أما بعد. فإن الحال التي نزدوج عليها، ونستبصر فيها، ونتقاسم حقيقتها وخالصتها، ونتذاوق حلاوتها ومرارتها، ونتهادى خلقها وجديدها تحدثني بأن العتب على تقصير يكون من أحدنا قدح في عينها، ونحت لجانبها، وخدش لوجهها، فإن كان هذا صحيحًا فالعتب محظور، وصاحب التقصير معذور، وإن كان فيه لو، أو لا، أو لعل، أو نعم فأحدنا عليه مستزاد وملوم، وأنا أعوذ بالله من أن يرد على أحدنا من صاحبه مالا يطيق، أو يعدل بصاحبه من السعة إلى الضيق، وقد نمي إلي نبيذ مما دار بينك - أطال الله بقاءك - وبين مولانا المطيع - أدام الله أيامه - في حديث كنت مخصوصًا به من أمر
[ ٨٢ ]
البصرة، وما أفضى إليه إصعادي عنها على الوجه المشهور عند الصديق الجافي على العدو، فسبح ظني في واد من الظنة إن كان الله قد برأك منها فقد ابتلاني بها، وإن كنت غنيًا عنها فأنا فقير إليها، وقد جد بي الفكر في تعرف ذلك منك، فلسانك أنطق بالصدق من لسان العابد الزاهد، وعقلك أعلى وأشرف من أن تتخذني غير شاكر ولا حامد، وبالله الذي لا إله إلا هو، ما يقوم لي شعث ما بيني وبينك في المنام بحيازتي جميع الأماني في اليقظة، فإن رأيت أن تجعل لي إلى لقائك طريقًا، إما بالزيارة المشرفة، وإما بالاستزارة المستشرفة فعلت إن شاء الله.
فأجابه أبو محمد:
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد: فإن الحال التي أشرت إليها ببيانك الناصع، من أدبك البارع، فهي والله محوطة بالنفس والروح، مذبوب عنها بالخاطر، عند اللمحة والسنوح، وتالله أعوذ كما عدت من ريب تتوجه نحوها، أو شوب يدب إليها، وكيف ذاك والشفقة عليها مرفرفة، والرأفة بها موكلة، ويد الثقة بعينها وشهادتها حاضنة، والنفس إلى كل ما يرد منها أو يصدر إليها ساكنة، فهذا باب ينبو عن الكلام فيه لمغالطة مخوفة تجري عليه، فأما الحديث الذي نمى إليك نبيذ منه مما دار بيني وبين
[ ٨٣ ]
مولانا - حرس الله مكانه - ونصر سلطانه، فليس فيه إلا ما يجذب بصنعك إلى العلياء، ويقر عينك بين الأولياء، ويطيل باعك على الأعداء، ويجعلك واحد الدنيا بين الأرض والسماء، فثق بما قلت، واسكن إلى ما كتبت، فإن الخير متيقن، والسعادة مظلة، والولي مرفوع، والعدو موضوع، والله على جميع ذلك مشكور محمود، ولولا أن القلم لا يطيق صريح ما همك، لحملته كيف ما كان إليك، واللقاء صبحة يوم الاثنين عندك على الروشن الميمون: فإن رأيت أن تصرف عن بالك، كل شاغل عن ذلك، وتملأه بكل سار بذلك فعلت، مهديًا به إلي روحًا أتعجله، وسرورًا أنتظره، إن شاء الله.
وكتب ابن عبيد الكاتب إلى ابن الجمل الكاتب كاتب نصر الدولة شاشنيكير: