الصداقة - أطال الله مدتك - التي قد وكدها الله بيننا بالدين أولًا، ثم بالجوار ثانيًا، ثم بالصناعة ثالثًا، ثم بالممالحة رابعًا، ثم بالمنشأ خامسًا، ثم بالمعاقرة سادسًا، ثم بالتجربة سابعًا، ثم بالإلف ثامنًا، ثم بالميلاد تاسعًا، ثم بانتظام هذه كلها عاشرًا تتقاضاني لك حقوقًا، أنت عن التقصير فيها أغنى، وأنا بالإعفاء عنها أملى، وإذا كنا على هذا السياج دارجين، وفي هذه الحومة داخلين، وعنها خارجين، فليس لحاسد إلينا سبيل، ولا لمتكلف علينا دليل، والله إنك لتذكر، وأجد لذكرك عبقًا يزيد على
[ ٨٤ ]
عبق العنبر، وتوصف فأرى لوصفك مالا يراه أحد من البشر لأحد من البشر، وربما حلمت بك في الرؤيا، فيكون في ذلك قوتي طول يومي، ومن كان هذا نعته من أجلك، فكيف ينمق بالقلم شوقه إليك، وكيف يذكر ما يختصه لك، وكيف يجهز ما يشتمل عليه من خالصته ومحبته إليك قد يقصر اللفظ للطف المعنى، كما يطول المعنى لقصر اللفظ، والإخاء إذا قدم استحصدت مرائره، واستوسقت سرائره، وعند ذلك يكون الوصف باللسان تكلفًا، والتكلف للوصف تأففًا، وقد حضر لعبدك ولدي ختان أنت أولي الناس فيه بالقيام والقعود، بين الناي والعود، فإن رأيت أن تبدر إلى ذلك غداة غد، مكافحًا للشمس عند الطلوع، غير عائج إلى غيره فعلت إن شاء الله.
فأجابه ابن الجمل:
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد أوتيت - مد الله في عمرك - لسانًا، وبيانًا، وقلمًا، وخطًا، فمن رام شأوك انقعص، ومن توهم اللحاق بك نكص، فلله درك من
[ ٨٥ ]
ساحر بلفظه، وخالب بقلمه، ومؤيد بعقله، ومسعود بفضله، ومقدم بفرعه وأصله، ومشهور بإنصافه وعدله، ذكرت الصداقة التي وكدها الله بيننا بالأسباب التي أحصيتها، والوجوه التي سردتها، ولو لم يكن الحال على ما وصفت لكان الذي أوجبه لك على نفسي من الطاعة إذا دعوتني، والائتمار إذا أمرتني، والتشرف إذا ناجيتني، والانتساب إليك إذا قبلتني، والاعتماد عليك إذا أذنت لي فوق مودات أهل الزمان، بدرجات عاليات، وقامات مديدات، وباقيات صالحات، فكيف ونحن نجتمع في نصاب، ونجتلي في نقاب، ليس لنا في إخلاص المودة شريك، ولا يتقدمنا فيها ضريب، وما أسأل الله بعد هذا كله إلا دوامها، وصرف العيون عنها، ومد الإمتاع بها، وسكون النفس والروح إليها. فأما ما أومأت إليه من البدار إلى خدمة ولدك سيدي - نماه الله - فإني غير ملتفت إلى فرض ونفل دونه والسلام.
وقال جعفر بن يحيى لبعض ندمائه: كم لك من صديق؟ قال: صديقان قال: إنك لمثر من الأصدقاء.
وقال سهل بن هارون: الصديق لا يحاسب، والعدو لا يحتسب له.
قيل لأبي العيناء: هل ظفرت بصديق موال؟ قال: ولا بعدو مرائي.
[ ٨٦ ]
ولما احتاج زياد إلى الحقنة وصفت له فتفحشها فقيل له: إنما يتولاها الطبيب، قال: إن كان لابد منها فالصديق.
قيل للجنيد: ابن عطاء يدعي صداقتك فهل هو كما يقول؟ قال: هو فوق ما يقول، وأجد ذلك له من قلبي بشواهد لا تكذبني عنه، ولا تكذبه عني.
قيل لأبي علي النصير: لم لا تتخذ الأصدقاء؟ قال: حتى أفرغ من الأعداء، فو الله لقد شغلوني بأنفسهم عن كل صديق يعينني عليهم، وإحالة العدو عن العداوة أولى من استدعاء الصداقة من الصديق.
قيل لرويم: ما الذي أقعدك عن طلب الصديق؟ قال: يأسي من وجدانه.
قيل لأعرابي: ألك صديق؟ قال: أما صديق فلا، ولكن نصف صديق، قيل: فكيف انتفاعك به؟ قال: انتفاع العريان بالثوب البالي.
قيل لصوفي: صف لنا الصديق؟ قال: هو الذي إذا عرض لك
[ ٨٧ ]
بالمكروه، صرحت أنت له بالمحبوب، وإذا صرح لك بالمحبوب ساعدته عليه.
قلت للأندلسي: مم أخذ لفظ الصديق؟ قال أخذ بنظر من الصدق، وهو خلاف الكذب. ومرة قال من الصدق، لأنه يقال: رمح صدق أي صلب، وعلى الوجهين، الصديق يصدق إذا قال، ويكون صدقًا إذا عمل، قال: وصدقة المرأة وصداقها وصدقتها كله منتزع من الصدق والصدق، وكذلك الصادق، والصديق، والصدوق والصدقة، والمتصدق والمصدق، كل هذا متواخ.
سمعت القاضي أبا حامد يقول: قلت للمنصوري: ما أشغفك بابن عبدك مع تشاكس ما بينكما في البلد والمذهب فقال: ذاك لأني وجدته كما قال الشاعر:
[ ٨٨ ]
موفق لسبيل الرشد متبع يزينه كل ما يأتي ويجتنب
تسمو العيون إليه كلما انفرجت للناس عن وجهه الأبواب والحجب
له خلائق بيض لا يغيرها صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب
وحدثنا حمد بن محمد كاتب ركن الدولة قال: دب بيني وبين أبي الفضل يعني ابن العميد بعض المفسدين فكتب إلي: