فمن سوء النّظم المعاظلة، وقد مدح عمر بن الخطاب ﵁ زهيرا لمجانبتها «١» . فقال: كان لا يعاظل بين الكلام؛ وأصل هذه الكلمة من قولهم:
تعاظلت الجرادتان إذا ركبت إحداهما الأخرى، وعاظل الرجل المرأة إذا ركبها؛ فمن المعاظلة قول الفرزدق «٢»:
تعال فإن عاهدتنى لا تخوننى تكن مثل من يا ذئب يصطحبان
وقوله «٣»:
هو السّيف الذى نصر ابن أروى به عثمان مروان المصابا
وقوله للوليد بن عبد الملك «٤»:
إلى ملك ما أمّه من محارب أبوه ولا كانت كليب «٥» تصاهره
وقوله يمدح هشام بن إسماعيل «٦»:
وما مثله فى الناس إلّا مملّكا أبو أمّه حىّ أبوه يقاربه
وقوله:
الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكى عليك نجوم اللّيل والقمرا
وقوله «٧»:
ما من ندى رجل أحقّ بما أتى من مكرمات عظائم الأخطار
من راحتين «٨» يزيد يقدح زنده «٩» كفّاهما وأشدّ عقد إزار
وقوله «١٠»:
إذا جئته أعطاك عفوا ولم يكن على ماله حال الردى مثل سائله
[ ١٦٢ ]
إلى ملك لا تنصف الساق نعله أجل لا وإن كانت طوالا محامله «١»
وقال قدامة: لا أعرف المعاظلة إلا فاحش الاستعارة؛ مثل قول أوس «٢»:
وذات هدم عار نواشرها تصمت بالماء تولبا جدعا «٣»
فسمى الصبى تولبا؛ والتّولب: ولد الحمار.
وقول الآخر «٤»:
وما رقد الولدان حتى رأيته على البكر يمريه بساق وحافر «٥»
فسمّى قدم الإنسان حافرا. وهذا غلط من قدامة كبير؛ لأنّ المعاظلة فى أصل الكلام إنما هى ركوب الشىء بعضه بعضا؛ وسمى الكلام به إذا لم ينضد نضدا مستويا، وأركب بعض ألفاظه رقاب بعض، وتداخلت أجزاؤه، تشبيها بتعاظل الكلاب والجراد، على ما ذكرناه؛ وتسمية القدم بحافر ليست بمداخلة كلام فى كلام؛ وإنما هو بعد فى الاستعارة.
والدليل على ما قلنا أنك لا ترى فى شعر زهير شيئا من هذا الجنس، ويوجد فى أكثر شعر الفحول نحو «٦» ما نفاه عنه عمر ﵁ وحده؛ فمما وجد منه فى شعر النابغة قوله «٧»:
[ ١٦٣ ]
يثرن الثّرى حتى يباشرن برده إذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل «١»
معناه: يثرن الثّرى حتى يباشرن برده بالكلاكل إذا الشمس مجّت ريقها.
وهذا مستهجن جدّا؛ لأنّ المعنى تعمّى فيه.
وقول الشماخ «٢»:
تخامص عن برد الوشاح إذا مشت تخامص حافى الخيل فى الأمعز الوجى «٣»
معناه تخامص الحافى الوجى فى الأمعز.
وقول لبيد:
وشمول قهوة «٤» باكرتها فى التّباشير مع الصّبح الأول «٥»
أى فى التباشير الأول مع الصّبح.
وكقول ذى الرمة:
كأنّ أصوات من إيغالهنّ بنا أواخر الميس أصوات الفراريج «٦»
يريد كأن أصوات آخر الميس أصوات الفرايج من إيغالهن.
وقوله أيضا:
نضا البرد عنه وهو من ذو جنونه أجارىّ تصهال وصوت صلاصل «٧»
كأنه من تخليطه كلام مجنون أو هجر مبرسم «٨» يريد: وهو من جنونه ذو أجارىّ.
[ ١٦٤ ]
وكقول أبى حية النميرى «١»:
كما خطّ الكتاب بكفّ يوما يهودىّ يقارب أو يزيل
يريد: كما خط الكتاب بكف يهودىّ يوما يقارب أو يزيل.
وقول الآخر «٢»:
هما أخوا فى الحرب من لا أخا له إذا خاف يوما نبوة فدعاهما
يريد: أخوا من لا أخ له فى الحرب.
وليس للمحدث أن يجعل هذه الأبيات حجّة، ويبنى عليها؛ فإنه لا يعذر فى شىء منها، لاجتماع الناس اليوم على مجانبة أمثالها، واستجادة ما يصحّ من الكلام ويستبين، واسترذال ما يشكل ويستبهم.
فمن الكلام المستوى النظم، الملتئم الرّصف قول بعض العرب «٣»:
أيا شجر الخابور مالك مورقا كأنك لم تحزن «٤» على ابن طريف
فتى لا يحبّ الزّاد إلّا من التّقى ولا المال إلّا من قنا وسيوف
ولا الخيل «٥» إلا كلّ جرداء شطبة وأجرد شطب فى العنان خنوف «٦»
كأنك لم تشهد طعانا «٧» ولم تقم مقاما على الأعداء غير خفيف
فلا تجزعا يا بنى طريف «٨» فإنّنى أرى الموت حلّالا «٩» بكلّ شريف
والمنظوم الجيد ما خرج مخرج المنثور فى سلاسته، وسهولته واستوائه، وقلة ضروراته؛ ومن ذلك قول بعض المحدثين:
[ ١٦٥ ]
وقوفك تحت ظلال السيوف أقر الخلافة فى دارها
كأنك مطّلع فى القلوب إذا ما تناجت بأسرارها
فكرّات طرفك مردودة إليك بغامض أخبارها
وفى راحتيك الرّدى والنّدى وكلتاهما طوع ممتارها
وأقضية الله محتومة وأنت منفّذ أقدارها
ولا تكاد القصيدة تستوى أبياتها فى حسن التأليف، ولا بدّ أن تتخالف؛ فمن ذلك قول عبيد بن الأبرص «١»:
وقد علا لمّتى شيب فودّعنى منه الغوانى وداع الصّارم القالى
وقد أسلّى همومى حين تحضرنى بجسرة كعلاة القين شملال «٢»
زيّافة بقتود الرّحل ناجية تفرى الهجير بتبغيل وإرقال «٣»
وفيها:
تحتى مسوّمة جرداء عجلزة كالسّهم أرسله من كفّه الغالى «٤»
والشّيب شين لمن أرسى بساحته لله درّ سواد اللمّة الخالى
فهذا نظم حسن وتأليف مختار.
وفيها ما هو ردىء لا خير فيه، وهو قوله:
بان الشّباب فآلى لا يلمّ بنا واحتلّ بى من مشيب كل «٥» محلال
[ ١٦٦ ]
وقوله:
فبت «١» ألعبها طورا «٢» وتلعبنى ثم انصرفت وهى منّى على بال «٣»
قوله: «واحتل بى من مشيب كلّ محلال» بغيض خارج عن طريقة الاستعمال وأبغض منه قوله: «وهى منى على بال» .
وفيها:
وكبش ملمومة باد نواجذها شهباء ذات سرابيل وأبطال «٤»
السرابيل: الدروع، فلو وضع السيوف موضع الدروع لكان أجود.
وفيها:
أوجرت جفرته خرصا فمال به كما انثنى خضد من ناعم الضّال «٥»
النصف الثانى أكثر ماء من النصف الأول.
وفيها:
وقهوة كرضاب «٦» المسك طال بها فى دنّها كرّ حول بعد أحوال
هذا البيت متوسط.
باكرتها قبل أن يبدو الصّباح لنا فى بيت منهمر الكفّين مفضال
النصف الثانى أجود من النصف الأول.
[ ١٦٧ ]
وقوله:
أما إذا دعيت نزال «١» فإنهم يجثون للركبات فى الأبدان
هذا ردىء الرّصف.
وبعده:
فخلدت بعدهم ولست بخالد والدهر ذو غير وذو ألوان
متوسط.
وبعده:
إلّا لأعلم ما جهلت بعقبهم «٢» وتذكّرى ما فات أىّ أوان
مختلّ النظم، ومعناه لست بخالد إلا لأعلم ما جهلت، وتذكرى ما فات، أىّ أوان كان.
وقول النمر بن تولب «٣»:
لعمرى لقد أنكرت نفسى ورابنى مع الشيب أبدالى التى أتبدل
فضول أراها فى أديمى بعد ما يكون كفاف اللّحم أو هو أفضل «٤»
بطىء عن الدّاعى، فلست بآخذ سلاحى إليه مثل ما كنت أفعل «٥»
كأنّ محطّا فى يدى حارثيّة صناع علت منى به الجلد من عل «٦»
تدارك ما قبل الشباب وبعده حوادث أيّام تمرّ وأغفل «٧»
يودّ الفتى طول السّلامة والغنى فكيف ترى طول السلامة تفعل
[ ١٦٨ ]
يردّ «١» الفتى بعد اعتدال وصحّة ينوء إذا رام القيام ويحمل
فهذه الأبيات جيدة السبك حسنة الرصف.
وفيها:
فلا الجارة الدّنيا لها تلحينّها «٢» ولا الضيف فيها إن أناخ محوّل
فالنّصف الأول مختلّ؛ لأنه خالف فيه وجه الاستعمال «٣»؛ ووجهه أن يقول:
فهى لا تلحى الجارة الدنيا، أى القريبة.
وكذلك قوله:
إذا هتكت أطناب بيت وأهله بمعطنها لم يوردوا الماء قيّلوا «٤»
هذا مضطرب لتناوله المعنى من بعيد. ووجه الكلام أن يقول: إذا دنت إبلنا من حىّ ولم ترد إبلهم الماء قيلوا من إبلنا. والقيل: شرب نصف النهار.
وأشدّ اضطرابا منه قوله:
وما قمعنا فيه الوطاب وحولنا بيوت علينا كلها فوه مقبل «٥»
ووجه الكلام: أن يقول: لسنا نحقن اللبن فنجعل الأقماع فى الوطاب، لأنّ حولنا بيوت أفواههم مقبلة علينا، يرجون خيرنا؛ فاضطرب نظم هذه الأبيات لعدو لها عن وجه الاستعمال.
[ ١٦٩ ]
ومثله:
رأت أمّنا كيصا يلفّف وطبه إلى الأنس البادين فهو مزمّل «١»
فقالت فلان قد أغاث عياله «٢» وأودى عيال آخرون فهزّلوا
ألم يك ولدان أعانوا ومجلس قريب فيجرى إذ يكفّ ويجمل «٣»
الكيص: الذى ينزل وحده. والوطب: وعاء اللبن. والأنس البادون: أهله لأنه يرده إليهم، فمنهم من يتذمم فيسقى لبنه ومنهم من يرده كيصا مثل فعل الذى ينزل وحده. مزمل: مبرد «٤» .
فهذه الأبيات سمجة الرّصف؛ لأنّ الفصيح إذا أراد أن يعبّر عن هذه المعانى، ولم يسامح نفسه عبّر عنها بخلاف ذلك.
وكان القوم لا ينتقد عليهم، فكانوا يسامحون أنفسهم فى الإساءة.
فأما مثال الحسن الرّصف من الرسائل فكما كتب بعضهم: ولولا أنّ أجود الكلام ما يدلّ قليله على كثيره، وتغنى جملته عن تفصيله، لوسّعت نطاق القول فيما أنطوى عليه من خلوص المودّة، وصفاء المحبة؛ فجال مجال الطّرف فى ميدانه، وتصرّف تصرّف الرّوض فى افتنانه؛ لكن البلاغة بالإيجاز أبلغ من البيان بالإطناب.
ومن تمام حسن الرصف أن يخرج الكلام مخرجا يكون له فيه طلاوة وماء، وربما كان الكلام مستقيم الألفاظ، صحيح المعانى؛ ولا يكون له رونق ولا رواء؛ ولذلك قال الأصمعى لشعر لبيد: كأنه طيلسان طبرانى، أى هو محكم الأصل ولا رونق له.
[ ١٧٠ ]
والكلام إذا خرج فى غير تكلّف وكد وشدّة تفكر وتعمّل كان سلسا سهلا، وكان له ماء ورواء ورقراق، وعليه فرند «١» لا يكون على غيره مما عسر بروزه واستكره خروجه؛ وذلك مثل قول الحطيئة «٢»:
هم القوم الذين إذا ألمّت من الأيام مظلمة أضاءوا
وقوله:
لهم فى بنى الحاجات أيد كأنّها تساقط ماء المزن فى البلد القفر
وكقول أشجع:
قصر عليه تحية وسلام نشرت عليه جمالها الأيّام
وإذا سيوفك صافحت هام العدا طارت لهنّ عن الفراخ الهام
برقت سماؤك للعدوّ فأمطرت هاما لها ظلّ السيوف غمام
رأى الإمام وعزمه وحسامه جند وراء المسلمين قيام
وكقول النمر:
خاطر بنفسك كى تصيب غنيمة إنّ الجلوس مع العيال قبيح
فالمال فيه تجلّة ومهابة والفقر فيه مذلة وقبوح «٣»
وكقول الآخر:
نامت جدودهم وأسقط نجمهم والنجم يسقط والجدود تنام
وكقول الآخر:
لعن الإله تعلّة بن مسافر لعنا يشنّ عليه من قدّام
ففى هذه الأبيات مع جودتها رونق ليس فى غيرها مما يجرى مجراها فى صحة المعنى وصواب اللفظ.
[ ١٧١ ]
ومن الكلام الصحيح المعنى واللفظ، القليل الحلاوة العديم الطلاوة قول الشاعر:
أرى رجالا بأدنى الدّين قد قنعوا ولا أراهم رضوا فى العيش بالدّون
فاستغن بالله عن دنيا الملوك كما اس تغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
ومن الشعر المستحسن الرونق قول دعبل «١»:
وإنّ امرءا أمست مساقط رحله بأسوان لم يترك له الحرص معلما
حللت محلّا يقصر البرق دونه ويعجز عنه الطيف أن يتجشّما
[ ١٧٢ ]