٥٩١* هى تماضر بنت عمرو بن الشّريد، وكان دريد بن الصّمّة خطبها، وذلك أنّه رآها تهنأ إبلا لها [٢] فهويها، فردّته وقالت: أترانى تاركة بنى عمّى كأنّهم عوالى الرياح، ومرتثّة شيخ بنى جشم [٣]؟! ففى ذلك يقول دريد [٤] .
حيّوا تماضر واربعوا صحبى وقفوا فإنّ وقوفكم حسبى
أخناس قد هام الفؤاد بكم وأصابه تبل من الحبّ [٥]
ما إن رأيت ولا سمعت به كاليوم هانئ أينق جرب
متبذّلا تبدو محاسنه يضع الهناء مواضع النّقب
_________________
(١) ترجمتها مفصلة فى أول ديوانها طبعة الآباء اليسوعيين ١٨٩٦ م وكتب الصحابة والأغانى ١٣: ١٢٩- ١٤٠ والخزانة ١: ٢٠٧- ٢١١.
(٢) تهنأ إبلا: تطيلها بالهناء، بكسر الهاء، وهو ضرب من القطران.
(٣) مرتثة: من «الرث» وهو الخلق الخسيس البالى من كل شىء، تقول: ثوب رث، وتقول: ارتثوا رثة القوم، أى جمعوها أو اشتروها، والرثة بكسر الراء كالرث، وتطلق أيضا على خشارة الناس وضعفائهم، شبهوا بالمتاع الردىء. قال فى اللسان: «أرادت أنه مذ أسن وقرب من الموت وضعف فهو بمنزلة من حمل من المعركة وقد أثبتته الجراح» فجعله من قولهم «ارتث فلان» بالبناء للمفعول، فهو «مرتث» وهو الصريع الذى يثخن فى الحرب ويحمل حيّا ثم يموت، وهو معن لا بأس به، والأول أجود وأقوى. وستأتى ترجمة دريد ٤٧٠- ٤٧٣ ل.
(٤) الأبيات فى الأغانى ٩: ١٠ و١٣: ١٣٠.
(٥) تبله الحب وأتبله: أسقمه وأفسده، أو ذهب بعقله.
(٦) النقب، بضم النون: القطع المتفرقة من الجرب، الواحدة نقبة، وقيل: هى أول ما يبدأ من الجرب. والبيت فى اللسان ٢: ٢٦٣.
[ ١ / ٣٣١ ]
فخطبها رواحة بن عبد العزّى السّلمىّ، فولدت له عبد الله، وهو أبو شجرة [١]، ثم خلف عليها مرداس بن أبى عامر السّلمىّ، فولدت له زيدا ومعاوية وعمرا.
٥٩٢* وهى جاهليّة، كانت تقول الشعر فى زمن النابغة الذّبيانىّ، وكان النابغة تضرب له قبّة حمراء من أدم بسوق عكاظ، وتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، فأنشده الأعشى أبو بصير، ثم أنشده حسّان بن ثابت، ثم الشعراء، ثم جاءت الخنساء السّلميّة فأنشدته، فقال لها النابغة: والله لولا أنّ أبا بصير أنشدنى (آنفا) لقلت إنّك أشعر الجنّ والإنس، فقال حسّان: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك ومن جدّك! فقبض النابغة على يده، ثم قال: يابن أخى، إنك لا تحسن أن تقول مثل قولى:
فإنّك كاللّيل الّذى هو مدركى وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع [٢]
ثم قال للخنساء: أنشديه، فأنشدته، فقال: والله ما رأيت ذات مثانة أشعر منك [٣] ! فقالت له الخنساء: والله ولا ذا خصيين!! ٥٩٣* وكان أخوها صخر بن عمرو شريفا فى بنى سليم، وخرج فى غزاة فقاتل فيها قتالا شديدا، وأصابه جرح رغيب [٤]، فمرض (من ذلك) فطال مرضه، وعاده قومه، فكانوا إذا سألوا امرأته سلمى عنه قالت: لا هو حىّ
_________________
(١) سماه الحافظ فى الإصابة ٥: ٥ «عمرو بن عبد العزى بن عبد الله بن رواحة» وذكره فى الكنى أيضا ٧: ٩٧- ٩٨ ونقل خلافا فى اسمه. وله خبر وشعر حين ارتد عن الإسلام، فى الطبرى ٣: ٢٣٥- ٢٣٦ وقال: «ثم إن أبا شجرة أسلم ودخل فيما دخل فيه الناس» ثم ذكر قصة له مع عمر. وانظر الكامل ٣٤١- ٣٤٣.
(٢) مضى البيت ١١٠، ١٢٣.
(٣) أراد بالمثانة هنا: موضع الولد من الأنثى، وهو أحد معانيها، بل هو الصحيح عند بعضهم.
(٤) الرغيب: الواسع.
[ ١ / ٣٣٢ ]
فيرجى، ولا ميّت فينسى، وصخر يسمع كلامها، فشقّ عليه، وإذا قالوا لأمّه: كيف صخر اليوم؟ قالت أصبح صالحا بنعمة الله، فلمّا أفاق من علّته بعض الإفاقة، عمد إلى امرأته سلمى فعلّقها بعمود الفسطاط حتّى ماتت، وقال (غيره: بل قال: ناولونى سيفى لأنظر كيف قوّتى وأراد قتلها، وناولوه فلم يطق السيف، ففى ذلك يقول: أهمّ بأمر الحزم البيت. وأوّل الشعر) [١]:
أرى أمّ صخر ما تملّ عيادتى وملّت سليمى مضجعى ومكانى
وما كنت أخشى أن أكون جنازة عليك، ومن يغترّ بالحدثان [٢]
فأىّ امرئ ساوى بأمّ حليلة فلا عاش إلّا فى أذى وهوان [٣]
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه وقد حيل بين العير والنّزوان [٤]
لعمرى لقد أنبهت من كان نائما وأسمعت من كانت له أذنان
وللموت خير من حياة كأنّها محلّة يعسوب برأس سنان [٥]
ثم نكس بعد ذلك من طعنته فمات، فكانت أخته خنساء ترثيه، (ولم تزل تبكيه حتّى عميت) .
٥٩٤* ودخلت خنساء على أمّ المؤمنين عائشة، وعليها صدار [٦] لها من شعر
_________________
(١) من الأصمعية ٤٧ وليس فيها البيت الأخير، وفيها بيتان آخران، والأبيات فى الخزانة ١: ٢٠٩.
(٢) الجنازة، بكسر الجيم، وفتحها غير فصيح، وهو السرير الذى يحمل عليه الميت، وإذا ثقل على القوم أمر أو اغتموا به فهو جنازة عليهم. والبيت فى اللسان ٧: ١٨٩.
(٣) أذى: رسمت فى ل «أذا» بالألف.
(٤) العير: الحمار. النزوان: الوثب. وفى اللسان أن هذا المثل أول من قاله صخر. والبيت فيه ٢٠: ١٩١.
(٥) اليعسوب: أمير النحل وذكرها، ثم كثر ذلك حتى سموا كل رئيس يعسوبا. والبيت فى اللسان غير منسوب ٢: ٩٠ باختلاف فى صدره، وقال: «معناه أن الرئيس إذا قتل جعل رأسه على سنان، يعنى أن العيش إذا كان هكذا فهو الموت» .
(٦) الصدار، بكسر الصاد: ثوب رأسه كالمقنعة، وأسفله يغشى الصدر والمنكبين، تلبسه المرأة، وكانت المرأة الثكلى إذا فقدت حميمها فأحدت عليه لبست صدارا من صوف. قاله فى اللسان.
[ ١ / ٣٣٣ ]
فقالت لها عائشة ﵂: يا خنساء إنّ هذا لقبيح، قبض رسول الله ﷺ فما لبست هذا [١]، قالت: إنّ له قصّة، قالت: فأخبرينى، قالت: زوّجنى أبى رجلا، وكان سيّدا معطاء، فذهب ماله، فقال لى [٢]: إلى من يا خنساء؟
قلت: إلى أخى صخر، فأتيناه، فقسم ماله شطرين، فأعطانا خيرهما، فجعل زوجى أيضا يعطى ويحمل، حتّى نفد ماله، فقال: إلى من؟ فقلت: إلى أخى صخر، (فأتيناه)، فقسم ماله شطرين، فأعطانا خيرهما، فقالت امرأته: أما ترضى أن تعطيها النصف حتّى تعطيها أفضل النّصيبين؟! فأنشأ يقول [٣]
والله لا أمنحها شرارها ولو هلكت مزّقت خمارها
وجعلت من شعر صدارها
فذلك الذى دعانى إلى أن لبست هذا حين هلك [٤] .
