[١] ٢٣١* وكان كعب فحلا مجيدا، وكان يحالفه أبدا إقتار وسوء حال.
وكان أخوه بجير أسلم قبله، وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة، وكان أخوه كعب أرسل إليه ينهاه عن الإسلام، فبلغ ذلك النبىّ ﷺ فتواعده، فبعث إليه بجير فحذّره، فقدم على رسول الله ﷺ، فبدأ بأبى بكر، فلما سلّم النبىّ ﷺ من صلاة الصّبح جاء به وهو متلثّم بعمامته، فقال: يا رسول الله، هذا رجل جاء يبايعك على الإسلام، فبسط النبىّ ﷺ يده، فحسر كعب عن وجهه، وقال: هذا مقام العائذ بك يا رسول الله، أنا كعب بن زهير، فتجهّمته الأنصار وغلّظت له، لذكره كان قبل ذلك رسول ﷺ، وأحبّت المهاجرة أن يسلم ويؤمنه النبىّ ﷺ، فآمنه واستنشده:
بانت سعاد فقلبى اليوم متبول متيّم إثرها لم يجز مكبول [٢]
وما سعاد غداة البين إذ عرضت إلّا أغنّ غضيض الطّرف مكحول [٣]
وما تدوم على العهد الذى زعمت كما تلوّن فى أثوابها الغول
ولا تمسّك بالودّ الذى زعمت إلّا كما تمسك الماء الغرابيل
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا وما مواعيده إلّا الأباطيل
نبّئت أنّ رسول الله أوعدنى والعفو عند رسول الله مبذول
_________________
(١) أشرنا إلى مصادر ترجمة كعب عند ترجمة أبيه (٨٦) . وانظر أيضا ما مضى (٩٠) . والأغانى ١٥: ١٤٢- ١٤٣.
(٢) مكبول: مقيد.
(٣) الأغن: الذى فى صوته غنة.
[ ١ / ١٥٣ ]
مهلا هداك الذى أعطاك نافلة ال قرآن، فيها مواعيظ وتفصيل [١]
لا تأخذنّى بأقوال الوشاة، ولم أذنب ولو كثرت فىّ الأقاويل
فلما بلغ قوله:
إنّ الرّسول لنور يستضاء به وصارم من سيوف الله مسلول
فى عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكّة لمّا أسلموا: زولوا
زالوا، فما زال أنكاس ولا كشف يوم اللّقاء ولا سود معازيل [٢]
فنظر رسول الله ﷺ إلى من عنده من قريش، كأنّه يومى إليهم أن يسمعوا، حتى قال:
يمشون مشى الجمال البهم يعصمهم ضرب إذا عرّد السّود التّنابيل [٣]
يعرّض بالأنصار، لغلظتهم كانت عليه، فأنكرت قريش عليه وقالوا: لم تمدحنا إذ هجوتهم، فقال:
من سرّه شرف الحياة فلا يزل فى مقنب من صالحى الأنصار [٤]
الباذلين نفوسهم لنبيّهم يوم الهياج وسطوة الجبّار
_________________
(١) «القرآن» مضاف إلى «نافلة» كما هو ظاهر، ويجوز نصبه مفعولا ل «أعطاك» ويكون «نافلة» إما حالا تقدمت، وإما مفعولا، و«القرآن» بدل، ويكون حذف التنوين حينئذ من «نافلة» لالتقاء الساكنين. انظر شرح «بانت سعاد» ١٨٤.
(٢) الأنكاس: جمع نكس، بكسر النون وسكون الكاف، وهو الضعيف المهين. الكشف: جمع أكشف، وهو من لا ترس معه فى الحرب. المعازيل: جمع معزال، وهو الأعزل الذى لا سلاح معه.
(٣) عرد: فر وأعرض. التنابيل: القصار، واحدهم تنبال، بكسر التاء. وهذه القصيدة مشهورة معروفة، شرحها العلماء وعنوا بها، وانظر تفصيل قصة إسلام كعب والبردة فى سيرة ابن هشام ٨٨٧- ٨٩٣ وسيرة ابن سيد الناس ٢: ٢٠٨- ٢١٥ وتاريخ ابن كثير ٤: ٣٦٨- ٣٧٤ وإمتاع الأسماع للمقريزى ١: ٤٩٤ وشرح بانت سعاد لابن هشام ٣- ٧.
(٤) المقنب: جماعة الخيل والفرسان.
[ ١ / ١٥٤ ]
يتطهّرون، كأنّه نسك لهم، بدماء من علقوا من الكفّار
فكساه النبىّ ﷺ بردة اشتراها معاوية بعد ذلك بعشرين ألف درهم، وهى التى يلبسها الخلفاء فى العيدين. زعم ذلك أبان بن عثمان بن عفّان.
٢٣٢* وقال الحطيئة لكعب: قد علمتم روايتى لكم أهل البيت وانقطاعى إليكم، فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك ثم تذكرنى بعدك، فإنّ الناس أروى لأشعاركم، فقال [١]:
فمن للقوافى شأنها من يحوكها إذا ما مضى كعب وفوّز جرول
كفيتك لا تلقى من الناس واحدا تنخّل منها مثل ما يتنخّل
يثقّفها حتّى تلين كعوبها فيقصر عنها من يسىء ويعمل
فاعترضه مزرّد أخو الشّمّاخ فقال [٢]:
فلست كحسّان الحسام ابن ثابت ولست كشمّاخ ولا كالمخبّل
فباستك إن خلّفتنى خلف شاعر من الناس لا أكفى ولا أتنخّل [٣]
وقال الكميت:
فدونك مقربة لا تسا ط كرها بسوط ولا تركل [٤]
مهذّبة لا كقول الهذا ء ممّن يسىء ومن يعمل
وما ضرّها أنّ كعبا ثوى وفوّز من بعده جرول
_________________
(١) مضت الأبيات مع بيت رابع (١٠٣) وأشرنا إلى مصادرها. وهى أيضا فى طبقات الجمحى ٢١.
(٢) البيتان عند الجمحى فى ٤ أبيات. وفى الأغانى ٢: ٤٤- ٤٥ فى أبيات.
(٣) فيه إقواء.
(٤) المقربة من الخيل: التى تدنى وتقرب وتكرم ولا تترك أن ترود. الركل: ضرب الفرس بالرجل ليعدو. والبيت الثالث مضى (١٠٣) .
[ ١ / ١٥٥ ]