إن تسفيق الكلام بيني وبينك موضوع، لأنك عن ذلك مرفوع، وقد رضيت أن تستأني فيما تسمع، فإذا صح به ذنب عاقبت بقدره، أباد أم أبقى، توسط أم تطرف، ولا أقول إلا ما قال الأول:
أطعت الوشاة الكاشحين ومن يطع مقالة واش يقرع السن من ندم
أتاني عدو كنت أحسب أنه علينا شفيق ناصح كالذي زعم
فلما تباثثنا الحديث وصرحت سرائره عن بعض ما كان قد كتم
تبين لي أن المحرش كاذب فعندي لك العتبي على رغم من زعم
[ ٨٩ ]
قيل لصوفي: من الصديق؟ قال: من لم يجدك سواه، ولم يفقدك من هواه.
وقيل للشبلي: من الرفيق؟ قال: من أنت غاية شغله، وأوكد فرضه ونفله. قيل له: فمن الشفيق؟ قال: من إن دهمتك محنة قذيت عينه لك، وإن شملتك منحة قرت عينه بك. قيل له: من الوافي؟ قال: من يحكي بلفظه كمالك، ويرعى بلحظه جمالك. قيل له: فمن الصاحب؟ قال: من إن غاب تشوفت إليه الأحباب، وإن حضر تلقحت به الألباب. قيل: فمن النديم؟ قال: من إن نأى ذكر عند الكاس، وإن دنا ملك بالاستئناس.
كتب محمد بن عبد الملك بن محمد الزيات إلى إبراهيم بن العباس الصولي أيام مقامه بالأهواز كتابًا يقول فيه: قلة نظرك لنفسك حرمتك سنا المنزلة، وإغفالك حظك حطك عن أعلى الدرجة، وجهلك بقدر النعمة أحل بك اليأس والنقمة حتى صرت من قوة الأمل معتاضًا شدة
[ ٩٠ ]
الوجل، ومن رجاء الغد متعوضًا يأس الأبد، وركبت مطية المخافة بعد مجلس الأمن والكرامة، وصرت معرضًا للرحمة بعد ما تكنفتك الغبطة، وقد قال الشاعر:
إذا ما بدأت امرءًا جاهلًا ببر فقصر عن حمله
ولم تره قابلًا للجمي ل ولا عرف الفضل من أهله
فسمه الهوان فإن الهوا ن دواء لذي الجهل من جهله
قد فهمت كتابك، وإغراقك وإطنابك، وإضافة ما أضفت بتزويق الكتب بالأقلام، وفي كفاية الله غنى عنك يا إبراهيم، وهوض منك، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فكتب إليه إبراهيم يستعطفه:
أخ كنت آوي منه عند إدكاره إلى ظل أفنان من العز باذخ
سعت نوب الأيام بيني وبينه فأقلعن منا عن ظلوم وصارخ
وإني وإعدادي لدهري محمدًا كملتمس إطفاء نار بنافخ
فما نجع فكتب:
وكنت أخي بإخاء الزمان فلما نبا صرت حربًا عوانا
وكنت أذم إليك الزمان فأصبحت منك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائبا ت فها أنا أطلب منك الأمانا
فلم يثن ذلك محمدًا فكتب إليه كتابًا غليظًا وكتب في آخره:
[ ٩١ ]
أبا جعفر خف نبوة بعد دولة وعرج قليلًا عن مدى غلوائكا
فإن يك هذا اليوم يومًا حويته فإن رجائي في غد كرجائكا
فما مرت الأيام حتى كان من أمر محمد ما كان، وولي إبراهيم ديوان الرسائل فأمر أن ينشأ فيه رسالة بقلة طاعته ففعل.
كان بين أبي الخطاب الصابي وبين أبي كعب الداهية التي لا ترام بعد صداقة كانت زائدة على شبكة الرحم، ولحمة النسب، فقيل له - أعني أبا الخطاب - كيف أنت مع ابن كعب فأنشد:
خليلان مختلف شأننا أريد العلاء ويبغي السمن
وكان ابن الجلاء الزاهد بمكة يقول لأصحابه: اطلبوا خلة الناس في هذه الدنيا بالتقوى تنفعكم في الدار الأخرى، ألم تسمعوا الله تعالى يقول: " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ".
