قلت في مدحه:
الفتك نافرة الظبا الهيف واستوطنت في ربعك المألوف
فانعم بناعمة الشبيبة غضة بيضاء ضامية الوشاح رشوف
أبدًا يروق العين في وجناتها وردٌ ولكن ليس بالمقطوف
هي قبلة صلّى لها غزلي كما صلّى ثناي لقبلة المعروف
الماجد الحسن المكارم ملجأ العاني الكريث ونجدة الملهوف
قمر زهت منه البسيطة كلّها بأشعّ من قمر السماء الموفي
الأزهر الغطريف نجل الأزهر الغطريف نجل الأزهر الغطريف
ما راق في صدر النديّ بشاشة إلاّ وراع بهيبة ابن غريف
ومقوّم الآراء ثقّفه النهى وكذا الرماح تقام بالتثقيف
كرمًا يتابع للوفود هباته لم يثن في عذل ولا تعنيف
والجود عند سواه أن يعد الندى ويميت ذاك الوعد بالتسويف
هو غيث مكرمة وبدر مفاخر ومحطّ آمال وأمن مخوف
قولي في هذه المقطوعة:
الأزهر الغطريف نجل الأزهر الغطريف نجل الأزهر الغطريف
اشتمل على التكرار، والتكرار هو إعادة الشيء بنفسه لفائدة، ويأتي على وجوه للتنوية بشأن الممدوح كما في بيتنا هذا، وكما في بيت المتنبّي:
العارض الهتنى ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن ابن العارض الهتن
ومنه إيقاع الجزاء نفس الشرط نحو قولهم: من أدرك الضمان فقد أدرك أي مرعى ليس بعده مرعىً إلى غير ذلك، وإمّا لتقرير المعنى وإمّا لمقارنة تمام الفصل لئلاّ يأتي الكلام متبورًا لطوله، وإمّا ليناط به حكم آخرًا وللترغيب أو للترهيب، والحاصل أنّ الوجوه التي يأتي التكرار لأجلها كثيرة ليس هذا الكتاب موضعًا لضبطها، ولا بأس بذكر بعض الشعر في هذا المقام.
قالت ليلى الأخيلية ترثي توبة الحميري:
لنعم الفتى يا توب كنت إذا التقت صدور العوالي واستشال الأسافل
ونعم الفتى يا توب كنت ولم تكن لتسبق يومًا كنت فيه تجاول
ونعم الفتى يا توب كنت مقدّمًا على الخيل تمضيها ونعم المنازل
ونعم الفتى يا توب كنت لخائف أتاك لكي يحمى ونعم المجامل
ونعم الفتى يا توب جارًا وصاحبًا ونعم الفتى يا توب حين تناضل
لعمري لأنت المرء أبكي لفقده ويكثر تشهيدي له لا أوائل
لعمري لأنت المرؤ أبكي لفقده بجدٍّ ولو لامت عليه العواذل
لعمري لأنت المرؤ أبكي لفقده ولو لام فيه ناقص الرأي جاهل
[ ١٧٠ ]
لعمري لأنت المرؤ أبكي لفقده إذا كثرت بالملحمين التلاتل
أبى لك ذمّ النّاس يا توب كلّما ذكرت أمورٌ محكماتٌ كوامل
أبى لك ذمّ النّاس يا توب كلّما ذكرت سماحٌ حين تأوى الأرامل
فلا يبعدنك الله يا توب إنّما لقيت حمام الموت والموت عاجل
ولا يبعدنك الله يا توب إنّما كذاك المنايا عاجلات وآجل
ولا يبعدنك الله يا توب والتقت عليك الغوادي المدجنات الهواطل
وعن مصعب بن عبد الله الزهري قال: تزوّج عمرو الغساني بنت عمّ للنعمان بن بشير الأنصاري وكلف كلّ واحد منهما بصاحبه، وكان مالك شجاعًا فاشترطت عليه أن لا يقاتل شفقة عليه وصابة به وأنّه غزا حيًّا من لخم وباشر القتال بنفسه فأصابته جراح فقال وهو مثقل:
ألا ليت شعري عن غزال تركته إذا ما أتاه مصرعي كيف يصنع
فلو أنّني كنت المؤخّر بعده لما برحت نفسي عليه تطلّع
ومكث يومًا وليلة ومات من جراحته، فلمّا وصل خبره إلى زوجته بكته سنة ثمّ اعتقل لسانها وامتنعت من الكلام وكثر خطّابها، فقال عمومتها وولاة أمرها: زوّجوها لعلّ لسانها ينطلق فإنّما هي النساء، فزوّجوها بعض ملوك القبائل، فساق إليها ألف بعير، فلمّا كانت الليلة التي أُهديت إليه فيها، قامت على باب القبّة فقالت:
يقول رجال زوّجوها لعلّها تقرّ وترضى بعده بخليل
فأيقنت في النفس التي ليس بعدها رجاء لهم والصدق أفضل قيل
وحدّثني أصحابه أنّ مالكًا أقام ونادى صحبه برحيل
وحدّثني أصحابه أنّ مالكًا ضروب بحدّ السيف غير فلول
وحدّثني أصحابه أنّ مالكًا جواد بما في الرحل غير بخيل
وحدّثني أصحابه أنّ مالكًا خفيف على الجدّات غير ثقيل
ثمّ شهقت شهقة فماتت.
وقال مهلهل ابن ربيعة يرثي أخاه كليبًا:
على أن ليس عدلًا من كليب إذا طرد اليتيم من الجزور
على أن ليس عدلًا من كليب إذا ما ظيم جار المستجير
على أن ليس عدلًا من كليب إذا رجف العضات من الدبور
على أن ليس عدلًا من كليب إذا خرجت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلًا من كليب إذا ما أعلنت نجوى الأُمور
على أن ليس عدلًا من كليب إذا خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلًا من كليب غداة تلاتل الأمر الكبير