[١] ٥١٥* هو المنذر بن حرملة [٢]، (من طيّئ) . وكان جاهليّا قديما، وأدرك الإسلام، إلا أنه لم يسلم، ومات نصرانيّا [٣]، وكان من المعمّرين، يقال إنه عاش مائة وخمسين سنة. وكان نديم الوليد بن عقبة، وذكر لعثمان أنّ الوليد يشرب الخمر وينادم أبا زبيد، فعزله عن الكوفة وحدّه (فى الخمر) .
ففى ذلك يقول أبو زبيد:
من يرى العير لابن أروى على ظه ر المروّى حداتهنّ عجال [٤]
وابن أروى هو الوليد، وأروى أمّه أم عثمان بن عفّان، وفيها يقول:
قولهم شربك الحرام وقد كا ن شراب سوى الحرام حلال
٥١٦* وكان أبو زبيد فى بنى تغلب، وهم أخواله، وكان له غلام يرعى (عليه) إبله، فغزت بهراء، وهم من قضاعة، بنى تغلب، فمرّوا بغلامه، فدفع إليهم إبل أبى زبيد، وانطلق معهم ليدلّهم على عورة القوم ويقاتل معهم،
_________________
(١) ترجمته فى الجمحى ١٣٢- ١٣٤ والمعمرين ٨٦ والإصابة ٢: ٦٠ والأغانى ١١: ٢٣- ٣٠ والاشتقاق ٢٣١ والاقتضاب ٢٩٩- ٣٠٠ واللآلى ١١٨- ١١٩ والخزانة ٢: ١٥٥- ١٥٦.
(٢) هكذا قال المؤلف تبعا لأبى حاتم فى المعمرين، والراجح أن اسمه «حرملة بن المنذر» رجحه صاحب الأغانى وسار عليه كل من ترجم له.
(٣) حكى الطبرى فى التاريخ فى حوادث سنة ٣٠ وأنه أسلم فى آخر إمارة الوليد بن عقبة الكوفة، وحسن إسلامه ٣: ٦٠ وقال أبو عبيد البكرى فى اللآلى: «وزعم الطبرى أنه مات مسلما، واحتج فى ذلك برثائه لعثمان ولعلى، ولأن الوليد بن عقبة أوصى أن يدفن معه وكان نديمه» وقال الحافظ فى الإصابة: «ولا دلالة له فى شىء من ذلك على إسلامه» . وهو تعقب غير جيد، أن لم يطلع الحافظ على ما فى الطبرى، فإنه صرح بما نقلنا عنه، وهو كاف فى ذلك.
(٤) المروى: هكذا فى الأصول، ورواية الأغانى ٤: ١٧٩، ١٨٠ «المرورى» وفسرها قال: «المرورى: جمع مروراة، وهى الصحراء» .
[ ١ / ٢٩٢ ]
فهزمت بهراء وقتل الغلام، فقال أبو زبيد فى ذلك [١]:
قد كنت فى منظر ومستمع عن نصر بهراء غير ذى فرس
تسعى إلى فتية الأراقم واس تعجلت قبل الجمان والغبس [٢]
لا ترة عندهم فتطلبها ولا هم نهزة لمختلس
إمّا تقارن بك الرّماح فلا أبكيك إلا للدّلو والمرس [٣]
٥١٧* ولما صار الوليد بن عقبة إلى الرّقّة واعتزل عليّا ومعاوية سار أبو زبيد، فكان ينادمه، وكان يحمل فى كلّ يوم أحد إلى البيعة، فيحضر مع النصارى ويشرب، فبينا هو فى يوم أحد يشرب والنصارى حوله، رفع رأسه إلى السماء فنظر، ثم رمى بالكأس عن يده وقال:
إذا جعل المرء الذى كان حازما يحلّ به حلّ الحوار ويحمل [٤]
فليس له فى العيش خير يريده وتكفينه ميتا أعفّ وأجمل
ومات، فدفن على البليخ [٥]، وهناك أيضا قبر الوليد بن عقبة.
٥١٨* ولم يصف أحد من الشعراء الأسد وصفه. قال شعبة؛ قلت للطّرمّاح: ما شأن أبى زبيد وشأن الأسد؟ قال: إنه لقيه أسد بالنّجف فسلّخه [٦]:
٥١٩* وهو القائل للوليد بن عقبة [٧]:
_________________
(١) الأبيات من قصيدة فى الأغانى ١١: ٢٦.
(٢) يفهم من الفهرس الإفرنجى أن الجمان والغبس ناقتان لأبى زبيد؟
(٣) المرس: الحبل.
(٤) الحوار: ولد الناقة. والبيتان فى الأغانى ١١: ٢٧ والمعمرين.