وقال الحراني في تصنيف الناس: منهم من هو كالغذاء الذي يمسك رمقك ولابد لك منه على كل حال، لأنه قوام حياتك، وزينة دهرك،
[ ٩٢ ]
ومنهم من هو كالدواء يحتاج إليه في الحين بعد الحين على مقدار محدود، ومنهم من هو كالسهم الذي لا ينبغي أن تقربه فإنه سبب هلكتك.
قيل لأعرابي: كيف أنسك بالصديق؟ قال: وأين الصديق، بل أين الشبيه به، بل أين الشبيه بالشبيه به؟ والله ما يوقد نار الضغائن والذحول في الحي إلا الذين يدعون الصداقة، وينتحلون النصيحة، وهم أعداء في مسوك الأصدقاء وما أحسن ما قال حضريكم:
إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق
وقال آخر:
إذا نوبة نابت صديقك فاغتنم مرمتها فالدهر بالناس قلب
وبادر بمعروف إذا كنت قادرًا وحاذر زوالًا من غنى عنك يعقب
فأحسن ثوبيك الذي هو لابس وأفره مهريك الذي هو يركب
[ ٩٣ ]
أيضًا:
اجعل صديقك من إذا أحببته حفظ الإخاء وكان دونك يضرب
واطلبهم طلب المريض شفاءه ودع اللئيم فليس ممن يصحب
يعطيك ما فوق المنى بلسانه ويروغ عنك كما يروغ الثعلب
واحذر ذوي الملق اللئام فإنهم في النائبات عليك ممن يخطب
فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي والنصح أفضل ما يباح ويوهب
آخر:
خير إخوانك المشارك في الض ر وأين الشريك في الضر أينا؟
لا يني جاهدًا يحوطك في الحض ر فإن غبت كان أذنًا وعينا
أنت في معشر إذا غبت عنهم بدلوا كل ما يزينك شينا
وإذا ما رأوك قالوا جميعًا: أنت من أكرم البرايا علينا
وقلت لأبي المتيم الصوفي الرقي: كيف حالك مع فلان؟ قال: نتداوى بالرياء إلى أن يفرج الله، قلت: هلا تخالصتما عن الرياء والنفاق؟ فقال: والله إن خوفي من أن يصير الرياء والنفاق مكاشفة، والمكاشفة مفارقة، أشد من خوفي من الرياء. والعجب أن المؤونة علينا في الصبر على هذه الحال أغلظ من المؤون لو تصافينا، إلا أن التصافي لا يكون مني وحدي، ولا منه وحده، ولعله يتمنى ذلك مني، كما أتمنى ذلك منه، ولكن لا يطابق ذلك مطابقة لحيلولة الزمان، والفساد العام، وغلبة ما لا سبيل إلى تغييره، طلعت الأرض بأهلها، والحاجة ماسة إلى كلمة طرية، ودعوة فاشية، وأمر جامع، حتى تأتلف القلوب، وتنتفي
[ ٩٤ ]
العيوب، وهذا إلى الله الذي خلق الخلق، ودبر الشأن، وتفرد بالغيب، وتعزز بالقدرة، وكما أن في السنة الواحدة للزمان أحوالًا في الحر المفرط، والحر المتوسط، والبرد المتوسط، كذلك للدهر المديد أحوال في الخير العام، والشر العام، والخير الخاص، والشر الخاص، والعاقل من لا يتمنى مالا يوجد، ولكن يصبر على ما يجد إن حلوًا فحلوًا، وإن مرًا فمرًا، إلى أن يأذن الله بالفرج من حيث لا يحتسب.
قال معمر صاحب عبد الرزاق: ما بقي من لذات الدنيا إلا محادثة الإخوان، وأكل القديد، وحك الجرب، والوقيعة في الثقلاء.
قال الشاعر:
وما بقيت من اللذات إلا محادثة الرجال ذوي العقول
وقد كانوا إذا عدوا قليلًا فقد صاروا أقل من القليل
قال الأحنف: لا خير في صديق لا وفاء له، ولا خير في منظر لا مخبر له، ولا خير في فقه لا ورع معه.
قال العتبي: قال أعرابي: إذا استخار العبد ربه، واستشار صديقه، واجتهد رأيه فقد قضى ما عليه لنفسه، ويقضي الله في أمره ما أحب.
توفي ابن ليونس بن عبيد فقيل له: إن ابن عون لم يأتك. فقال: إنا إذا وثقنا بمودة أخ لا يضرنا أن لا يأتينا.
وحدثني العروضي قال: لما دعا السلطان علي بن عيسى من مكة
[ ٩٥ ]
تلقاه قوم من بغداد إلى زبالة وإلى ما فوقها ودونها، فلما قرت به الدار بمدينة السلام أتاه قوم لم يجشموا لقيه، فقال: كم من إنسان قعد لم يرم مجلسه حتى وافيناه فكان ألوط بقلوبنا، وأسكن في أسرارنا من قوم جشموا المسير إلى زبالة، إلا أن المودة هي الأصل، والصداقة هي الركن، والثقة هي الأساس، وما عدا ذلك فمحمول عليه، ومردود إليه.
قال يحيى بن أكثم: كنت أرى شيخًا يدخل على المأمون في السنة مرة، وكان يخلو به خلوة طويلة ثم ينصرف فلا نسمع له خبرًا، ولا نرى له أثرًا، لا نقدم على المسألة عنه فلما كان بعد قال لنا المأمون: واأسفًا على فقد صديق مسكون إليه، موثوق به، يلقى إليه العجر والبجر، ويقتبس منه الفوائد والغرر، قلنا وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: أما كنت ترى شيخًا يأتينا في الفرط، ونخلو به من دون الناس؟ قلت: بلى، قال: فإنه قد تأخر عن إبانه، وأظن أنه قد قضى، قلت: الله يمد في عمر أمير المؤمنين، وما في ذلك؟ قال: كان صديقي بخراسان، وكنت
[ ٩٦ ]
أستريح إليه استراحة المكروب، وأجد به ما يوجد بالولد السار المحبوب ولقد كنت أستمد منه رأيًا أقوم به أود المملكة، وأصل به إلى رضاء الله في سياسة الرعية، وآخر ما قال لي عند وداعه أن قال: يا أمير المؤمنين إذا استقش ما بينك وبين الله تعالى فابلله، قلت: بماذا يا صاحب الخير؟ قال: بالاقتداء به في الإحسان إلى عباده، فإنه يحب الإحسان إلى عباده، كما تحب الإحسان إلى ولدك من حاشيتك، والله ما أعطاك الله القدرة عليهم إلا لتصر على إحسانك إليهم بالشكر على حسناتهم، والتغمد لسيئاتهم، وأي شيء أوجه لك عند ربك من أن تكون أيامك أيام عدل وإنصاف، وإحسان، وإسعاف، ورأفة، ورحمة، ومن لي يا يحيى بمثل هذا القائل، وأنى لي بمن يذكرني بما أنا إليه صائر.
لما وقع الاختلاف بالمدينة خرج عروة بن الزبير إلى العقيق، واعتزل الناس، فعاتبه إخوانه فقال: رأيت ألسنتهم لاغية، وأسماعهم صاغية، وقلوبهم لاهية، فخفت أن تلحقني منهم الداهية، وكان لي فيما هنالك عنهم عافية.
قال سويد الصامت:
ألا رب من تدعو صديقًا ولو ترى مقالته بالغيب ساءك ما يفري
[ ٩٧ ]
مقالته كالشهد ما كان شاهدًا وبالغيب صاب مستفيض من الثغر
يسرك باديه وتحت أديمه نمية غش تلوها دبر الظهر
تحدثني العينان ما القلب كاتم ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر
فرشني بخير طالما قد اردته فخير الموالي من يريش ولا يبري
قال يحيى بن معاذ: بئس الصديق صديق تحتاج معه إلى المداراة، وبئس الصديق صديق تحتاج أن تقول له: أذكرني في دعائك، وبئس الصديق صديق يلجئك إلى الاعتذار.
قال الأعمش: أدركت أقوامًا كان الرجل منهم لا يلقى أخاه شهرًا وشهرين فإذا لقيه لم يزده على كيف أنت، وكيف الحال، ولو سأله شطر ماله لأعطاه، ثم أدركت أقوامًا لو كان أحدهم لا يلقى أخاه يومًا سأله عن الدجاجة في البيت، ولو سأله حبة من ماله لمنعه.
