر، والصائك الذى تغير لونه وريحه» .
(٤) فى الديوان ١١٣.
(٥) من المعلقة. التتفل: بتاءين مثناتين، وفى ل بتاء مثناة ثم تاء مثلثة، وهو خطأ. وقد مضى البيت ١١٠.
(٦) القصرى: الضلع التى تلى الشاكلة بين الجنب والبطن. الرئم: الظبى الأبيض الخالص البياض. السالفة: أعلى العنق. الهيق: الظليم، وهو ذكر النعام. ظلم أربد ونعامة ربداء ورمداء: لونها كلون الرماد، وقيل سواد، والجمع ربد.
(٧) فى الديوان ٣٣.
[ ١ / ١٣٤ ]
١٩١* ويعاب من قوله:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألهيتها عن ذى تمائم محول [١]
إذا ما بكى من خلفها انحرفت له بشقّ وتحتى شقّها لم يحوّل
قال أبو محمد: وليس هذا عندى عيبا. لأن المرضع والحبلى لا تريدان الرجال ولا ترغبان فى النكاح. فإذا أصباهما وألهاهما كان لغيرهما أشدّ إصباء وإلهاء.
١٩٢* ويعاب من قوله [٢]:
أغرّك منّى أنّ حبّك قاتلى وأنّك مهما تأمرى القلب يفعل
وقالوا: إذا كان هذا لا يغرّ فما الذى يغرّ؟ إنما هذا كأسير قال لآسره:
أغرّك منى أنى فى يديك وفى إسارك وأنّك ملكت سفك دمى! قال أبو محمد: ولا أرى هذا عيبا، ولا المثل المضروب له شكلا، لأنّه لم يرد بقوله «حبّك قاتلى» القتل بعينه، وإنما أراد به: أنّه قد برّح بى فكأنّه قد قتلنى. وهذا كما يقول القائل: قتلتنى المرأة بدلها وبعينها، وقتلنى فلان بكلامه. فأراد: أغرّك منّى أن حبّك قد برّح بى وأنّك مهما تأمرى قلبك به من هجرى والسّلوّ عنى يطعك، أى: فلا تغترّرى بهذا، فإنى أملك نفسى وأصبرها عنك وأصرف هواى.
١٩٣* ويعاب عليه تصريحه بالزنا والدّبيب إلى حرم الناس. والشعراء تتوقّى ذلك فى الشعر وإن فعلته. قال [٣]:
_________________
(١) من المعلقة. التمائم: التعاويذ. محول: أتى عليه حول.
(٢) من المعلقة.
(٣) الديوان ١٤٠- ١٤١.
[ ١ / ١٣٥ ]
سموت إليها بعد ما نام أهلها سموّ حباب الماء حالا على حال [١]
فقالت: سباك الله إنّك فاضحى ألست ترى السّمّار والناس أحوالى [٢]
فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالى
حلفت لها بالله حلفة فاجر: لناموا وما إن من حديث ولا صالى [٣]
فلمّا تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذى شماريخ ميّال
وصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا ورضت، فذلّت، صعبة، أىّ إذلال
فأصبحت معشوقا، وأصبح بعلها عليه القتام سيّئ الظّنّ والبال
_________________
(١) سموت: نهضت. حباب الماء: نفاخاته وفقاقيعه التى تطفو عليه.
(٢) أحوال: جمع حول، وفى اللسان: «جعل كل جزء من الجرم المحيط بها حولا، ذهب إلى المبالغة بذلك، أى أنه لا مكان حولها إلا وهو مشغول بالسمار، فذلك أذهب فى تعذرها عليه» .
(٣) الصالى: المستدفئ بالنار.
(٤) القتام: الغبار، يريد أن وجهه تغبر واسود من الخزى.
[ ١ / ١٣٦ ]