٢٨٣* هو جرير بن عبد المسيح، من بنى ضبيعة، وأخواله بنو يشكر، وكان ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة، وهو الذى كان كتب له إلى عامل البحرين مع طرفة بقتله، وكان دفع كتابه إلى غلام بالحيرة ليقرأه، فقال له:
أنت المتلمّس؟ قال: نعم، قال: فالنجاء، فقد أمر بقتلك، فنبذ الصحيفة فى نهر الحيرة وقال [١]:
ألقيتها بالثّنى من جنب كافر كذلك أفنى كلّ قطّ مضلّل [٢]
رضيت لها بالماء لمّا رأيتها يجول بها التّيّار فى كلّ جدول
وكان أشار على طرفة بالرجوع، فأبى عليه، فهرب إلى الشأم، فقال [٣]:
من مبلغ الشّعراء عن أخويهم خبرا، فتصدقهم بذاك الأنفس
أودى الذى علق الصّحيفة منهما ونجا، حذار حبائه، المتلمّس
ألق الصّحيفة، لا أبا لك، إنّه يخشى عليك من الحباء النّقرس
_________________
(١) ستأتى الإشارة إلى القصة وشىء من التفصيل ٨٧، ٩١ ل وهى فى الأغانى ٢١:
(٢) ١٢٧ ومعم البلدان ٧: ٢٠٨ والخزانة ١: ٤٤٦ و٣: ٧٣ ومجمع الأمثال ١: ٣٥٠- ٣٥٢.
(٣) اللسان ٦: ٤٦٣ و٢٠: ٦٥ والثنى: منعطف النهر. كافر: اسم علم لنهر الحيرة. أفنى: واضحة المعنى، من الإفناء، وهكذا رواية هذا الكتاب. ورواية معجم البلدان «أفنو» بالفاء، ولا معنى لها. ورواية الأغانى ومجمع الأمثال ومختارات ابن الشجرى «أقنو» بالقاف، وفسرها فى الأغانى: «قال أبو عمرو: أقنو: أحفظ، وقال غيره: أقنو: أجزى، يقال: لأقنونك قناوتك، أى: لأجزينك بفعلك» . ونحو هذا فى اللسان. وفى الأغانى: «القط: الصحيفة. فيقول: حفظى لهذا الكتاب أن أرمى به فى الماء» .
(٤) الأبيات فى الخزانة ٣: ٧٣. وهى فى الأغانى ٢١: ١٢٧ مع آخرين، والأولان فيه ١٢٦ دون الثالث مع ثلاثة أخر.
(٥) النقرس: داء معروف فى الرجلين، وفسر فى اللسان هنا ٨: ١٢٧ بالهلاك والداهية العظيمة.
[ ١ / ١٧٧ ]
٢٨٤* ومن جيّد شعره قوله [١]:
وما كنت إلا مثل قاطع كفّه بكفّ له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذه فلم تجد الأخرى عليها مقدّما
فلمّا استقاد الكفّ بالكفّ لم يجد له دركا فى أن تبينا فأحجما
فأطرق إطراق الشّجاع ولو رأى مساغا لناباه الشّجاع لصمّما [٢]
لذى الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علّم الإنسان إلّا ليعلما [٣]
٢٨٥* ومن إفراطه قوله [٤]:
_________________
(١) الأبيات فى الأغانى ٢١: ١٣٣، ١٣٧. وهى من الأصمعية ٩٢ وهى ١٨ بيتا عدا البيت الثانى، وكلها فى مختارات ابن الشجرى ٩ فى ١٩ بيتا. وذكر منها فى الخزانة ١٣ بيتا ٤: ٢١٤- ٢١٦ ومنها ٦ أبيات فى لباب الآداب ٣٩٣. وفى الأغانى عن أبي عبيدة: «لم يسبق المتلمس إلى قوله» فذكر هذه الأبيات الخمسة، وفيه أيضا عنه: «لم أسمع لأحد بمثل هذه الأبيات حكمة وأمثالا من أولها إلى آخرها، وفيها من الأمثال السائرة ما يضرب مثلا للحكيم عند نسيانه» .