[ ٩٨ ]
كأن معالم الخيرات س دت دونها الطرق
وخان الناس كلهم فما أدري بمن أثق
فلا عقل ولا حسب ولا دين ولا خلق
لقي رجل صاحبًا له فقال له: إني أحبك، فقال: كذبت، لو كنت صادقًا ما كان لفرسك برقع وليس لي عباءة.
وقيل لأبي العريب المصري: إذا كان الرجل يحب صاحبه، ويمنعه ماله، أيكون صادقًا؟ قال: يكون صادقًا في حبه، مقصرًا في حقه.
قال مالك بن دينار: إخوة هذا الزمان مثل مرقة الطباخ في السوق طيب الريح لا طعم له.
قال الأحنف: خير الإخوان من إذا استغنيت لم يزدك في المودة، وإذا احتجت إليه لم ينقصك.
قال أبو يعقوب: دخلنا على أبي المطيع القرباني نسأله الحديث فقدم إلينا طعامًا فأمسكنا عنه فقال: يا هؤلاء كانت المواساة بين الإخوان قبلنا بالضياع، والرباع، والبراذين، والمماليك، والدور والبدور، فصارت اليوم إلى هذا وهو مروؤتنا، فإن أمسكتم عن هذا أيضًا ذهب هذا القدر، وماتت سنة السلف فلا تفعلوا، فأقبلنا عليه وأكلنا.
قال بلال بن سعد: أخ لك كلما لقيك ذكرك برؤيته ربك، خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارًا.
[ ٩٩ ]
قال يحيى بن معاذ: واشوقاه إلى حبيب إذا غضب عفا، وإذا رضي كفى.
قلت لأبي سليمان: هل يلاث ما بين الصديقين، وهل يفضيان إلى هجر، وهل يفزعان إلى عتب؟ فقال: أما ما دامت الصداقة قاصرة عن درجتها القاصية، فقد يعرض هذا كله بينهما، لكنهما يرجعان فيه إلى أس المودة، وإلى شرائط المروءة، وإلى مالا يهتك سجف الفتوة، وأما الهجر فإن حدث حدث جميلًا، ولا مستمر لحوافز الشوق إلى المعهود، ومحركات النفس إلى التلاقي، وأما العتب فربما أصلح ورد الفائت، وشعب الصدع، ولم الشعث، والإكثار منه ربما عرض بالحقد، وأحدث نوعًا من النبو، وقد قيل: وما صافيت من لا تعاتبه، وربما كان العود إلى الصفاء بعد هذا الكدر فوق ما عهداه في الأول. وقال الأول:
أناس أمناهم فنموا حديثنا فلما كتمنا السر عنهم تقولوا
[ ١٠٠ ]
ولم يحفظوا الود الذي كان بيننا ولا حين هموا بالقطيعة أجملوا
قلت فما الفرق بين الصداقة والعلاقة؟ فقال: الصداقة أذهب في مسالك العقل، وأدخل في باب المروءة، وأبعد من نوازي الشهوة، وأنزه عن آثار الطبيعة، وأشبه بذوي الشيب والكهولة، وأرمى إلى حدود الرشاد، وآخذ بأهداب السداد، وأبعد من عوارض الغرارة والحداثة.
فأما العلاقة فهي من قبل العشق، والمحبة، والكلف، والشغف، والتتيم، والتهيم، والهوى، والصبابة، والتدانف، والتشاجي. وهذه كلها أمراض أو كالأمراض بشركة النفس الضعيفة، والطبيعة القوية، وليس للعقل فيها ظل، ولا شخص، ولهذا تسرع هذه الأعراض إلى الشباب من الذكران والإناث، وتنال منهم، وتملكهم، وتحول بينهم وبين أنوار العقول، وآداء النفوس، وفضائل الأخرق، وفوائد التجارب، ولهذا وأشباهه يحتاجون إلى الزواجر، والمواعظ، ليفيئوا إلى ما فقدوه من اعتدال المزاج، والطريق الوسط. على أن العشق والمحبة وما يحويهما فيهما كلام من نحو آخر. وأنشد أبو عبيدة:
[ ١٠١ ]
إن كنت لا تصحب إلا فتى مثلك لم تقرن بأمثالكا
فأغض عينيك على ما ترى فالمسك قد يستصحب الرامكا
يقال: رامك ورامك، سمعته من الحسن بن عبد الله الإمام السيرافي.
