٦٤٥* هو من كلب، وهو جاهلىّ قديم. ولمّا قدمت الحبشة تريد هدم البيت خرج زهير فلقى ملكهم، فأكرمه ووجّهه إلى ناحية العراق يدعوهم إلى الدخول فى طاعته، فلمّا صار فى أرض بكر بن وائل لقيه رجل منهم، فطعنه طعنة أشوته، فنجا وخرج هاربا، فقال الذى طعنه [٢]:
طعنة مّا طعنت فى غبس اللّي ل زهيرا، وقد توافى الخصوم [٣]
خاننى الرّمح إذ طعنت زهيرا وهو رمح مضلّل مشؤوم
٦٤٦* وهو من المعمّرين، وهو القائل فى عمره [٤]:
الموت خير للفتى فليهلكن وبه بقيّه
من أن يرى الشّيخ الكبي ر يقاد يهدى بالعشيّه
(من كلّ ما نال الفتى قد نلته إلا التّحيّه) [٥]
٦٤٧* وهو أحد النفر الثلاثة الذين شربوا الخمر صرفا حتّى ماتوا، وهم:
زهير بن جناب، وأبو براء (عامر) ملاعب الأسنّة عمّ لبيد، وعمرو بن كلثوم التغلبىّ. فأمّا زهير فإنّه قال ذات يوم: إنّ الحىّ ظاعن، فقال عبد الله بن عليم
_________________
(١) ترجمته وأخباره فى الجمحى ١٢- ١٣ والمعمرين ٢٤- ٢٩ والأغانى ٢١: ٦٣- ٦٩ والمؤتلف ١٣٠ وابن الأثير ١: ٢٥٠- ٢٠٧. وله قصيدة فى اللسان ١٣: ٤٧.
(٢) هذا الذى طعنه هو ابن زبابة من بنى تيم الله بن ثعلبة، كما فى الأغانى وابن الأثير. واسمه «عمرو بن الحر بن همام» وقيل «سلمة بن ذهل» وهو جاهلى، وانظر المرزبانى ٢٠٨ وشرح الحماسة ١: ١٤٣. والبيتان ومعهما ثالث فى الأغانى وابن الأثير.
(٣) غبس: بالسين المهملة، وفى الأغانى «غبش» بالمعجمة وفى س ف وابن الأثير «غلس» وكلها بمعنى الظلمة.
(٤) من قصيدة فى المعمرين وذكر بعضها فى الأغانى.
(٥) التحية: البقاء، أو الملك، قال ابن الأعرابى: «أراد البقاء، لأنه كان ملكا فى قومه» . والبيت مع آخرين فى الأنبارى ١١٧ والمؤتلف ١٣٠ واللسان ١٨: ٢٣٦.
[ ١ / ٣٦٧ ]
ابن جناب (ابن أخيه): إنّ الحىّ مقيم، فقال زهير: من هذا المخالف لى؟
قالوا: ابن أخيك، قال: فما أحد ينهاه؟! قالوا: لا، قال، أرانى قد خولفت، فدعا بالخمر فلم يزل يشربها صرفا حتى قتلته. وأمّا أبو براء (ملاعب الأسنّة) فإنّ النبىّ ﷺ كان وجّه عدّة من أصحابه إلى بنى عامر بن صعصعة فى خفارته، فسار إليهم عامر بن الطّفيل ابن أخيه، فلقيهم ببئر معونة فقتلهم، فدعا أبو براء بنى عامر إلى الوثوب بعامر، فلم يجيبوه، (فغضب) فدعا بالخمر فشربها صرفا حتى قتلته، وأمّا عمرو بن كثلوم فإنه أغار على بنى حنيفة باليمامة، فأسره يزيد بن عمرو الحنفىّ فشدّه وثاقا، ثم قال: ألست القائل:
متى تعقد قرينتنا بحبل نجذّ الحبل أو نقص القرينا [١]
أما إنى سأقرنك بناقتى هذه، ثم أطردكما جميعا (فأنظر أيّكما يجذّ) ! فنادى: يا آل ربيعة! أمثلة؟! فاجتمعت إليه بنو لجيم [٢] فنهوه (عن ذلك)، فانتهى به إلى حجر [٣] فأنزله قصرا وسقاه، فلم يزل يشرب حتى مات [٤] .