(٢) صمم: عض ونيب فلم يرسل ما عض. و«ناباه» أثبتت هكذا فى الأصول بالألف، على لغة من يلزم المثنى الألف، فغيره مصحح ل إلى اللغة المشهورة «لنابيه» . وفى اللسان ١٥: ٢٣٩ «قال الأزهرى: هكذا أنشده الفراء لناباه على اللغة القديمة لبعض العرب» . وكذلك أنشده الطبرى فى تفسيره ١٦: ١٣٦ شاهدا لهذه اللغة، ونقل أنها لغة بلحرث بن كعب وخثعم وزبيد ومن وليهم من قبائل اليمن. وكذلك أنشده فى الخزانة ٣: ٣٣٧ ولم ينسبه. والبيت أخذه عمرو بن شأس والد عرار، فى قصيدته التى يقول فيها* أرادت عرارا بالهوان* فقال: فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغا لنابيه الشجاع لقد أزم انظر معجم الشعراء للمرزبانى ٢١٣. «الأزم»: شدة العض.
(٣) ذو الحلم: عامر بن الظرب العدوانى، كما فى الأغانى. وانظر مجمع الأمثال ١: ٣٢- ٣٣ «إن العصا قرعت لذى الحلم» .
(٤) فى الأغانى ٢١: ١٣٦ فى هذا البيت عن أبى على الحاتمى أنه «أشرد مثل قيل فى البغض حكى ذلك أبو عبيدة وزعم أنه أسير مثل فى البغض» .
[ ١ / ١٧٨ ]
أحارث إنّا لو تساط دماؤنا تزايلن حتّى لا يمسّ دم دما [١]
يقول: إن دماءهم تنماز من دماء غيرهم، وهذا ما لا يكون.
٢٨٦* وسمّى المتلمّس بقوله:
وذاك أوان العرض جنّ ذبابه زنابيره والأزرق المتلمّس
العرض: الوادى. ويروى «حىّ ذبابه» [٢] .
٢٨٧* هو [٣] المتلمّس بن عبد العزّى، ويقال: ابن عبد المسيح، من بنى ضبيعة بن ربيعة، ثم من بنى دوفن، وأخواله بنو يشكر، واسمه جرير، وسمّى المتلمّس بقوله:
فهذا أوان العرض حيّا ذبابه زنابيره والأزرق المتلمّس
٢٨٨* وكان ينادم عمرو بن هند ملك الحيرة هو وطرفد بن العبد [٤]، فهجواه، فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين، أوهمهما أنّه أمر لهما فيهما بجوائز، وكتب إليه يأمره بقتلهما! فخرجا حتّى إذا كانا بالنّجف، إذا هما بشيخ على يسار الطريق، يحدث، ويأكل من خبز فى يده، ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه! فقال المتلمّس: ما رأيت كاليوم شيخا أحمق! فقال الشيخ: وما رأيت من حمقى؟ أخرج خبيثا، وأدخل طيبا، وأقتل عدوّا، أحمق منّى والله
_________________
(١) الحارث: هو «ابن قتادة بن التوأم، الذى كان يناقض امرأ القيس بن حجر ويتعرض له» كما فى الاشتقاق ٢٠٦. تساط: تخلط، وفى بعض الروايات «تشاط» والمعنى واحد، والروايتان ثابتتان فى اللسان ٩: ٢١٢. وستأتى رواية الشين المعجمة (٨٨ ل) .
(٢) الرواية الأولى توافق رواية الأغانى ٢١: ١٢٠ واللسان ٨: ٩٤ و٩: ٣٤ وقال: «يعنى الذباب الأخضر» . والرواية الثانية توافق رواية الاشتقاق ١٩٢.
(٣) هذه الترجمة زيادة فى ب د هـ.
(٤) مضت القصة مختصرة ١٧٧ وأشرنا هناك إلى مصادر تفصيلها.
[ ١ / ١٧٩ ]
من حامل [١] حتفه بيده!! فاستراب المتلمّس بقوله، وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة، فقال له: المتلمّس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم، ففكّ صحيفته ودفعها إليه، فإذا فيها: أمّا بعد، فإذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيّا، فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك يقرأها، ففيها والله ما فى صحيفتى، فقال طرفة: كلّا، لم يكن ليجترئ علىّ! فقذف المتلمّس بصحيفته فى نهر الحيرة وقال: قذفت بها البيت [٢]، وأخذ نحو الشأم، وأخذ طرفة نحو البحرين، فضرب المثل بصحيفة المتلمّس.