عتب ابن ثوابة أبو العباس على سعيد بن حميد في شيء فكتب إليه سعيد:
أقلل عتابك فالزمان قليل والدهر يعدل مرة ويميل
لم أبك من زمن ذممت صروفه إلا بكيت عليه حين يزول
والمنتمون إلى الإخاء جماعة إن حصلوا أفناهم التحصيل
ولكل نائبة ألمت مدة ولكل حال أقبلت تحويل
فلئن سبقت لتبكين بحسرة وليكثرن علي منك عويل
ولتفجعن بمخلص لك وامق حبل الوفاء بحبله موصول
ولئن سبقت، ولا سبقت، ليمضين من لا يشاكله لدي عديل
وليذهبن جمال كل مروءة وليقفرن فناؤها المأهول
ولذاك نكلف بالعتاب وودنا باق عليه من الوفاء دليل
ود بدا لذوي الإخاء صفاؤه وبدت عليه بهجة وقبول
[ ١٠٢ ]
ولعل أيام الحياة قصيرة فعلام يكثر عتبنا ويطول؟
آخر:
إذا ما أتت من صاحب لك زلة فكن أنت محتالا لزلته عذرا
آخر:
البس أخاك على تصنعه فلرب مفتضح على النص
ما كدت أفحص عن أخي ثقة إلا ذممت عواقب الفحص
آخر:
احذر مودة ماذق مزج المرارة بالحلاوه
يحصي الذنوب عليك أيام الصداقة للعداوه
سعيد بن حميد:
لقد ساءني أن ليس لي عنك مذهب ولا لك في حسن الضيعة مرغب
أفكر في ود تقادم بيننا وفي دونه قربى لمن يتقرب
وأنت سقيم الود رث حباله وخير من الود السقيم التجنب
تسيىء وتأبى أن تعقب بعده بحسنى وتلقاني كأني مذنب
واحذر إن جازيت بالسوء والقلى مقالة قوم، ودهم عنك أجنب
[ ١٠٣ ]
أساء اختيارًا أو عرته ملالة فعاد يسيء الظن أو يتعقب
فخبت من الود الذي كنت أرتجي كما خاب راجي البرق، والبرق خلب
وقال أعرابي: كثرة العتاب إلحاف، وتركه استخفاف.
وحدثنا ابو السائب عتبة بن عبيد الله القاضي قال: كتب إلي أبو الشهم الحرمي أيام الشبيبة في خلافة المعتمد، والزمان موآت، والعيش رفيق، والأمل قوي، وطائر السعد مرنق، وغدير الأنس مغدودق: ما أحوجك أيها الفتى المقتبل، والصاحب المؤمل، إلى أخ كريم الأخوة، كامل المروة، إذا غبت خلفك، وإذا حضرت كنفك، وإن لقي صديقك استزاده لك من المودة، وإن لقي عدوك كف عنك غرب العادية، وإذا رأيته ابتهجت، وإذا باثثته استرحت. قال: فأجبته، هون عليك فليس هذا بأول متمنى فائت والسلام.
أخبرني المرزباني، حدثنا الصولي، حدثنا المبرد، حدثنا أبو عمر قال الأصمعي: دخلت على الخليل وهو جالس على حصير صغير فقال: تعال
[ ١٠٤ ]
واجلس، فقلت: أضيق عليك، فقال: مه فإن الدنيا بأسرها لا تسع متباغضين، وإن شبرًا في شبر يسع متحابين!.
قال بعض السلف: ضربة الناصح خير لك من تحية الشانىء، ولا فضل للمرائي بالود على مظهر الشنآن.
قال أبو جعفر الشاشي: قد أصاب في الكلمة الأولى، فأما في الكلمة الثانية فهو مقصر، لأن المرائي له ظاهر يحمد وإن كان له باطن يذم، وليس كذلك الشنآن، فإنه ليس له باطن يحمد، ولا ظاهر يقبل، فقد بان فضل المرائي بالود على صاحبه. والمرائي قد يبلغ لك كثيرًا من محابك، والرياء ستر سابغ، وليس بينه وبين الإخلاص إلا عقدنية، وضمير نفس، وصدق غيب، وصلاح سر.