_________________
(١) من المعلقة ٢٢٩ شرح التبريزى. القرينة؛ أصلها الناقة تكون فيها خشونة تشد إلى أخرى حتى تلين. نجذ: نقطع. نقص: من الوقص، وهو كسر العنق. يقول: متى نقرن إلى غيرنا، أى: متى نسابق قوما نسبقهم ومتى صابرنا قوما فى حرب صابرناهم حتى نقص من يقرن بنا. قاله التبريزى. وفى اللسان ١٧: ٢١٧: «قرينته: نفسه ههنا، يقول: إذا أقرنا لقرن غلبناه» .
(٢) بنو حنيفة: هم بنو حنيفة بن لجيم بن صعب بن على بن بكر بن وائل.
(٣) حجر، بفتح الحاء: مدينة اليمامة وأم قراها.
(٤) هكذا قال المؤلف، وهو شىء شاذ لم يرد عند غيره، فإن القصة فى الأغانى ٩: ١٧٦- ١٧٧ وفيه أن يزيد «ضرب عليه قبة ونحر له وكساه وحمله على نجيبه وسقاه الخمر» وأن عمرو بن كلثوم لما أخذت الخمر برأسه تغنى بأبيات ذكرها. فهذا إكرام ينفى أنه مات فى الأسر. ثم قد ذكر فى الأغانى ١٧٨ خبر موته وقد أتت عليه ١٥٠ سنة وأنه جمع بنيه وأوصاهم. نعم: ذكر أبو حاتم فى المعمرين حادث زهير بن جناب ثم قال: «وشربها أبو براء عامر بن مالك بن جعفر حين خولف صرفا حتى مات. وشربها عمرو ابن كلثوم التغلبى صرفا حتى مات. ولم يبلغنا أن أحدا من العرب فعل ذلك إلا
[ ١ / ٣٦٨ ]
٦٤٨* ومن جيّد شعر زهير بن جناب [١]:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه يوما فتدركه عواقب ما جنى [٢]
يجزيك أو يثنى عليك، وإنّ من أثنى عليك بما فعلت كمن جزى
وسمع رسول الله ﷺ عائشة ﵂ وهى تتمثّل به، فكان يقول لها: «كيف الشعر الذى كنت تتمثّلين به؟» فإذا أنشدته إيّاه قال: «يا عائشة إنه لا يشكر الله من لا يشكر الناس» [٣] .
٦٤٩* ومن جيّد شعره قوله:
إنّ بنى مالك تلقى غزيّهم فى الزاد فوضى وعند الموت إخوانا
_________________
(١) هؤلاء» . وكذلك أشير إليهما فى الأغانى وابن الأثير فى مناسبة ترجمة زهير بن جناب، ولم يذكر أحد منهم أن موت عمرو كان فى إسار بنى حنفية. فلعل المؤلف دخلت عليه قصة فى قصة!
(٢) البيتان فى اللآلى ٢٠٦ ونسبهما لورقة بن نوفل، وكذلك فى الخزانة ٢: ٣٩، وهما فى الأغانى ٣: ١٢- ١٤ ونسبهما لغريض اليهودى، ثم ذكر أقوالا أنهما لسعية بن غريض أو لزيد بن عمرو بن نفيل أو لورقة أو لزهير بن جناب أو لعامر المجنون الحرمى، وصحح أنهما لغريض أو ابنه: ثم ذكر قصيدة لورقة فيها البيتان. وفى نسب قريش للمصعب ص ١٥٠ خطأ أنهما لورقة بن نوفل.
(٣) لا يحر: لا يرجع إلى النقص، وأصل الحور الرجوع إلى النقص.
(٤) فى الأغانى ٢: ١٣ بإسناده إلى عائشة: «فقال ﷺ: «ردى على قول اليهودى قاتله الله، لقد أتانى جبريل برسالة من ربى: أيما رجل صنع إلى أخيه صنيعة فلم يجد له جزاء إلا الثناء عليه والدعاء له فقد كافأه» . وفى الخزانة ٣: ٣٩ «وقال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا ورقة فإنى رأيته فى ثياب بيض، وهو الذى يقول» فذكر البيتين. فهاتان الروايتان ورواية المؤلف لا أصل لها فى السنة فيما أعلم، إلا أن الحديث الذى ذكره المؤلف: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» حديث صحيح. ورواه أحمد فى المسند ٥: ٢١١، ٢١٢ من حديث الأشعث بن قيس، ورواه أبو داود والترمذى من حديث أبى هريرة، وصححه الترمذى وانظر كشف الخفا ٢: ٣٧٦.
(٥) الغزى: جمع غاز، مثل «ناد وندى» و«ناج ونجى» للقوم يتناجون.
[ ١ / ٣٦٩ ]