٢٨٩* وحرّم عمرو بن هند على المتلمّس حبّ العراق، فقال:
آليت حبّ العراق الدّهر آكله والحبّ يأكله فى القرية السّوس [٣]
وأتى بصرى فهلك بها. وكان له ابن يقال له عبد المدان [٤]، أدرك الإسلام، وكان شاعرا، وهلك ببصرى ولا عقب له.
٢٩٠* قال أبو عبيدة: واتّفقوا على أن أشعر المقلّين فى الجاهليّة ثلاثة:
المتلمّس، والمسيّب بن علس، وحصين بن الحمام المرّىّ.
٢٩١* وممّا يعاب من شعره قوله:
وقد أتانسى الهمّ عند احتضاره بناج عليه الصّيعريّة مكدم
_________________
(١) ب «من حمل» وفى الأغانى «من يحمل» .
(٢) فيما مضى «أليقتها بالثنى» إلخ.
(٣) القصة نقلها ابن الشجرى فى مختاراته عن ابن قتيبة، جعلها تقدمة للقصيدة رقم ١٠ والبيت منها، وهى عنده فى ١٨ بيتا. وهى أيضا فى جمهرة أشعار العرب ١١٣- ١١٤ فى ١٤ بيتا. آليت: خطاب لعمرو بن هند، وضبط فى ل بضم التاء ضمير المتكلم، وهو خطأ.
(٤) كذا هنا، وفى الأغانى ٢١: ١٢٢ والسمط ٣٠٢ والإصابة ٥: ١٠٠ «عبد المنان» .
(٥) الصيعرية: اعتراض فى السير، وهو من الصعر، والصيعرية سمة فى عنق الناقة خاصة. المكدم: الغليظ أو الصلب. والقصة مفصلة فى الأغانى ٢١: ١٣٢ وأشار إليها فى اللسان ٦: ١٢٧ و٩: ٢٤١.
[ ١ / ١٨٠ ]
والصّيعريّة سمة للنّوق لا للفحول، فجعلها لفحل. وسمعه طرفة وهو صبىّ ينشد هذا، فقال: «استنوق الجمل» ! فضحك [١] الناس وسارت مثلا.
وأتاه المتلمّس فقال له: أخرج لسانك، فأخرجه، فقال: ويل لهذا من هذا يريد: ويل لرأسه من لسانه.
٢٩٢* ويعاب قوله: أحارث إنّا لو تشاط البيت. وهذا من الكذب والإفراط [٢] .
٢٩٣* ومثله قول رجل من بنى شيبان: كنت أسيرا مع بنى عمّ لى، وفينا جماعة من موالينا، فى أيدى التغالبة، فضربوا أعناق بنى عمّى وأعناق الموالى على وهدة من الأرض، فكنت والله أرى دم العربىّ ينماز من دم المولى حتى أرى بياض الأرض بينهما، فإذا كان هجينا قام فوقه ولم يعتزل عنه!! ٢٩٤* ويتمثّل من شعره بقوله [٣]:
وأعلم علم حقّ غير ظنّ وتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال أيسر من بغاه وضرب فى البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه ولا يبقى الكثير على الفساد
_________________
(١) «الجمل» بالنصب مفعول، أى: جعله كالناقة. ويؤيده تفسير الأغانى: «أى: وصفت الجمل بوصف الناقة وخلطت» . وضبط فى اللسان بالرفع، وفسره عن ابن سيده: «استنوق الجمل: صار كالناقة فى ذلها» .
(٢) هذا النص نقل فى الأغانى ٢١: ١٣٦ عن المؤلف. وانظر ما مضى ١٣٣.
(٣) نقل كلام المؤلف هنا فى الأغانى ٢١: ١٣٦ ثم كرر البيتان الثانى والثالث فيه ١٣٧ ونقل عن أبى على الحاتمى أنه وصفها بأنهما «أشرد مثل قيل فى حفظ المال وتثميره» . وهما أيضا فى حماسة البحترى ٢١٦. والثالث فى عيون الأخبار ٣: ١٩٥.
[ ١ / ١٨١ ]