٥٩٥* وكانت تقف بالموسم فتسوّم هؤدجها بسومة [٥]، وتعاظم العرب بمصيبتها بأبيها عمرو بن الشّريد وأخويها صخر ومعاوية ابنى [٦] عمرو، وتنشدهم فتبكى الناس.
_________________
(١) س ف «فقالت لها: ما هذا؟ فو الله لقد مات رسول الله ﷺ فلم ألبس عليه صدارا» .
(٢) س ف «زوجنى أبي سيدا من سادات قومى متلافا معطاء، فأنفذ ماله وقال لى» .
(٣) س ف «فقلت له إلى أخى صخر، فقاسمنا ماله، وأعطانا خير النصفين، فأقبل زوجى يعطى ويهب ويحمل، حتى أنفده، ثم قال: إلى أين يا خنساء؟ قلت: إلى أخى صخر، فأتيناه، وقاسمناه ماله، وأعطانا خير النصفين، إلى الثالثة، فقالت له امرأته: أما ترضى أن تقاسمهم مالك حتى تعطيهم خير النصفين؟! فقال» .
(٤) أشار الحافظ إلى هذه القصة فى الإصابة ٨: ٦٧- ٦٨: بصيغة التمريض بقوله يقال إلخ، فيظهر أنه لم يجد لها تخريجا برواية لها إسناد.
(٥) السومة: العلامة، كالسيمة والسيماء والسيمياء، وسوم الفرس: جعل عليه السيمة، ومنه الخيل المسومة.
(٦) فى ل «بن» والظاهر أنه خطأ، وما أثبتنا أجود وأصح.
[ ١ / ٣٣٤ ]
٥٩٦* وكان أبوها يأخذ بيدى ابنيه صخر ومعاوية ويقول: أنا أبو خيرى مضر، فتعترف له العرب بذلك. ثم قالت الخنساء بعد ذلك: كنت أبكى لصخر من القتل، فأنا أبكى له اليوم من النار.
٥٩٧* وممّا سبقت إليه قولها [١]:
أشمّ أبلج تأتمّ الهداة به كأنّه علم فى رأسه نار
(وفيها تقول:
مثل الرّدينىّ لم تكبر شبيبته كأنّه تحت طىّ الثّوب إسوار [٢]
لم تره جارة يمشى بساحتها لريبة حين يخلى بيته الجار
فما عجول لدى بوّ تطيف به قد ساعدتها على التّحنان أظآر [٣]
أودى به الدّهر عنها فهى مرزمة لها حنينان إصغار وإكبار [٤]
ترتع ما غفلت حتّى إذا ذكرت فإنما هى إقبال وإدبار [٥]
يوما بأوجع منى يوم فارقنى صخر، وللدّهر إحلاء وإمرار)
_________________
(١) من قصيدة مشهورة، فى الديوان ٧٣- ٨٥.
(٢) الأسوار، بضم الهمزة وكسرها: لغة فى السوار. أخبرت أنه لطيف كأنه أسوار، أى قليل اللحم كأنه أسوار من ذهب أو فضة فى حسنه وضمره.
(٣) العجول من النساء والإبل: الواله التى فقدت ولدها الثكلى، لعجلتها فى جيئتها وذهابها جزعا. والبيت فى الديوان يعجز الذى بعده، وفى اللسان ١٣: ٤٥٤ بنحوه.
(٤) مرزمة: من الإرزام، وهو ضرب من حنين الناقة على ولدها حين ترأمه، بصوت تخرجه من حلقها لا تفتح به فاها.
(٥) أخبرت أنها قلقة تقبل وتدبر من شدة ما بها، إذا ذكرت فقد ولدها. والبيت فى اللسان ١٩: ١٣٥.
[ ١ / ٣٣٥ ]