وإنما جاءوا بالصّفة وأرادوا توكيدها فكرهوا إعادتها ثانية؛ فغيّروا منها حرفا، ثم أتبعوها الأولى؛ كقولهم: «عطشان نطشان» كرهوا أن يقولوا: عطشان عطشان؛ فأبدلوا من العين نونا. وكذلك قالوا: حسن بسن. وشيطان ليطان، فى أشباه له كثيرة.
وقد كرّر الله ﷿ فى سورة الرحمن قوله: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
؛ وذلك أنه عدّد فيها نعماءه وأذكر عباده آلاءه، ونبّههم على قدرها، وقدرته عليها، ولطفه فيها، وجعلها فاصلة بين كل نعمة ليعرف موضع ما أسداه إليهم منها.
وقد جاء مثل ذلك عن أهل الجاهلية؛ قال مهلهل «٢»:
على أن ليس عدلا من كليب
فكرّرها فى أكثر من عشرين بيتا.
وهكذا قول الحارث بن عبّاد:
قرّبا مربط النعامة منّى
كرّرها أكثر من ذلك؛ هذا لمّا كانت الحاجة إلى تكريرها ماسّة، والضرورة إليه داعية، لعظم الخطب، وشدّة موقع الفجيعة؛ فهذا يدلّك على أنّ الإطناب فى موضعه عندهم مسثحسن، كما أنّ الإيجاز فى مكانه مستحبّ.
ولا بدّ للكاتب فى أكثر أنواع مكاتباته من شعبة من الإطناب يستعملها إذا أراد المزاوجة بين الفصلين، ولا يعاب ذلك منه. وذلك مثل أن يكتب: عظمت نعمنا عليه، وتظاهر إحساننا لديه. فيكون الفصل الأخير داحلا فى معناه فى الفصل الأول؛ وهو مستحسن لا يعيبه أحد.
[ ١٩٤ ]
ولما أحيط بمروان قال خادمه باسل: من أغفل القليل حتى يكثر، والصغير حتى يكبر، والخفىّ حتى يظهر أصابه مثل هذا.
وهذا كلام فى غاية الحسن، وإن كان معنى الفصلين الأخيرين داخلا فى الفصل الأول.
وهكذا قول الشاعر «١»:
إنّ شرخ الشّباب والشعر الأس ود ما لم يعاص كان جنونا
فالشعر الأسود داخل فى شرخ الشباب.
وكذلك قول أبى تمام «٢»:
رب خفض «٣» تحت السرى وغناء من عناء ونضرة من شحوب
الغناء داخل فى الخفض، والعناء داخل فى السّرى فاعلم.
وممّا هو أجلّ من هذا كلّه قول الله ﷿: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
؛ فالإحسان داخل فى العدل، وإيتاء ذى القربى داخل فى الإحسان؛ والفحشاء داخل فى المنكر، والبغى داخل فى الفحش.
وهذا يدلّ على أنّ أعظم مدار البلاغة على تحسين اللّفظ؛ لأنّ المعانى إذا دخل بعضها فى بعض هذا الدخول، وكانت الألفاظ مختارة حسن الكلام؛ وإذا كانت مرتّبة حسنة والمعارض سيئة كان الكلام مردودا. فاعتمد على ما مثّلته لك، وقس عليه إن شاء الله.
[ ١٩٥ ]