(٥) البليخ: نهر بالرقة.
(٦) قصته مع عثمان فى وصف الأسد فى الجمحى، وهى مشهورة.
(٧) من القصيدة التى أولها «من يرى العير» وقد مضى البيت، وهى فى الأغانى ٤: ١٧٩- ١٨٠ ومنها أبيات فى نسب قريش للمصعب ص ١٣٤.
[ ١ / ٢٩٣ ]
من يخنك الصّفاء أو يتبدّل أو يزل مثل ما تزول الظّلال
فاعلمن أننى أخوك أخو العه د حياتى حتّى تزول الجبال
ليس بخل عليك منّى بمال أبدا ما أقلّ سيفا حمال [١]
فلك النّصر باللّسان وبالك فّ إذا كان لليدين مصال [٢]
كلّ شىء يحتال فيه الرّجال غير أن ليس للمنايا احتيال
٥٢٠* ومن جيّد شعره [٣]:
إنّ طول الحياة غير سعو وضلال تأميل نيل الخلود
علّل المرء بالرّجاء ويضحى غرضا للمنون نصب العود
كلّ يوم ترميه منها برشق فمصيب، أوصاف غير بعيد [٤]
كلّ ميت قد اغتفرت فلا أو جع من والد ومن مولود
غير أنّ الجلاح هدّ جناحى يوم فارقته بأعلى الصّعيد [٥]
وعلى هذه القصيدة احتذى ابن مناذر مرثيته عبد المجيد (بن عبد الوهاب) الثقفىّ [٦] .
_________________
(١) حمالة السيف: علاقته، وجمعها حمائل، فلعل الحمال أيضا مع حمالة، أو يكون استعمله مفردا بدون الهاء.
(٢) المصال: مصدر ميمى لم ينص عليه فى المعاجم، يقال «صال على قرنه صولا وصيالا ومصالة» .
(٣) من قصيدة طويلة فى جمهرة أشعار العرب ١٣٨- ١٤١ فى ٥٨ بيتا. ومنها أبيات فى شواهد العينى ٤: ٢٢٢.
(٤) صاف: عدل. يقال «صاف السهم عن الهدف يصيف صيفا» إذا أخطأ. والبيت فى اللسان ١١: ١٠٥ والخزانة ٣: ٣٢٢.
(٥) الجلاح: بضم الجيم وتخفيف اللام، وهو الموافق لما فى الجمهرة. وفى ب د هـ «اللجاج» وفى الخزانة واللآلى والعينى «اللجاج» . والصواب ما أثبتنا.
(٦) ابن مناذر: ستأتى ترجمته ٥٥٣- ٥٥٥ ل. ومرثيته لعبد المجيد الثقفى طويلة «من حلو المراثى وحسن التأبين» كما قال المبرد فى الكامل، واختار منها أبياتا كثيرة ١٢٢٥- ١٢٢٨.
[ ١ / ٢٩٤ ]
٥٢١* ومن جيّد شعره:
إنما متّ والفؤاد عميد يوم بانت بودّها حنساء [١]
وفيها يقول:
ليت شعرى وأين منّى «ليت» إنّ «ليتا» وإنّ «لوّا» عناء
أىّ ساع سعى ليقطع شربى حين لاحت للصابح الجوزاء [٢]
واستظلّ العصفور كرها مع الضّ بّ وأوفى فى عوده الحرباء
(ونفى الجندب الحصى بكراعي هـ وأذكت نيرانها المعزاء [٣]
٥٢٢* ويستجاد من تشبيهه فى الأسد قوله يصفه:
إذا واجه الأقران كان مجنّه جبين كتطباق الرّحا اجتاب ممطرا)
_________________
(١) العميد: المريض. والبيت من قصيدة ذكر بعضها فى الخزانة ٣: ٢٨٢- ٢٨٤ والأغانى ٤: ١٨١- ١٨٢.
(٢) البيت والذى بعده فى الحيوان ٦: ١٢٤ وهو والبيتان بعده ومعها رابع فيه ٥: ٢٣١- ٢٣٢ شربى: الشرب، بكسر الشين: النصيب من الماء. الصابح: الذى يسقى الإبل فى أول النهار، والإبل مصبوحة. وانظر أيضا الأغانى ٤: ١٨١ والخزانة ٣: ٢٨٣ والأزمنة والأمكنة ٢: ٢٦٦.
(٣) البيت فى اللسان ١٠: ١٨٢ الجندب: الجراد الصغير، وكراعاه: رجلاه. المعزاء: الأرض الغليظة ذات الحجارة.
[ ١ / ٢٩٥ ]