والسجع على وجوه: فمنها أن يكون الجزآن متوازنين متعادلين، لا يزيد أحدهما على الآخر، مع اتفاق الفواصل على حرف بعينه. وهو كقول الأعرابى: سنة جردت، وحال جهدت، وأيد جمدت، فرحم الله من رحم، فأقرض من لا يظلم. فهذه الأجزاء متساوية لا زيادة فيها ولا نقصان، والفواصل على حرف واحد. ومثله قول آخر من الأعراب، وقد قيل له: من بقى من إخوانك؟ فقال: كلب نابح، وحمار رامح، وأخ فاضح. وقال أعرابى لرجل سأل لئيما: نزلت بواد غير ممطور، وفناء غير معمور، ورجل غير مسرور؛ فأقم بندم، أو ارتحل بعدم. ودعا أعرابى، فقال:
اللهم هب لى حقّك، وأرض عنى خلقك. وقال آخر: شهادات الأحوال، أعدل من شهادات الرجال. ودعا أعرابى، فقال: أعوذ بك من الفقر إلّا إليك، ومن الذّلّ إلا لك. وقال أعرابى ذهب بابنه السيل: اللهم إن كنت قد أبليت، فإنك طالما عافيت. وقيل لأعرابى: ما خير العنب؟ قال: ما اخضرّ عوده، وطال عموده، وعظم عنقوده. وقال أعرابى: باكرنا وسمىّ، ثم خلفه ولىّ «١» . فالأرض كأنها وشى منشور، عليه لؤلؤ منثور، ثم أتتنا غيوم جراد، بمناجل حصاد، فاحترثت البلاد، وأهلكت العباد، فسبحان من يهلك القوىّ الأكول، بالضعيف المأكول.
فهذه الفصول متوازية لا زيادة فى بعض أجزائها على بعض، بل فى القليل منها،
[ ٢٦٢ ]
وقليل ذلك مغتفر لا يعتدّ به. فمن ذلك قوله: «فسبحان من يهلك القوىّ الأكول» فيه زيادة على ما بعده وهو حسن.
ومنها أن يكون ألفاظ الجزأين المزدوجين مسجوعة، فيكون الكلام سجعا فى سجع، وهو مثل قول البصير: حتى عاد تعريضك تصريحا، وتمريضك تصحيحا.
فالتعريض والتمريض سجع، والتصريح والتصحيح سجع آخر، فهو سجع فى سجع؛ وهذا الجنس إذا سلم من الاستكراه فهو أحسن وجوه السجع. ومثله قول الصاحب:
لكنه عمد للشوق فأجرى جياده غرّا وقرحا «١»، وأورى زناده قدحا فقدحا. وقوله:
هل من حق الفضل تهضمه شغفا ببلدتك، وتظلمه كلفا بأهل جلدتك. وقوله:
وقد كتبت إلى فلان ما يوجز الطريق إلى تخلية نفسه، وينجز وعد الثقة فى فك حبسه؛ فهذان الوجهان من أعلى مراتب الازدواج والسجع.
والذى هو دونهما: أن تكون الأجزاء متعادلة، وتكون الفواصل على أحرف متقاربة المخارج إذا لم يمكن أن تكون من جنس واحد، كقول بعض الكتّاب:
إذا كنت لا تؤتى من نقص كرم، وكنت لا أوتى من ضعف سبب؛ فكيف أخاف منك خيبة أمل، أو عدولا عن اغتفار زلل، أو فتورا عن لمّ شعث، أو قصورا عن إصلاح خلل. فهذا الكلام جيّد التوازن ولو كان بدل «ضعف سبب» كلمة آخرها ميم ليكون مضاهيا لقوله: «نقص كرم» لكان أجود؛ وكذلك القول فيما بعده.
والذى ينبغى أن يستعمل فى هذا الباب ولا بدّ منه هو الازدواج، فإن أمكن أن يكون كل فاصلتين على حرف واحد، أو ثلاث، أو أربع لا يتجاوز ذلك كان أحسن؛ فإن جاوز ذلك نسب إلى التكلف. وإن أمكن أيضا أن تكون الأجزاء متوازنة كان أجمل، وإن لم يكن ذلك فينبغى أن يكون الجزء الأخير أطول، على أنه
[ ٢٦٣ ]
قد جاء فى كثير من ازدواج الفصحاء ما كان الجزء الأخير منه أقصر، حتى جاء فى كلام النبى ﷺ منه شىء كثير. كقوله للأنصار يفضّلهم على من سواهم: «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلّون عند الطّمع» . وقوله ﷺ: «رحم الله من قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم» . وكقول أعرابى:
فلان صحيح النسب، مستحكم السبب، من أى أقطاره أتيته أتى إليك بحسن مقال، وكرم فعال. وقال آخر من الأعراب: اللهم اجعل خير عملى ما ولى أجلى.
وينبغى أيضا أن تكون الفواصل على زنة واحدة، وإن لم يمكن أن تكون على حرف واحد، فيقع التعادل والتوازن، كقول بعضهم: اصبر على حرّ اللقاء، ومضض النزال، وشدة المصاع «١»، ومداومة المراس. فلو قال: على حرّ الحرب، ومضض المنازلة، لبطل رونق التوازن، وذهب حسن التعادل.
ومن عيوب الازدواج التجميع؛ وهو أن تكون فاصلة الجزء الأول بعيدة المشاكلة لفاصلة الجزء الثانى؛ مثل ما ذكر قدامة: أن كاتبا كتب: وصل كتابك فوصل به ما يستعبد الحرّ، وإن كان قديم العبودية، ويستغرق الشكر، وإن كان سالف ودك لم يبق منه شيئا؛ فالعبودية بعيدة عن مشاكلة منه.
ومن عيوبه التطويل؛ وهو أن تجىء بالجزء الأول طويلا، فتحتاج إلى إطالة الثانى ضرورة، مثل ما ذكر قدامة: أن كاتبا كتب فى تعزية: إذا كان للمحزون فى لقاء مثله أكبر الراحة فى العاجل فأطال هذا الجزء وعلم أن الجزء الثانى ينبغى أن يكون طويلا مثل الأول وأطول، فقال: وكان الحزن راتبا إذا رجع إلى الحقائق وغير زائل. فأتى باستكراه، وتكلّف عجيب.
وقد أعجب العرب السجع حتى استعملوه فى منظوم كلامهم، وصار ذلك الجنس
[ ٢٦٤ ]
من الكلام منظوما فى منظوم، وسجعا فى سجع. وهذا مثل قول امرىء القيس «١»:
سليم الشّظى عبل الشّوى شنج النّسا «٢»
وقوله «٣»:
وأوتاده ماذية وعماده ردينية فيها أسنة قعضب «٤»
وقوله «٥»:
فتور القيام قطيع الكلام يفتر عن ذى غروب خصر «٦»
وسمى أهل الصنعة هذا النوع من الشعر المرصّع، وستراه فى موضعه مشروحا مستقصى إن شاء الله تعالى.
[ ٢٦٥ ]
الباب التّاسع فى شرح البديع، وهو خمسة وثلاثون فصلا
الفصل الأول فى الاستعارة والمجاز، الفصل الثانى فى التطبيق، الفصل الثالث فى التجنيس، الفصل الرابع فى المقابلة، الفصل الخامس فى صحة التّقسيم، الفصل السادس فى صحة التفسير، الفصل السابع فى الإشارة، الفصل الثامن فى الأرداف والتوابع، الفصل التاسع فى المماثلة، الفصل العاشر فى الغلوّ، الفصل الحادى عشر فى المبالغة، الفصل الثانى عشر فى الكناية والتعريض، الفصل الثالث عشر فى العكس والتبديل، الفصل الرابع عشر فى التذييل، الفصل الخامس عشر فى الترصيع، الفصل السادس عشر فى الإيغال، الفصل السابع عشر فى الترشيح، الفصل الثامن عشر فى رد الأعجاز على الصدور، الفصل التاسع عشر فى التكميل والتتميم، الفصل العشرون فى الالتفات، الفصل الحادى والعشرون فى الاعتراض، الفصل الثانى والعشرون فى الرجوع، الفصل الثالث والعشرون فى تجاهل العارف، الفصل الرابع والعشرون فى الاستطراد، الفصل الخامس والعشرون فى جمع المؤتلف والمختلف، الفصل السادس والعشرون فى السلب والإيجاب، الفصل السابع والعشرون فى الاستثناء، الفصل الثامن والعشرون فى المذهب الكلامى، الفصل التاسع والعشرون فى التشطير، الفصل الثلاثون فى المحاورة، الفصل الحادى والثلاثون فى الاستشهاد والاحتجاج، الفصل الثانى والثلاثون فى التعطف، الفصل الثالث والثلاثون فى المضاعف، الفصل الرابع والثلاثون فى التطريز، الفصل الخامس والثلاثون فى التلطف.
[ ٢٦٦ ]
فهذه أنواع البديع التى ادّعى من لا رواية له ولا دراية عنده أن المحدثين ابتكروها وأن القدماء لم يعرفوها؛ وذلك لما أراد أن يفخّم أمر المحدثين؛ لأن هذا النوع من الكلام إذا سلم من التكلف، وبرىء من العيوب، كان فى غاية الحسن، ونهاية الجودة.
وقد شرحت فى هذا الكتاب فنونه، وأوضحت طرقه، وردت على ما أورده المتقدمون ستة أنواع: التشطير، والمحاورة، والتطريز، والمضاعف، والاستشهاد، والتلطف. وشذبت على ذلك فضل تشذيب، وهذبته زيادة تهذيب، وبالله أستعين على ما يزلف لديه، ويستدعى الإحسان من عنده وهو تعالى وليه وموليه إن شاء الله.
[ ٢٦٧ ]