وسمعت ابن شاهين يروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: استعيذوا بالله من شرار الناس، وكونوا من خيارهم على حذر.
شاعر:
ثلاثة أصفيتهم إخائي كأنهم كواكب الجوزاء
عطارديون يرون رأيي كأنما أهواؤهم أهوائي
آخر:
خلان لي أمرهما عجيب كل لكل منهما حبيب
[ ١٠٥ ]
ما لي في نجواهما نصيب كأنني بينهما رقيب
وقال الأول:
قد ألبس المرء فيه العيب أعرفه ولا أحب إخاء الكاذب الملق
حينًا وأطويه أستبقي ملولته طي الرداء على أثنائه الخرق
آخر:
لحى الله من لا ينفع الود عنده ومن حبله إن مد غير متين
ومن هو إن تحدث له العين نظرة تقضت بها أسباب كل قرين
ومن هو ذو لونين ليس بدائم على خلق، خوان كل أمين
آخر:
عاشر الناس بالجميل وسدد وقارب
واحترس من أذى الكرام وج د بالمواهب
لا يسود الجميع من لم يقم بالنوائب
ويحوط الأدنى وير عى ذمام الأقارب
فهم ذو فطانة عالم ذو تجارب
لا تواصل إلا ال شريف الكريم الضرائب
واجتنب وصل كل و غد دنىء المكاسب
نيرب لا يزال يو قد نار الحباحب
[ ١٠٦ ]
لا تبع عرضك المص ون بعرض المكالب
أنا للشر كاره وله غير هائب
آخر:
بلاء ليس يشبهه بلاء عداوة غير ذي حسب ودين
يبيحك منه عرضًا لم يصنه ويرتع منك في عرض مصون
والذين ضجوا من إخوانهم الذين وثقوا بهم فخانوهم، وبكوا بالدموع الغزيرة على ما فاتهم منهم، وساءت ظنونهم بغيرهم، فكثير بثير لا يحصيهم إلا الله تعالى. هذا فرار بن سيار روى له ابن الأعرابي قوله:
جزى الله عني مرة اليوم ما جزى شرار الموالي حيث يجزي المواليا
إذا ما رأى من عن يميني أكلبًا عوين عوى مستجلبًا عن شماليا
ويسألني أن كيف حالي بعده على كل شيء ساءه الدهر حاليا
فحالي أني قد حللت ببلدة أصبت بها دارًا لأهلي وماليا
وحالي أني سوف أهدي له الخنا وأمشي له المشي الذي قد مشى ليا
وهذا الأسود بن يعفر يقول:
[ ١٠٧ ]
إن امرءًا مولاه أدنى داره فيما ألم وشره لك باد
إن قلت خيرًا قال شرًا غيره أو قلت شرًا مده بمداد
فلئن أقمت لأظعنن لبلدة ولئن ظعنت لأرسين أوتادي
كان التفرق بيننا عن ميزة فاذهب إليك فقد شفيت فؤادي
آخر:
إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا شرًا أذاعوا، وإن لم يعلموا كذبوا
آخر:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحًا مني، وما سمعوا من صالح دفنوا
فهذا باب طويل لا طمع في بلوغ آخره.
وقال آخر:
ما ودني أحد إلا بذلت له صفو المودة مني آخر الأبد
ولا قلاني، وإن كنت المحب له إلا دعوت له الرحمن بالرشد
ولا ائتمنت على سر فبحت به ولا مددت إلى غير الجميل يدي
[ ١٠٨ ]
ولا أقول نعم يومًا فأتبعها منعًا ولو ذهبت بالمال والولد
ولا أخون خليلي في حليلته حتى أغيب في الأكفان واللحد
آخر:
لله في الأرض أجناد مجندة أرواحها بيننا بالصدق تعترف
فما تعارف منها فهو مؤتلف وما تناكر منها فهو مختلف
وقال إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب:
من يشتري مني إخاء محمد بل من يريد إخاءه مجانا
بل من يخلص من إخاء محمد وله رضاه كائنًا من كانا؟
آخر:
قل لمن شط المزار به ليت شعري عنك ما خبرك
أعلى حفظ لحرمتنا أم عفا من ودنا أثرك
وكتب الحراني إلى صديق له: