قال المؤلف أطال الله بقاءه: زرت المقدس في سنة اثنتين وث [لاثين] (^٢) وخمسمائة، وكان معي من أهله من يعرفني المواضع التي يصلي فيها ويتبرك [بها (^٢)]، فدخل بي إلى بيت جانب قبة الصخرة فيه قناديل وستور، فقال لي: هذا بيت السلسلة. فاستخبرته عن السلسلة فقال لي: هذا بيت كانت فيه على عهد بني إسرائيل سلسلة، إذا كان بين اثنين من بني إسرائيل محاكمة ووجبت اليمين على أحدهما دخلا هذا البيت، فوقفا تحت السلسلة، واستحلف المدّعى عليه، ثم يمد يده
_________________
(١) البيتان في ديوان أسامة ص ١٩١.
(٢) التكملة من خ. وكذا التكملة التالية.
[ ١٩٥ ]
فإن كان صادقا أمسك السلسلة، وإن كان كاذبًا طالت عن يده فلا يصل إليها.
فأودع رجل من بني إسرائيل جوهرًا عند رجل، ثم طلبه منه فقال: أعطيتك إياه.
فقال: تحاكمني إلى السلسلة. فمضى المستودع فأخذ عصًا فشقها وحفر فيها للجوهر وتركه فيها، ثم ألصقها عليه ودهنها، وأخذها في يده ودخل مع خصمه بيت السلسلة فقال للخصم: أمسك عني هذه العصا. فمسكها ثم حلف له أنه سلم الجوهرة إليه ومد يده فأمسك السلسلة ثم عاد أخذ العصا وخرجا، فارتفعت السلسلة من ذلك اليوم.
ولم أر هذا الحديث مسطورًا، وإنما أوردته كما سمعته.
قال المؤلف أطال الله بقاءه: كان عندنا بشيزر رجل زاهد من خيار المسلمين، اسمه جرار (^١)، ﵀، وكان منقطعًا على مسجد على جبل جريجس لا يخرج منه إلا على صلاة الجمعة، وكنت أزوره فيه وأتبرك به. فحدثني بعض من كان يخالطه أنه قال: أردت زيارة الشيخ يس ﵀ - وأظنه كان بمنبج - فخرجت أنا ورفقة لي، وفي نفسي أن أطلب منه عصًا، فلما صرنا بالقرب من منبج ومعنا فضلة من زادنا فتحنا رحم حجارة (^٢) ودفنّها فيه ثم رددنا عليه الحجارة، ودخلنا على الشيخ ﵀ فأقمنا عنده ما أقمنا، ثم ودعناه وعزمنا على المسير، فأحضر لنا زادًا وقال: احملوا هذا فإن زادكم أكله الثعلب. وأحضر عصًا وأخرج من تحت عمامته طاقية (^٣) وقال لي: خذ هذه العصا وهذه الطاقية. فودعنا وانصرفنا وأنا مسرور بالعصا والطاقية، ونحن
_________________
(١) في خ: «حريجس».
(٢) الرجم، بالضم: جمع وجمة، وهي حجارة ضخام مجموعة.
(٣) يراد بالطاقية ضرب من القلانس تدار عليه العمامة، وهي وإن كانت عربية اللفظ فإنها لم تذكر في المعاجم. كأنها منسوبة إلى الطاق، وهو ضرب من الثياب، الطيلسان، أو الأخضر منه. وقد استعمل الفرس هذا اللفظ. وفسره استينجاس في المعجم الفارسي الإنجليزي ٨٠٦ - ٨٠٧ بقوله Afillet'especial ly one worn onder the head - dress أي عصابة تلبس تحت لباس الرأس.
[ ١٩٦ ]
نعجب من قوله عن الزاد. فلما صرنا إلى الموضع الذي فيه الزاد طلبناه فلم نجده، وإذا الوحش قد أكلته، فسرنا ثم افترقنا وركب كل (^١) منا قصده، فوصلت إلى أرض شيزر، وإذا الفرنج قد أغاروا على البلد، وهم منتشرون فيما بيني وبين قصدي، فوقع في نفسي أن أخرجت الطاقية من تحت عمامتي ووضعتها على رأس العصا ومشيت على الطريق، والفرنج عن يميني وشمالي وبين يدي والعصا في يدي وعليها الطاقية، فلا والله ما عارضني منهم أحد، كأن الله ﷾ أعمى أبصارهم عني، فما نالني منهم سوء حتى وصلت إلى مأمني.
قال المؤلف أطال الله بقاءه: ولعل من يقف على هذا الحديث يدفعه ويكذبه. وقد جرى بشيزر ما هو أعجب من هذا، وأنا حاضر نزل الفرنج علينا في بعض السنين، وكان الماء بيننا وبينهم، وهو إذ ذاك زائد لا يمكن خوضه، فما كان لنا إليهم سبيل ولا لهم إلينا، فلما تبينوا ذلك انتشروا في الأرض ودخلوا في البساتين يرعون خيلهم، فجاء نفر منهم إلى بستان على جانب الماء ومعهم خيلهم، فتركوها ترعى في قصيل من البستان (^٢) وناموا، فتجرد رجال من أصحابنا وسبحوا إليهم ومعهم سيوفهم، فقتلوا منهم وجرحوا بعضهم، وانتشر الصياح في الفرنج وهم في خيمهم ففزعوا وجاءوا مثل السيل، كل من ظفروا به قتلوه، وانتهى بعضهم إلى مسجد مما يليهم يعرف بمسجد أبي المجد بن سمية، ونحن نراهم ولا سبيل لنا إليهم، وفي المسجد [رجل (^٣)] يعرف بحسن الزاهد ﵀، واقف يصلي على سطحه وعليه ثياب سود صوفًا، وباب المسجد مفتوح، فجاء الفرنج وترجلوا ودخلوا المسجد، ونحن نقول: الساعة يقتلون الشّيخ.
_________________
(١) خ: «كل رجل».
(٢) القصيل: ما اقتصل واقتطع من الزرع أخضر. ولم يظهر في الأصل إلا «قص». وفي خ: «فصيل»، صوابهما ما أثبت.
(٣) ليس لها موضع في الأصل، وإثباتها من خ كما توقعت في الطبعة الأولى.
[ ١٩٧ ]
فلا والله ما قطع صلاته ولا تحرك من مصلاه، ونحن نظن أنهم يرونه كما نراه، إلا أن الله ﷾ أعمى أبصارهم عنه، وحماه من كيدهم، وخرجوا من المسجد بأجمعهم وانصرفوا، والشيخ ﵀ في مصلاه كما كان. وما العيان كالإخبار والسماع.
قال المؤلف أطال الله بقاءه: حضرت بدمشق وقد وقع بين العميان وبين رجل كان يتولّى وقفهم يعرف بابن البعلبكّيّ خلف، فلقوا فيه صاحب دمشق شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري ﵀ (^١) عدة مرار، فقال للأمير مجاهد الدين بوزان (^٢) بن ما مين: أي مجاهد الدين، بالله (^٣) خلصني منهم، واجمعهم وأحضر نائبهم في الوقف وافصل حالهم. فقال: السمع والطاعة. وقال لي مجاهد الدين: تفضل واحضر معنا. فاجتمعنا في إيوان كبير في دار، وحضر النائب ابن البعلبكي ونائب كان قبله يقال له ابن الفراش، وحضر العميان في نحو من ثلاثمائة رجل، فحملوا أقدمهم (^٤) ودخلوا الإيوان، كل واحد وعصاه معه في يده وضعها إلى جنبه، ثم تجاروا الحديث (^٥)، فكان بعضهم هواه مع النائب الأول ابن الفراش، وبعضهم هواه مع ابن البعلبكي. فتنازعوا وتخاصموا ساعة ولا يتدخل بينهم لعلو أصواتهم وكثرتهم، ثم تواثبوا فارتفع في الإيوان نحو من ثلاثمائة عصا في أيدي عميان (^٦) لا يدرون من يضربون. وعلا الضجيج والصياح حتى ندمت على حضوري. فتلطفنا الأمر حتى سكنت الفتنة بينهم، ومشينا (^٧) أمرهم على ما أرادوا، وما صدّقنا أنهم ينصرفون.
_________________
(١) قتل سنة ٥٣٣ في مؤامرة لجماعة من الأمراء. النجوم الزاهرة.
(٢) رسمت في خ «بزان».
(٣) هذا ما في خ. وفي الأصل: «تاللّه».
(٤) في الأصل: «قدامهم»، وأثبت ما في خ.
(٥) تجاروا في الحديث: جروا في المناظرة والجدال. وفي الأصل: «تحاوروا»، وأثبت ما في خ.
(٦) في الأصل: «العميان»، وأثبت ما في خ.
(٧) في الأصل: «ومشيا» صوابه في خ.
[ ١٩٨ ]